روبوت المحادثة «بارد» يناقش تحديات البيئة العربية

في إطار استخدام الذكاء الصناعي للتعامل مع متغيرات المناخ

شعار «بارد» (رويترز)
شعار «بارد» (رويترز)
TT

روبوت المحادثة «بارد» يناقش تحديات البيئة العربية

شعار «بارد» (رويترز)
شعار «بارد» (رويترز)

مع الاهتمام الكبير الذي رافق إطلاق روبوت المحادثة «شات جي بي تي» (ChatGPT) في نهاية العام الماضي، سارعت شركة «غوغل» إلى إطلاق إصدار تجريبي من روبوت المحادثة الخاص بها باسم «بارد» (Bard). هنا نحاور روبوت «بارد» حول تحديات البيئة في العالم العربي، في محاولة لاستكشاف ما تعلّمه الذكاء الصناعي الخاص بشركة «غوغل»، وتوقعاته حول مستقبل البيئة في المنطقة. وما تقرأونه ليس نتيجة أبحاث مرجعية موثّقة مثل بقية مقالات الصفحة البيئية في «الشرق الأوسط»، بل هو ملخّص لإجابات روبوت «بارد» حين سألناه عن البيئة العربية.
- تحديات المياه وتغيُّر المناخ
يصِف «بارد» نفسه بأنه نموذج لغوي كبير، يُعرف أيضاً باسم الذكاء الصناعي للمحادثة، أو روبوت الدردشة المدرّب ليكون مصدراً شاملاً للمعلومات. ويستطيع «بارد» التواصل وإنشاء نص بصياغة بشرية، كما يمكنه الاستجابة لمجموعة واسعة من الطلبات والأسئلة، مثل تقديم ملخّصات لموضوعات واقعية وابتكار القصص.
وعند سؤال «بارد» عن التحديات البيئية الكبرى التي تواجه العالم العربي، وضَعَ ندرة المياه على رأس قائمة هذه التحديات، حيث تحتوي المنطقة على واحد في المائة فقط من موارد المياه العذبة في العالم. ويُعدّ العالم العربي من أكثر المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي في العالم نتيجة مجموعة من العوامل، مثل قلّة هطول الأمطار، وارتفاع معدلات التبخُّر، والنمو السكاني.

من موقع «غوغل بارد» (أ.ب)

ويتوقع «بارد» أن يكون لتغيُّر المناخ تأثير مدمِّر على اقتصاد المنطقة والزراعة والبنية التحتية، لا سيما أن المنطقة تشهد بالفعل زيادةً في درجات الحرارة، ومزيداً من الظواهر الجويّة المتطرفة، وارتفاعاً في مستوى سطح البحر. كما أن التصحُّر مشكلة رئيسية في العالم العربي، حيث تشير التقديرات إلى أن ثلث أراضي المنطقة معرضة لخطر التصحُّر. ويرتبط التصحُّر بعدد من العوامل، بما فيها تغيُّر المناخ والرعي الجائر وإزالة الأشجار والممارسات الزراعية غير المستدامة.
ويُعدّ تلوُّث الهواء مشكلة رئيسية في العديد من الدول العربية، بسبب انبعاثات المركبات ومحطات الطاقة والأنشطة الصناعية. وغالباً ما تكون إدارة النفايات غير ذات كفاءة في الكثير من المدن العربية، مما يؤدي إلى تراكم النفايات في مدافن القمامة والمكبّات المفتوحة، وتهدد سلامة البيئة وصحة الأشخاص الذين يعيشون في الجوار.
ويقترح «بارد» لمواجهة الندرة المائية في العالم العربي مجموعة من الإجراءات، تشمل تحسين الكفاءة من خلال تبني طرق ري موفِّرة، وإصلاح التسربات في البنية التحتية لتخزين ونقل المياه، وتثقيف الناس حول أهمية الحفاظ على المياه. ورغم كلفتها المرتفعة، يعتبر «بارد» تحلية مياه البحر لجعلها صالحة للشرب أداة قيّمة للمناطق التي تعاني من ندرة المياه. كما أن تدوير المياه، من خلال معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، طريقة مُجدية مالياً للحفاظ على المياه. ويمكن تدوير المياه لاستخدامها في الري والفعاليات الصناعية ولتلبية الحاجات المنزلية.
ويشير «بارد» إلى أن حصاد مياه الأمطار طريقة بسيطة وفعّالة لتجميع المياه في المناطق التي تشهد هطولات منتظمة. ومن المهم إدارة مستجمعات المياه لمنع التلوُّث وضمان توفُّر المياه لجميع الاستخدامات. ويؤكد «بارد» أن هذه الإجراءات وغيرها ضرورية للتغلُّب على ندرة المياه في المستقبل، حيث من المهم العمل الآن على معالجة هذه الأزمة؛ لأن الوضع سيزداد سوءاً في المستقبل.
وحول أفضل نهج عربي لمواجهة تغيُّر المناخ، من دون الإضرار بعوائد صادرات النفط، يقترح «بارد» الاستثمار في الطاقة المتجددة التي تنعم المنطقة بفائض منها، ويمكنها أن تساعد الدول العربية على تلبية احتياجاتها من الطاقة مع تقليل انبعاثات الكربون أيضاً.
ويمكن للدول العربية تحسين كفاءة الطاقة من خلال استخدام أجهزة تستهلك الطاقة على نحو أقل، وتنفيذ أبنية أفضل في عزل الحرارة والإفادة من الإنارة الطبيعية، وتشجيع الناس على حفظ الطاقة. وتساعد الزراعة المستدامة في تحسين إنتاج الغذاء وحماية البيئة من خلال تعزيز الممارسات الخضراء، مثل استخدام كميات أقل من المياه والمبيدات، مما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
وتوجد إجراءات أخرى لتقليل غازات الدفيئة في الجو مثل إعادة التشجير، وتثقيف الناس حول تغيُّر المناخ، والدعوة للعمل الدولي لتطوير وتنفيذ سياسات الحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث يمكن للدول العربية أن تلعب دوراً رائداً في هذا المجال. ويشير «بارد» إلى أنه من المهم اتخاذ إجراءات للتصدي لتغيُّر المناخ والتحديات البيئية الأخرى التي تواجه العالم، ذلك أن هذه التحديات تشكّل تهديداً لسكان المنطقة، وتضع اقتصادها وأمنها على المحك.
- مواجهة التصحُّر وأزمة الغذاء
وعمّا إذا كان هناك تقدم منجز عربياً في مواجهة التصحُّر، لم تكن الإجابة الأولى التي قدمها «بارد» محيطة بكامل السؤال، وإن كانت صحيحة نسبياً. ولذلك اخترنا الإجابة الثالثة، من بين ثلاث إجابات يقترحها «بارد» عن كل سؤال، حيث كانت أكثر شمولاً وثراءً بالمعلومات. ويوجِز «بارد» بأن الدول العربية تحرز تقدماً في مكافحة التصحُّر، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به.
وتعمل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحُّر (UNCCD) مع الدول العربية على تطوير وتنفيذ خطط عمل وطنية لمكافحة التصحُّر. وتشمل هذه الخطط تدابير لتحسين ممارسات إدارة الأراضي، وتعزيز الزراعة المستدامة، وحماية الموارد الطبيعية.
ورغم الإنجازات التي تحققت، تبقى مجموعة من التحديات التي تحتاج إلى معالجة من أجل مكافحة التصحُّر في الدول العربية، من بينها النمو السكاني السريع في المنطقة، وتزايد الطلب على الغذاء والماء، وتغيُّر المناخ، وقلّة الوعي بمسألة التصحُّر.
ويمكن للدول العربية أن تحقق تقدماً كبيراً في مكافحة التصحُّر وحماية مواردها الطبيعية من خلال زيادة الوعي بالتصحّر وآثاره، وتحسين ممارسات إدارة الأراضي، وتعزيز الزراعة المستدامة، وحماية الموارد الطبيعية، والاستثمار في البحث والتطوير، والتعاون مع الدول الأخرى لمكافحة التصحُّر.
وعند سؤال «بارد» عن عدم لحظه أزمة الغذاء والجوع ضمن التحديات البيئية الكبرى التي تواجه العالم العربي، اعتذر «بارد» عن ذلك، مشيراً إلى أنه «ما زال قيد التطوير، ويتعلم أشياء جديدة. وسيبذل قصارى جهده ليكون أكثر شمولاً في إجاباته مستقبلاً». لكنه استجاب لاحتجاجنا بإعطاء معلومات إضافية عن الموضوع؛ إذ أشار إلى أن تغيُّر المناخ يؤدي إلى زيادة مصاعب الزراعة في أجزاء كثيرة من المنطقة، مما يتسبب بالجوع وانعدام الأمن الغذائي. كما يساهم الصراع وعدم الاستقرار في بعض أجزاء العالم العربي في انعدام الأمن الغذائي. ويمكن القيام بعدد من المبادرات لمواجهة تحدي الغذاء وإطعام الجياع، من بينها الاستثمار في الزراعة من خلال تزويد المزارعين بالمستلزمات الضرورية مثل البذور والأسمدة ومياه الري.
وإلى جانب الزراعة المستدامة، يمكن للدول العربية توفير مزيد من الطعام عبر تقليل الهدر بتحسين تخزين الأغذية والبنية التحتية للنقل، وتثقيف الناس حول أهمية عدم إهدار الطعام. ويقترح «بارد» أن تقوم الدول العربية بتقديم مساعدات غذائية للأشخاص الذين يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الغذائية، وذلك عبر برامج متنوعة مثل قسائم الطعام والوجبات المدرسية وبنوك الطعام. ويخلص إلى أن أزمة الغذاء والجوع في المنطقة تمثّل تحدياً معقداً تجب مواجهته، فشعوب العالم العربي تستحق الحصول على طعام آمن ومغذٍّ.
وعلى الرغم من اللغة «الدبلوماسية» التي يتحلّى بها روبوت المحادثة «بارد»، لا يمكن إنكار أن مجمل المعلومات التي عرضها كانت دقيقة وشاملة. ويمكن اعتبار هذا الروبوت داعماً لنظم الذكاء الصناعي التي تساعد في حماية البيئة من خلال مراقبة التغيُّرات البيئية والتنبؤ بها، كما في حالة تتبع إزالة الغابات، وتحديد مناطق التلوُّث، وتوقع آثار تغيُّر المناخ.
وتعمل العديد من المؤسسات والشركات حول العالم على تطوير أنظمتها الخاصة باستخدام خوارزميات التعلُّم الآلي التي تقوم على جمع البيانات وتحضيرها ونمذجة إجراءات التنبؤات الدقيقة. وفيما يمثّل الذكاء الصناعي أداةً قويّةً لحل مجموعة متنوعة من المشكلات، تبقى صحة المعطيات ودقّتها العامل الأهم في الوصول إلى توقُّعات سليمة وغير متحيزة. فمحركات الذكاء الصناعي هذه لا تعمل من عدم، بل هي مبرمجة لجمع معلومات عن الموضوع المطروح من ملايين المصادر بلغات متعددة، وتنسيقها على نحو منطقي متناسق. لذا تُبنى صدقيتها على قدرة الاختيار من مصادر موثوقة والحكم على دقّتها. وقد أمكننا ربط معظم المعلومات التي أعطاها «بارد» عن البيئة العربية بتقارير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) التي تصدر سنوياً بالعربية والإنجليزية منذ عام 2008، وكذلك الربط بمقالات من مجلة «البيئة والتنمية». لكن كل هذا لا يغني عن العقل البشري؛ إذ إن الآلة لا تستطيع الحكم إذا ما زوِّدت بمعلومات غير صحيحة، عن قصد أو غير قصد.


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».