اقتحمت النساء المسلمات معقل الرجال في الهند في ثورة صامتة حين تولت وظيفة القاضي المسؤول عن عقد القران. لم يكن يخطر في الخيال منذ عقد من الزمان أن تعمل امرأة مسلمة كموظفة تسجيل عقود زواج، لكن أولئك النساء بحماسهن وإصرارهن قد فعلن المستحيل. وبحلول عام 2016 سوف يزيد عدد القاضيات المؤهلات والمعتمدات رسميا في الهند على العشرات. وكانت البداية في بناية سكنية في نانديغرام في إحدى القرى التي تبعد 170 ميلا عن مدينة كلكتا في شرق الهند والتي كانت العاصمة الهندية أيام الاحتلال البريطاني للهند.
أصبحت شابنام أرا بيغام، التي تبلغ من العمر 37 عاما، أول قاضية عقد قران عام 2005 عندما بدأت تمارس مهام الوظيفة في نانديغرام. وكانت تتمتع بأفضلية تتمثل في كون والدها قاضي عقد قران قام بتعيينها في هذه الوظيفة عندما أصيب بالشلل ولم يكن قادرا على ممارسة مهام مهنته. وبعد وفاة والدها عندما تقدمت شابنام لتلك الوظيفة واجهت معارضة بزعم أن الشريعة الإسلامية لا تسمح للمرأة بالقيام بهذه الوظيفة. وتمت إقامة دعوى قضائية في المحكمة العليا لمنع تعيينها وبدأت تتلقى مكالمات تهديد. وبدلا من الهروب، قررت هذه المرأة الشجاعة مواجهة كل تلك التحديات مع دعم قريتها لها. وطبقا للشريعة الإسلامية، يعد النكاح أشبه بعقد ويمكن لأي عالم أن يعقد القران. هذه القاعدة فضلا عن علمها بما جاء في القرآن والحديث جعلت المحكمة تصدر حكما لصالحها.
وأوضحت شابنام في حديث لها عبر الهاتف مع كاتبة هذه السطور أنها لم تواجه من قبل أي عوائق عندما كانت تقوم بعقد القران. وقالت: «لقد كنت أساعد والدي طوال تلك السنوات كنائب قاضي. أعلم كل شيء عن الشريعة الإسلامية والمراسم ولم أواجه من قبل أي رفض أو عداء عندما كنت أؤدي مهام وظيفتي. أعلم أن بعض الناس لا يريدون أن أمارس هذه الوظيفة، لكنهم أقلية». وأضافت أن «كونها قاضية مسؤولة عن عقد الزيجات أمرا إيجابيا لأن العرائس يتحدثن بحرية أكبر معها عما يتحدثن مع رجل. لقد تقبلني المجتمع وأنا ممتنة لله لأنه اختارني من أجل القيام بهذا العمل».
على الجانب الآخر، في قلب كلكتا، هناك امرأة مسلمة أخرى تسمى صفية بانو تبلغ من العمر 38 عاما وأم لطفلين تعمل قاضية عقد قران رسمية. تخرجت بانو في بنغالي وواجهت هي الأخرى معارضة ممن سمتهم «جماعة الضغط الذكورية» عندما تقدمت لشغل تلك الوظيفة عام 2009. مع ذلك كانت مصممة على القتال والمقاومة وعدم الاستسلام. وقالت صفية: «لقد أخبرتهم أنه بمقدورهم عدم قبولي في حال ثبوت عدم كفاءتي وعدم استيفائي للشروط، لكن لا تجعلوا نوعي عذرا تستخدمونه لممارسة التمييز ضدي». ومرت صفية بإجراءات التعيين مع مرشحين آخرين كانوا كلهم من الذكور دون تفرقة ورأت السلطات أنها الأجدر بالتعيين.
قانون بنغال المحمدي لتسجيل الزواج والطلاق الصادر عام 1876 يمنح صفية الحق في إبرام وتسجيل عقود الزواج، والتدخل في قضايا الطلاق، ومساعدة المحكمة في الكثير من الأمور الإسلامية من بينها نزاعات الملكية.
قال عبد الديان خان، رئيس اتحاد رفاه القضاة ومسجلي عقود الزواج في حكومة بنغال الغربية: «هؤلاء النساء واعيات ويقمن بعقد القران طبقا للشريعة الإسلامية والأعراف. ولا أرى أي مشكلة في تعيينهن. الإسلام دين تقدمي، وتحظى النساء بمكانة متميزة في مجتمعنا. وتشغل النساء الكثير من المناصب المهمة والتي تتضمن مسؤولية كبيرة، لذا ما الذي يمنع أن يصبحن قاضيات عقد قران؟».
في الوقت الذي لم تلفت فيه الحالتان سابقتا الذكر الكثير من الاهتمام على المستوى المحلي، عندما سافرت العالمة الإسلامية سيدة حميد من دلهي إلى لاكناو من أجل عقد قران ناشطة مسلمة جذب الحدث الانتباه اهتمت به وسائل الإعلام كثيرا.
وتحت أضواء كاميرات التلفزيون في فندق يعج بالضيوف من رجال ونساء، كان الزواج غير اعتيادي لأن الشهود كانوا أربع نساء لا شاهدين ذكور. وتمت الاستعانة بشاهد ذكر آخر في اللحظة الأخيرة خوفا من اعتبار رجال الدين المتزمتين الزواج باطلا. ومما أضفى معنى على هذا الحدث هو أن العروس نايش باحثة دراسات عليا في علم الاقتصاد، بينما زوجها باحث يعد رسالة الدكتوراه في جامعة أليغار الإسلامية. وقالت نايش: «لقد كانت محاولة لإحداث تغيير، والتحرر من التقاليد. نحن نحاول أن نطبق التغيير على أنفسنا». وقالت حميدة، إحدى مؤسسات منتدى النساء المسلمات الذي أسهم في محو الأمية القانونية للنساء المسلمات، والذي يهدف لتوصيل صوت المسلمات إلى الحكومة، والتفاعل مع العلماء، إنها شعرت بالفخر لمشاركتها في تلك اللحظة. وأضافت حميدة قائلة: «قبل موافقتي على عقد قران نايش وعمران بحثت في القرآن عن الأوامر والتشريعات الخاصة بالزواج وعن أي شيء يمنع المرأة من أداء المراسم، ولم أجد أي شيء. واستشرت بعد ذلك صديقا اعتبره من أعلم العلماء المسلمين، وهو طبيب في سن التاسعة والأربعين وأذكى وأكثر وعيا من العلماء الذين تبلغ أعمارهم نصف عمره. وقد أخبرني أنه لم يأت ذكر في أي من المذاهب الفقهية الأربعة وهي الحنيفية، والحنبلية، والشافعية، والمالكية، والمذهب الخامس وهو الجعفري، ما يمنع المرأة من عقد القران». وقال: «أشيروا إلى أي سطر في قرآن أو حديث يشترط أن يكون المسؤول عن عقد القران رجل».
وسوف يشهد عام 2016 تخريج أول دفعة من القاضيات المؤهلات. وتم اختيار عشرين فتاة من مختلف أنحاء الهند ليتلقين تدريبا على أيدي متخصصين في مومباي وسوف يحصلن على شهادة معتمدة معترف بها في نهاية الدورة التدريبية. وقالت إحدى أولئك المتدربات وتدعى نيها شيخ، تبلغ من العمر 19 عاما، إنها تدرس الشريعة الإسلامية وترى أن الإسلام قد حرر النساء على عكس ما يروج له العلماء. وأشارت إلى أنها تؤدي واجباتها على أكمل وجه وسوف تتمكن من عقد القران لتكون مصدر فخر لوالديها.
وهناك اختلاف بين العلماء هنا بشأن مسألة عمل المرأة كقاضية عقد قران. ورفض مولانا خالد راشد فرنجي ماهالي، رئيس مجلس علماء الهند وأحد أعضاء مجلس قانون الأحوال الشخصية لمسلمي الهند، هذا الأمر ووصفه بالـ«دعاية السخيفة الرخيصة». على الجانب الآخر، دعم كالبي جواد، العالم البارز وأحد أعضاء مجلس قانون الأحوال الشخصية لمسلمي الهند، فكرة أن تشغل المرأة هذه الوظيفة. وأوضح جواد قائلا: «لا يوجد أي مشكلة في عقد المرأة للقران إذا كان لديها ما لدى الرجل من معرفة ضرورية».
ازدياد عدد الموظفات الهنديات في مجال مهنة المأذون
يشهد عام 2016 تخريج أول دفعة من القاضيات المؤهلات
مبنى المحكمة العليا في مدراس
ازدياد عدد الموظفات الهنديات في مجال مهنة المأذون
مبنى المحكمة العليا في مدراس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

