«بال زيليري» تكتب فصلاً جديدًا بلغة عقلانية منسوجة بخيوط من ترف

«بال زيليري» تكتب فصلاً جديدًا بلغة عقلانية منسوجة بخيوط من ترف

رئيسها التنفيذي لـ {الشرق الأوسط}: زبوننا ليس طاووسًا أو مهرجًا بل رجل ناجح وأنيق
الجمعة - 29 شوال 1436 هـ - 14 أغسطس 2015 مـ

إنه أول عرض أزياء ضخم تنظمه دار «بال زيليري»، بعد أن هجرت معرض «بيتي أومو» الفلورنسي وانتقلت إلى ميلانو، عاصمة الأناقة الإيطالية في بداية العام الماضي، بهدف أن تعلن للعالم أنها جزء لا يتجزأ من الأناقة الرجالية وعنوان للأناقة الكلاسيكية العصرية.

انتهى العرض، وجلست بين ماورو رافيزا كريجر مدير الدار الفني، وباولو روفييرا رئيسها التنفيذي لأسمع وجهة نظرهما حول الموضة عموما ودار «بال زيليري» خصوصًا. كان اللقاء في غرفة صغيرة لا تتوقف فيها الحركة، بين دخول أشخاص يريدون أن يسلموا عليهما ويهنئوهما، أو فريق العمل الذي يقوم باتصالات هاتفية مع المصورين وغير ذلك.

وطوال هذا الوقت، كان المصمم والرئيس التنفيذي في غاية الانسجام مع الكل، وعندما بدأت المقابلة كان كل واحد منهما يكمل كلام الآخر، وكأنهما ينظمان سيمفونية موسيقية ممتعة، لولا أن رأسي بدأ يصاب بالدوخة وهو يدور صوب كل واحد منهما حتى لا تفلت مني خيوط الحديث. كانت كمن يتابع مباراة تنس مهمة، لا يمل أو ترمش له عين وهو يركز على الضربات المتوالية تباعا، خوفا من أن تفوته واحدة منها، مع فرق أن هذه المباراة كانت تجري في غرفة مقفولة وصغيرة. لحسن الحظ أن باولو روفييرا تنبه إلى الموقف سريعا، وانسحب بهدوء إلى آخر الغرفة ولسان حاله يدعو ماورو بأن ينطلق في الحديث، وكأن هذا الأخير كان يحتاج إلى من يشجعه. فقد كان في حالة انتشاء واضحة بعد نجاح عرضه الأول، الذي كان أرسل رسالة عالمية تعلن بأن «بال زيليري» دخلت مرحلة جديدة من تاريخها وأنها ستكتب فصولا أكثر إثارة وعصرية تضمن لها الاستمرارية، وفي الوقت ذاته ترسخ مكانتها في تصميم الأزياء الرجالية. السبب، كما يعرف الجميع يعود إلى شركة «ميهولا القطرية للاستثمارات»، التي اشترت 65 في المائة، من أسهمها منذ فترة، وتستهدف نقلها إلى العالمية بضخها بكل الإمكانيات المادية والفنية، بما في ذلك المشاركة في البرنامج الرسمي لأسبوع ميلانو من الآن فصاعدا.

وتكمن أهمية عرض الأزياء في أنه يمنح الدار صوتا تثبت من خلاله أنها دخلت مجال الموضة العالمية. من هذا المنطلق، يحتاج إلى بهارات كثيرة، على شرط أن لا تؤثر على «الطبخة» ككل، وتحافظ الأزياء على عناصر الأناقة والجودة واحترام الرجل.

«فالرجل لا يحتاج إلى بدلة جديدة أو قميص آخر ينضم إلى ما تكتنزه خزانته»، حسب قول المصمم ماور رافيزا كريجر، «لكن عروض الأزياء تُغريه بشراء المزيد.. هذه أحوال السوق حاليا وعلينا أن نواكبها».

المثير في ماورو رافيزا كريجر، هدوء أعصابه وتعامله مع الأمور ببساطة شديدة وكأنه لا يحمل على عاتقه مسؤولية إرث دار كبيرة يتوقع منها تحقيق الملايين. حالة النشوة التي تلمسها في حركاته وكلامه لم تكن بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقاها بعد العرض، فهذا أمر مفهوم ومتوقع، لكنها ظهرت عليه حتى قبل العرض. كان يدور بين الحضور في بادرة غير مسبوقة ولافتة، لأن العادة جرت أن يكون المصمم في هذا الوقت خلف الكواليس في حالة متوترة، يعطي تعليماته الأخيرة للعارضات حينا، ويقوم برتوشات نهائية بمساعدة فريقه حينا آخر. وفي كل الحالات يكون مشدود الأعصاب ومسكونا بالقلق لأن جهد شهور سيتلخص في 20 دقيقة يمكن أن ترفعه إلى أعلى أو تنزله إلى الحضيض. ماريو في المقابل، كان يدور في القاعة بين الحضور يجامل هذا، ويضحك مع ذاك، أو يلتقط صورا مع المدونين الذين كان أغلبهم يلبسون بدلات بتوقيعه وكأن الأمر لا يعنيه.

بادرني: «لمَ تستغربين؟ فالعمل على التشكيلة، بالنسبة لي، انتهى منذ أيام، ولن تغير الدقائق الأخيرة من شيء. فقد علمتني التجارب أنه إذا لم نضع نقطة النهاية على أي شيء، فإننا لن نتوقف على الإضافة والتغيير، خصوصا أن العقل لا يتوقف عن العمل.. يجب أن نصل إلى مرحلة اقتناع تام نضع فيها نقطة النهاية هذه».

يمتد الحديث، وتتأكد أنك أمام مصمم واقعي يعرف وظيفته جيدا كما يعرف تغيرات السوق ومتطلباته. مصمم لا نية له أن ينفش ريشه أو يستعرض عضلاته الفنية بقدر ما يريد أن يؤدي وظيفته على أحسن وجه.

لا ينكر أنه يحلم بتحقيق النجاح لكنه لا يتسرعه، قائلا إن عرض الأزياء، بكل إخراجه وموسيقاه والإثارة التي يحققها، ليس هو مقياس النجاح، بل عليه أن ينتظر ستة أشهر، حين تتوفر التشكيلة في المحلات ليعرف النتيجة النهائية «عندئذ فقط يمكننا أن نعرف مدى نجاحها، وذلك من مدى تقبل الزبون لها». إلى أن يحين ذلك الوقت، يكون العمل على تشكيلته المقبلة لخريف وشتاء 2016 قائما على قدم وساق، يصب فيه كل جهده مستندا على إرث الدار من جهة، ويركز على متطلبات العصر من جهة ثانية، من خلال القصات والأقمشة والألوان. فالاستراتيجية التي تتبعها «بال زيليري» عموما وماريو خصوصا هي عدم خض الأسس التي بنيت عليها منذ السبعينات من القرن الماضي، وهذا يعني أن التغييرات التي يضيفها تتم بالتدريج وبهدوء «نحن لا نريد القيام بثورة أو تغيير جلدنا بالكامل بقدر ما نريد التطوير، لأني ما زلت أومن بأن (بال زيليري) يجب أن تتوجه لكل الأجيال».

ولا ينسى ماريو، الذي يتمتع بجسم عارض نحيف، أن يشير إلى أن الرجل العادي لا يتمتع بالضرورة بمقاسات العارضين ولا هو في أعمارهم، لهذا يحرص أن تكون الخطوط العامة واحدة تناسب الكل مع اختلاف في التفاصيل «لأنها من المهم أن تناسب الرجل الحقيقي».

تجدر الإشارة إلى أن عملية التغيير في «بال زيليري» بدأت منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، أولا بانتقالها للعرض في ميلانو، وثانيا بتنعيم البدلات عند الأكتاف مثلا وتحديد الخصور وإدخال ألوان وأقمشة جديدة. لم يكن الأمر سهلا، لأن أغلب الحرفيين يعملون مع الشركة لعقود وتعودوا على أسلوب معين، لكنهم سرعان ما فهموا التوجه الجديد وعانقوه «خصوصا بعد أن اطمأنوا أن التغيير لن يكون جذريا»، حسب قول ماريو «أكدنا لهم أننا لا نريد أن نجري، بل فقط نمشي بخطى واثقة ومتوازنة إلى الأمام من دون أي تنازلات». ثم أضاف وهو ينظر إلى باولو روفييرا بابتسامة لها معنى «هذه كانت أيضًا تعليمات المايسترو».

كانت هذه بمثابة إشارة إلى باولو روفييرا الذي التقط خيط الحديث موافقا ماريو الرأي بأن التغيير يجب أن يتم على نار هادئة لكن أيضًا بجرعات متفاوتة، يجب أن تزيد أحيانا وتقل أحيانا أخرى، مشبها العملية بماراثون «لن تربحه فيما لو اتبعت إيقاعا واحدا ورتيبا طوال الوقت. لا بد من التغيير وإدخال عنصر المفاجأة، وعدم الاكتفاء بإيقاع واحد. نعم سيسرع البعض، ممن يتمتعون بنفس طويل، بينما سيتوقف البعض الآخر لالتقاط أنفاسهم ثم يتابعون مسيرتهم، ومهمتي هي أن أحفزهم على الاستمرار وأقودهم إلى خط النجاح، مثل مايسترو، بإيقاع محسوب ومتناغم».

مثل ماورو رافيزا كريجر، يتمتع باولو روفييرا بنظرة واضحة وواقعية ترتكز على احترام الزبون وعدم تقليد أي ماركات أخرى أو الجري وراء الموضة بشكل أعمى. فهو مقتنع بأن هناك شريحة كبيرة من الرجال، بغض النظر عن أعمارهم أو بيئاتهم وثقافتهم، يريدون أزياء راقية، عصرية وعملية عوض صرعات لا يضاهي جنونها سوى جنون أسعارها.

مقتنع بضرورة كسب الزبون الأوروبي والمحلي أولا، على عكس الكثير من الماركات العالمية، إلى أسواق نامية مثل الصين برفع أسعارها، وكانت النتيجة أنها خسرت الزبون المحلي. رأى روفييرا أن النجاح يبدأ من الداخل ثم يتفرع ويتوسع إلى الخارج ضمن استراتيجية بعيدة المدى، تشمل أيضًا افتتاح محلات قليلة ومحسوبة. فكرته أن بيوت الأزياء التي افتتحت محلات كثيرة في وقت قياسي حققت الربح السريع، لكن سرعان ما تراجعت مبيعاتها وتأثرت، لهذا يؤمن أن زيادة الوعي بالماركة وجمالياتها، إضافة إلى خلق مساحات مريحة تتمتع بديكورات مبتكرة يجد فيها الزبون الراحة عندما يدخلها والسعادة وهو خارج منها محملا بكل ما يحتاجه، من أهم الخطوات التي سيقوم بها، مؤكدا أن «الكيف أهم من الكم».

وطبعا تدخل الأسعار ضمن استراتيجيته بعيدة المدى، مؤكدا أنه لا يريد أن يخرج الزبون من أي محل من محلات «بال زيليري» وهو يشعر بالشك أو عدم الاقتناع التام، بأن ما اشتراه لا يستحق ثمنه، بل «لا بأس أن يردد مع نفسه بأن السعر لم يكن رخيصا، لكن له ما يبرره من ناحية جودة القطعة وجمالها وكونها ستدوم طويلا. أريده أن يقع في حب القطعة ويخرج من المحل وقد عاش تجربة ممتعة من كل الجوانب». ويضيف ضاحكا: «أتمنى أن يشعر شعور قطة حصلت على الكريمة، لأن هذا هو دور الموضة بالنسبة لي: أن تُدخل السعادة على النفس».

تشعر أنه كلما تطرق الحديث إلى الصرعات والأسعار، تزيد حماسته وصراحته في الوقت ذاته، ويتكلم كرجل مهتم بالموضة وليس كرئيس تنفيذي يُقاس نجاحه بالأرباح وأرقام المبيعات. عندما أعلق على هذا الأمر، يجيب مقطبا، بأنه كرجل لا يفهم هوس الموضة الأخير بمفهوم الذكورة والأنوثة والخلط بينهما، سواء في القصات والألوان أو في الأقمشة مثل الدانتيل، «أنا فعلا لا أفهم ذلك.. أنا رجل عملي، لهذا أومن بأنه علينا أن نقدم لزبوننا تصاميم يستمتع بها، سواء قدمناها في العرض أو في المحلات دون أن تتطلب إجراء تعديلات عليها لتخفف من غلوائها. فالفكرة من أي عرض أزياء هي استعراض ما سيجده في المحلات بعد ستة أشهر، وليس خلق صورة غير واقعية لخلق ضجة إعلامية».

يتوقف قليلا ليلتقط أنفاسه ثم يعود ليشدد: «هدفنا ليس إحداث الصدمة من أجل البيع أو التسويق، وبالتالي ليست لدينا أية نية أن نظهر زبوننا بمظهر مهرج، بل العكس نريد أن نبعده عن الاستعراض أو الابتذال». ويتابع وكأنه يحتاج إلى أن يبرر رأيه: «لا تفهميني خطأ، أنا لست ضد الداندية، فهي رائعة على البعض، وأكبر مثال على هذا النجم ديفيد نيفين. لقد كان دانديا أنيقا للغاية ويثير الإعجاب حتى في نفوس من لا يميلون إلى هذا الأسلوب، أما من نراهم في معرض (بيتي أومو) مثلا، يلبسون ألوانا غريبة وقصات أغرب، فليسوا دانديين بهذا المعنى، بل طواويس يتوسلون الانتباه على أمل أن تُلتقط لهم صور ويعيشوا إحساس الشهرة ولو لدقائق».

هذا الرأي هو الذي ترجمه المصمم ماورو رافيزا كريجر في تشكيلة مفعمة بالأناقة العصرية بقصات عصرية لم تفقد بصمات الدار الكلاسيكية التي جعلت اسمها مرادفا للتفصيل الإيطالي، واستقطبت لها زبائن من النخبة لا تريد أن تخسرهم، بقدر ما تريد أن تزيد من قناعتهم بها لكي يورثون حبهم لها لأجيال قادمة.


اختيارات المحرر

فيديو