دونالد ترامب.. مرشح من نوع خاص

المرشح الجمهوري في سباق البيت الأبيض.. ظاهرة تحير علماء السياسة

دونالد ترامب.. مرشح من نوع خاص
TT

دونالد ترامب.. مرشح من نوع خاص

دونالد ترامب.. مرشح من نوع خاص

يوم الأحد الماضي نشرت صحيفة «واشنطن بوست» (العدد الأسبوعي)، وفي عدد واحد ثمانية تقارير عن دونالد ترامب، ملياردير العقارات الذي ترشح لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الجمهوري. هذه عناوين التقارير: «آلام النمو لرجل ظهر فجأة في المقدمة» و«قادة الحزب الجمهوري قلقون من إساءات ترامب، لكنه لا يهتم» و«تاريخ تصرفات ترامب الخرقاء» و«منافسو ترامب ينتقدونه لإساءة المشرفة على المناظرة» و«ما لم يقل ترامب عن إفلاسه، أربع مرات» و«ترامب شاور بيل كلينتون قبل أن يترشح»، و«ترامب: نجحت في العقارات، وسأنجح في السياسة» و«فكاهيات: هل سيشتري ترامب البيت الأبيض؟». وفي مناظرة يوم الأربعاء الماضي، فاز ترامب على بقية المرشحين بفروقات كبيرة.. فمن هو هذا الرجل الذي يقيم الأرض ولا يقعدها في الولايات المتحدة؟

في العام القادم، سيكون عمر ترامب سبعين عاما، قضاها كلها، تقريبا، في بيع وشراء عقارات، منذ أن كان صبيا يزور مكتب والده، الذي كان من كبار مستثمري العقارات في نيويورك. هاجر جده من أبيه إلى أميركا من اسكوتلندا، وهاجر جده من والدته إلى أميركا من ألمانيا. عن هذا كتبت مجلة «تايم»، في سرد لسيرة حياته، أنه جمع بين «تشدد الألمان ومغامرات مرتفعات اسكوتلندا». عندما كان في المدرسة الابتدائية، قدم محاضرات عن أنواع العقارات. وعندما كان في المدرسة الثانوية، كان، فعلا، يبيع ويشترى عقارات (بمساعدة والده). وعندما جاء وقت الدراسة الجامعية، أرسله والده إلى ربما أشهر كلية إدارة الأعمال في الولايات المتحدة.. وارتون (جامعة بنسلفانيا).
في عام 1968 وكان عمره 22 عاما، تخرج بشهادة بكالوريوس في الاقتصاد، وكان عنوان رسالته: «استهداف الطبقة الوسطي في شراء وبيع العقارات». بعد تخرجه، تبع القول بالفعل.
أكمل مشروعا كان بدأه وهو في الجامعة: شراء وتحسين ثم بيع شقق «سويفتون» في سنساتي (ولاية أوهايو). واصطاد عصفورين بحجر واحد: الأول: كتب رسالة البكالوريوس عن المشروع. الثاني: استفاد من الدراسة في تنفيذ المشروع. وهكذا، بدا في طريق جعله واحدا من أشهر ملوك العقارات في أميركا، وفي العالم. حتى صار اسم «ترامب» مطابقا لاسم عقارات ناجحة. بدأ يكرر تجربة شقق «سويفتون» اشتراها بسبعة ملايين دولار، ثم صرف مليون دولار لتحسينها، ثم باعها بعشرة ملايين دولار. عندما اشتراها كانت نسبة الشقق المؤجرة 60 في المائة. وعندما باعها، كانت النسبة 100 في المائة.

صفقات نيويورك
خلال السنوات القليلة التالية، وقبل أن يصل عمره إلى ثلاثين عاما، عقد سلسلة صفقات مع بلدية نيويورك: أولا: اشترى «بن سنترال» (مركز المواصلات في نيويورك) بستين مليون دولار، من دون أي مقدم نقدي. وطوره لتصير قيمته، خلال خمس سنوات، ضعف قيمته الأولى.
ثانيا: اشترى فندق «كومودور» الذي كان أعلن إفلاسه، وحوله إلى فندق «غراند حياة»، واحد من أرقى فنادق نيويورك. ثالثا: في عام 1986 كانت ترميمات شقق «وولمان» استغرقت أربع سنوات أكثر من المدة المقررة. ومن دون دعم مالي من بلدية نيويورك، تبرع ترامب، وأكمل الترميمات، خلال ثلاثة أشهر فقط، وبتكاليف تقل مليون دولار عن ما كانت قررت البلدية. بعد نجاحاته في نيويورك، انطلق إلى مدن أميركية أخرى. ودخل عالم كازينوهات وفنادق القمار. في عام 1988، اشترى كازينو وفندق «تاج محل» من نجم برامج التلفزيون ميرف غريفين.
لكن، عندما دخل دنيا الكازينوهات والقمار. زاد طمعه. وفجأة، في عام 1990 واجهت شركاته إفلاسا شاملا. ولم تستطع إكمال ثالث فنادق وكازينوهات «تاج محل» بقيمة مليار دولار. واضطر لإعلان إفلاس شركاته (وليس إفلاسه هو شخصيا). خلال العشر سنوات التالية، خرج من الكارثة بعد أن ركز على ناطحات السحاب في نيويورك: أولا: «برج ترامب العالمي» السكني، الذي يتكون من 72 طابقا، بالقرب من مبنى الأمم المتحدة. ثانيا: «ترامب بالاس» السكني على نهر هدسون. ثالثا: «فندق ترامب العالمي»، قرب سنترال بارك.

منافسة بلومبيرغ
هكذا، ربط اسمه باسم عقاراته. اليوم، يملك أكثر من خمسين عقارا عملاقا باسمه في الولايات المتحدة، ومثل هذا العدد خارج الولايات المتحدة. منها: فندق «ترامب إنترناشيونال» في هاواي: «برج ترامب» في شيكاغو: «برج ترامب» في فورت لوترديل (ولاية فلوريدا): «كازيون ترامب» في أتلانتيك سيتي (ولاية نيوجيرسي)، الخ..
في بداية هذا العام، قالت مجلة «فوربز» (لرجال الأعمال) إن ثروة ترامب وصلت إلى أربعة مليارات دولار. وقال نفس الشيء تلفزيون «بلومبيرغ» (الذي يملكه مايكل بلومبيرغ، ملياردير الإعلام، وسابقا عمدة نيويورك). لكن، غضب ترامب، وزمجر، وقال إن ثروته ثمانية مليارات دولار، وهي أكثر من ثروة بلومبيرغ. وقال: «يحسدني بلومبيرغ، وجند تلفزيوناته وإذاعاته ليحتقرني». في وقت لاحق، تأكد أن ثروة بلومبيرغ عشرة مليارات دولار (أغنى من ترامب). وأن ثروة ترامب الإجمالية هي، نعم، ثمانية مليارات دولار، لكن، نصفها ديون، مما يخفضها إلى أربعة مليارات دولار.
لكن، يظل ترامب يتفوق على بلومبيرغ، وعلى غيره من المليارديرات الأميركيين، بمزيد من المغامرات. خلال العشر سنوات الماضية، دخل مجالات جديدة: «مطاعم ترامب» و«بوفيهات ترامب» و«آيس كريم ترامب» و«سفريات ترامب» و«إكسسوارات ترامب» و«عطور ترامب» و«ساعات ترامب» و«شيكولاته ترامب» و«فودكا ترامب» و«ويسكي ترامب» و«ستيك ترامب» و«مجلة ترامب» و«إذاعة ترامب» (ربما الأخيرتان لمنافسة عدوه اللدود بلومبيرغ).

الألماني الاسكوتلندي
في العام الماضي أثار ترامب النقد (والإعجاب، وأيضا الغيرة) عندما اشترى نادي غولف «دونبيغ» في آيرلندا، واحدا من أشهر أندية الغولف في العالم. ويراه كثير من الآيرلنديين جزءا من تراثهم التاريخي. (لعنت صحيفة آيرلندية ترامب. ووصفته بأنه «هذا الاسكوتلندي المغامر»).
في الشهر الماضي، عندما انتقد ترامب المهاجرين غير القانونيين من المكسيك، وأساء إليهم، ووصفهم بالكسل، والفساد، واغتصاب النساء، قاطع تلفزيون «إن بي سي» منافسات ملكة جمال العالم، التي كان ينقلها كل عام. ولم يكن كثير من الناس يعرفون أن ترامب هو صاحب شركة منافسات ملكة جمال العالم، وأيضا صاحب شركة منافسات ملكة جمال الولايات المتحدة (اشترى الشركتين عام 1996).
في عام 1983. اشترت ترامب فريق «الجنرالات» (ولاية نيوجيرسي) لكرة القدم. وبعد خمسة أعوام، باعه إلى وولتر دنكان، ملياردير النفط في ولاية أوكلاهوها. وبعد خمسة أعوام أخرى، اشتراه مرة أخرى. وفي كل مرة، زادت أرباحه. وهكذا، يشتري الفاشل، ويحسنه، ويبيعه، ويربح. وهكذا، على خطى والده. لكن، بينما كان الوالد يشترى ويبيع عمارات سكنية يعيش فيها فقراء (مثلا: عمارات سكنية في حي «هارلم» في نيويورك)، صار الابن يشتري ويبيع الفنادق الراقية وكازينوهات القمار.

إساءات
في تقرير عن «إساءات ترامب، خاصة ضد النساء والأنثويات (قادة منظمات مساواة المرأة بالرجل)، قالت صحيفة «واشنطن بوست» إن الإساءات ليست جديدة على ترامب. بل اشتهر بها خلال مناورات، ومساومات، ومراهنات، ومراوغات، شراء وبيع العقارات، فقط، لم يكن الناس يعرفونها إلا عندما ترشيح لرئاسة الجمهورية. وصارت التلفزيونات والصحف ومواقع الإنترنت تتابعه خطوة بخطوة. من بين هذه: أولا: في الشهر الماضي، قال عن المهاجرين غير القانونيين من المكسيك: «صارت الولايات المتحدة مقلب زبالة لمشاكل الدول الأخرى. انتهت هجرة العباقرة والأذكياء إلينا. صارت المكسيك ترسل إلينا أصحاب المشاكل. جاءوا إلينا مع مخدراتهم، وجرائمهم، واغتصاباتهم». وأضاف: «لكن، بعضهم طيبون».
ثانيا: في مناظرة المرشحين من الحزب الجمهوري يوم الأربعاء، شن ترامب هجوما شخصيا على ميغان كيلي، التي اشتركت في تقديم الأسئلة خلال المناظرة. قال إنها تعودت على أن تسأله أسئلة حرجة. وإنها غاضبة عليه، وإن غضبها «يسيل منها كالدم، من فمها، ومن أماكن أخرى (العادة الشهرية؟)..». وفي الحال، احتجت كيلي، واحتج تلفزيون «فوكس» الذي قدم المناظرة، وانتقد ترامب حتى بقية المرشحين الذين اشتركوا معه في المناظرة. يوم الاثنين، في تلفزيون «سي إن إن» قال ترامب: «ليست إساءة الناس من عاداتي». ولم يعترف. ولم يعتذر.

طموحات سياسية
في عام 1997، أصدر ترامب كتاب «ترامب: فن الانتصار بعد الفشل» (بعد أن أعلن إفلاس شركاته أربع مرات). وكتب فيه عن صديقه الرئيس بيل كلينتون: «فشل ثم نجح (في مناصب سياسية في ولاية أركنساس). وها هو الآن رئيس أميركا.. اقدر على أن افعل أكثر ذلك».
كان ذلك ثالث كتاب أصدره، كلها، طبعا، عنه هو، وفيها اسمه في كل عنوان كتاب: «ترامب: فن الصفقات» و«ترامب: الحياة في القمة».
في ذلك الوقت، تحدث ترامب عن طموحاته السياسية. كان يميل نحو الحزب الديمقراطي. لكن، كان كلينتون (وزوجته) يسيطر على المسرح الديمقراطي. لم يكن هذا هو السبب الرئيسي الذي جعله يتحول إلى الحزب الجمهوري. كانت الأسباب الرئيسية هي: أولا: صفقاته، ومناوراته، ومساوماته التجارية، واستغلاله قوانين الضرائب والعقارات.
ثانيا: فلسفة «السوق المفتوحة» التي تطلق عنان الرأسماليين، وتقلل سيطرة الحكومات.
ثالثا: «عادات اجتماعية» تربى عليها.
في أكثر من كتاب، قال إنه «رجل تقليدي»، وانتقد النساء، وانتقد المهاجرين، وانتقد دول العالم الثالث. وها هو، بعد عشرين عاما، يثير المشاكل بسبب ذلك.
كتب عن ثلاث نساء تزوجهن، واحدة بعد الأخرى (على الأقل، فشل مرتين). وعن «طمع النساء» (لجوء زوجات وصديقات سابقات إلى المحاكم للحصول على تعويضات بملايين الدولارات).
في الجانب الآخر، صار واضحا أن النساء لا يرتحن له: في الماضي، بسبب مشاكله الزوجية وغرامياته. وفي الحاضر، خلال الحملة الانتخابية (وإساءة مذيعة التلفزيون كيلي). وأوضح استطلاع نشرت نتيجته في الأسبوع الماضي (قبل إساءة كيلي)، أن النساء يكرهن ترامب بنسبة ضعف كراهية الرجال له.
في الحقيقة، أساء ترامب إلى كيلي بعد أن سألته سؤالا لا يخلو من إساءة: «لماذا تحتقر النساء؟ لماذا تنتقدهن في حسابك في (تويتر)؟ لماذا كتبت في كتبك أنك تحتقرهن؟ لماذا تصف النساء بأنهن كلاب وخنازير سمينة؟ ما هو رأيك فيما قالت هيلاري كلينتون بأنك تقود حربا ضد النساء؟».

إلى أين؟
يوم الاثنين، كتب ليون هادار، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ماريلاند: «تحير علماء السياسة واحدة من مفارقات المعارك الانتخابية الأميركية: يميل أبناء الطبقة الوسطى والدنيا من البيض نحو انتخاب مرشحين جمهوريين لرئاسة أميركا يسعون إلى إضعاف دولة الرفاهية، ويريدون خفض الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية والاقتصادية والحد من سلطة النقابات العمالية».
وأضاف: «يبدو غريبا أن الغالبية العظمى من الناخبين البيض في اثنتين من أفقر الولايات الأميركية، تينيسي وويست فرجينيا، يدعمون المليونير الجمهوري والمرشح المؤيد لقطاع الأعمال، دونالد ترامب. بينما يؤيد الناخبون في أغنى منطقتين في البلاد، بيفرلي هيلز ومقاطعة مارين (لوس أنجليس) باراك أوباما الذي وعد بزيادة الضرائب المفروضة عليهم».
وأضاف هادار: يصف ناقدون ترامب بأنه «مسخرة» أو «مجنون». لكنه يظل يفوز ويفوز: 10 في المائة، 20 في المائة، والآن ما يقرب من 30 في المائة من أصوات الجمهوريين. لهذا، أتوقع أن يصل إلى نهائي المنافسات، رغم أنه وصف مرشحين معارضين له بأن واحدا «غبي»، وواحدا «أبله»، وواحدا «خاسر»، والمذيعة كيلي «دموية»، والمهاجرين المكسيكيين «مغتصبون». وانتقد وسخر من بطل حرب فيتنام، جون ماكين.
وقال هادار: «الحقيقة هي أن كل تنابز جديد يساعده في الحصول على مزيد من الزخم السياسي.. هذا ما يحير علماء السياسة الأميركيين».



عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.


جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
TT

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات العسكرية في فنزويلا وإيران إلى تصدّعات في بنيان حلف شمال الأطلسي «ناتو»، ما يدفع أوروبا نحو استقلالية استراتيجية غير مسبوقة عن الولايات المتحدة، وقد تلعب فيه فرنسا دوراً ريادياً يهدف إلى استعادة السيادة الدفاعية بعيداً عن أولويات البيت الأبيض. كذلك رصّد المراقبون تحوّلاً تدريجياً في الموقف الرسمي الفرنسي، بدأ بمقاربة «حذرة» تجنبت الصدام المباشر مع الحليف الأطلسي الأكبر، حيث اكتفى الرئيس إيمانويل ماكرون في البداية بالترحيب بنهاية «ديكتاتورية مادورو» (في فنزويلا) مع التذكير بضرورة احترام السيادة، إلا أن هذا التحفّظ سرعان ما تبدّد تحت وطأة الضغوط الداخلية.

في ضوء أحدث التطوّرات الأطلسية - ولعل آخرها كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «مؤتمر ميونيخ للأمن» - انتقلت باريس إلى مربع «الحزم المدروس».

هذا ما عكسه تصريح وزير الحكومة سيباستيان ليكورنو أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) قبل فترة عندما وصف التدخل في فنزويلا بأنه «غير قانوني». وهذا بالتوازي مع تحذيرات منسقة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من أن «النموذج الفنزويلي» يمثل سابقة خطيرة قد تشرعن أطماع واشنطن في غرينلاند، الأمر الذي يهدّد السيادة الأوروبية والمصالح الدنماركية في تلك المنطقة الاستراتيجية.

العقيد ميشال غويا، الخبير العسكري البارز، يرى أن هذا التحوّل الفرنسي يعكس «نضجاً استراتيجياً» فرضته تجربة «حرب أوكرانيا»، حيث لم تعُد باريس تقبل بدور «التابع» في استراتيجية أميركية تشتِّت موارد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بين صراعات النفط في أميركا اللاتينية وطموحات تحييد البرنامج النووي الإيراني.

بل إن بعض التقارير ترى أن باريس باتت تقود اليوم حراكاً أوروبياً يهدف إلى «أورَبة» الدفاع وتحقيق الحكم الذاتي الاستراتيجي، معتبرة أن «الانعزالية» الأميركية الجديدة تفرض على أوروبا أن تكون «سيدة قرارها» لتجنب شلّل استراتيجي يلوح في الأفق نتيجة تقلبات القرار في واشنطن.

غرينلاند

تمثل قضية غرينلاند مختبراً خطيراً يجسّد هذه المخاوف، حيث يستغل الرئيس دونالد ترمب إقليماً تابعاً للدنمارك، وهي دولة عضو في «الناتو»، لاختبار حدود التحالف من دون تفجيره. فهو تكلم صراحة عن «الاستحواذ» على الجزيرة «بطريقة أو بأخرى»، مشيراً علناً إلى الخيار العسكري، رغم وجود قواعد أميركية هناك بموجب اتفاقية 1951.

هذا التصعيد الجديد هو وفق العديد من المسؤولين الفرنسيين، يعادل عدواناً من عضو على آخر، وهو ما لا تنصّ عليه المعاهدة، وقد يؤدي إما إلى شلل أو إلى انفجار التحالف. وأيضاً يرى المحلّلون الفرنسيون في ذلك توضيحاً ملموساً لنية «تدمير ناتو من الداخل» باعتبار أن التحالف لا يتفكّك بانسحاب رسمي للولايات المتحدة، بل بأفعال تجعل عمله غير قابل للاستمرار.

ويضيف هؤلاء أن أي مغامرة عسكرية أميركية ضد جزيرة غرينلاند، التابعة لسيادة مملكة الدنمارك، لن تكون مجرّد أزمة دبلوماسية عابرة، بل ستمثل «خطراً وجودياً» يهدد بقاء حلف شمال الأطلسي.

ويذهب بعض الخبراء إلى حد التنبؤ الصريح بـ«موت ناتو» في حال أقدمت واشنطن على ضرب شريك وحليف بدلاً من توفير الحماية له، ما يقلب فلسفة الحلف رأساً على عقب. وفي هذا السياق، يرى ألكسندر تايت، الأستاذ الباحث في «مؤسسة البحوث الاستراتيجية» (FRS)، أن تهديدات الرئيس ترمب تندرج ضمن «حرب نفسية» أو نوع من «التضليل»، لكنه يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في «العجز الأوروبي» وحالة الانقسام القاري أمام حليف تحوّل هو نفسه إلى مصدر خطر.

وفق تايت، فإن «أوروبا لا تملك سوى القليل من أوراق الضغط، وستظل منقسمة لأن دولاً مثل المجر أو بولندا قد أعلنت ولاءها التام للولايات المتحدة». وفي تحليل لافت، وصف تايت الخطاب الأميركي حول التهديدات الروسية والصينية في غرينلاند بأنه خطاب مبالغ فيه. ورأى أن ترمب يعمد إلى «تضخيم» البُعد الاستراتيجي للجزيرة لأغراض تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية، ما يكشف كيف يمكن توظيف حلف «ناتو» وتحويله إلى أداة لخدمة أجندات انتخابية محلية في واشنطن.

انهيار عقيدة «الدفاع الجماعي»

من جهة أخرى، وفي تحليل جيوسياسي معمّق، حذّر خبراء من أنه إذا انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة الضغط اللفظي إلى مرحلة «العمليات العسكرية» ضد غرينلاند، فإن ذلك سيفقد المنظمة - أي «الناتو» - مبرّر وجودها الأخلاقي والقانوني «لأن ميثاق الحلف لم يُصمم أبداً لإدارة صراع يعتدي فيه عضو على عضو آخر». ومع أن البيت الأبيض يؤكد أن «اللجوء إلى الجيش الأميركي يظل خياراً قائماً» بذريعة وجود «حاجة حيوية» لتأمين الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، فإن المحللين يجمعون على أن هذا النهج يضع الحلف أمام الاختبار الأكثر حرجاً وخطورة في تاريخه منذ تأسيسه عام 1949، حيث تترنّح المبادئ أمام لغة القوة والمصالح القومية الضيقة.

تحوّل استراتيجي

هنا يجب التذكير، بأن خبراء فرنسيين اعتبروا التدخل الأميركي في فنزويلا، مطلع يناير (كانون الثاني) 2026، «تحوّلاً استراتيجياً جوهرياً» في سياسة واشنطن الخارجية، وتفعيلاً صريحاً لـ«شرعة مونرو». وحقاً، يضع هذا التوجه الجديد تأمين النصف الغربي من الكرة الأرضية على رأس الأولويات الأميركية، على حساب الالتزامات التاريخية عبر الأطلسي. وفي مقال نشره موقع التحليل السياسي «ديبلو ويب»، كتب الباحثان سيلفان دوميرغ وفيكتوريا فولات أن هذه العملية، بالتزامن مع التقارير الواردة من إدارة ترمب حول تدخل عسكري محتمل في إيران، أدّت إلى سحب هائل للموارد العسكرية الأميركية، من قطع بحرية وطائرات وقوات خاصة، وتوجيهها نحو القارة الأميركية والشرق الأوسط. وحذّر الباحثان، من ثم، من أن هذا التحرّك يقلّص بشكل حاد القدرات المتاحة لـ«ناتو» في شرق أوروبا.من جانبه، نبّه العقيد روبرت هنري بيرغر، في مقال نشرته مجلة «لو غران كونتينان» من التأثير المتسلسل المعروف بـ«تأثير الدومينو»، إذ يرى أن هذا التركيز الأميركي يفرض أجندات إقليمية أحادية الجانب من دون التشاور مع الحلفاء. وهو أمر يُعرّض الحلف لـ«إنهاك استراتيجي» تُضحي فيه واشنطن بالتماسك الجماعي مقابل مكاسب فورية، تتمثل في السيطرة على النفط الفنزويلي، وتحييد البرنامج النووي الإيراني.

تعدد الجبهات واستنزاف القدرات

وفي قراءته للمشهد، أوضح جان ميشيل بلانكيه، الوزير الفرنسي السابق، أن «نشوة ما بعد مادورو» هي التي تغذّي الآن طموحات ترمب تجاه طهران، مع تزايد الكلام عن ضربات محتملة تستهدف «الحرس الثوري» أو المنشآت النووية. ووفق صحيفة «لوموند»، هذه «النشوة» تشكّل معضلة عسكرية وتأتي بينما تحاول واشنطن «الموازنة» بين انسحابها من الشرق الأوسط وتركيزها الجديد على فنزويلا.

في سياق موازٍ، نقلت مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS) عن ضباط فرنسيين قولهم إن «تشتت القوى الأميركية بين مكافحة تهريب المخدرات والسيطرة على النفط في فنزويلا من جانب، ومواجهة (محور المقاومة) في إيران من جانب آخر، أدّى إلى استنزاف القدرات اللوجستية. ومن ثم، حّد من عمليات التناوب العسكري في بحر البلطيق والبحر الأسود، تاركاً (ناتو) في وضع دفاعي هّش أمام تحركات روسية انتهازية».

وضمن السياق ذاته، حذّر الجنرال فنسنت ديبورت، عبر قناة «بوبليك سينا»، من «متلازمة المسارح المتعددّة»، مؤكداً أن الموارد الأميركية المثقلة أصلاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تكافح بصعوبة لدعم هذه الجبهات في وقت واحد، ما يخلق فراغاً استراتيجياً قد تستغله موسكو عبر حروب هجينة في أوكرانيا.

انتقاد لسياسة «المركز والأطراف»

عودة إلى العقيد ميشيل غويا، فقد وصف الخبير العسكري الفرنسي البارز هذا التحول بأنه يشكّل عودة إلى سياسة «المركز والأطراف»، حيث يتحول حلفاء «ناتو» إلى مجرد «توابع» لعمليات أميركية خارج النطاق الأوروبي، ما يضعف مصداقية «المادة الخامسة» للحلف أمام الاستفزازات الروسية.

وبدوره، ربط كلود مونيكيه، مدير معهد «إيريس» للأبحاث الاستراتيجية (IRIS) الفرنسي، بين الملفين الفنزويلي والإيراني، لافتاً إلى أن أي ضربة ضد طهران ستستوجب استنفار الأسطول الخامس الأميركي، وهو ما سيسحب أصولاً عسكرية حيوية من «ناتو».

وبالتالي، حذّر من أن هذا «الكيل بمكيالين» - إذ يُتسامح معه في أميركا اللاتينية ويُدان في روسيا - سيستغله فلاديمير بوتين لتبرير توسّعاته. وفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ، شّدد الأدميرال باتريك شوفاليري على التداعيات «السيبرانية» والفضائية، مؤكداً أن العمليات في فنزويلا وإيران تستنزف قدرات الحرب الإلكترونية الأميركية، ما سيترك أوروبا، المفتقرة للأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة الكافية، في حالة ارتهان وضعف.

سيناريوهات لتفتت حلف «الناتو» إلى ائتلافات إقليمية متباينة

سلاح في يد الخصوم!

كثير من المقالات تطرق أيضاً إلى «شرعية معيارية منهارة»، إذ كل عملية أحادية (اختطاف مادورو، قصف منشآت إيرانية) تمنح موسكو وبكين حجة دامغة إزاء «المعايير المزدوجة» الغربية: «ناتو» يتسامح مع انتهاكات واشنطن لكنه يدين الانتهاكات الروسية، ما يجعل خطابه غير مسموع لدى الجنوب العالمي، حتى أوروبا الشرقية.ومداخلات لخبراء معهد العلاقات الدولية أشارت إلى أن وضعية كهذه قد تضعف التعبئة الأوروبية؛ فكيف ندافع عن «المادة الخامسة» ضد روسيا إذا كانت واشنطن، الحليف الأطلسي الأكبر، تتجاوزها في مكان آخر؟

 

هذا يسرّع الدعوات إلى «ركيزة أوروبية» مستقلة... إذ عندما تنتهك واشنطن سيادة دولة (فنزويلا) أو تفكّر في استخدام القوة ضد إقليم حليف (غرينلاند)، يجد الأوروبيون أنفسهم في استحالة أخلاقية للدفاع عن «القواعد» التي يعارضون بها روسيا، خاصة في أوكرانيا.

وهذا التناقض يجعل من الصعب تعبئة الرأي العام الأوروبي لالتزامات «ناتو» المقدمة كدفاع عن القانون الدولي، لأن هذه الاستراتيجية «الترمبية» تمنح موسكو ذريعة لتصعيد العمليات في أوكرانيا تحت مسمى «المعاملة بالمثل»، مستغلة الانفرادية الأميركية والصمت الأوروبي.

ثم إن هذا الواقع دفع شخصيات من اليسار، مثل جان لوك ميلونشون وفابيان روسيل، لوصف المشهد بـ«الإمبريالية» التي تجبر «ناتو» على مراجعة ذاتية عميقة؛ فهل يواصل الحلف تقبّل قيادة أميركية متقلبة، أم يدفع نحو «أورَبة» الحلف؟

خصوصية باريس

في أي حال، تظل الخصوصية الفرنسية نابعة من إرثها التاريخي الديغولي ومصالحها القومية؛ ففي أفريقيا والمشرق العربي، لا يمكن لباريس القبول بسابقة أميركية تُشرعِن التدخلات العابرة للحدود، خشية أن تستحضر بعض الأصوات «النموذج الفنزويلي» للرد على العمليات الفرنسية (في الساحل أو لبنان).

ومن الناحية الاستراتيجية، تمتلك فرنسا قوة نووية مستقلة ونفوذاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعلها أقل ارتهاناً لـ«المظلة الأميركية» مقارنة بألمانيا. هذا الاستقلال يتيح لها هامشاً للمناورة والانتقاد من دون الخوف من «التخلي الأميركي»، ولا سيما أن الغواصات النووية وحاملة الطائرات «شارل ديغول» تعوض الانكفاء الأميركي في المتوسط.

لكن مع ذلك، أي مواجهة مع إيران ستمس مباشرة مصالح شركة «توتال إنرجي» وطرق إمدادات النفط في مضيق هرمز. واقتصادياً، تثير الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي (1.5 مليون برميل يومياً تحت سيطرة «إكسون»)، ومعها احتمال السيطرة على الحقول الإيرانية، مخاوف من قفزة في الأسعار، ما قد يفاقم فاتورة الطاقة الفرنسية (التي ارتفعت بالفعل بنسبة 20 في المائة بعد أزمة أوكرانيا).

كل هذا يفرض على باريس تسريع تنويع مصادرها من الطاقة، وهو مسار قد يصطدم مجدداً مع توجهات ترمب بشأن العقوبات الثانوية.

 

نحو نهاية «الناتو»... كما نعرفه اليوم؟

> تشير التحليلات الفرنسية إلى أن نموذج «القوة كمنظم» يقوّض «ناتو» من الداخل، ليس بانسحاب رسمي، بل بفقدان التماسك المعياري. إذ كل عملية في أميركا اللاتينية أو تهديد لإيران، أو ضغط على غرينلاند، تطوّر يوسّع الهوة بين الخطاب الأطلسي القائم على القِيَم والممارسة الأميركية القائمة على القوة المجرّدة. ويرى خبراء فرنسيون أن احتمال انسحاب واشنطن من «ناتو» - رغم كونه غير وشيك وسط استفزازات إدارة ترمب في غرينلاند وإيران وكوبا - يفتح الباب أمام سيناريوهات استراتيجية كبرى: يتمثل الأول في بقاء «ناتو مصغّر» تحت قيادة أوروبية، يعاني من فقدان 70 في المائة من القدرات الأميركية الحيوية، أما الثاني فيقوم على «تفتت التحالف» إلى ائتلافات إقليمية متباينة، ما سيترك القارة عرضةً لروسيا متأهبة. وفي المقابل، يطلُّ «سيناريو» متفائل يتمثل في ولادة «اتحاد دفاعي أوروبي» بتمويل ضخم وتنسيق نووي (فرنسي - بريطاني) لحماية ألمانيا وبولندا. وفي هذا المشهد التحّولي، ستلعب فرنسا دور «حجر الزاوية» كقائد عسكري لا غنى عنه، مستندةً إلى «قوة الردع» المستقلة وخبرتها الميدانية الواسعة. ومن المتوقع أن تتولى باريس قيادة الحلفاء الأطلسيين في الجنوب، وتنسيق «قوة مهام قطبية» لمواجهة الأطماع في غرينلاند، فارضةً بذلك رؤيتها «الديغولية» لـ«أوروبا القوية». وتشير تحليلات «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» (FRS) إلى أن هذا الانسحاب المفترض سيُجبر فرنسا على تحمّل 30 في المائة من جهود الحلف. وتحويل «توجّسها» الحالي من التخبّط الأميركي إلى «قيادة أوروبية مستدامة»، كرّسها الرئيس إيمانويل ماكرون في «قمة لاهاي 2025» حين دعا إلى «استقلال استراتيجي لا رجعة فيه».