الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الموضة تعود لصوابها وتتخفَف من أسلوب «الماكسيماليزم»

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)
TT

الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)

إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي كان إيذانا بنهاية «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ بالألوان والنقشات المتضاربة. لسنوات نجح هذا الأسلوب في استقطاب شريحة معينة من الزبائن وتحقيق أرباح طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي»، إلا أنه أصاب السوق بالتُخمة في الأخير ما أدى إلى تراجع المبيعات لصالح بيوت أزياء أخرى تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة.

دار «بيربري» عادت إلى جذورها البريطانية لتكتب مرحلة جديدة في تاريخها (خاص)

الفخامة الهادئة... عنوان بدأ يُحدِد مسار الموضة منذ فترة، وحسب ما رأيناه في عروض الأزياء الأخيرة وكذلك أرقام مبيعات بيوت ارتبط اسمها بالكلاسيكية والترف، فإنه الأسلوب القادم. مجموعة «إيرمينغلدو زينيا» التي تخاطب رجلا أنيقا لا يحب استعراض نفسه أو جاهه سجلت أرباحا تفوق الـ1.5 مليار يور في نهاية العام الماضي. ومن بين ما أكدته المجموعة التي تملك، إلى جانب «زينيا»، ثوم براون واستحوذت مؤخرا على «توم فورد» أن قسم التفصيل الراقي، الذي يعتمد على جودة الأقمشة والألوان الحيادية، انتعش بصورة كبيرة في عام 2022 رغم عدم استقرار السوق الصينية. وتُشير المجموعة إلى أن هذا الانتعاش متزايد حيث يتوقع أن يتجاوز الملياري يورو بحلول 2025.

في عرض «إيترو» تنوعت القطع وبقيت بعيدة عن الصرعات (خاص)

رغم أن بيوت أزياء كبيرة لا تزال تعتمد على «اللوغو» لأنها تلمس شريحة معينة من الزبائن المتعطشين للانخراط في نادي الأناقة العالمية، فإن هذا لا يشمل الطبقات الراقية التي تنأى بنفسها عن كل ما يشي بأن ما تلبسه غالٍ أو يخضع لإملاءات الموضة الموسمية. الفخامة بالنسبة لهذه الشريحة تكمن في كل التفاصيل. في التبطين والخامات وطرق نسج الخيوط وغيرها. لهذا هي مستعدة لدفع أكثر من 1000 دولار لقاء كنزة من الكشمير أو2000 دولار لقاء قميص مبتكر، ناهيك عن بدلة رسمية أو شبابية مهما كلَفت.

«فندي» اعتمدت هذا الموسم ألواناً هادئة وقصات مبتكرة (خاص)

هذه الحركة التي تنضوي تحت عنوان الفخامة الهادئة، بدأت تتسلل إلى ساحة الموضة منذ سنوات. جاءت كرد فعل على أسلوب ثقافة الشارع السبور الذي ساد واستقوى خلال جائحة كوفيد وانتشر. وربما يمكن القول بأن بادرة التغيير الفعلي توضَحت إثر إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي. فهذا الأخير رفع شعار «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ وضاج بالألوان والنقشات المتضاربة لسنوات، واستقطب شريحة مهمة من الشباب محققا بذلك أرباحا طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي» و«سان لوران» و«سيلين» وغيرها. لكنه لم يعد مناسبا للوقت الحالي، بعد أن تبيَن أن بيوت الأزياء التي كانت تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة هي التي تخطف القلوب وتصل إلى الجيوب. الدليل أن إيرادات بيوت مثل «بوتيغا فينيتا» و«سان لوران» ارتفعت وإيرادات «غوتشي» تراجعت في عهد أليساندرو. ولأن هذا الأخير ظل متمسِكا بنظرته الفنية ولم يقبل التخفيف من مبالغاتها، كان الفراق هو الحل الوحيد.

السهل الممتنع كما طرحته «لورو بيانا» لربيع وصيف 2023 (خاص)

وسواء كانت أسباب انتعاش هذه الموجة أنها جاءت كرد فعل على أسلوب الماكسيماليزم أو ابتعادا عن موجة «اللوغوهات» التي تغطي الـ«تي - شيرتات» وغيرها، فإن الجميل فيها أنها تتماشى مع مفهوم الاستدامة السائد حاليا. فعُمر قطع تجذب الأنظار ببريقها وبهرجتها قصير، ينتهي بعد موسم واحد، أو بعد استعمالها لمرة واحدة أو اثنتين على الأكثر مقارنة بعُمر قطعة أنيقة وفخمة قد تكون أغلى لكن ثمنها فيها، حيث يمكن استعمالها لعدة مرات ولسنوات. في تصريح لهيذر كامينيتسكي، رئيسة موقع «مايتريزا» في أميركا، فإنها موجة تعكس الوضع الاقتصادي الحالي «فهناك أوقات يكون فيها كل شيء مقبولا وسهلا، لكن اضطراب الوضع الحالي لا يُشجع على ذلك، بقدر ما يُشجع على تبني موضة مضمونة تخفي بين طياتها معاني الترف من دون استعراض أو ابتذال».
اللافت أيضا أن هذا التوجه لا يقتصر على بيوت أزياء عالمية مثل «برونيللو كوتشينيللي» و«لورو بيانا» و«زينيا» و«ذي رو»، بل طال علامات تجارية شعبية مثل «بنانا ريبابليك». هذه الأخيرة مثلا طرحت مؤخرا منتجات من الجلد والكتان والكشمير بألوان حيادية، وتصاميم كلاسيكية تناسب كل زمان ومكان. وكانت النتيجة في صالحها، حيث حصدت ما زرعته أرباحا لا يستهان بها بعد سنوات عجاف.

منذ أكثر من شهرين تقريبا اختُتمت دورة الموضة العالمية لخريف 2023 وشتاء 2024. دورة بدأت في نيويورك وانتهت في باريس بعد أن مرّت على لندن وميلانو. وإذا كان هناك بُد من إعطاء الدورة عنوانا، فسيكون «ترويض الشطحات الجامحة». غابت الألوان والنقشات المتضاربة وحل محلها هدوء تطبعه أناقة راقية مُفصَله بشكل يتجنب كل ما يؤثر على المبيعات، بما في ذلك الجدل. فزمن حرية الإبداع والتعبير الفني من دون قيد أو شرط ولّى بسبب تنامي حركات شبابية جديدة ترفع شعارات طنانة ضد التمييز والظلم بكل أشكاله. حل محلها حذر أثَر على عملية الإبداع وقنّنها. والدليل أن بيوت أزياء حققت الكثير بخضِها المتعارف عليه في السابق، ارتأت هذا العام أن تسلك طريقا مضمونا، تجسَد في الابتعاد عن الصرعات وتبني كل ما هو كلاسيكي ومعاصر. لحسن الحظ، أن هذا الحذر كان في صالح المستهلك والموضة على حد سواء. ما تستشفه طوال أسابيع الموضة الأربعة أن المستهلك لم يعد ينبهر بالتقليعات. يمكن القول أيضا بأنه ملّ من الفرقعات التي كان الغرض الأول منها أن يتم تداولها على شبكات السوشيال ميديا من أجل الحصول على تغطيات مجانية. حتى استعمال مصممي دار «كوبرني» سيباستيان ماير وأرنو فايون هذا الموسم التكنولوجيا بشكل مثير لم يُحقق التأثير المطلوب على عكس محاولاتهما السابقة.
صحيح أن الجانب الترفيهي جزء مهم من أي عرض أزياء، إلا أنه لم يعد يلعب دور البطولة على حساب الأزياء. فزبون اليوم يحن إلى ماضٍ كان فيه عالم الموضة يستلهم من الفن ويقدم تحفا تحاكيه من دون أي تعقيدات. من جهتهم، انتبه صُنَاع الموضة إلى أن جيل زي، قد يحرك مبيعات الصرعات، وربما يتمتع ببلاغة في التعبير عن رغباته وقضاياه، لكن في أرض الواقع، فإن القوة الشرائية الحقيقية ليست بيده وحده، بل بيد جيل الأمهات والجدات. فهن من يتمتعن بثروات لا بأس بها، وهن من يعملن في مناصب متنوعة يحتجن فيها لتغيير أزيائهن وإكسسواراتهن بما يتماشى مع المكان والمناسبات. على الأقل هذا ما قرأناه في كل العواصم العالمية الأربع مؤخرا.
الأجواء في العواصم العالمية:
في نيويورك كانت متفائلة نوعا ما، وفي لندن شابها نوع من الإحباط من الحالة الاقتصادية المزرية مع تمرُد هنا وهناك ذكرنا حينا بالراحلة فيفيان ويستوود التي جعلت قضايا اجتماعية وسياسية ومناخبة قضيتها، وحينا بنوستالجيا إلى الماضي جسدتها محاولات جادة للعودة إلى الجذور. دار «بيربري» كانت مثالا على هذا حيث بدأ المصمم دانييل لي مرحلة جديدة فيها. رموز قديمة غيَبها المصمم الإيطالي السابق ريكاردو تيشي برزت للواجهة مرة أخرى في أول عرض له للدار وسط ترحيب وتهليل الجميع.
في ميلانو كانت الأجواء هادئة وراقية. حتى تنوعها الذي خاطب كل الأذواق كان لذيذا يتراوح بين الوقار والإثارة. لم يعط الانطباع بأنه خضع لإلحاح المُسوقين أو أذعان لـ«ما يطلبه المستهلك».
أسبوع باريس لم يختلف عن سابقيه. هو أيضا توخى الحيطة والحسابات الدقيقة. صور عارضات «ميوميو» مثلا ورغم غرابتها تؤكد شيئا واحدا وهو أن الغرابة لم تطل الأزياء أو الإكسسوارات واقتصرت على الماكياج والشعر المنكوش. المصمم أوليفييه روستينغ الذي يعشق الإثارة ويدين بنجاحه للنجمات، اقتصر عرضه هذه المرة على قلة وفي مكان أصغر من المعتاد. تبريره أنه أراد العودة إلى ما أسسه بيير بالمان، إلا أنه كان بمثابة تمرد ضمني على السوشيال ميديا التي يتقنها جيدا واستعملها بحرفية عالية لحد الآن. في النهاية لا يصح إلا الصحيح حسب تصريحه «فلا بد من العودة إلى الجودة... لكي تفهم المستقبل عليك أن تفهم الماضي لهذا فإن هذه التشكيلة هي احتفاء بالدار التي أعمل فيها».
«الكسندر ماكوين» و«سان لوران» و«ديور» وغيرهم قدموا دروسا قيمة في التفصيل الرجالي وتأنيثه ليدخل خزانة المرأة بسهولة. هذا اللعب على الذكوري والأنثوي كان سمة مشتركة بين عدة بيوت. تجلت في التايورات المفصلة ذات الأكتاف الصارمة، والبنطلونات الواسعة كما في استعمال ربطة العنق التي استعملت بسخاء شديد لم نر له مثيلا من قبل. «فالنتينو» مثلا أطلق على تشكيلته عنوان «بلاك تاي»، وكان هذا الإكسسوار البطل فيها بلا منازع. ظهرت حينا بشكلها التقليدي وحينا آخر كانت بمثابة المشبك الذي يربط منطقة الصدر في فستان من دون رقبة أو أكتاف.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.