«الزند ذئب العاصي»: كيف اكتملت المعزوفة؟

دراما ملحمية متكافئة العناصر من بطولة تيم حسن

مشهد المزاد الذي نال نصيبه من الجذب المبهر (لقطة من المسلسل)
مشهد المزاد الذي نال نصيبه من الجذب المبهر (لقطة من المسلسل)
TT

«الزند ذئب العاصي»: كيف اكتملت المعزوفة؟

مشهد المزاد الذي نال نصيبه من الجذب المبهر (لقطة من المسلسل)
مشهد المزاد الذي نال نصيبه من الجذب المبهر (لقطة من المسلسل)

تتكاتف عوامل ترفع «الزند ذئب العاصي» إلى المكانة العالية. بجانب أن بطله هو تيم حسن المؤكِّد جدارة بالدور الفارق؛ ثمة حلفُ السياق والصورة المتماسك، بينهما أداء الشخصيات أدواراً تفرض التوقف عندها. النَفَس الملحمي التاريخي يكثّف الرغبة في الاكتشاف. فالموروث الشعبي البطولي يحرّك الفضول ويكرّس عنصر الجذب. فرادة العمل والشوق إلى صنفه، ورقتان رابحتان في مصلحته.
يجدر عدم إغفال اللهجة في أنها تتحلّى بجاذبية سمعية تدغدغ غير المعتادين على بطلهم وهو يتقن مَخارجها. تيم حسن بشخصية «عاصي الزند»، ينفض عنه «جبل شيخ الجبل» («الهيبة»)، أولاً باللهجة البارع في أدائها فتصبغه بالكاريزما والخصوصية. انتقدها كثيرون وشكوا من «صعوبتها»، لكنها فعّالة في تسريعه خلع شخصيته الشعبية الساحقة، بأقل عناء، من أذهان العامة، ليعلق بدلاً منها لسانه الجديد ومفرداته الصاخبة، رغم ميله إلى التكلُّف بتلفّظه اسم الفيلسوف الألماني نيتشه و«أقواله» طوال الوقت على سبيل السخرية؛ وإلى المبالغة في الشتيمة الذكورية كلما خاصم عدواً.
مخزون الشخصية العسكري وخلفيتها الاجتماعية «يبرران» تفلّت اللسان وخروجه على الطور، إنما الانتهاك اللفظي للأنثى أمكن الارتقاء عنه بما لا يضمن إقامة بشاعة كهذه على الألسن تيمنّاً بالقائد. حركة يده كـ«إفيه» إيمائية، تفوز بالوَقْع الأشد عفوية على المتلقي.
ضخامة الإنتاج («الصبّاح أخوان»)، وجمالية الإخراج، من كادرات ولقطات طبيعية ساحرة، تُضاف إلى مشهدية المعارك (ذروتها معركة النهر) والغزوات، تشكل دليلاً قاطعاً على نضج كاميرا المخرج سامر البرقاوي وتفوّقها الفني لتغدو رافعة المسلسل.

فايز قزق يؤكد تجدّده بشخصية إدريس (لقطة من المسلسل)

ذلك كله بالاستناد إلى نصّ يعزف على وتر حقبة مجيدة يحلو تناقلها (كتابة عمر أبو سعدة)، وإلى انعكاس مناخها الخاص في الأزياء (رجاء مخلوف) والإكسسوار، والتوغّل البديع للموسيقى بروحية السياق وتشعّب خطوطه (تأليف آري جان سرحان)... كلها دعائم قوة وسط تفوّق الجغرافيا السورية بامتدادها ومشهديتها المذهلة. العمل «إم بي سي»، «شاهد»، تتكامل فيه العناصر المتكافئة. ورغم أنّ البطل المسيطر هو «عاصي»، فإن مَن حوله يجيدون التمرير لضمان تسديده ضرباته الحاسمة.
زمن آخر (الأعوام بين 1895 و1900) وزاوية مغايرة لطرح إشكالية البطش العثماني بالفلاحين ومصادرة أراضيهم ومحاصيلهم. حول ضفاف نهر العاصي والقرى المحيطة به، تجري فصول حكاية ملحمية بطلها ليس منزّهاً عن الخطأ، ويتّبع لأجل بعض غاياته وسائل ليست دائماً محمودة.
لعلّ صنّاع العمل يتقصّدون «تفريغ» محرّكه من «أسطورية» الأبطال. وهذا يمنح «عاصي الزند» بُعداً بشرياً يخدم تصديق واقعيته. تجاوزاته ورعونته وتبريره تلطّخ لقمة العيش بالدم، دعوة درامية لإسقاط الهالة المفرطة الملقاة على الأبطال لتفادي وسمهم بالهشاشة الكرتونية.
الغلبة للتصدّي لا لهدوء الجبهات، وللتقدّم عوض ضبط اللعب. حتى الحب يتخذ مقعداً خلفياً، لحجز الثأر والتوسّع والصفقة جميع المقاعد. يمرّ زواج «عاصي» بـ«نجاة» (دانا مارديني الناطقة بصمتها؛ دورها قليل المنعطفات) بلا «طنّة ورنّة»، فيما مشهد المزاد ينال نصيبه من الجذب المبهر، مشيراً إلى خفّة دم لدى تيم حسن وحسٍّ كوميدي يمكن استثماره في المستقبل.

تيم حسن بشخصية عاصي الزند (حساب الفنان على إنستغرام)

لنقد ما يُحكى عن «مغالطات ثقافية - تاريخية»، أهل اختصاص يُفنّدون بالدلائل والمراجع، لسنا منهم. درامياً؛ العمل مشغول بمهارة. فحين أراد إعلاء التشويق، هبَّ بطله لسرقة مصرف عثماني والخروج من بابه العريض مرفوع الرأس، متنكراً (رشّة كوميديا وخيال). وحين أراد تكثيفاً للوجع، قُتلت شقيقته بين يديه (نانسي خوري بإطلالة لافتة)، وحين فضَّل تكاثُر الأعداء، لم يكتفِ بـ«نورس باشا» (أنس طيارة في أفضل أدواره)، بل وسّع الدائرة لتبلغ الخصومة أشدّها مع «إدريس» (فايز قزق المتألق)، الطمّاع، الثمل، المجبول بالكراهية.
يحرّك مقتل قائد الدرك الأحداث على خلفية أفول السلطنة العثمانية والانكفاء التدريجي لزمن الإقطاع؛ فيقدّم العمل مقاربة إنسانية تختزل مصائر سكان قرى حوض النهر وخروجهم المُكلف إلى الضوء. في الموازاة، تتصاعد شخصية «عاصي» من «برّيتها» إلى اصطدامها بالموبوءات؛ وبطموحه التوسّع، يشير إلى تحولات الإنسان أمام قهّارين: الزمن والمال.
الشخصي والعام في رسم مسار المسلسل يلتقيان عند حقيقة أنّ لا شيء يبقى ثابتاً؛ من السياسة إلى التحالفات، فالسلوك البشري. كلها رهن الواقع وما يطرأ عليه، فيطال الأفراد والجماعات، وبينهما حالة المدّ والجَزر منذ فجر التاريخ وإلى الأبد.
التوظيف الدرامي المتقن للشخصيات يرفعها إلى البطولة. مَن يرتدون البزّات ويشغلون المناصب بينهم تيسير إدريس وعلاء الزعبي وجابر الجوخدار إلى يحيى مهايني وباسل حيدر، ومَن يناضلون لانتزاع الحق بالتفاوض أو السلاح، بينهم مجد فضة وكرم شنان وطارق عبدو (كان لجرجس جبارة دور لافت بانفتاحه رغم قصره)؛ مع حضور نسائي متشعّب الخطوط (رهام القصار، يارا خوري، سمر فرح، نهال الخطيب)؛ جميعهم في أماكنهم، بمنزلة النوتات في تكامُل المعزوفة.
مُرهِقة العتمة الكاحلة في الليالي، حيث القنديل ضئيل النور يتولّى الإرشاد إلى الوُجهة. يعوّض المسلسل وَقْع ظلّها الكئيب بفكاهة حضور البطل ودسّ الفنتازيا في مغامراته. جانب فني آخر يجيد إتقان اللعبة: «وصلات العتابا في خيم عشائر الغجر» وأغنية الشارة بمناجاة مها الحموي الحزينة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
TT

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)

انطلق حراك عربي لمساندة لبنان في اتصالاته الداخلية والخارجية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع المباحثات الأميركية - الإيرانية، الساعية للتوصل إليه، في وقت يمضي لبنان باستعداداته للمشاركة في الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، ويُصرّ فيها على وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر لبنانية إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، ويعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتةً إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي في خطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده». وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على محاورعدة، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبدا أن تعنّت إسرائيل وإصرار «حزب الله» على شروطه يعرقلان وقف النار. وقالت المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق. أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية.


اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
TT

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات الإقليمية والممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمعت باريس، أمس، عشرات جمعيات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إعادة الملف إلى دائرة التداول، والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا للعام الحالي في مدينة إيفيان - لي - بان.

وصدر عن اجتماع باريس، الذي شارك فيه 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية، «دعوة عمل» موجهة بالدرجة الأولى لقمة «مجموعة السبع»، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. ورغم صعوبة الوضع الإقليمي، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية.


اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
TT

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

تتصاعد منذ ثلاثة أيام عمليات استهداف حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية في محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب شمال سوريا، وتوجه الاتهامات لما تعرف بـ«الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وبينما عدّ أحد شيوخ القبائل العربية في الحسكة هذه الممارسات أنها تهدف إلى «الضغط على الحكومة السورية لتقديم مزيد من التنازلات» في عملية تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، رأى مسؤول في «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أن تلك الاعتداءات تندرج في إطار التصرفات «الفردية».

وشهد محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب في اليومين الماضيين توتراً أمنياً، على أثر سلسلة هجمات ضد حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية.

تعزيزات قوى الأمن الداخلي في محيط عين العرب (سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا»، بأن مجهولين استهدفوا، مساء الخميس، حاجزاً تابعاً لقوى الأمن الداخلي بقذائف «آر بي جي» قرب دوار جب الفرج في ناحية الشيوخ بمحيط مدينة عين العرب، دفعت على أثره قوى الأمن الداخلي بتعزيزات إلى المنطقة، وبدأت عمليات تمشيط وانتشار واسع بحثاً عن منفذي الهجوم، في حين لم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات أو حجم الأضرار الناجمة عن الاستهداف.

وسبق أن شهدت قريتا العونية وأشمة بريف عين العرب الغربي، الأربعاء الماضي، توتراً أمنياً، على أثر استهداف مجموعة مسلحة عدداً من المدنيين، تبعه مهاجمة أحد الحواجز الأمنية... وقد تعاملت قوى الأمن الداخلي مع الاعتداء، ونجحت في إحباط الهجوم والسيطرة التامة على الموقف، ونفذت حملة أمنية لتعقب المتورطين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية، في بيان، أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على 20 متورطاً في هذه الأعمال الخارجة عن القانون، وأعادت الهدوء والأمان إلى المنطقة، مع استمرار ملاحقة بقية الفارين لتقديمهم إلى العدالة».

قوى الأمن الداخلي قرب عين العرب (سانا)

وأكدت أن «أي اعتداء يطول أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو أي تصرف يخرج عن إطار القانون، يُعدّ اعتداءً على الدولة السورية. وستتعامل بأقصى درجات الحزم مع كل متجاوز، ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة لحماية مؤسسات الدولة وأمن المواطنين».

تلك التطورات تتزامن مع مواصلة الحكومة السورية و«قسد» تنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية بالحكومة السورية.

مضر حماد الأسعد أحد شيوخ القبائل العربية في محافظة الحسكة، رأى أن تنفيذ الاتفاق «يسير بشكل بطيء جداً بالنسبة للملفات التي تهم الحكومة السورية، في حين يسير بشكل سريع جداً بالنسبة للقضايا التي تهم الإدارة الذاتية الكردية». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن عودة المهجرين الكرد والعرب التابعين لـ«قسد» إلى مدنهم مثال، على ذلك.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق الدمج، عادت الأربعاء الدفعة الثامنة الأخيرة من مهجري عفرين (نحو 1300 عائلة)، إلى مناطقهم الأصلية. وذكر الأسعد، أن «دفعات الأهالي العائدين دخل ضمنها عناصر متطرفة من قسد و حزب العمال الكردستاني والشبيبة الثورية التابعة لقسد».

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

واتهم الأسعد، تلك العناصر «بتنفيذ الاعتداءات على المواقع والحواجز الأمنية الحكومية في عين العرب وعفرين وبقية المناطق التي عادوا إليها، وقد حصل ذلك عشرات المرات، بهدف الضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات إضافية منها في عملية الدمج».

وبحسب التصريحات الرسمية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» بطلبات للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير. وقال الأسعد: «نحن أبناء العرب نرفض انضمام هذا العدد الكبير من قسد إلى قوى الأمن الداخلي »، محذراً من أن «المنطقة مقبلة على بركان سينفجر في اللحظة المناسبة وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري».

وشهدت عدة مناطق في شمال سوريا في الأيام الماضية، مظاهرات ضد «قسد» و«الشبيبة الثورية». وأوضح الأسعد، أن «العشائر العربية تريد من الحكومة الوقوف بوجه قسد، ومنع السيطرة تحت اسمها على محافظة الحسكة».

واتهم الأسعد «قسد» و«الشبيبة الثورية» بعرقلة تنفيذ اتفاق الدمج. وقال:«80 في المائة من الدوائر الرسمية لم يتم افتتاحها ولم تسلم للحكومة لأن قسد ترفض ذلك... بينما عندما أرادت الاندماج مع قوى الأمن الداخلي، قدمت الآلاف من عناصرها وبخاصة من عناصر (الشبيبة الثورية) لإعطائهم الشرعية الحكومية».

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأكد الأسعد أن أبناء القبائل والعشائر العربية «ضد الحرب ونريد الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يعيش الجميع تحت كنف الحكومة والعمل يداً بيد، ولكن يبدو أن (الشبيبة الثورية) وقيادة (قسد) القنديلية لا يريدون ذلك، ويريدون الحصول على مكاسب شخصية وهذا ما يحصل على أرض الواقع».

في المقابل، عدّ «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، وهو بمثابة الواجهة السياسية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، ما يحدث من اعتداءات على مواقع وحواجز قوى الأمن الداخلي في مناطق تنتشر فيها «قسد» و«الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، يندرج في إطار تصرفات «فردية».

وقال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»:«ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. (مسد) مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

وأشار إلى أن «عملية تنفيذ الاتفاق التي تسير ببطء تمر بتحديات وعوائق وتدخلات خارجية لإبطال هذا الاتفاق، ولكن هناك إرادة بأن يٌنفذ الاتفاق رغم الصعوبات والتجاوزات».

من أحد الاجتماعات السابقة في دمشق مع قيادة «قسد» (سانا)

وشدد حمزة على أنه «لا يمكن الرجوع عن تنفيذ اتفاق الدمج لأن البديل عن ذلك الحرب»، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون هناك عملية بناء ثقة تبدأ أولاً من خلال تقديم الخدمات والعمل على السلم الأهلي، من أجل أن تبدأ الخطوة التالية المتمثلة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة».

وسألت «الشرق الأوسط»: «ألا يمكن لـ(قسد) وضع حد لهذه الاعتداءات؟». فأجاب حمزة: «قسد تقوم حالياً بعملية الاندماج والأسايش (قوى الأمن الداخلي الكردية) تريد الاندماج ولكن العملية لم تكتمل وهناك تنافس... الإرادة لدى شمال سوريا أن يتم الاندماج وعدم حصول هذه التصرفات».