العقل السياسي العراقي لا يزال ينبش «ذاكرة نيسان»

بعد عقدين على سقوط بغداد

عراقيون فوق تمثال صدام حسين بعد إسقاطه في بغداد، أبريل 2003 (رويترز)
عراقيون فوق تمثال صدام حسين بعد إسقاطه في بغداد، أبريل 2003 (رويترز)
TT

العقل السياسي العراقي لا يزال ينبش «ذاكرة نيسان»

عراقيون فوق تمثال صدام حسين بعد إسقاطه في بغداد، أبريل 2003 (رويترز)
عراقيون فوق تمثال صدام حسين بعد إسقاطه في بغداد، أبريل 2003 (رويترز)

مع أن العراقيين الذين ولدوا يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 أصبحت أعمارهم الآن 20 سنة، ودخل قسم كبير منهم في سوق العمل، وانخرط معظمهم في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 باحثين عن وطن، فإن أياً منهم ربما لم يشهد عصر صدام حسين إلا سويعات، هي المدة اللازمة بين ولادتهم في المستشفى وإسقاط دبابة الأبرامز الأميركية تمثاله في ساحة الفردوس في قلب بغداد. أما البعثيون ممن كانوا جزءاً من آلية النظام، بمن فيهم من تسلم مواقع قيادية كبيرة في الحزب والدولة، فإن أعمار غالبيتهم العظمى تجاوزت الثمانين عاماً. بين ذاكرة أبناء العشرين ممن ولدوا يوم «السقوط - التحرير - الاحتلال - التغيير»، وهي المفردات المختلف عليها في الخطاب السياسي والإعلامي العراقي المتداول منذ ذلك اليوم حتى الآن، وذاكرة أبناء الثمانين المطاردين المشمولين بالاجتثاث، حالياً فارق واسع بين عهدين وعصرين وجيلين.
ومع أن المواطن العراقي العادي الذي يؤمن بالمثل الشعبي المشهور «اللي يأخذ أمي يصير عمي»، فإنه دخل في حيز التداول السياسي لمفردات ما بعد التغيير في خانة ما يسمى «الأغلبية الصامتة» التي لا رأي لها فيما يجري، إن شرقت أو غربت. ليس هذا فقط، فإن هذه الأغلبية الصامتة دخلت دون أن تدري في صلب النقاش بين القوى السياسية المؤمنة بالتغيير عبر الآليات الديمقراطية من خلال الانتخابات وبين تلك القوى التي تعلن مقاطعتها الانتخابات وتدعو الناس إلى عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ومع أن هذه القوى لا تقدم بديلاً مقنعاً للحكم، فإن قسماً منها يأمل أن يحصل التغيير عبر اقتلاع الطبقة السياسية الحاكمة التي تمسك بزمام السلطة منذ 9 أبريل حتى اليوم عن طريق الانتخابات التي أجرت خمساً منها حتى الآن، وإن كان بمشاركة جماهيرية متدنية، حيث لا تزيد نسب المشاركين في الانتخابات عن 20 في المائة من العراقيين.
وبينما يعني ذلك أن 80 في المائة من العراقيين لا يشاركون في الانتخابات، فإن عدم مشاركة هذه النسبة الكبيرة جداً ممن يحق لهم التصويت لا يعود إلى الانحياز السياسي بين مؤيدي الانتخابات ومعارضيها، بقدر ما يعود إلى نوع من الوضع السكوني السلبي، سببه عدم قدرة القوى والأحزاب السياسية، التي أمسكت بالحكم، مشاركة أولاً مع الحاكم المدني الأميركي بول بريمر لمدة سنة، ووحدها عبر صناديق الانتخاب لمدة 19 سنة، على إقناع أي مواطن عراقي خارج دائرة مؤيديها «جمهورها الحزبي، وهذا ينطبق على الجميع شيعة وسنة وكرداً» ما عدا نظام الكوتة، الذي تتمكن به الأقليات من المشاركة، لكي تتسع نسبتها، وبالتالي تتكرس أكثر شرعية السلطة.
وفي ظل هذا الانقسام بين العقل السياسي العراقي، الذي تمثله النخب الفكرية والإعلامية، بمن فيهم من هو منخرط في الجو السياسي عبر مناصب ومسؤوليات، كان قد تسلمها في مراحل مختلفة بعد عام 2003، وبين عقل المواطن العادي، الباحث نهاية الشهر عن راتب الدولة (ثلث العراقيين موظفون، نحو 7 ملايين موظف)، وتقاعد الدولة، وإعانة شبكة الحماية الاجتماعية الممنوحة من الدولة، فإنه كلما تمر ذكرى أبريل كل عام، منذ 2003 إلى اليوم، تبدأ عملية نبش «ذاكرة نيسان» من جديد.
مع ما تم رصده هذا العام، فإن الجدل في أوساط النخب الفكرية والسياسية والإعلامية بدا أكثر سخونة، في وقت لم يهتم أحد في الشارع العراقي بما حصل قبل 20 عاماً، سواء من كان عمره في عهد صدام حسين عند السقوط 40 عاماً، فبات اليوم في عمر الستين مستفيداً من تقاعد الدولة أو منتظراً إياه بعد شهور، أو من كان عمره يوماً واحداً في عهد صدام فأصبح اليوم بعمر العشرين على وشك التخرج من الجامعة متحفزاً للانخراط في مظاهرات الخريجين السنوية بحثاً عن وظيفة في الدولة بسبب عدم القدرة على الانتقال إلى نظام السوق وجلب الاستثمارات بسبب السياسات المغلوطة التي اتبعتها حكومات ما بعد التغيير.
ولأن حكومات ما بعد التغيير تسلم مسؤوليتها قادة سياسيون وحزبيون جاءوا من الخارج، بعضهم على ظهر الدبابة الأميركية، وبعضهم بعدها بفترة قصيرة (مثلاً الدكتور إياد علاوي أول رئيس وزراء للعراق الجديد بعد السقوط أو التغيير عام 2003 يروي في كتاب مذكراته «بين نارين» أنه دخل من الأردن في وقت موازٍ لدخول القوات الأميركية إلى العراق حيث كان يقيم بين لندن وعمان، لكنه لم يدخل معها مباشرة. أما حيدر العبادي الذي أصبح رئيساً للوزراء عام 2014 فيقول في حوار تلفازي قبل أيام إنه كان يوم سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في لندن، وقد أدى صلاة الشكر)، فإن الجدل احتدم هذا العام بشأن جدلية الداخل والخارج، ولا سيما أن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من أهل الداخل.
السوداني روى مؤخراً لقناة «الجزيرة» كثيراً من جوانب حياته وعمله السياسي، بما في ذلك ذكرياته عندما كان طفلاً في العاشرة حين اقتيد والده عام 1980 إلى الإعدام بحجة الانتماء السياسي المعارض. أما أين كان السوداني يوم سقوط بغداد؟ فإن الرجل أكد خلال الحوار أنه كان موظفاً بسيطاً في دائرة زراعة محافظة ميسان عام 2003. ولكن هذا المهندس الذي كان شاباً آنذاك تولى قبل شهور، وهو في عمر الثانية والخمسين، منصب رئيس وزراء العراق كأول شخصية من الداخل تتولى هذه المسؤولية الكبيرة. ولأنه يريد أن ينظر إلى الأمام، فإنه كتب على «تويتر» بمناسبة الذكرى العشرين أن حكومته ماضية في تلبية تطلعات العراقيين وتنفيذ برامجها في القطاعات كافة. فعلى الرغم من الجدل حول ما إذا كان ما حصل احتلالاً أميركياً أم تحريراً من نظام شمولي، فإن السوداني يريد أن يقول للجميع إنه غير معني بكل هذا الجدل الذي سوف يستمر بسبب اختلاف القناعات، لأن هدفه المستقبل لا الماضي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

مسيّرات عراقية تقصف منزلاً لبارزاني... وتصوب نحو سوريا

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
TT

مسيّرات عراقية تقصف منزلاً لبارزاني... وتصوب نحو سوريا

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)

تتصاعد وتيرة التوتر الأمني على الحدود العراقية - السورية، مع تسجيل هجمات جديدة بطائرات مسيّرة، في وقت تتحرك فيه بغداد وواشنطن لتعزيز التنسيق الأمني ومنع انزلاق البلاد إلى صراع إقليمي أوسع.

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، السبت، بأن وحدات من الجيش السوري تصدت لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية في جنوب البلاد، مشيرة إلى أن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية.

ويعد هذا الهجوم الثاني خلال أيام، بعد إطلاق سبعة صواريخ على الأقل من منطقة ربيعة غرب الموصل باتجاه قاعدة عسكرية أميركية في شمال شرقي سوريا.

كانت دمشق أعلنت في 12 فبراير (شباط) الماضي تسلم قاعدة التنف وتأمين محيطها بالتنسيق مع واشنطن، مع نشر قواتها على المثلث الحدودي السوري - العراقي - الأردني، في خطوة عكست مستوى غير مسبوق من التنسيق الميداني.

يشار إلى أن مصادر عراقية أكدت في وقت سابق صدور مذكرات قبض بحق مجموعة مسلحة قالت إنها «ضالعة في هجمات على قاعدة أميركية داخل الأراضي السورية».

استهداف منزل بارزاني

بالتوازي، شهد إقليم كردستان العراق سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة، حيث أفادت مصادر أمنية بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للتحالف الدولي اعترضت عدة طائرات في أربيل ودهوك قبل بلوغ أهدافها.

وسقطت بقايا الطائرات في مناطق متفرقة دون تسجيل خسائر بشرية، باستثناء أضرار مادية محدودة.

وفي دهوك، تحدث مصدر أمني عن تحليق طائرتين مسيّرتين فوق المدينة، انفجرت إحداهما بعد سقوطها، فيما أُسقطت الأخرى قبل وصولها إلى هدفها. ولم تُعلن حصيلة نهائية للخسائر، وسط استمرار عمليات التقييم الميداني.

تزامنت هذه التطورات مع هجوم استهدف منزل رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك، وهو ما دفع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى إدانة الهجوم، مؤكداً رفضه «أي محاولة لزعزعة الاستقرار»، وموجهاً بتشكيل فريق تحقيق مشترك بين بغداد وأربيل لتحديد المسؤولين.

وقالت شبكة «روداو» إنه منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى وحتى 28 مارس (آذار) 2026، تعرض إقليم كردستان للهجوم بـ460 طائرة مسيّرة وصاروخاً، مما أسفر عن مقتل 14 شخصاً.

جانب من الدمار جرّاء غارة على مستوصف عسكري في غرب العراق (أ.ف.ب)

تنسيق عراقي - أميركي

في موازاة التصعيد، أعلنت بغداد وواشنطن تشكيل لجنة تنسيق مشتركة عليا لتعزيز التعاون الأمني ومنع الهجمات، في إطار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأكد بيان مشترك التزام الجانبين بمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداء، والعمل على إبقاء العراق خارج نطاق النزاعات الإقليمية.

ويأتي هذا التنسيق بعد توترات دبلوماسية شهدتها بغداد مؤخراً، على خلفية اتهامات بانتهاك الأجواء العراقية، ما دفع وزارة الخارجية إلى استدعاء ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران وتسليمهما مذكرتي احتجاج.

غير أن هذا المسار أثار غضب فصائل مسلحة، أبرزها «كتائب حزب الله» التي أعلنت تمديد مهلة تعليق استهداف السفارة الأميركية في بغداد خمسة أيام إضافية، في بيان حمل لهجة تصعيدية، وذلك بعد مقتل أحد قادتها في غارة أميركية الأسبوع الماضي.

ضغوط داخلية

بالتزامن، كشفت مصادر عراقية عن اتخاذ إجراءات أمنية بحق عناصر يشتبه بتورطهم في إطلاق صواريخ وهجمات بطائرات مسيّرة داخل العراق وضد دول مجاورة، في مؤشر إلى تصاعد الضغط الحكومي على الفصائل المسلحة.

وقال حسين علاوي، مستشار رئيس الوزراء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة تعمل على «إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن إطار مؤسسي»، مشيراً إلى أن التصعيد الأخير دفع بغداد إلى تفعيل أدواتها الدبلوماسية والأمنية لضمان عدم استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.

وأضاف أن تشكيل لجنة التنسيق المشتركة يعكس «عمق الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، وقدرتهما على احتواء التوترات رغم التحديات الناجمة عن الحرب الدائرة في المنطقة.

وتشير هذه التطورات المتزامنة إلى اتساع نطاق الهجمات العابرة للحدود، في وقت تقول الحكومة العراقية إنها تحاول تحقيق توازن دقيق بين التزاماتها الدولية وضغوط الداخل، وسط مخاوف من أن تتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.


مقتل فتى فلسطيني برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية

والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

مقتل فتى فلسطيني برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية

والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، عن مقتل فتى في الخامسة عشرة من عمره الجمعة بنيران جنود إسرائيليين، في مخيّم للاجئين في الضفة الغربية المحتلّة، في وقت أفاد الجيش الإسرائيلي بأنّه تعامل مع «تهديد».

وأفادت الوزارة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، بـ«استشهاد الطفل أدهم سيد صالح دهمان (15 عاماً) متأثراً بإصابته الحرجة برصاص الاحتلال، مساء (الجمعة)، خلال العدوان على مخيم الدهيشة ببيت لحم».

وأوضح البيان أنّ الفتى أُصيب في منطقة المعدة، مشيراً إلى إصابة فلسطيني آخر.

وشُيّع دهمان، السبت، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا).

وردّاً على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفّذ «نشاطاً عملياتياً» الليلة الماضية في منطقة بيت لحم إثر «اندلاع أعمال شغب عنيفة» مع رمي فلسطينيين حجارة على جنود إسرائيليين.

وأضاف الجيش أنّ الجنود ردّوا «على التهديد بفضّ احتجاجات الشغب بما في ذلك إطلاق الرصاص الحيّ»، مؤكداً مقتل فلسطيني، وإصابة آخر.

والجمعة، قُتل فلسطينيان آخران بالقرب من رام الله، على بعد نحو عشرين كيلومتراً من شمال بيت لحم، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

وتصاعدت وتيرة العنف في الضفة الغربية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل الذي أشعل فتيل الحرب في قطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

واستمرت أعمال العنف رغم اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.


الإعلاميون المدنيون والمسعفون في مرمى النار بجنوب لبنان

الإعلاميان علي شعيب وفاطمة فتوني (الوكالة الوطنية للإعلام)
الإعلاميان علي شعيب وفاطمة فتوني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الإعلاميون المدنيون والمسعفون في مرمى النار بجنوب لبنان

الإعلاميان علي شعيب وفاطمة فتوني (الوكالة الوطنية للإعلام)
الإعلاميان علي شعيب وفاطمة فتوني (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتقدَّم الإعلاميون المدنيون والمسعفون إلى واجهة الخطر في جنوب لبنان، في مشهد لم يعد يُقرأ بوصفه أثراً جانبياً للاشتباكات، بل بوصفه مؤشراً إلى تحوّل أعمق في طبيعة المواجهة، حيث تتسع دائرة الاستهداف لتطال فئات يفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. وبين الغارات المباشرة وتكرار الضربات على طواقم العمل الميداني، يبدو أن طبيعة الاستهداف تتبدّل، بحيث لم يعد الاستهداف محصوراً بخطوط القتال، بل امتد ليشمل العمل الصحافي والإنساني.

كفرحونة... غارة تفتح باب الأسئلة

في هذا السياق، شكَّلت الغارة التي استهدفت سيارةً مدنيةً على طريق كفرحونة - جزين محطةً مفصليةً، بعدما أدت إلى مقتل 4 أشخاص، بينهم 3 إعلاميين: مراسل قناة «المنار» علي شعيب، والصحافية فاطمة فتوني، وشقيقها المُصوِّر محمد فتوني من قناة «الميادين».

وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف شعيب لارتباطه بـ«قوة الرضوان»، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أنَّ العملية كانت موجَّهةً إليه تحديداً، ما يعيد طرح إشكالية استهداف الإعلاميين في أثناء التغطية وحدود الفصل بين الصفة المدنية والاتهامات الأمنية.

عون: جريمة سافرة... وانتهاك للقانون الدولي

في السياق ذاته، دان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاستهداف، عادّاً أن «العدوان الإسرائيلي يستبيح أبسط قواعد القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب».

وقال إن استهداف الصحافيين «جريمة سافرة تنتهك جميع الأعراف والمعاهدات التي يتمتعون بموجبها بحماية دولية»، مشدداً على أنهم «مدنيون يقومون بواجب مهني». وأشار إلى أنَّ هذه الحماية منصوص عليها في اتفاقات جنيف وبروتوكولاتها، لا سيما المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، إضافة إلى قرار مجلس الأمن 1738. وطالب عون المجتمع الدولي بالتحرُّك لوضع حدٍّ لما يحصل، ومحاسبة المسؤولين عنه، مُقدِّماً التعازي لعائلات الضحايا وللجسم الإعلامي.

سلام: استهداف الإعلاميين انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني

كما أكد رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، إنّ «استهداف الإعلاميين، يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وخرقاً واضحاً للقواعد التي تكفل حماية الصحافيين في زمن الحرب».

وقال: «إنّ لبنان، الذي يقدّر عالياً حرية الإعلام ودوره، يؤكد تمسّكه بحماية الصحافيين، ويدعو إلى احترام قواعد القانون الدولي، وصون حياة المدنيين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تطالهم».

مرقص: «نهج متكرر»... واستهداف ممنهج

من جهته، عدّ وزير الإعلام بول مرقص أن «استهداف الصحافيين متكرر ومتعمد»، وأن ما جرى «يشكّل جريمة حرب موصوفة بحق الإعلام ورسالة الصحافة».

وقال إن ما حصل «يُضاف إلى سجل متصاعد من استهداف وسائل الإعلام والصحافيين»، لافتاً إلى أن لبنان سلّم المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، جينين بلاسخارت، لائحةً مفصلةً بالاعتداءات على الإعلاميين والطواقم الصحية والطبية.

وأضاف مرقص أن هذه المعلومات أُرسلت أيضاً إلى وزارة الخارجية والمغتربين؛ لاستكمال ملف قانوني يتضمَّن شكاوى واحتجاجات رسمية، على أن تُسلَّم لائحة مماثلة إلى سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان ساندرا دو وال، مطالباً بتحرك دولي فوري «لوضع حدٍّ لهذا النهج الدموي والمحاسبة عليه».

نقابة الصحافة: جريمة موصوفة

ودانت نقابة الصحافة اللبنانية العدوان الإسرائيلي الذي طاول مجدداً الإعلاميين اللبنانيين وهذه المرة الاستهداف الغادر والجبان لمراسلي ومصوري قناتَي «الميادين» و«المنار». النقابة عدّت، في بيانها، الاستهداف جريمة حرب موصوفة مكتملة الأركان نفذَّها الكيان الإسرائيلي مع سبق الإصرار والترصد بهدف حجب حقيقة جرائمه وعدوانيته وإرهابه الذي طاول ويطاول كل مناحي الحياة في لبنان.

المسعفون تحت النار... استهداف الخط الإنساني

لم يقتصر الاستهداف على الإعلاميين، إذ طالت الضربات الطواقم الطبية، حيث استُهدفت 3 سيارات إسعاف في زوطر الغربية وكفرتبنيت وعلى طريق كفردجال – النبطية؛ ما أدى إلى سقوط 6 مسعفين في أثناء قيامهم بمهام إنقاذ ميدانية.

ويُعدّ هذا النوع من الاستهداف من أخطر الانتهاكات، نظراً إلى الحماية الخاصة التي يتمتع بها العاملون في المجال الإنساني، وما يترتب عليه من تأثير مباشر على قدرة الاستجابة الطبية والإغاثية.

المدنيون أيضاً

وفي موازاة ذلك، قُتل مواطن ونجله بعد استهداف سيارتهما في محلة العوينات بين رميش ودبل، في حادثة تعكس اتساع رقعة الخطر لتشمل المدنيين في أثناء تنقلهم، بعيداً عن أي تماس مباشر مع خطوط الاشتباك.

من عصام عبد الله إلى فرح عمر... ذاكرة الاستهداف

لا يُعدّ هذا المشهد جديداً، إذ شهدت جولات التصعيد السابقة سقوط عدد من الصحافيين خلال تغطيتهم الميدانية. فقد قُتل المصور الصحافي في وكالة «رويترز» عصام عبد الله في قصف استهدف مجموعة إعلامية في جنوب لبنان، كما سقطت مراسلة «الميادين» فرح عمر وزميلها المصور ربيع المعماري في استهداف مماثل في أثناء التغطية. وتعكس هذه الوقائع، إلى جانب الحوادث الحالية، نمطاً متكرراً من تعرُّض الإعلاميين للنيران رغم وضوح هويتهم المهنية.