ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

تجاوز أرسطو... وتخطى أطروحات أفلاطون في موقفه من المرأة

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء
TT

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

ابن رشد... ميدالية تتويج على صدر النساء

- أورثتِنا محبةَ الفيلسوف ابن رشد يا دكتورة...
أسعد قلبي كلام الطالبة بالجامعة المركزية بالعاصمة، كان ذلك بعد محاضرتي الأسبوعية في مادة الأدب العالمي والمقارن عن تأثير كتب ابن رشد وترجماته في تنوير العقل الإنساني وترشيده. ثم مَن غيره مِن الفلاسفة قَبلَه دافع عن المرأة بكل تلك الشجاعة والجرأة وبكل ذلك الوضوح؟
لكن لماذا كلما رغبتُ في الكتابة عن الفيلسوف والعالِم العربي أبي الوليد ابن رشد 1126 - 1198 أثيري بين الفلاسفة جميعاً، أو كلما ذهبت لكي أحاضر عنه، أو أن أتحدث في محفل ما عن هذا الذي سبق عصره في منهجه التنويري وتصوره الفلسفي العقلاني، صاحب أول موقف دفاعي عن المرأة في تاريخ الفلسفة منذ أن انطلقت شعلتها، والمصرّح بالمساواة بينها وبين الرجل، وكلما هممتُ بالحديث عنه ينتابني شعور بالزهو تارة، وشعور عميق بالذنب تارة أخرى... لماذا؟
هل من باب الشفقة على الحال الراهنة لأمّتِه التي أنتمي إليها، التي رفس حكامٌ لها نعمةَ العقل لدى ابنها، الذي كان يغرف من أنهار جديدة للوعي والعلم، فأحرقوا كتبه، وقلبه، ونفوه، وآلموه، وأهانوه، وحاولوا إخراجه من التاريخ فأخطأوا؟
ألهذا أم لغيرةٍ من أُمَم أخرى كانت تعيش وسط الظلام، فأخذت ما تبقى من كتبه وعقلانيته سنداً لها، منذ فريدريك الثاني في إيطاليا، إلى الملك لويس الحادي عشر في فرنسا وحتى اللحظة الراهنة، فخلقوا مذهباً فكرياً سموه «الرشدية اللاتينية»، وفتحوا أبواباً للنور، وشيدوا ركائز الحضارة، وطوروا النظريات السياسية والاجتماعية لديهم...؟
أم لأنه أول المدافعين عن كرامة النساء وحقوقهن، وحريتهن، وإنسانيتهن في زمن لم يكن زمن التصريح بالأفكار الجريئة ممكناً بأسماء مستعارة على «إنستغرام»؟
ربما لهذا وذاك، ولكن أغلب ظني أن السببَ شعوري الدفينُ بأنني غصنٌ من الشجرة الأولى التي أكل ابن رشد من تفاحها ليدخل الجنة، ثم أكل منه ليصْلى نار جهنم الأرضية؛ جهنم البشر، إنها شجرة الموحّدين التي أنتمي إليها. نعم، كل ما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعِهم، من خير وشر، حدث زمن الموحّدين، زمن سلالة عبد المؤمن بن علي الكومي 1094 - 1163 الذي يجمع المؤرخون على ولادته بناحية مدينة ندرومة، وهي نفسها مدينة أجدادي، فيها وُلدوا وفيها عاشوا وفيها قضوا. المدينة التي اهتم بها عبد المؤمن وبناها وشيدها، تقع في الغرب الجزائري على مقربة من مدينة تلمسان. هي ند تلمسان، ندرومة مدينة أثرية تعج بالأسر ذات الأصول الأندلسية والموريسكية جاءت لاجئة إليها بعد سقوط الأندلس، مزودة بما خف حمله وغلا قدْرُه. مدينة عريقة ما زال كل ما فيها ينضح بمعالم العلم والشعر والموسيقى الأندلسية والنسيج والتاريخ والعمران، وما زالت تتباهى بآخر منبر يعود إلى عهد المرابطين يتصدر مسجدها المسمى «الجامع الكبير»، الذي حفظتُ بين جنباته بعض آيات القرآن الكريم وأنا طفلة، على يد الشيخ سليمان أحد أعلامها ومعالمها. ندرومة أو كما يجتهد المؤرخون في تأويل تسميتها: «ندّ روما» وهي «نظر الماء»!
هكذا إذن، أشعر كأنني معنيةٌ مباشرة بما حدث لابن رشد، أثيري بين الفلاسفة جميعهم، ألسنا في زمن مفاجآت أسرار علم الأنساب الجيني؟!
عندما وُلد ابن رشد، فالأرجح أن عبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية كان في الثانية والثلاثين من عمره، وقد أصبح الخليفة الثاني خلفاً لأستاذه المهدي بن تومرت، بعد شنهما الحروب الطاحنة التي أسقطا على أثرها «دولة المرابطين»، وأقاما على أعقابها «دولة الموحدين»، التي شملت الأندلس وجزءاً كبيراً من بلدان شمال أفريقيا.
وعندما توفي عبد المؤمن بن علي بعمر الثانية والسبعين، كان ابن رشد، على الأرجح، في أوجّ عطائه في السابعة والثلاثين، فقرّبه أولاً الابن الخليفة، أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، ثم الحفيد الخليفة يعقوب المنصور، من بعده وضمّاه إلى مجالسهما قبل أن تحل به نكبته.
ولا يخفى على كل متتبع للمسيرة الفريدة للعالِم والفيلسوف والطبيب ابن رشد، أن نجمه ما كان ليلمع أكثر بعد سقوط «دولة المرابطين»، لولا سياسة عبد المؤمن بن علي الكومي، ومَن تلاه من خلفاء الموحدين الذين عُرفوا بتقديرهم للعلم وإقامة المدارس العلمية، والطلب في حضور مشاهير الأساتذة، وتشجيع الفكر، والمجالس الثقافية والمناظرات الفكرية والفلسفية، فبرز علماء وفلاسفة ومفكرون منهم ابن سبعين وابن جبير وابن عربي، وابن طفيل الذي قدم ابن رشد الشاب إلى الخليفة الموحدي أبو يعقوب بن عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي كان من قبلُ حاكماً على إشبيلية في عهد أبيه، وأكثرهم شغفاً بالثقافة والعلم. قرّب أبو يعقوب يوسف ابنَ رشد إليه فأصبح مستشاره وطبيبه الخاص، ونصّبه قاضياً في قرطبة، وهو نفسه مَن طلب منه إعادة ترجمة وشرح أعمال الفيلسوف أرسطو. وبعد وفاة أبي يعقوب يوسف ظل ابن رشد قريباً من مجالس خلفه ابنه المنصور الموحّدي إلى أن هوى نجمه اللامع بطريقة مأساوية، فنفاه ونكل به وأحرق كتبه وألزمه أن يظل حبيس بيته بمراكش، ومات كئيباً منسياً ومهاناً.
لماذا كل هذا الجحود؟ يؤوّل بعض المحللين هذه الارتدادات في المواقف السياسية إلى جملة من دسائس الوشاة في البلاط، وهو ما غيّر مصير فيلسوف قرطبة، فحوّل سؤددَه إلى هاوية. ويبدو أن من الأسباب الرئيسية لنكبة فيلسوفنا التنويري، جرأته في مواقفه المختلفة والتنويرية من قضايا المرأة وحريتها، مواقف جاءت مناقضة لأغلبية المرجعيات الفلسفية والفقهية التي كانت تدرج المرأة خارج سلُّم الجنس الإنساني والدعوة إلى شيطنتها. من هنا يعتبر ابن رشد الأول في تاريخ الفكر مَن انتقد التفسيرات العامية لمفهوم الدين، التي تنتقص من القدرات العقلية للمرأة، ودعا إلى المساواة وتحرر المرأة من الهيمنة الذكورية في المجتمعات.
إن شخصيتَي ابن رشد الإنسان وابن رشد العالم لم تكونا على نقيض أو تعارض، فقد عكست أطروحاتُه الفكرية سلوكاتِه الفعلية، وفي ذلك كان على خلاف مع ما كان يمارسه معاصروه الأندلسيون من فلاسفة وشعراء وفقهاء، فلم يتزوج على زوجته سارة، وظل وفياً لها طول حياته يرعيان أولادهما.
وإذا كان أرسطو قد وصف المرأة في مؤلفه «كتاب السياسة» بأنها «طائر جميل تقتله الأقفاص»، فإن ابن رشد قد تجاوزه، وتخطى أطروحات أفلاطون صاحب كتاب «الجمهورية»، وسبق الجميع برأيه الصريح بالارتكاز على العقل، العامل الأساسي في تقدم الإنسانية بنسائها ورجالها، وبأحقية المرأة في التعلّم والوظيفة، وما حجبها عن الحياة العامة وعدم مشاركتها في تسيير شؤون المجتمع سوى إضعاف لطاقته الاجتماعية.
ويؤكد فيلسوف قرطبة قدرة عقل المرأة على خلق الأفكار، وقدرتهن الطبيعية على أن يكنّ فيلسوفات ومفكرات، وموسيقيات، ومحاربات في الجيوش، وحاكمات في السلطة العليا. ونجد في تلخيص المفكر الفرنسي إرنست رينان Ernest Renan) 1823 - 1892) لكتاب ابن رشد «جوامع سياسة أفلاطون»، الذي فُقِد أصلُه العربي، آراءه التي سبق بها - وبأزمنة طويلة - المدافعين المعاصرين عن قضية المرأة وحقها في المساواة في الوجود والتعليم والعمل والحياة. هي ذي منظومة ابن رشد الفلسفية العقلانية النقدية التي جاء بها منذ القرن الثاني عشر، فكانت القاعدة التي على أساسها غيّر الأوروبيون نظرتهم للمرأة في العصور الحديثة وبالأساس منذ زمن الأنوار، وكان مروره على هذه الأرض، بترجماته وشروحه وفكره، أثراً جلياً في مسار التاريخ الإنساني وتوجهه.
- أليس من واجب كل امرأة وكل رجل يدافع عن الحق في الحياة الحرة الكريمة، الاعتراف بمرجعية ابن رشد الذي دفع مقابل ذلك حياته، وقد تنكر له يعقوب المنصور الموحّدي؟
- بلى... ونستنتج من سطوع نجم الفيلسوف العقلاني ابن رشد ثم من سقوطه المريع، أن السلطة السياسية قادرةٌ على إعلاء العقل وبناء مشروع فكري حقيقي إذا ما كانت لها الإرادة لذلك، وقادرة على إطفاء نوره إذا ما بدا لها ذلك. تراوحٌ تتحكم فيه طبيعةُ ميزان القوى الذي يجلس على كفّتيه هذا النظام السياسي أو ذاك، في هذا الزمن أو ذاك.
* كاتبة جزائرية


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.


معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
TT

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة فنية مميزة، استعاد 29 فناناً رومانياً سيرة النحات الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (1876–1957)، أحد أبرز روّاد النحت الحديث في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق في مسارات الفن التجريدي المعاصر.

المعرض الذي استضافت نسخته المصرية قاعة الاتجاه بقصر الفنون في القاهرة، يحتفي بمرور 150 عاماً على ميلاد النحت الرائد تحت عنوان «برانوشكي 150»، افتتحته السفيرة الرومانية في القاهرة أوليفيا تودريان، بحضور محمد طلعت، مستشار وزير الثقافة المصري للفنون التشكيلية والبصرية، والدكتور شادي أديب سلامة، منسق وقيم المعرض بالقاهرة، ونخبة من الفنانين والمهتمين بالفن.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الغرافيك لـ29 فناناً رومانياً معاصراً، استُلهمت أعمالهم من فكر برانكوشي ورؤيته الجمالية التي أسست لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، وأسهمت في تطوير مفاهيم الاختزال والتجريد في النحت المعاصر.

تقنيات الحفر والطباعة ميزت المعرض (الشرق الأوسط)

وتُمثل نسخة القاهرة محطة مهمة ضمن سلسلة معارض متزامنة أُقيمت في 21 دولة حول العالم، تحتفي بإرث برانكوشي الفني وتأثيره المستمر حتى اليوم. وتعكس استضافة القاهرة لهذا المعرض مكانة القاهرة مركزاً ثقافياً فاعلاً للحوار الفني الدولي، وجسراً للتبادل الثقافي بين مصر ورومانيا.

وعدّ الفنان شادي أديب سلامة، منسق المعرض، أن المشروع «يجسد نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للحدود، ويعزز من آفاق التواصل الفني بين الشعوب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المشروع يتم التحضير له منذ عامين تقريباً، بعد اختيار مجموعة فنانين من رومانيا، قدّموا أعمالاً تستعيد مسيرة وسيرة الفنان الرائد قسطنطين برانكوشي من خلال نسخ أصلية مصنوعة بتقنيات الغرافيك أو الحفر والطباعة اليدوية سواء ضغط أو زنك أو حفر على الخشب أو نقل مباشر».

السفيرة الرومانية بالقاهرة خلال افتتاح المعرض (وزارة الثقافة)

وتضم الأعمال موضوعات مختلفة، فكل فنان احتفى بجانب من حياة أو أعمال برانكوشي الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وصنع مجموعة من التماثيل الميدانية ذات الطابع التجريدي على وجه الخصوص، وتضمنت أعمال الفنانين المشاركين في المعرض بورتريهات له أو لمنزله أو مناظر طبيعية للمكان الذي عاش وأبدع فيه النحات الرائد، بحسب أسلوب وطريقة كل فنان.

ووفق منسق المعرض فقد تم اختيار مصر لتشارك في هذه الاحتفالية «بناءً على اختيار مؤسسة Inter-Art Foundation (مدينة أيوُد – رومانيا) وهي تختار مكاناً في كل مدينة أو قارة للمشاركة في عروض لها طابع دولي، وقبل شهور نظمت المؤسسة معرضاً عالمياً في الأمم المتحدة وشاركتُ فيه من مصر».

بوستر المعرض الذي يحتفي بالنحات الروماني (وزارة الثقافة المصرية)

وأضاف سلامة أن «المعرض يعد عاملاً مهماً في التبادل الثقافي بين مصر ورومانيا، وهناك احتفالية بمرور 120 سنة على العلاقات بين مصر ورومانيا، تم تصميم شعارها وفق مدرسة برانكوشي في الربط بين الرقم ومفردات رمزية مثل الأعمدة الخاصة بالمعابد المصرية القديمة، وأشار إلى انتقال المعرض من دار الأوبرا المصرية لإقامة أكثر من فعالية أخرى يتم التحضير لها، سواء في السفارة الرومانية بالقاهرة، أو أحد المراكز الثقافية في الإسكندرية.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».