العراق المنهوب

المالكي.. أحد أكبر المطلوبين للقضاء جماهيريًا

العراق المنهوب
TT

العراق المنهوب

العراق المنهوب

على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية كان العراقيون يتظاهرون. وكانت الحكومات التي توالت على السلطة في البلاد بعد عام 2003، ومنها 8 أعوام شغلها نوري المالكي كرئيس للوزراء، تكتفي بالقول إن حق التظاهر مكفول بموجب الدستور.
الأمر اختلف مرتين.. ففي مظاهرات فبراير (شباط) 2011 حيث لامس الربيع العربي العراق، طلبت حكومة المالكي مهلة مائة يوم للإصلاح الذي لم يتحقق منه شيء. وفي المرة الثانية حين اندلعت مظاهرات المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية اكتفى المالكي بالتفرج عليها، ثم سرعان ما دمغها بأوصاف من بينها أنها مجرد «فقاعة» أو «نتنة». وفي المواسم الانتخابية كان المالكي يحاول استثمارها لصالح دغدغة مشاعر حاضنته المذهبية فيقسمها على طريقة أسامة بن لادن إلى فسطاطين لكن بطريقة الضد النوعي هذه المرة.. يرسم صورة لجيشين متقابلين يطلق على واحد منهما جيش يزيد (عموم المتظاهرين) ويطلق على الجيش الثاني جيش الحسين. بل إن المالكي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين وصف ما حصل في الموصل بأنه ليس مجرد انتكاسة أو خيانة أو مؤامرة مثلما كان يقول، بل قال وأمام جمع جماهيري إن ما حصل كان «ثورة سنية ضد الشيعة».
وكان هناك طوال السنوات الماضية نوع آخر من المظاهرات وهو ما تقوم به بعض الأحزاب والتيارات، لا سيما الدينية منها خصوصا الشيعية، في مناسبات مختلفة، حيث كانت قادرة أول الأمر على تجييش الشارع، ثم سرعان ما بدأ زخمها يتضاءل إلى الحد الذي بدا فيه ناشطون مدنيون قادرين ومن مقهى شعبي في حي الكرادة على التعبئة لمظاهرات كبرى مثل التي حصلت طوال الأسبوعين الماضيين.
ويبدو أن المعادلة انقلبت. وتزامن انقلاب هذه المعادلة مع تشكيل حكومة جديدة، وإن كانت نتاج المحاصصة السياسية والعرقية، لكنها حصلت على دعم داخلي وخارجي من أجل تغيير المعادلة السياسية في العراق، لا سيما أن البلاد انحدرت إلى مهاوي الحرب الأهلية، بالإضافة إلى احتلال ثلاث محافظات منها من قبل تنظيم داعش، فضلا عن الفساد المالي والإداري الذي ترتب عليه النقص الفادح في تقديم الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء على الرغم من إنفاق عشرات مليارات الدولارات عليها منذ عام 2004 وحتى اليوم.
العبادي، الذي ورث هذه التركة الثقيلة من حقبة المالكي، وجد نفسه أمام نوعين من الجهاد في سبيل تغيير هذه المعادلة.. جهاد أصغر، إذا صحت التسمية، يتمثل في محاربة الفساد المالي والإداري والبدء بحزمة إصلاحات هيأت لها المظاهرات الشعبية فضلا عن وقوف المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني معه، وجهاد أكبر يتمثل في الخروج من عنق زجاجة حزب الدعوة الذي لا يزال يتزعمه المالكي والعبادي عضو فيه. لكن حين أقدم العبادي على إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية التي يحتل أحدها المالكي بدت هذه الخطوة وكأنها موجهة ضد الأخير الذي كان يتصور نفسه أنه سيظل خطا أحمر لا يجرؤ العبادي على تخطيه. لكن العبادي تخطاه، وهي الخطوة التي حظيت بتأييد قيادات بارزة في حزب الدعوة نفسه.

بين المطار والادعاء العام
عشية إعلان العبادي نقاطه السبع للإصلاح، أعلن نائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي أنه قرر التوجه إلى الادعاء العام للتحقيق معه في تهم فساد. ومساء يوم إعلان حزمة الإصلاحات تناولت بعض وسائل القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي خبرا بدا لافتا لدلالته قبل أن يكون صحيحا أو مفبركا. الخبر يقول إن سلطات مطار بغداد الدولي منعت المالكي من السفر، وحصلت مشادة بين حماية المطار وحمايته. وبصرف النظر عن أي حيثية تتعلق بمحتوى الخبر فإن دلالته هي الأهم حيث إنه بالنسبة للوعي الجمعي العراقي فإن المالكي هو «أكبر اللاعبين» على صعيد الهدر، بل يقول بهاء الأعرجي لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم المبالغ التي تم إهدارها والبالغة نحو تريليون دولار أميركي كانت خلال حكم المالكي الذي بلغ ثمانية أعوام». ويضيف الأعرجي أن «العراق باع منذ عام 2004 إلى 2014 نفطا بقيمة 800 مليار دولار، يضاف إلى ذلك أنه حصل على معونات ومساعدات مالية بنحو 200 مليار دولار، لكن لم يكن لها نصيب على أرض الواقع من حيث الإنجاز، فضلا عن عدم تقديم حكومتي المالكي حسابات ختامية لمعظم فترة توليه السلطة». ويكشف الأعرجي أن «الحكومة الحالية التي يترأسها العبادي تسلمت ميزانية شبه خاوية ليس فيها سوى ثلاثة مليارات دولار فقط».
مع ذلك فإنه، وطبقا للحراك الشعبي المدني، فإن الشعار الأبرز الذي رفع خلال المظاهرات التي بدأت من محافظة البصرة أقصى الجنوب العراقي منذ نحو شهر كان هو محاربة الفساد. وعنوان هذا الفساد هو عدم تأمين الطاقة الكهربائية للإنسان العراقي على الرغم من إنفاق الحكومات المختلفة أكثر من 50 مليار دولار، بينما لا يتعدى إنتاج الطاقة 11 ألف ميغاواط، علما بأن حاجة العراق الفعلية هي 21 ألف ميغاواط، والمبالغ المصروفة على هذا الملف بإمكانها تجهيز أكثر من هذه الكميات من الطاقة.
التبريرات التي يسوقها مختلف المسؤولين العراقيين بشأن ذلك تتراوح بين الفساد المالي المتمثل في تسلم عمولات ضخمة من شركات قسم كبير منها ليست بالكفاءة المطلوبة، أو فساد إداري يتمثل بعدم اختيار الأشخاص الأكفاء في المواقع المناسبة، وهو ما يتمثل في التعاقد على محطات كهرباء تعمل بالغاز بينما لا يوجد في العراق حتى إنتاج للغاز أو محطات كهرومائية، ولا توجد كميات مناسبة من المياه تغذيها، وهكذا.

أغسطس «اللهاب»
لشهر أغسطس (آب) تسمية في العراق لها دلالتها وهي «آب اللهاب»، أو الذي «يدق المسمار بالباب». وكل سنة في مثل هذا الشهر تضع الحكومة، لا سيما وزارة الكهرباء، أيديها على قلوبها حين تتعدى درجات الحرارة مستويات قياسية يصعب تحملها. لكن ما إن ينتهي شهر أغسطس ويحل شهر سبتمبر (أيلول)، حيث يصبح الجو أكثر اعتدالا، تبدأ ساعات تجهيز الكهرباء بالزيادة، ويبدأ المسؤولون بالحديث عن ساعات تجهيز تتعدى العشرين ساعة كما لو كان هذا الأمر مرتبطا بإنجاز جديد وليس بسبب الطقس.
هذا العام قرر شهر أغسطس النزول إلى الشارع مع العراقيين، حين تخطت درجات الحرارة نصف درجة الغليان (وصلت إلى 53 درجة مئوية). حاولت الحكومة معالجة الأمر أول مرة حين منحت الموظفين عطلة رسمية لأربعة أيام دون جدوى، إذ استمرت درجات الحرارة بالمحافظة على مستوياتها العالية، الأمر الذي أدى إلى اندلاع المظاهرات الكبرى في بغداد، وبمؤازرة المحافظات الوسطى والجنوبية التي شهدت ولأول مرة رفع شعارات وإطلاق هتافات بالضد من رجال الدين وحتى المرجعية. المرجعية وخلال خطب الجمعة انسجمت مع الجمهور الثائر على الرغم من طابعه المدني لا الديني، وراحت تدعم هذا الحراك بقوة إلى الحد الذي ألقت معه الكرة تماما في ملعب رئيس الحكومة حيدر العبادي حين طالبته بأن يكون أكثر جرأة وشجاعة. العبادي من جهته التقط الرسالتين معا.. رسالة الشارع ورسالة المرجعية.. وكلتاهما تحمل تفويضا كاملا له بإجراء ما شاء له من إصلاحات بدءا الفساد العنوان الأكبر والأعرض فيها.
وفي هذا السياق، يقول رجل الدين الشيعي والأكاديمي عبد الحسين الساعدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المرجعية الدينية وجدت نفسها هذه المرة في وضع صعب لأول مرة منذ عام 2003، إذ بدأ الناس يصعدون من مواقفهم ضد الطبقة السياسية مع إشارات بعضها واضح بأن هذه الطبقة إنما جاءت للسلطة تحت غطاء المرجعية، وأن بعضها لا يزال يرى أنه محمي من قبلها، أي المرجعية، وهو ما أعلنت المرجعية وبكل صراحة رفضها له». وأضاف الساعدي أن «المرجعية وطوال السنوات الماضية كانت تدعو إلى الإصلاح ومحاربة الفاسدين، وتشد أحيانا على أيدي الحكومة حين تعمل إجراءات معينة، لكن الأمر اختلف الآن حيث إن سقف ما يريده الحراك الشعبي المدني تعدى حدود التسويات التي يمكن أن تنتهي في منتصف الطريق، لذلك بدا الأمر رفضا للطبقة السياسية بشكل معلن وواضح، ورفضا لتبني المرجعية لها، وهو ما جعل المرجعية وفي آخر خطبة لممثلها في كربلاء تنسجم تماما مع الشارع. ليس هذا فقط، فإن هناك وحسب معلوماتنا جرت اتصالات هاتفية من قبلها بالعبادي منحته الضوء الأخضر على صعيد ما يريد عمله، لا سيما أنه كان يواجه بعض الصعوبات في مناصب بعض كبار المسؤولين الذين يرى الشارع أنهم كانوا هم السبب في الفساد، وفي المقدمة منهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي».

ناقوس الخطر
يكاد يكون العراق هو البلد الوحيد الذي تتعدد فيه الجهات الرقابية التي تبحث في آليات الفساد وآلياته ومستوياته دون أن تتمكن أي من هذه الجهات من تحقيق أي نتيجة مرضية على صعيد حصره أو القضاء عليه. ففي العراق يوجد ديوان الرقابة المالية ولجنة النزاهة البرلمانية، وهيئة النزاهة المستقلة، فضلا عن مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات والمؤسسات، بالإضافة إلى الادعاء العام والقضاء. لكن مع ذلك لم يتم خلال الفترة الماضية حسم أي ملف من ملفات الفساد المفتوحة أصلا والتي أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن إعادة فتحها مجددا في سياق حزمة إصلاحاته التي أعلن عنها والتي جاءت عبر مظاهرات غاضبة حظيت بمباركة المرجعية الشيعية العليا. وعلى سبيل المفارقة فإن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان يتحدث عن إجراءات وسياقات لمحاربة الفساد دون نتيجة ليتحول اليوم إلى واحد من كبار المتهمين والمطلوبين للقضاء جماهيريا مثلما يؤكد الناشطون المدنيون الذين كان لهم دورهم في الحراك الجماهيري.
وفي هذا السياق، يقول السياسي والناشط المدني كاظم المقدادي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «المالكي لم يتفاعل مع إجراءات العبادي، وبدأ يثير المخاوف حولها لجهة إمكانية استغلال المظاهرات أو ما شابه ذلك، بينما الحقيقة أنه يخشى المساءلة في وقت لاحق لأنه هو المسؤول عن حقبة الهدر المالي التي بلغت مئات مليارات الدولارات، وبالتالي فإنه لا بد أن يكون موضع مساءلة بعد إقالته من منصبه».
اللافت للنظر أن الغطاء الذي كان يمنع من بروز «معايب» العملية السياسية يكمن في الغطاء المالي الذي يتمتع به العراق إلى عام 2014. فقبل انخفاض أسعار النفط كانت ميزانية العراق السنوية تزيد على الـ140 مليار دولار. بينما لم يتمكن البرلمان العراقي من التصويت على موازنة عام 2014 لأنه لم تكن هناك أموال يصادق عليها، لذلك بدأ الحديث ولأول مرة عن «إفلاس العراق». ورغم أن العبادي بالقياس إلى سلفه المالكي بدا أكثر شفافية من حيث التعامل مع شركائه السياسيين، فإنه وبعد نحو عشرة شهور من تشكيل حكومته فإن النتيجة لا تزال على مستوى الخدمات دون المستوى المطلوب، وفي المقدمة منها الكهرباء التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الجمل فيما يتصل بالعلاقة بين الطبقة السياسية الحاكمة والشعب، حيث بدأت كرة ثلج المظاهرات تكبر أسبوعا بعد أسبوع في معظم أنحاء البلاد.
وبشأن التباين بين مطالبة الناس بالإصلاح والتغيير بعد أن تأكد لهم فشل نظام المحاصصة الحزبية والطائفية في إمكانية أن يكون قادرا على تقديم خدمة حقيقية للناس، وبين العجز المالي، يقول الخبير الاقتصادي باسم بطرس، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يمر به العراق هو ما تواجهه في العادة الدول الريعية التي تعتمد على اقتصاد وحيد الجانب مثل النفط دون الالتفات إلى ميادين أخرى مثل الزراعة والصناعة والسياحة وسواها، بالإضافة إلى الإدارة العشوائية للاقتصاد». لكن وزير التخطيط الأسبق والعضو الحالي في البرلمان العراقي الدكتور مهدي الحافظ، يرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة السياسية في العراق وصلت إلى مرحلة الخلل البنيوي التي لا يمكن معالجتها دون تغيير جذري في قواعد النظام وآلياته وعلى كل المستويات»، عادا «النظام السياسي الحالي القائم على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية هو بمثابة العقبة الكبيرة أمام أي إصلاحات، وبالتالي فإن عملية التغيير، ومن خلال استثمار زخم الشارع الرافض لهذه المحاصصة، إنما تكمن في تشكيل حكومة تكنوقراط تضع خططا جديدة للعمل وتحارب الفساد في كل مفاصله من خلال الضرب بيد من حديد على الفاسدين، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب حتى لا يكون الحديث عن محاربة الفساد مجرد كلام عام».
الجهة الرقابية المخولة بمحاربة الفساد باسم الشعب هي لجنة النزاهة البرلمانية التي تتحدث كثيرا عن كشفها المزيد من ملفات الفساد، لكن الناشطين في المجال المدني ممن كان لهم دور كبير في التهيئة للمظاهرات يرون أن «النتيجة حتى الآن لم تسفر عن محاسبة أي من حيتان الفساد»، مثلما يقول القيادي في التيار المدني الديمقراطي جاسم الحلفي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، مضيفا أن «المظاهرات الجماهيرية هي ليست فقط جرس إنذار، وإنما هي أبعد من ذلك بكثير، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات فاعلة وسريعة على مستوى إصلاح منظومة الحكم في البلاد باتجاه إنهاء نظام المحاصصة التي هي السبب الرئيسي لما حل بالعراق من كوارث أبرزها الفساد منذ عام 2003 وحتى اليوم».
رئيس لجنة النزاهة في البرلمان طلال الزوبعي يرى من جهته، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأجواء الآن باتت مهيأة فعلا للتوصل إلى حلول حقيقية من أجل اجتثاث ظاهرة الفساد في البلاد»، مضيفا أن «الدعم الشعبي يصب في خدمة عمل اللجنة التي كانت قد واجهت على عهد الحكومة السابقة المزيد من الصعوبات نظرا لعدم تعاون الجهات الحكومية والتنفيذية معها، لكن الأمر اختلف الآن حيث سيتم فتح جميع الملفات التي تشوبها شبهات فساد في الدورة البرلمانية السابقة». ويؤكد الزوبعي أن «اللجنة بدأت تعمل الآن في ضوء خطة واضحة المعالم وخارطة طريق من أجل الوصول إلى كل الملفات وفي كل الدوائر والمؤسسات، من أجل تنظيف البلاد من الفاسدين ومن مافيات الفساد التي نخرت في جسد الدولة والمواطن طوال السنوات الماضية».

الفساد مراتب متقدمة

* لم يعد مستغربا بالنسبة للشارع العراقي أن يجري سنويا تصنيف العراق من قبل المنظمات الدولية المعنية بالفساد المالي في مراتب متقدمة في هذا المجال. فلقد أصبح الفساد غولا من الصعب مواجهته، الأمر الذي حدا بالشعب العراقي وبعد مرور أكثر من عقد من السنين على حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أن يعلن انتفاضته. هذه الانتفاضة التي أجبرت رئيس الوزراء حيدر العبادي على اتخاذ حزمة من الإجراءات التي بدت حازمة. فالفساد المالي والإداري أدى إلى هدر نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار أميركي). وخلق هذا الفساد طبقة سياسية ومعها طبقة طفيلية من تجار ومنتفعين، بينما وسع دائرة الفقر والأمية في البلاد. ففي الوقت الذي أصبح فيه أكثر من 7 ملايين مواطن عراقي تحت خط الفقر، تراجع إنتاج العراق من المحاصيل الزراعية إلى درجات متدنية، بينما شارف إنتاجه الصناعي على الصفر تقريبا، وزادت الحاجة إلى مورد واحد يغطي أكثر من 95 في المائة من ميزانية البلاد وهو النفط.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.