السينما المغربية تعيش حالة ازدهار متوالية

تطرح مسائل وإشكالات اجتماعية مختلفة

مشهد من «آدم» لمريم توزاني (إلي إن بروديكشن)
مشهد من «آدم» لمريم توزاني (إلي إن بروديكشن)
TT

السينما المغربية تعيش حالة ازدهار متوالية

مشهد من «آدم» لمريم توزاني (إلي إن بروديكشن)
مشهد من «آدم» لمريم توزاني (إلي إن بروديكشن)

أقام مهرجان تطوان السينمائي في العاشر من الشهر الماضي ندوة حول واقع السينما المغربية وما يتوخاه النقاد والمبدعون منها ووضعها اليوم في السوق كإنتاجات متعددة المستويات والتوجهات.
موضوع كهذا يُطلق من حين لآخر وتحت البنود ذاتها. فبين كل فترة وأخرى يتم طرح مثل هذه المواضيع البحثية في ندوات تتشابه في العناوين كما في الغايات والنتائج. لكن الجديد في ندوة المهرجان المغربي هو إنه يتحدّث عن طفرة جديدة من الأعمال الجيدة التي تم إطلاقها في السنوات العشر الأخيرة والأعمال الجديدة التي تداولها الباحثون والنقاد بالاهتمام.
هناك ما بين 18 و22 فيلماً مغربياً يتم إنتاجه في كل سنة منذ انتهاء ما فرضه وباء «كورونا» من التزامات. قبل ذلك كان العدد أكبر قليلاً، إذ بلغ في بعض سنوات العقد الماضي نحو 30 فيلماً في العام بذلك نافس - عددياً على الأقل - ما تنتجه السينما المصرية.

- حكايات النساء
أهم ما تعكسه السينما المغربية حالياً من مزايا هو التنوّع الكبير في الطروحات والقدرة على الوصول إلى المنصّات العالمية (مهرجانات وبعض العروض التجارية في الغرب). هذا بحد ذاته ليس جديداً فهناك أجيال متعاقبة من المخرجين المغاربة الذين حققوا أعمالهم بمساعدة حكومية (مركز السينما المغربية) أو من دونها ومنذ نحو نصف قرن. في كل موجة تطوّرٌ يصاحب المرحلة ويعكس الاهتمام بوسائل وصيغ المعالجات وبتقديم نصوص تخدم الرغبة في طرح قضايا ومواقف اجتماعية مهمّة. العديد من الأفلام له صيغة جماهيرية بحتة ولكن عدداً متزايداً منها صالحة لدخول المهرجانات والأسواق الأجنبية من دون إهمال التوزيع الداخلي أيضاً.
من الأعمال الحديثة فيلمان للمخرجة مريم توزاني هما «آدم» (2019) و«القفطان الأزرق» (2022). في الفيلم الأول حكاية امرأة حامل وبلا مأوى تستضيفها أرملة لديها فتاة تساعدها في إدارة دكان لبيع الفطائر الشعبية. في ذلك الفيلم المدروس بعناية ورقّة ستتبادل الامرأتان بعض المواقف. كل واحدة ستساعد الأخرى في شؤون حياتها. ففي مقابل منح المرأة الحامل مكاناً للعيش ستقوم الثانية بمساعدة الأخرى في صنع العجائن، مما يرفع من مدخول المحل. كذلك، ستمنح المرأة الحامل الأرملة القوّة للتوقف عن حدادها الدائم والانفتاح على الحياة من جديد.
لا تبتعد المخرجة كثيراً عن الحكايات الباحثة في مشاكل المرأة في فيلمها الثاني «القفطان الأزرق». هنا بطلة هذا الفيلم، مينا (لبنى أزبال) هي أيضاً امرأة عاملة لكن مشكلتها ليست طبيعية ولا هي مطروقة في السينما العربية من قبل. فهي تواجه ميول زوجها المثلية من موقع ضعيف كونها تعيش بثدي واحد نتيجة إصابتها بالسرطان. في الفيلمين نجاح في اختيار حكايات جيدة محورها المرأة، والقدرة على نقل هذا الاهتمام إلى مستوى جاد وطموح.
المنوال الذي تختاره المخرجة توزاني لسرد حكاياتها أقرب إلى الشخصيات وصدق معاناتها من ذاك الذي نجده في فيلم زميلتها مريم بن مبارك. في فيلمها «صوفيا» رغبة في طرح المرأة كقضية (وهذا فعل تشترك به سينمات عربية كثيرة هذه الأيام أصابت في اختياراتها أم لم تصب) لكن الأحداث التي تقع في فيلمها من النوع الذي يرفع الراية الخطأ في هذا الصدد. صوفيا (مها علمي) حامل من دون علم والديها (رغم أن بطنها يدل على ذلك) وعندما تنجب بمساعدة قريبة لها تدعي أن الأب هو شاب فقير ثم تكشف عن حقيقة أن الشاب ليس هو الأب، بل رجل أعمال من أصدقاء والدها تعرّض لها في غياب والديها. يمنح الفيلم بطلته الحق في الكذب، مما ينسف أي قضية حقّة حاولت المخرجة ولوجها في ذلك الفيلم.
هذا هو حال فيلم «ملكات» (تم نقده في الأسبوع الماضي) أيضاً وهو فيلم جديد للمخرجة ياسمين بنكيران التي تنجح في سرد ومعالجة الحكاية كقصّة تشويقية أكثر مما تنجح في تحويل الموضوع إلى موقف يدعو لقضية المرأة الاجتماعية. فبطلاتها هاربات من جرائم ارتكبنها، مما يُلغي أن الفيلم يتحدث عن قضية حرية المرأة كما أكدت المخرجة وبعض النقاد.

«عرق الشتا» لحكيم بلعباس (إلي إن بروديكشن)

- أبعاد عائلية
وضع المرأة مهم في السينما المغربية لكنه ليس، في فيلم «عرق الشتا» للمخرج حكيم بلعبّاس، عن وضع المجتمع بأسره. هي من لبنة العائلة وكيف تحيا وبأي نصيب من الأقدار التي تهيمن على قراراتها. هذا ما ورد في فيلمه النيّر «عرق الشتا»، دراما عميقة ورائعة كونها مستمدة من البيئة التي يعرفها المخرج جيداً. يروي بلعبّاس هنا حكاية مزارع اسمه مبارك (من قرية أبي الجعد، التي وُلد فيها المخرج سنة 1961) يحفر في أرضه طامعاً في بئر ماء ينقذ به المحاصيل في موسم أصابه الجفاف. لديه زوجة حامل وابن معاق وديون عليه سدادها وآمال صغيرة (تبدو له بحجم جبال عالية) يريد تحقيقها. لكن كل شيء بعيد المنال بدوره. الاستدانة من المصرف لا تبدو ممكنة والأرض لا تفي بالمطلوب وثقل العالم يعلو كتفيه. يحث مبارك الخطى، لكن لا شيء تستطيع هذه الخطوات الوصول إليه لإنقاذه مما يعاني منه.
منح المخرج الحالة الشخصية أبعادها العائلية كما في المشاهد الحميمة بين مبارك وزوجته وتلك المتوترة في العمق بينه وبين ابنه المعاق الذي يتمنى لو لم ينجبه. تلاحق الكاميرا بأسلوبها الواقعي هذه الشخصيات، وما على المخرج إلا أن يؤسس لها ما يريده منها. غالباً المشاهد كافية لأن تعبر عن الدور المطلوب منها، كمشاهد الحفر، التي تبدأ بعمق ظاهر لكن الحفرة تصبح أعمق وأعمق تماماً رمزاً لحال مبارك (دور رائع للممثل غير المحترف حميد بلعباس) المنزلق أكثر وأكثر في بؤسه ويأسه. لا يحتاج حكيم إلى الحوار. ليس أن الفيلم صامت أو بلا حوار، لكن الصورة تعبر عن كل شيء يستطيع الكلام قوله.
ينقد حكيم بلعبّاس وضعاً اجتماعياً كما فعل العديد من أترابه وما زالوا بينهم نبيل عيوش في «غزية» وهاشم العسري في «البحر من ورائكم» و«الجاهلية» وإسماعيل العراقي في «زنقة كونتاكت». هذا الأخير يموج بين الواقع والفانتازيا الداكنة ويدور حول مغني روك (أحمد حمّود) يلتقي، في مطلع الفيلم وبناء على حادثة سير، بالمومس راجيا (خنساء باتما). لقاؤهما أكبر من مجرّد صدفة وينتهي بهروب مشترك صوب مستقبل غير مستقر. كلاهما هارب. سيتركان مدينة كازابلانكا (يمنحها المخرج صورة جديدة) إلى البرية، حيث لا مكان بعد ذلك للجوء جديد.
الأكثر عرضة لنقد مفتوح على دلالات اجتماعية بأسلوب فانتازي هو هشام العسري انطلاقاً من كل فيلم قام بإخراجه حتى الآن. في «الجاهلية» (2018)، على سبيل المثال، طرح معالجة على شخصيات لا تكشف عما هي وما تفكر به. يتحدث أحدهم فيقول إنه يود الانتحار، لكنه لا يبين السبب. الشخصية التي يمكن أن نطلق عليها كلمة «محورية»، هي شخصية لطفي، الذي يعيش بلا ذاكرة (كشأن «ضربة في الرأس» فيلم آخر للمخرج نفسه) والمحاط بشخصيات متعددة لكل منها درب يؤدي لمشكلة أخرى لا يتسع الفيلم لطرحها في ساعتيه.
في «البحر من ورائكم» (2016) قدم العسري شخصية رجل اسمه طارق ويربط سريعاً بينه وبين فاتح الأندلس طارق بن زياد، صاحب العبارة الشهيرة التي يشكل نصفها عنوان الفيلم. هو شخص حزين. مطحون. تعرّض للاضطهاد وسوء المعاملة وها هو الآن لا يقوى على فعل شيء. أكثر من مرّة تتاح له فرصة الانتقام من رجل ذي سُلطة كان اعترف بمسؤوليته لما حدث لعائلته، الأمور من هنا، وفي غير مكان، لا تترابط جيّـداً على نحو مستتب ولا الفيلم يبلور حكاية مسرودة جيّـداً.
ما تنتجه السينما المغربية من أعمال يستحق التوقف عنده مع ارتفاع منسوب الأفلام الراغبة في الوصول إلى المزيد من الأسواق الغربية. هذا أسهل بكثير من فتح الأسواق العربية لأسباب تتعلق باللغة وامتناع رأس المال عن تأسيس قنوات توزيع فعلية للأفلام المستقلّة.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز