التوازن العسكري بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»

الأول عمره 100 عام والثانية 10 سنوات

مركبات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع» في قرية أبرق شمال غربي الخرطوم في يونيو 2019 (غيتي)
مركبات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع» في قرية أبرق شمال غربي الخرطوم في يونيو 2019 (غيتي)
TT

التوازن العسكري بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»

مركبات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع» في قرية أبرق شمال غربي الخرطوم في يونيو 2019 (غيتي)
مركبات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع» في قرية أبرق شمال غربي الخرطوم في يونيو 2019 (غيتي)

يبلغ عمر الجيش السوداني نحو 100 عام، فيما نشأت قوات «الدعم السريع» في عام 2013، إبان حكم الرئيس المعزول عمر البشير. غير أن هذه القوات بقيادة نائب رئيس المجلس السيادي، الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، نمت بسرعة خلال تلك السنوات القليلة بحيث أصبح البعض يراها جيشاً موازياً في القوة العسكرية للجيش النظامي. ولا يعلم أحد على وجه الدقة عدد وعتاد القوتين العسكريتين، غير أن المعروف أن «الدعم السريع» لا تمتلك قوة جوية، لذا فقد كان تحركها الأول في الصراع الحالي هو محاصرة القاعدة الجوية للجيش في مدينة مروي بشمال السودان، لكي تحيّد سلاح الجوي التابع للجيش من ضرب معسكراتها في حالة وقوع صدام مسلح بين الطرفين.
من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء العسكريين أن الصدام الذي اندلع في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى أمس (السبت)، سيحسمه توازن القوة الأرضية باعتبار أن الصراع داخل المدن. كما يشير هؤلاء إلى أنه ربما يكون الجيش في الموقف الأقوى من حيث الأسلحة والعتاد العسكري، فيما تتميز «الدعم السريع» بأن ولاءها قوي ومباشر لقائدها حميدتي، وذلك في مقابل تيارات وولاءات متباينة داخل الجيش، رغم أن الحديث يدور حول أن الغلبة داخل الجيش للتيار الإسلامي الذي كان مناصراً للرئيس المعزول عمر البشير.
- هيئة التصنيع العسكري
وينتج الجيش معظم احتياجاته العسكرية عن طريق هيئة التصنيع العسكري، بما في ذلك الذخائر بمختلف أحجامها، والمركبات المصفحة والراجمات، بل الطائرات. ونُقل عن قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان أن القوات المسلحة أصبحت تنتج طائرات مسيّرة (درونات) قتالية وتجسسية. كما يتسلح الجيش براجمات الصواريخ ودبابات روسية الصنع بشكل أساسي من طراز «T54»إلى «72T»، إضافة إلى مدرعات «بي تي آر» من 50 إلى 60، ومدرعات أخرى، إلى جانب صواريخ جو - جو من طرازات روسية، إضافة إلى آلاف قطع المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، وطائرات مقاتلة من طراز «ميغ» و«سوخوي»، وعدد من الطائرات السمتية وطائرات الهليكوبتر. ويتراوح عدد الجيش السوداني القتالي بين 100 و150 ألفاً بين جندي وضابط. بيد أن ترتيبه بين جيوش العالم وفقاً لتقرير «غلوبال فاير باور» لعام 2023، تراجع من المركز 73 إلى المركز 75، وإلى المرتبة العاشرة بين الجيوش الأفريقية.
وبينما وصلت العلاقة بين جناحي المكون العسكري، (الجيش وقوات الدعم السريع)، إلى مستوى غير مسبوق من التوتر تجلّى في اندلاع اشتباكات عنيفة وإطلاق كثيف للنار في الخرطوم منذ أمس، اتجهت الأنظار لمقارنة أوجه القوة بين الجانبين. وبحسب تقارير صادرة عن منظمات دولية، يبلغ عدد قوات الجيش في السودان نحو 205 آلاف جندي، بينهم 100 ألف (قوات عاملة)، 50 ألفاً (قوات احتياطية)، 55 ألفاً (قوات شبه عسكرية). فيما تصنف القوات الجوية التابعة للجيش، في المرتبة رقم 47 بين أضخم القوات الجوية في العالم، وتمتلك 191 طائرة حربية تضم 45 مقاتلة، و37 طائرة هجومية، و25 طائرة شحن عسكري ثابتة الأجنحة، و12 طائرة تدريب، وقوات برية تشمل قوة تضم 170 دبابة، وتصنف في المرتبة رقم 69 عالمياً، و6 آلاف و967 مركبة عسكرية تجعله في المرتبة رقم 77 عالمياً، وقوة تضم 20 مدفعاً ذاتي الحركة تجعله في المرتبة رقم 63 عالمياً، وفق ما ذكر موقع «العربية». وقوة تضم مدافع مقطورة 389 مدفعاً، تجعل الجيش السوداني في المرتبة رقم 29 عالمياً، و40 راجمة صواريخ تجعله في المرتبة رقم 54 عالمياً في هذا السلاح.
- الجيش بعد 1989
كذلك يمتلك الجيش أسطولاً حربياً، رغم أنه من غير المتوقع أن يؤثر ذلك في معارك المدن الحالية، يضم 18 وحدة بحرية تجعله في المرتبة رقم 66 عالمياً، بينما تقدر ميزانية دفاعه بنحو 287 مليون دولار، وفقاً لموقع «غلوبال فاير بور». واعتبرته إحصائيات صدرت عام 2021، من أقوى وأكبر الجيوش في القرن الأفريقي.
يرجع تأسيس الجيش السوداني الحديث إلى ما عُرف بـ«قوة دفاع السودان» التي كانت تحت إمرة جيش الاحتلال البريطاني، وبعد استقلال البلاد في 1956، تكون الجيش الوطني بفرقة مشاة وفرقة بحرية وأخرى جوية، تحت اسم «الجيش السوداني». وخاض الجيش السوداني حروباً مديدة ضد القوات المتمردة في جنوب السودان وأقاليم النيل الأزرق وجنوب كردفان، أكسبته خبرة في حروب العصابات، لكنه تعرض لهزات عنيفة عقب استيلاء الإسلاميين على الحكم في البلاد عام 1989 ومحاولتهم «أسلمة الجيش»، وتحويل الحروب من حروب سياسية إلى حروب جهادية. وإزاء ذلك فقد عدداً كبيراً من قادته ذوي الخبرات الكبيرة والتجارب الثرية، بعد محاكمات وإعدامات وإحالات للعمل العام، وإحلال موالين للإسلاميين محلهم.
- «الدعم السريع» قوات حديثة قوية
أما قوات «الدعم السريع»، حديثة التكوين، فقد قدر محللون عدد قواتها بنحو 100 ألف فرد، ولها قواعد متعددة تنتشر في أنحاء البلاد. كما لها مقار وثكنات عسكرية داخل الخرطوم ومدن أخرى بالبلاد، وقد استولت على مقار تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني ومقار تابعة لحزب المؤتمر الوطني المحلول الذي كان يرأسه البشير، كما أنها تنتشر بشكل واضح في إقليم دارفور ومعظم ولايات السودان، إلى جانب مناطق حدودية مع دول الجوار الأفريقي.
وفي حين لا تعرف بالضبط نوعية التسليح والعتاد العسكري لتلك القوات، لكن الاستعراضات العسكرية التي تنظمها بين حين وآخر تظهر امتلاكها مدرعات خفيفة وأعداداً كبيرة من سيارات الدفع الرباعي من طراز «لاندكروز بك آب» مسلحة. وأيضاً تظهر تلك الاستعراضات أنواعاً مختلفة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة. وفي وقت سابق، نفت الدعم السريع شائعات راجت عن حصولها على أنظمة تجسس دقيقة ومسيرات متطورة، واتهمت جهات لم تسمها بالعمل على تشويه صورتها.
وتعد قوات «الدعم السريع» أحد التشكيلات للجيش السوداني، رغم تمتعها باستقلالية كبيرة، وهو ما ساهم في وقوع الصدام الحالي بينها وبين القوات المسلحة. في يوليو (تموز) من عام 2019، تم تعديل قانون قوات الدعم السريع بحذف مادة منه تلغي خضوعها لأحكام قانون القوات المسلحة، وهو ما عزز من استقلاليتها عن الجيش. وتُعرّف قوات الدعم السريع نفسها على أنها «قوات عسكرية قومية»، مشيرة إلى أنها تعمل بموجب «قانون أجازه المجلس الوطني في عام 2017».
- موارد مالية مستقلة
وما يعزز استقلالية الدعم السريع، حصولها على موارد مادية خاصة بها؛ إذ مع تنامي دورها ونفوذها تحدثت تقارير عن سيطرتها على عدة مناجم للذهب، والتي تديرها شركة «الجنيد» المرتبطة بـحميدتي، ناهيك عن حراستها لمناجم في دارفور وكردفان، وفق ما نقلته مؤسسة «كارنيغي».
كما تسيطر قوات الدعم السريع على منجم ذهب في جبل عامر في غرب السودان منذ 2017، إضافة إلى مناجم أخرى في جنوب إقليم كردفان، وهي تعد مصدراً مهماً لتمويل تلك القوات، وجعلها قوة مادية وعسكرية ذات نفوذ واسع في السودان، بحسب تحليل المؤسسة. وكشف أيضاً تحقيق لوكالة «رويترز» للأنباء عن منح الرئيس المخلوع البشير حق التعدين لـقوات «الدعم السريع» في عام 2018.
ومن المفارقات اللافتة أن «الدعم السريع» شيّدت معسكر مثار الصراع في منطقة تسمى «فتنة» قريباً من مطار مروي العسكري، ما اعتبره الجيش السوداني تهديداً مباشراً لقواته المرابطة في القاعدة الجوية، وهو أيضاً ما أزكى حدة التوتر بين القوتين الذي تعود جذوره إلى خلافهما على العملية السياسية الجارية في البلاد.
وجلبت قوات «الدعم السريع» قوات كبيرة إلى «فتنة»، زاعمة التحسب لاحتمالات الغدر بها والاستعانة بالطيران الحربي لضرب قواتها، ولتكون قريبة من الطائرات الحربية التي يتوقع أن يستخدمها الجيش ضدها.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الصحة العالمية»: 64 قتيلاً بهجوم على مستشفى في السودان

أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)
أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)
TT

«الصحة العالمية»: 64 قتيلاً بهجوم على مستشفى في السودان

أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)
أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)

قُتل 64 شخصاً وأصيب العشرات بضربة أصابت مستشفى في السودان، وفق ما أفادت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة السبت.

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان قد أعرب في وقت سابق عن «استيائه الشديد بسبب الهجوم على مستشفى في شرق دارفور أمس، أفيد بأنه أسفر عن مقتل العشرات، بينهم أطفال، وإصابة كثر».

وأفادت مجموعة «محامو الطوارئ» السودانية المعنية بحقوق الإنسان والتي توثّق فظائع الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بأن الضربة نُفّذت «بواسطة طائرات مسيّرة تابعة للجيش» وأصابت مستشفى الضعين التعليمي.


مصر لتسوية مستحقات شركات البترول والغاز بحلول منتصف العام

الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد الشهر الجاري على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد الشهر الجاري على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر لتسوية مستحقات شركات البترول والغاز بحلول منتصف العام

الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد الشهر الجاري على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد الشهر الجاري على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)

عقب توجيه رئاسي لتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج المحلي، تعهدت مصر بتسوية مستحقات شركات الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بحلول منتصف العام الحالي.

ودعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، في مارس (آذار) الحالي إلى «ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية للتحفيز على زيادة الاستكشافات والإنتاج»، وأكد «ضرورة وضع آلية لتطوير أعمال البحث والاستكشاف والتنمية، بما يُسهم في تلبية الاحتياجات المحلية وتقليل الاستيراد».

كما دعا الرئيس المصري، في اجتماع آخر، مطلع الشهر الحالي، إلى تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل «سفن التغييز».

وأكد وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي، السبت، العمل على الانتهاء من تسوية وسداد كافة مستحقات شركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز، بنهاية يونيو (حزيران) من العام الحالي، بالتوازي مع استمرار الالتزام الكامل بسداد الفاتورة الشهرية، تنفيذاً لتكليفات الرئيس السيسي، بما يعزز الثقة ويحفز الاستثمار اللازم لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، ومن ثم تقليل الفاتورة الاستيرادية، مشيراً إلى أن «وزارة البترول عملت على الخفض التدريجي لمستحقات شركاء الاستثمار، من نحو 6.1 مليار دولار في 30 يونيو (حزيران) 2024 إلى نحو 1.3 مليار دولار حالياً، وتم التنسيق اللازم تمهيداً للانتهاء الكامل من تسويتها».

وزير البترول المصري خلال تفقد حقل «غرب مينا» في مصر الشهر الحالي (وزارة البترول)

ووفق إفادة لوزارة البترول، السبت، أوضح الوزير بدوي أن الوزارة أولت منذ النصف الثاني من عام 2024 اهتماماً بالغاً بتنفيذ إجراءات تحفيزية للاستثمار، أسهمت في تقليص المستحقات المتراكمة مع الانتظام في السداد الشهري أولاً بأول، كما عملت بصورة تكاملية مع عدد من وزارات ومؤسسات الدولة، وفي مقدمتها البنك المركزي المصري ووزارة المالية، لمعالجة هذا الملف وخفض المستحقات.

ويقول خبير اقتصاديات النقل في مصر، الدكتور أحمد الشامي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تسوية مستحقات الشركات العالمية يمنح طمأنة لهذه الشركات، ويأتي ضمن إجراءات الدولة المصرية لتخفيف حدة تداعيات الأزمة الجيوسياسية في المنطقة»، مبرزاً أن «أسعار الطاقة تأثرت كثيراً بفعل الحرب الإيرانية».

بخصوص كيفية تسوية مستحقات شركات البترول والغاز من قبل الحكومة، يرجح الشامي أن «تكون هناك صياغة لبعض الاتفاقات السابقة، أو تأجيل لبعض المستحقات».

كان رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قد قال في تصريحات الشهر الحالي إن «الحكومة عملت منذ شهور على وضع خطط استباقية لتأمين ملف الطاقة، وعدم الاكتفاء بسياسة ردّ الفعل، واتخذت إجراءات مهمة لتوفير كل الإمدادات المطلوبة من الغاز والبترول قصد ضمان انتظام الكهرباء والصناعة، حتى في ظل الأزمات العالمية».

وحسب الشامي، فإن «إجراءات الدولة لترشيد استهلاك الطاقة جيدة؛ لكن لا بد من وجود رقابة على الأرض، لأن تخفيض الاستهلاك سوف يوفر من 300 إلى 800 مليون دولار في الشهر (استهلاك غاز وبترول)، نتيجة التعديل في توقيتات استخدام الكهرباء، وتعديلات الإنارة على الطرق وفي الجهات الحكومية»، مضيفاً أن «الحكومة ستحاول استغلال ما توفره في الطاقة، إما بالتصدير من أجل الاستفادة بفرق السعر وتعويض جزء من الفاقد، وحتى لا نصل لسيناريو قطع الكهرباء مثلما حدث في أعوام سابقة». كما يشير إلى أن «الدولة استفادت من التجارب السابقة في مسألة ملف الغاز والطاقة».

جانب من متابعة صيانة وتطوير معامل تكرير البترول في الإسكندرية (وزارة البترول)

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً تطبيق إجراءات «استثنائية» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها التبكير بإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي، ووقف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى ممكن.

من جانبه أشار وزير البترول المصري، السبت، إلى أن استعادة الثقة مع الشركاء شجعت الشركات العالمية العاملة في مصر على توسيع أعمالها خلال السنوات الخمس المقبلة، وتبني الوزارة خطة خمسية بالتعاون مع شركائها لزيادة الاكتشافات والإنتاج.

وأوضح أن شركة «إيني» الإيطالية أعلنت خطة استثمارية بنحو 8 مليارات دولار، و«بي بي» البريطانية بنحو 5 مليارات دولار، و«أركيوس» الإماراتية بنحو ملياري دولار، إلى جانب تعزيز «شل» العالمية لاستثماراتها في البحث عن الغاز وإنتاجه في البحر المتوسط، وكذلك توسع شركة «أباتشي» في استثماراتها لإنتاج الغاز والزيت الخام في الصحراء الغربية.


السيسي في السعودية والبحرين لتأكيد التضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس المصري (واس)
الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس المصري (واس)
TT

السيسي في السعودية والبحرين لتأكيد التضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس المصري (واس)
الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس المصري (واس)

زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، كلاً من المملكة العربية السعودية والبحرين، في إطار جولة خليجية لتأكيد التضامن، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، والدعوة لوقف تهديدات طهران بتعطيل الملاحة في مضيق «هرمز».

وبحث الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس المصري، خلال لقائهما في جدة، السبت، تطورات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها تداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، وانعكاسه على أمن واستقرار المنطقة والعالم، وتنسيق الجهود المبذولة بشأنه، بحسب وكالة الأنباء السعودية «واس».

وأكد الزعيمان أن «تكرار الهجمات الإيرانية العدائية على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واستهداف المنشآت الحيوية والمدنية بها يشكل تصعيداً خطيراً يهدد أمن المنطقة واستقرارها». وجدد السيسي «إدانة مصر للاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة على المملكة ودول المنطقة»، مؤكداً «وقوف مصر وتضامنها مع المملكة ضد أي تهديد لسيادتها وأمنها».

وخلال زيارته للبحرين، عقد السيسي لقاءً مع ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، وشهد اللقاء «بحث التطورات الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار في المنطقة، إلى جانب التطرق إلى الاعتداءات الإيرانية السافرة والمستمرة، التي تستهدف دول المنطقة، وما تمثله من انتهاك لسيادة الدول والقوانين والأعراف الدولية، وتشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين»، بحسب «وكالة الأنباء البحرينية».

وأكد ملك البحرين والرئيس المصري على «ما ورد في قرار مجلس الأمن 2817، الذي أدان بشدة وطالب بالوقف الفوري لجميع الهجمات، التي تشنها إيران على دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، والوقف الفوري دون قيد أو شرط لأي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة، والحق الأصيل لدول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات التي تشنها إيران».

الأمير محمد بن سلمان يبحث مع الرئيس المصري تطورات الأوضاع الإقليمية (واس)

وشدد الزعيمان على «الأهمية القصوى لوقف تهديدات إيران بتعطيل حرية الملاحة في مضيق هرمز، بوصفه ممراً دولياً مهماً لنقل الطاقة والتجارة العالمية»، مؤكدين أن «حماية الممرات البحرية مسؤولية دولية مشتركة، تتطلب تعاون الجميع في المنطقة والعالم».

وأعرب ملك البحرين، وفق ما نشرته «وكالة الأنباء البحرينية»، عن «اعتزازه بالزيارة التي تجسد عمق العلاقات الأخوية الراسخة بين البلدين»، مؤكداً أن مصر «تمثل سنداً أساسياً في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة»، معرباً عن «تقديره العالي لمواقف الدعم المستمرة من مصر في مواجهة التحديات، التي تواجهها مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصةً في ظل العدوان الإيراني المتواصل على أراضي دول المنطقة»، مشيداً بـ«الدور المصري الفاعل في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي».

وكان الرئيس المصري قد قام بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، الخميس الماضي، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد، واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وعدّ عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، الزيارة «استكمالاً لجولة تضامنية ضمت قطر والإمارات من قبل بهدف إرسال رسالة تضامن، ودعم لدول الخليج، ودرء أي محاولات للوقيعة بين مصر والخليج».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة تستهدف بحث سبل مواجهة التصعيد، ومناقشة مقترحات تعزيز آليات العمل العربي المشترك، ومن بينها القوة العربية المشتركة»، مضيفاً أن «الزيارة لها أهداف سياسية، وتأتي في إطار التضامن والتنسيق والتشاور المشترك».

والأربعاء الماضي، دعت الحكومة المصرية إلى وقف «فوري» للسجالات الإعلامية، التي دارت على بعض المنصات خلال الفترة الأخيرة، والتي تناولت العلاقات بين مصر وعدد من الدول العربية بشكل سلبي، وأكدت أن استمرار هذا الخطاب يسيء إلى الروابط التاريخية، ويهدد حالة التماسك بين الشعوب العربية، بحسب بيان مشترك لوزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية، المتمثلة في «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» و«الوطنية للصحافة» و«الوطنية للإعلام».

الأمير محمد بن سلمان خلال استقبال الرئيس السيسي (واس)

وأكد مستشار مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، أن جولة الرئيس السيسي بدول الخليج «تستهدف التأكيد على عمق العلاقات والتحالف الوثيق بين مصر ودول الخليج العربي، والتأكيد على تضامن القاهرة معها في مواجهة أي عدوان».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من بين أهداف الزيارة البحث عن مقاربة جديدة تحفظ أمن الخليج، وتحمي المنطقة من الانزلاق إلى حرب إقليمية ومزيد من التصعيد».

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة، حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

وجاءت جولة السيسي الخليجية بعد جولة مماثلة لوزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأسبوع الماضي، شملت السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج، ورفض الاعتداءات الإيرانية.

في سياق متصل، رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في بيان صحافي، السبت، بزيارات السيسي وعاهل الأردن الملك عبد اللّٰه الثاني لعواصم خليجية خلال الأيام والساعات الأخيرة.

وشدد أبو الغيط على أن «هذه الزيارات تعكس تضامناً عربياً كاملاً على أعلى المستويات مع الدول العربية التي تتعرض لاعتداءات إيرانية آثمة ومدانة»، كما «تجسد الموقف العربي الرافض لهذه الهجمات الغادرة في أجلى صوره ومعانيه، وعلى أعلى المستويات السياسية».

وأكد أبو الغيط أن «الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، وأن التضامن العربي في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، والتنسيق المتواصل والتشاور المستمر بين الدول العربية على جميع المستويات، تعكس جميعها موقفاً موحداً رافضاً أي ذرائع، أو تبريرات لهذه الاعتداءات التي طالت البنية التحتية والمنشآت والأعيان المدنية».