الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الموضة تعود لصوابها وتتخفَف من أسلوب «الماكسيماليزم»

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)
TT

الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)

إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي كان إيذانا بنهاية «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ بالألوان والنقشات المتضاربة. لسنوات نجح هذا الأسلوب في استقطاب شريحة معينة من الزبائن وتحقيق أرباح طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي»، إلا أنه أصاب السوق بالتُخمة في الأخير ما أدى إلى تراجع المبيعات لصالح بيوت أزياء أخرى تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة.

دار «بيربري» عادت إلى جذورها البريطانية لتكتب مرحلة جديدة في تاريخها (خاص)

الفخامة الهادئة... عنوان بدأ يُحدِد مسار الموضة منذ فترة، وحسب ما رأيناه في عروض الأزياء الأخيرة وكذلك أرقام مبيعات بيوت ارتبط اسمها بالكلاسيكية والترف، فإنه الأسلوب القادم. مجموعة «إيرمينغلدو زينيا» التي تخاطب رجلا أنيقا لا يحب استعراض نفسه أو جاهه سجلت أرباحا تفوق الـ1.5 مليار يور في نهاية العام الماضي. ومن بين ما أكدته المجموعة التي تملك، إلى جانب «زينيا»، ثوم براون واستحوذت مؤخرا على «توم فورد» أن قسم التفصيل الراقي، الذي يعتمد على جودة الأقمشة والألوان الحيادية، انتعش بصورة كبيرة في عام 2022 رغم عدم استقرار السوق الصينية. وتُشير المجموعة إلى أن هذا الانتعاش متزايد حيث يتوقع أن يتجاوز الملياري يورو بحلول 2025.

في عرض «إيترو» تنوعت القطع وبقيت بعيدة عن الصرعات (خاص)

رغم أن بيوت أزياء كبيرة لا تزال تعتمد على «اللوغو» لأنها تلمس شريحة معينة من الزبائن المتعطشين للانخراط في نادي الأناقة العالمية، فإن هذا لا يشمل الطبقات الراقية التي تنأى بنفسها عن كل ما يشي بأن ما تلبسه غالٍ أو يخضع لإملاءات الموضة الموسمية. الفخامة بالنسبة لهذه الشريحة تكمن في كل التفاصيل. في التبطين والخامات وطرق نسج الخيوط وغيرها. لهذا هي مستعدة لدفع أكثر من 1000 دولار لقاء كنزة من الكشمير أو2000 دولار لقاء قميص مبتكر، ناهيك عن بدلة رسمية أو شبابية مهما كلَفت.

«فندي» اعتمدت هذا الموسم ألواناً هادئة وقصات مبتكرة (خاص)

هذه الحركة التي تنضوي تحت عنوان الفخامة الهادئة، بدأت تتسلل إلى ساحة الموضة منذ سنوات. جاءت كرد فعل على أسلوب ثقافة الشارع السبور الذي ساد واستقوى خلال جائحة كوفيد وانتشر. وربما يمكن القول بأن بادرة التغيير الفعلي توضَحت إثر إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي. فهذا الأخير رفع شعار «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ وضاج بالألوان والنقشات المتضاربة لسنوات، واستقطب شريحة مهمة من الشباب محققا بذلك أرباحا طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي» و«سان لوران» و«سيلين» وغيرها. لكنه لم يعد مناسبا للوقت الحالي، بعد أن تبيَن أن بيوت الأزياء التي كانت تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة هي التي تخطف القلوب وتصل إلى الجيوب. الدليل أن إيرادات بيوت مثل «بوتيغا فينيتا» و«سان لوران» ارتفعت وإيرادات «غوتشي» تراجعت في عهد أليساندرو. ولأن هذا الأخير ظل متمسِكا بنظرته الفنية ولم يقبل التخفيف من مبالغاتها، كان الفراق هو الحل الوحيد.

السهل الممتنع كما طرحته «لورو بيانا» لربيع وصيف 2023 (خاص)

وسواء كانت أسباب انتعاش هذه الموجة أنها جاءت كرد فعل على أسلوب الماكسيماليزم أو ابتعادا عن موجة «اللوغوهات» التي تغطي الـ«تي - شيرتات» وغيرها، فإن الجميل فيها أنها تتماشى مع مفهوم الاستدامة السائد حاليا. فعُمر قطع تجذب الأنظار ببريقها وبهرجتها قصير، ينتهي بعد موسم واحد، أو بعد استعمالها لمرة واحدة أو اثنتين على الأكثر مقارنة بعُمر قطعة أنيقة وفخمة قد تكون أغلى لكن ثمنها فيها، حيث يمكن استعمالها لعدة مرات ولسنوات. في تصريح لهيذر كامينيتسكي، رئيسة موقع «مايتريزا» في أميركا، فإنها موجة تعكس الوضع الاقتصادي الحالي «فهناك أوقات يكون فيها كل شيء مقبولا وسهلا، لكن اضطراب الوضع الحالي لا يُشجع على ذلك، بقدر ما يُشجع على تبني موضة مضمونة تخفي بين طياتها معاني الترف من دون استعراض أو ابتذال».
اللافت أيضا أن هذا التوجه لا يقتصر على بيوت أزياء عالمية مثل «برونيللو كوتشينيللي» و«لورو بيانا» و«زينيا» و«ذي رو»، بل طال علامات تجارية شعبية مثل «بنانا ريبابليك». هذه الأخيرة مثلا طرحت مؤخرا منتجات من الجلد والكتان والكشمير بألوان حيادية، وتصاميم كلاسيكية تناسب كل زمان ومكان. وكانت النتيجة في صالحها، حيث حصدت ما زرعته أرباحا لا يستهان بها بعد سنوات عجاف.

منذ أكثر من شهرين تقريبا اختُتمت دورة الموضة العالمية لخريف 2023 وشتاء 2024. دورة بدأت في نيويورك وانتهت في باريس بعد أن مرّت على لندن وميلانو. وإذا كان هناك بُد من إعطاء الدورة عنوانا، فسيكون «ترويض الشطحات الجامحة». غابت الألوان والنقشات المتضاربة وحل محلها هدوء تطبعه أناقة راقية مُفصَله بشكل يتجنب كل ما يؤثر على المبيعات، بما في ذلك الجدل. فزمن حرية الإبداع والتعبير الفني من دون قيد أو شرط ولّى بسبب تنامي حركات شبابية جديدة ترفع شعارات طنانة ضد التمييز والظلم بكل أشكاله. حل محلها حذر أثَر على عملية الإبداع وقنّنها. والدليل أن بيوت أزياء حققت الكثير بخضِها المتعارف عليه في السابق، ارتأت هذا العام أن تسلك طريقا مضمونا، تجسَد في الابتعاد عن الصرعات وتبني كل ما هو كلاسيكي ومعاصر. لحسن الحظ، أن هذا الحذر كان في صالح المستهلك والموضة على حد سواء. ما تستشفه طوال أسابيع الموضة الأربعة أن المستهلك لم يعد ينبهر بالتقليعات. يمكن القول أيضا بأنه ملّ من الفرقعات التي كان الغرض الأول منها أن يتم تداولها على شبكات السوشيال ميديا من أجل الحصول على تغطيات مجانية. حتى استعمال مصممي دار «كوبرني» سيباستيان ماير وأرنو فايون هذا الموسم التكنولوجيا بشكل مثير لم يُحقق التأثير المطلوب على عكس محاولاتهما السابقة.
صحيح أن الجانب الترفيهي جزء مهم من أي عرض أزياء، إلا أنه لم يعد يلعب دور البطولة على حساب الأزياء. فزبون اليوم يحن إلى ماضٍ كان فيه عالم الموضة يستلهم من الفن ويقدم تحفا تحاكيه من دون أي تعقيدات. من جهتهم، انتبه صُنَاع الموضة إلى أن جيل زي، قد يحرك مبيعات الصرعات، وربما يتمتع ببلاغة في التعبير عن رغباته وقضاياه، لكن في أرض الواقع، فإن القوة الشرائية الحقيقية ليست بيده وحده، بل بيد جيل الأمهات والجدات. فهن من يتمتعن بثروات لا بأس بها، وهن من يعملن في مناصب متنوعة يحتجن فيها لتغيير أزيائهن وإكسسواراتهن بما يتماشى مع المكان والمناسبات. على الأقل هذا ما قرأناه في كل العواصم العالمية الأربع مؤخرا.
الأجواء في العواصم العالمية:
في نيويورك كانت متفائلة نوعا ما، وفي لندن شابها نوع من الإحباط من الحالة الاقتصادية المزرية مع تمرُد هنا وهناك ذكرنا حينا بالراحلة فيفيان ويستوود التي جعلت قضايا اجتماعية وسياسية ومناخبة قضيتها، وحينا بنوستالجيا إلى الماضي جسدتها محاولات جادة للعودة إلى الجذور. دار «بيربري» كانت مثالا على هذا حيث بدأ المصمم دانييل لي مرحلة جديدة فيها. رموز قديمة غيَبها المصمم الإيطالي السابق ريكاردو تيشي برزت للواجهة مرة أخرى في أول عرض له للدار وسط ترحيب وتهليل الجميع.
في ميلانو كانت الأجواء هادئة وراقية. حتى تنوعها الذي خاطب كل الأذواق كان لذيذا يتراوح بين الوقار والإثارة. لم يعط الانطباع بأنه خضع لإلحاح المُسوقين أو أذعان لـ«ما يطلبه المستهلك».
أسبوع باريس لم يختلف عن سابقيه. هو أيضا توخى الحيطة والحسابات الدقيقة. صور عارضات «ميوميو» مثلا ورغم غرابتها تؤكد شيئا واحدا وهو أن الغرابة لم تطل الأزياء أو الإكسسوارات واقتصرت على الماكياج والشعر المنكوش. المصمم أوليفييه روستينغ الذي يعشق الإثارة ويدين بنجاحه للنجمات، اقتصر عرضه هذه المرة على قلة وفي مكان أصغر من المعتاد. تبريره أنه أراد العودة إلى ما أسسه بيير بالمان، إلا أنه كان بمثابة تمرد ضمني على السوشيال ميديا التي يتقنها جيدا واستعملها بحرفية عالية لحد الآن. في النهاية لا يصح إلا الصحيح حسب تصريحه «فلا بد من العودة إلى الجودة... لكي تفهم المستقبل عليك أن تفهم الماضي لهذا فإن هذه التشكيلة هي احتفاء بالدار التي أعمل فيها».
«الكسندر ماكوين» و«سان لوران» و«ديور» وغيرهم قدموا دروسا قيمة في التفصيل الرجالي وتأنيثه ليدخل خزانة المرأة بسهولة. هذا اللعب على الذكوري والأنثوي كان سمة مشتركة بين عدة بيوت. تجلت في التايورات المفصلة ذات الأكتاف الصارمة، والبنطلونات الواسعة كما في استعمال ربطة العنق التي استعملت بسخاء شديد لم نر له مثيلا من قبل. «فالنتينو» مثلا أطلق على تشكيلته عنوان «بلاك تاي»، وكان هذا الإكسسوار البطل فيها بلا منازع. ظهرت حينا بشكلها التقليدي وحينا آخر كانت بمثابة المشبك الذي يربط منطقة الصدر في فستان من دون رقبة أو أكتاف.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.