هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟

تعقيب على مقالة «النقد ما بعد الاستعمار لِم لم يتطور في العالم العربي؟» لسعد البازعي

إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
TT

هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟

إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب

وأنا أقرأ مقالة الناقد السعودي المعروف سعد البازعي، الموسومة «النقد ما بعد الاستعمار لِم لم يتطور في العالم العربي»، المنشورة في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 4/10، وقد حاول فيها أن يفسر سبب أو أسباب عدم تطور هذا النوع من النقد عندنا في العالم العربي، مقارنة مع أجزاء أخرى من العالم الثالث التي عاشت التجربة الاستعمارية، شأن الهند ومناطق واسعة من آسيا أو أفريقيا، أو حتى أميركا اللاتينية، كنت أستعيد ثلاثة مشاهد؛ الأول، في شتاء 2002 ببغداد، وكنت، وقتها، أتأمل مشهد القبور في المقبرة الملكية البريطانية بالعاصمة العراقية، في حين كان رفيقي يتحدث بحماس عن مشهد بغداد المتخيلة بعد استعمارها الجديد، وقد ملأه التفاؤل فصار يسهب في رسم الصور الزاهية لبلاده، بعد أن تتخلص من حاكمها المستبدّ. والثاني، في صيف 2004، وكنت، وقتها، أتأمل مشهد القاهرة الخديوية. الثالث، في بغداد نفسها، وأنا أتأملها من نافذة صغيرة تطل عليها من برجها العالي. في لحظتي الأولى، كنت أسأل نفسي: ماذا ترك البريطانيون ببغداد غير رفات جنودهم؟ فيما بعد، صرت أبحث عن بقايا وآثار التجربة الاستعمارية في العاصمة العراقية، فلا أجد غير مقبرة يقتلها الإهمال! في الثانية، كنت أهيم على وجهي في شوارع القاهرة؛ بحثاً عن صراخات الجنود البريطانيين السكارى، كما تخيلتها عندما قرأت ثلاثية نجيب محفوظ قبل عقدين سابقين. تلك اللحظة الفريدة كنت أستعيدها بتلذذ، وأنا أقاوم مشهد الصحراء القاحلة في طريقي إلى الإسكندرية؛ ذات التجارب العالمية المختلفة عن أية مدينة عربية أو شرق أوسطية، ثمّ وأنا أقرأ ما كتبه إدوارد سعيد عن سيمفونية أوبرا عايدة في «الثقافة والإمبريالية»، وأسأل نفسي: لماذا لم ينتج ملحِّن مصري أوبرا مماثلة لأوبرا فيردي! بعد حين سأفكر بمشهد الدبابات الأميركية وهي تغادر العراق، فلا تخلِّف وراءها سوى الغبار ومدن مدمَّرة!
عنف استعماري أم احتلال عسكري؟
حقاً؛ هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار، كما نظَّر له سعيد، والهنديان غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وهومي بابا، ومَن جاء بعدهم، ولا سيّما مؤلفي الكتاب الشهير الرد بالكتابة، ليكون لدينا، من ثمّ، نقد ما بعد الاستعمار؟ بل قد نتوسع بالسؤال أكثر فنسأل: هل عاش العرب التجربة الاستعمارية نفسها التي عاشتها الهند مثلاً، أم أن الظاهرة الاستعمارية عندنا اقتصر وجودها على كونها محض احتلال عسكري لم يتطور، قط، ليكون استعماراً؟ لماذا هذا السؤال؟ لأنه لا بد للأدب، بكل أجناسه وصنوفه، من واقع يصدر عنه، مهما جنح نحو الفانتازيا والتجريب. لا يشغل الدكتور البازعي نفسه بهذا النوع من الأسئلة؛ فهو ينطلق من حقيقة وجود التجربة الاستعمارية عندنا، وهذا صحيح ولا شك. لكن هل دول وشعوب العالم العربي هي نتاج العنف الاستعماري، كما هي حال المجتمعات التي أنتجت آداب ما بعد الاستعمار؟ هل العراق أو سوريا أو السعودية أو مصر أو غيرها هي نتاج الاستعمار الذي يتحدث عنه فرانس فانون في كتابه المؤسس «معذبو الأرض»، وقد كان شاهداً عليه؟
قد نجزم بأن العالم الحديث هو أحد تجليات التجربة الاستعمارية، والبازعي يذهب إلى جوهر القضية عندما يصف النقد ما بعد الاستعماري بأنه «من الطفرات النقدية الأبرز في الخمسين عاماً الماضية». وهذا الحكم ذو سياق صحيح يستمد مشروعيته من أبرز الفتوحات المعرفية المتحققة على يد مُنظّري هذا الحقل المعرفي الأهم. وربما نكتفي للتدليل على صحة هذه الفكرة بالتذكير بالمحاولة الأهم في العقود الأخيرة، الخاصة بتفسير ظهور الرواية بوصفها ملحمة العصر البرجوازي، وقد صارت لدى إدوارد سعيد مأثرة الاستعمار الكبرى. نتحدث، هنا، عن الربط المعرفي بين ظهور الاستعمار وتوسعه على مستوى العالم كله باستكشاف أراضي ما وراء البحار، وبين ظهور الرواية بشكلها السردي الأول، ثمة طرائق وصياغات وشخصيات، بل سردية كاملة نهضت بالرواية وشكّلتها عبر أيديولوجيا عمدت لفرض الصمت على السكان المحليين. وهذه محاولة ثالثة، ربما، لتفسير ظهور الرواية؛ الفن السردي الأكثر تأثيراً في العصر الاستعماري الحديث، بعد محاولة لوكاتش وميخائيل باختين.
يمكننا أن نستفيض أكثر في إيراد وقائع أخرى تؤكد أهمية هذا النقد، مثلما يمكننا أن نمضي بعيداً في ملاحقة الأصول المنهجية لهذا النقد، كما فعله الدكتور البازعي نفسه، وفي كل الأحوال لن نعثر على «نص» أدبي عربي أصدره كاتب عربي، بلغته الأصلية، أو بلغات المستعمِر مما جرى اعتماده بصفته أصلاً معتمَداً في الدراسات الرئيسة لدى سعيد أو غيره. والسبب أن الكاتب العربي لا يمكنه اختراع نصوصه من العدم؛ فباستثناء الجزائر وفلسطين، اللتين تعرضتا للعنف الاستعماري المباشر والطويل، فإنه يصعب، إن لم نقُل يستحيل، التحدُّث عن أثر مباشر للاستعمار في البلاد العربية الأخرى. حتى الجزائر وفلسطين فإنهما لم تستسلما لقسوة الاستعمار كما فعلت الهند والمناطق الأخرى التي ظهر فيها هذا الأدب؛ إذ في النهاية، ظلت الجزائر وفلسطين بلدين عربين، وثقافتهما إسلامية، ولم تنجح فرنسا وإسرائيل بمحو الثقافة واللغة العربية فيهما، فلا معنى، هنا، بل لا أساس، لمقاومة «ترد» على احتلال عسكري عابر.
هنا السؤال: هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟
لنعدْ لبداية القصة؛ فكي يكون هناك نقد ما بعد الاستعمار، لا بد أن يكون هناك أدب ما بعد الاستعمار. هذا هو الدرس الأول لكل آداب العالم؛ قديمها قبل جديدها؛ إذ لم نسمع أو نقرأ عن «نقد» أو «نظرية أدب» تظهر قبل أن يكون هناك أدب وطني، فهل ظهر لدينا أدب عربي ما بعد استعمار تمثَّل فيه الخصائص التعبيرية والمكانية التي ظهرت في الآداب المماثلة؟
في كتابهم المشترك المعروف بعنوانه الشهير «الرد بالكتابة»، حاول المؤلفون الثلاثة أشكروفت وغريفيث وهلين تيفن أن يستقصوا الخصائص المشتركة الجامعة بين آداب «عالمية» مختلفة يمكن أن تصنَّف تحت صيغة «آداب المستعمرات القديمة»، وهي عندهم: التقويض، «وقد تعني تطوير إمكانيات الرد بالكتابة من قِبل كُتّاب الشعوب المستعمَرة، على المركز الإمبراطوري الاستعماري»، واللغة الاستعمارية المعتمدة في التعليم، والمكان والإزاحة عنه. ربما تكون هذه المسائل هي الأبرز والأكثر تمثيلاً لهذا النوع من الأدب، ولا سيّما في الرواية، فهل لدينا اتجاه رئيس في الأدب العربي تَمثَّل هذه الخصائص؟
يمكننا أن نتحدث عن نصوص أدبية؛ روائية وشعرية، فلسطينية، شأن رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، وروايات إميل حبيبي، ولا سيّما «المتشائل.. الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس»، وهناك شعر كثير لمحمود درويش يمكن أن يُدرَس ويصنَّف ضمن هذا الأدب. ويمكننا، أيضاً، أن نجد نصوصاً لا بأس بعددها ضمن الأدبين الجزائري والمغربي. والمؤكد أن الأدب السوداني هو المنتَج الرائد، وربما الأفضل، في إنتاج هذا النوع من النصوص. نتحدث عن الريادة الناضجة، حقاً، لرواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ إذ من النادر أن نقرأ رواية عربية تمكَّنت من تمثَّل الخصائص الثلاث الرئيسة السابقة في هذا الأدب. وقد أقول إن الرواية السودانية مَنجم لا ينضب، وغير مكتشَف، لرواية ما بعد الاستعمار؛ خلافاً لمعطيات نقدية شائعة تعطي هذه المكانة للرواية العراقية، ولا سيّما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، فنقاد عراقيون وعرب متعدّدون صاروا يعتقدون أن الجنود المحتلين قد جلبوا معهم، في جيوبهم، ربما، هذا النوع من الروايات للعراق. والآن؛ أين هذا النوع من الأدب في تاريخ الرواية المصرية، في «رواية» نجيب محفوظ مثلاً، وهي الأهم والأكثر تمثيلاً للرواية العربية؟
هل ما زلنا في بداية القصة؟ لا أظن، لكننا قد وصلنا إلى السؤال الأهم، هنا؛ وهو: هل حقاً أن النقد العربي لم يتعاظم فيه نقد ما بعد الاستعمار؟ ابتداءً، أنا لا أعرف ما المقصود بالتعاظم؛ هل ينطوي السؤال مثلاً على البحث عن مساهمة فاعلة تتضمن إضافة معرفية حقيقية ينهض به النقد العربي فيما يخص نقد ما بعد الاستعمار؟ لا أدري إذا كان الدكتور البازعي يقصد هذا النوع من التعاظم: بمعنى الإضافة، وهو يعرف أن العرب لم يقدِّموا أية إضافة في أي من اتجاهات النقد العالمي، طيلة القرن العشرين، وأن ما نقله عن الكاتب المصري شكري عياد هو الأصح فيما يخص وضع النقد العربي، وليس هو مجرد تشخيص لحالات النقاد العرب. رغم ذلك فإن هناك تعاظماً عربياً من حيث الاهتمام بهذا النوع من النقد. يكفي أن نُحيل البازعي إلى كتاب «الرسيس والمخاتلة خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر» للدكتور رامي أبو شهاب، وقد حصل على جائزة عربية معروفة، كما أنه يمثل مرحلة سابقة؛ إذ إنه صدر عام 2013، وهذا يعني أن هناك دراساتٍ كثيرة صدرت بعده؛ ليقف على حجم وتوسع هذا النوع من النقد في البلاد العربية، فالكتاب يلاحق ويدرس عشرات الكتب والدراسات التي اختصت بخطاب ما بعد الاستعمار. ويا لَلمفارقة؛ عشرات الكتب تختص بدراسة أضعف النصوص العربية، خلا ما ذُكر هنا!. ولن نتحدَّث أو نذكِّر بآلاف الرسائل والأطاريح الأكاديمية في مختلف الجامعات العربية، من جامعات المملكة العربية السعودية، صعوداً للعراق، وليس انتهاءً بالجامعات المصرية والسورية أو جامعات المغرب العربي؛ هذه الجامعات، ربما لم تعد تدرس غير أدب ونقد ما بعد الاستعمار وتجلياته في الأدب العربي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».