لا مظاهر احتفالية في أعياد اللبنانيين

الأزمة بدّلت عاداتهم وحرمتهم البهجة... والأسواق تشكو قلة الرواد

أسواق وسط بيروت شبه خالية من الرواد (الشرق الأوسط)
أسواق وسط بيروت شبه خالية من الرواد (الشرق الأوسط)
TT

لا مظاهر احتفالية في أعياد اللبنانيين

أسواق وسط بيروت شبه خالية من الرواد (الشرق الأوسط)
أسواق وسط بيروت شبه خالية من الرواد (الشرق الأوسط)

يعكس تراجع الزحمة في شوارع مدينة بيروت، أوضاع اللبنانيين الذين يحاذرون النزول إلى الأسواق إلا لشراء الأشياء الضرورية. «هذا المشهد لم نعهده خلال السنوات الثلاثين الماضية في مواسم التسوق»، كما يقول بائع شوكولاته في منطقة الحمراء، في إشارة إلى الأعياد. ويضيف أن الأزمة تظهر بشكلها «الفاقع» والواضح للعيان هذا العام، بسبب تزامن أعياد المسلمين مع أعياد المسيحيين «حيث يجب أن يكون الطلب كبيراً جداً، وتغصّ الأسواق بالزبائن، وهو أمر لا تراه الآن».
ويأتي موسما رمضان وعيد الفصح هذا العام في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وغلاء كبير في الأسعار يفوق قدرات اللبنانيين الذين تدهورت قيمة رواتبهم مع وصول سعر صرف الدولار إلى نحو 100 ألف ليرة لبنانية، في مقابل ارتفاع أسعار الحاجيات، وبينها المأكولات والحلويات، بالتزامن مع قرار وزارة الاقتصاد بدولرة أسعار السلع.
في شوارع مدينة بيروت، اختفت زينة رمضان وزينة الفصح من الشوارع، وذلك مؤشر مهم على قرارات تخفيض الإنفاق الذي يشمل التجار والمؤسسات الرسمية مثل البلديات، وصولاً إلى الأفراد.

اللبنانيون يصنعون معمول العيد في منازلهم بسبب تراجع قدراتهم الشرائية (الشرق الأوسط)

- الفصح بلا بيض
«هذا العام العيد سيكون مختلفاً»، هكذا أجاب جورج، الموظّف والأب لأربعة أولاد، في وصفه للاستعدادات التي عادةً ما يقوم بها اللبنانيون في لبنان لعيد الفصح. يقول: «لقد اختصرنا في كل شيء، ولكن في ظل وجود أطفال في المنزل لا يمكننا إلغاء التقاليد كلّياً، وقلّلنا من كميات المعمول»، وهو نوع الحلويات التقليدي الذي يُقدّم في عيد الفصح. واقتصرت الاستعدادات الداخلية على حجم قليل من الترتيبات التي عادةً ما يقوم بها اللبنانيون، وبينها شراء الملابس الجديدة وإعداد الحلويات مثل «المعمول» و«البيض» الذي يلوّنه الأطفال.
يقول جورج: «حتى بيض العيد لم نشترِ منه إلا عدداً قليلاً للأولاد»، لافتاً إلى أن سعر كرتونة البيض أصبح خيالياً. وبغصّة يضيف: «لم أستطع شراء الثياب الجديدة لأولادي وشرحت لهم الوضع، لكنني حزين لأنني لن أتمكّن من زرع البهجة في قلوبهم هذا العام، فالولد يفرح باللّباس الجديد والشوكولاته والبيض ولا يفهم أننا نمر بأزمة اقتصادية خانقة».
- أسعار الحلويات
وبجولة سريعة على الأسواق، بدا أن مؤشّرات أسعار الحلويات في لبنان سجّلت ارتفاعاً كبيراً، فقد سُعّر أغلبها بالدولار ومنها المعمول، الذي يتراوح سعره ما بين 10 و15 دولاراً حسب اسم الباتيسري ومكانه ونوع المعمول، ويصل كيلوغرام المعمول بالفستق إلى 17 دولاراً، أما كيلوغرام المعمول بالجوز فيبلغ نحو 13 دولاراً، بينما كيلوغرام معمول التمر فيبلغ نحو 11 دولاراً، وهو مبلغ يقارب 7 في المائة من متوسط ما يتقاضاه موظفو القطاع العام في لبنان شهرياً. وتتفاوت الأسعار بين الأشرفية في بيروت، أو طرابلس في الشمال، أو صيدا في الجنوب، أو مدينة جبيل...
أما الحلويات الرمضانية، فيتخطى سعرها القدرات الشرائية للمواطنين. ويتراوح سعر كيلوغرام الحلويات المشغولة بالقشطة (مثل العثملية وحلاوة الجبن والمدلوقة) بين 10 و17 دولاراً، حسب المتجر، أما القطايف والكلاج، فيتراوح سعر الدرزينة منها بين 9 و15 دولاراً. ويصل بعض أسعار الكيلوغرام الواحد من الحلويات الرمضانية إلى 20 دولاراً.
أما كيلوغرام الشوكولاته فيبلغ نحو 30 دولاراً، ولكن يمكن إيجاد أسعار أقل بكثير في السوبرماركت والمحال الصغيرة. من هنا بدت الحركة هذا العام خفيفة، مقارنةً بالأعوام الماضية، واتجه الناس إلى تحضير هذه الحلويات الخاصة بعيد الفصح في المنزل وبكميات صغيرة.
- الحلويات في المنازل
يضطر اللبنانيون إلى الاستغناء عن كثير من الأصناف، كما يضطر قسم منهم لصناعتها في المنزل. ويقول صاحب متجر حلويات على طريق صيدا القديمة، إن مبيعاته في شهر رمضان الحالي، «باتت ربع ما كنا نبيعه قبل الأزمة الاقتصادية في عام 2019»، وهو ما يتطابق مع ما يؤكده متجر لبيع المواد الأساسية لحلويات رمضان في منطقة السوديكو، حيث يؤكد أن هناك إقبالاً على المواد الخام للحلويات، مثل عجينة العثملية والرقاقات والقطايف...
وما ينطبق على حلويات رمضان، ينطبق أيضاً على معمول عيد الفصح. تشعر إليان سعد، وهي أُم لمولود جديد، بأنها مقيدة بالعادات والتقاليد المتصلة بالأعياد، «رغم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي نمرّ بها». وتضيف: «أنا لديّ رغبة بالحفاظ عليها على رغم الوضع الصعب، والحلويات في هذا العيد أن هناك أموراً يمكنك القيام بها من دون أي تكلفة وبأقل الإمكانات، مثل (الكبّة الحزينة) وهي نوع من المأكولات التقليدية التي اعتدنا القيام بها في هذه الفترة من السنة، وكذلك المعمول وكعك العيد، فأنا سأحضّر كمّية قليلة جداً في المنزل، حيث التكلفة ستكون أوفر من المعمول الخالص».
وبينما أسهم تدهور القدرات الشرائية للبنانيين في تقليص النفقات واختصار الاحتفالات وتغيير في عاداتهم في المناسبات، أسهم التكافل عند اللبنانيين، في المقابل، بتخفيف وطأة الأزمة، مما مكّنهم من الصمود، بعد الحصول على الأساسيات.
في الأحياء، ثمة حصص تموينية تصل إلى بعض المنازل التي يُعرف سكانها بالفقر والحاجة، وتشمل المساعدات حصصاً صغيرة من اللحوم، وقسائم لشراء الغاز الذي باتت قيمة الجرة منه تعادل ربع راتب موظف من الفئة الخامسة... كما تبلغ صيدليات في القرى أنه في مطلع رمضان، حضر لبنانيون وسددوا ديون أشخاص يعانون من أمراض مزمنة.
وثمة جانب آخر من المساعدات، يتمثل في دعمٍ من أقارب مسافرين تتراوح بين 100 و200 دولار للعائلة الواحدة، تمكّنها من الحصول على الإضاءة بالحد الأدنى، وثمن دواء يحتاج إليه المرضى. ويمثل هذا الجانب من التكافل، أبرز المبادرات الفردية لحماية العائلات، إلى جانب الدعم الذي تقدمه الجمعيات الإغاثية ويتمثل في حصص تموينية.
- روحية العيد
من ناحية أخرى هناك من يسعى لعيش روحية العيد وعمقه الديني بعيداً عن كل المظاهر الأخرى التي ترافقه، هذا ما أكده سامي الذي قال: «أسعى مع عائلتي لعيش روحية العيد على قدر المستطاع، ففي النهاية، عيد الفصح هو بالمعنى الديني وليس بالمظاهر والثياب الجديدة، ولكن اللبناني يحب أن يعيش العيد بالمظاهر غير الدينية، ولكن رغم هذا الأمر، اختصر اللبنانيون كثيراً ولم يشتروا سوى الأساسيات»، وتابع بالقول: «حتى الزيارات بين الأقارب والأصدقاء ستغيب هذه السنة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وغلاء الأسعار».
- العيد قائم
رغم كل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، سيحتفل اللبنانيون بالأعياد. تقول أمل معوّض: «بالطبع سنحتفل بالعيد، ولكن ليس كما قبل نظراً للظروف، سوف نفرح، ولكن في القلب غصّة بسبب الأوضاع الاقتصادية. سنحتفل بالصلاة والتقاليد كالعادة، أما بالنّسبة للمأكولات والحلويات واللّباس فستكون محصورة، وحسب المستطاع».
أما فيما يتعلّق بالعائلات الميسورة، فالمشهد لم يكن مختلفاً كثيراً. شربل، وهو رب عائلة لبنانية تعيش في بيروت، يعمل مع شركة في خارج لبنان، ويتقاضى راتبه بالدولار النقدي، ومع ذلك يقول: «الوضع هذه السنة يختلف عن السنتين السابقتين، فحتى الدولار النقدي لم تعد له قيمة مع ارتفاع الأسعار وتسعيرها بالدولار»، ويتابع: «سنشتري المعمول والشوكولاته، والثياب الجديدة فأنا لا أحب أن يشعر أولادي بأي نقص». ويضيف: «فرحة العيد بالبيض وبيض الشوكولاته والخروج إلى المقهى يوم الفصح، ولكن بتّ أفتّش عن الأوفر بكل شيء».
من جهته، يقول ربيع مهنا: «لم يعد أي شيء كالسابق، حتى نحن تغيّرنا بفعل الظروف القاسية»، ويضيف الشاب الذي يعمل في القطاع الطبي: «كنا ننتظر العيد لنجمع العائلة يوم أحد الفصح كما جرت العادة، ونتبارى في (تفقيص البيض) إنما هذه العادات اختصرنا منها كثيراً هذه السنة، مع التخوّف من أن تختفي كلياً في الأعوام المقبلة في حال استمر الانهيار المالي، ولكن ما لم نتخلَّ عنها هي العادات الدينية والروحية، التي أعدها رغم كل شيء فرح العيد».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

سوريا: توقيف ضباط سابقين يُشتبه بمسؤوليتهم عن غارات جوية خلال عهد الأسد

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر «تلغرام»)
أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر «تلغرام»)
TT

سوريا: توقيف ضباط سابقين يُشتبه بمسؤوليتهم عن غارات جوية خلال عهد الأسد

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر «تلغرام»)
أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر «تلغرام»)

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، القبض على 5 ضباط سابقين من سلاح الجو، بشبهة الضلوع في شنّ غارات جوية خلال النزاع الداخلي في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأودى النزاع الذي امتد من 2011 إلى حين إطاحة الأسد في أواخر 2024، بحياة أكثر من نصف مليون شخص. وتعرضت خلاله المناطق التي كانت تسيطر عليها قوى وفصائل معارضة، لقصف جوي عنيف.

وقالت قوى الأمن الداخلي إنها تمكنت من «إلقاء القبض على خمسة من كبار ضباط وقيادات سلاح الجو في النظام البائد»، مشيرة إلى أنها تواصل تحقيقاتها معهم لإحالتهم إلى القضاء.

وأفادت، في بيان، بأن الموقوفين هم 5 ضباط، أحدهم برتبة لواء، وآخر برتبة عميد، إضافة إلى عقيدين ومقدم.

وأشارت إلى أنهم شاركوا «في التخطيط وإدارة وتنفيذ عمليات القصف الجوي، والاستفادة من سلاح الجو والقواعد الجوية ومراكز التوجيه الميداني لتنفيذ غارات قتالية مكثفة استهدفت مناطق مأهولة»، أدّت إلى دمار وتهجير سكان وخسائر بشرية.

ومنذ سقوط الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أوقفت السلطات عشرات المسؤولين الأمنيين السابقين.

وأعلنت في 11 سبتمبر (أيلول)، أعلنت السلطات اعتقال 9 طيارين سابقين، بينهم 3 عمداء، بتهمة المشاركة في عمليات قصف دامية استهدفت مدناً وبلدات سورية خلال فترة النزاع.

وشرعت في أبريل (نيسان) بمحاكمات علنية، وجاهياً وغيابياً، لمسؤولين سياسيين وأمنيين سابقين، بتهم عدة ترقى إلى «جرائم حرب» ارتُكبت بعد الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت عام 2011، وسحقها الحكم السابق بالقوة قبل أن تتحول إلى نزاع دامٍ.

وفي أغسطس (آب)، أصدر القضاء أحكاماً بالإعدام غيابياً بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، وحضورياً بحق المسؤول الأمني السابق وابن خالة الرئيس المخلوع عاطف نجيب، كما حُكم بالإعدام على وسيم الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع، لإدانته بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.


سوريا: مقتل شخص وإصابة آخر بانفجار مخلفات حرب في ريف دمشق

عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
TT

سوريا: مقتل شخص وإصابة آخر بانفجار مخلفات حرب في ريف دمشق

عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)

قُتل شخص وأُصيب آخر، اليوم (الجمعة)، جراء انفجار مخلفات حرب في مدرسة ‌‏‌‏‌‏التمريض بمدينة داريا في ريف دمشق.

‏ونقلت وكالة «سانا» السورية الرسمية عن مدير مركز عمليات مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في ريف دمشق ‌‏‌‏خالد النجم قوله، إن فرق الدفاع المدني السوري بريف دمشق نقلت ‌‏‌‏الجثمان إلى أحد المستشفيات لاستكمال الإجراءات وتسليمه إلى ذويه، فيما أسعف الأهالي ‌‏المصاب.‏

وأشار النجم إلى أن مدرسة التمريض في داريا مدمّرة بشكل كامل وخارجة عن ‌‏‌‏الخدمة،‏ وهناك علامات تحذيرية في محيطها لمنع الاقتراب منها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

‏‏ولفت النظر إلى أن مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث تشدد على عدم الاقتراب من ‌‏الأجسام المشبوهة أو مخلفات الحرب، وضرورة الإبلاغ عنها للجهات المختصة، ‌‏حفاظاً على سلامة المدنيين.‏

وقُتل شخص وأُصيب آخر يوم الثلاثاء الماضي، جرّاء انفجار جسم من ‌‏‌‏‌‏مخلفات الحرب داخل ‏كتيبة عسكرية مهجورة على طريق حاجولة الواصل بين ‌‏‌‏‌‏الناصرية والنبك بريف دمشق.


«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

عندما اعترفت فرنسا والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى العام الماضي بدولة فلسطين، شعر رائد الأعمال الفلسطيني، آدم بدر، ببعض الأمل، لكنه أمل يتلاشى في ظل تدهور الأوضاع المستمر في الأراضي الفلسطينية وغياب آفاق الحلول.

ويقول بدر (27 عاماً) وهو من مدينة طولكرم، في شمال الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد تصاعداً في العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ سنوات، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «شعرت بالسعادة عندما سمعت عن ذلك... الآن، بعد عام، لا نرى أي تحسن، بل على العكس، فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ولا أحد يستطيع فعل أي شيء».

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان، وضعف السلطة الفلسطينية. فيما، وإن تراجعت حدّة العنف في قطاع غزة، لم تنته الحرب تماماً ولم يعرف مصير القطاع الفلسطيني.

في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، ترأس الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قمة خاصة في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين، متعهداً بإيجاد مسار جديد في ظل الغضب العالمي من الهجوم الإسرائيلي المدمّر على غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُستقبلاً نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بمدينة رام الله في 22 يناير 2020 (أ.ف.ب)

واعترفت عشر دول، من بينها أيضاً كندا وأستراليا، بالدولة الفلسطينية، ما رفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي قامت بذلك إلى نحو 157 دولة، أي أكثر من أربعة أخماس أعضاء المنظمة الدولية.

لكن إسرائيل، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة، ترفض بشكل قاطع إقامة دولة فلسطينية. وكثّفت جهودها لعزل السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس.

ويتخوّف مراقبون من أن تضمّ إسرائيل الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع، بعد موافقة حكومته اليمينية على توسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.

ويقول وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، عمر عوض الله، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الاعتراف يجعل حلّ الدولتين واقعاً سياسياً ودبلوماسياً. لكن لسوء الحظ، على الأرض، لا يزال يعتمد على السلوك غير القانوني لإسرائيل التي لا تنفذ القرارات الدولية». ويضيف: «المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، لذا على الدول الآن أن تتخذ إجراءات» ضدها.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

وترى المحللة السياسية الفلسطينية، إيناس عبد الرازق، أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يساوي الكثير من دون اتخاذ تدابير تهدف إلى دعم وجود دولة وتواجه الأفعال الإسرائيلية. وتقول: «لقد تحوّل حلّ الدولتين إلى لازمة دبلوماسية لتجنب مواجهة الواقع، وهو أن نظاماً يرتكب إبادة جماعية، يسيطر على كامل الأراضي الفلسطينية».

إسرائيل في موقع الهجوم

على امتداد التلال الكلسية في الضفة الغربية، تصطف آلاف الأعلام الإسرائيلية على الطرق التي يستخدمها المستوطنون الإسرائيليون، وتتخللها بين الحين والآخر كتابات على الجدران فيها «لا مستقبل في فلسطين»، في دعوة إلى رحيل الفلسطينيين.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ويقول نتنياهو إن إقامة دولة فلسطينية ستكون «مكافأة على الإرهاب» بعد أن نفذت حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الهجوم الأكثر عنفاً في تاريخ إسرائيل التي ردّت بعملية عسكرية ضخمة في غزة.

وقال نتنياهو الشهر الماضي: «طالما أنا رئيس للحكومة، لن تُقام دولة فلسطينية خاضعة لسيطرة إيران»، في إشارة إلى التحالف بين «حماس» وطهران، «لا في غزة ولا في يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية). نقطة».

وقبل أسابيع، أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية التي تخدم الفلسطينيين في القدس الشرقية، ردّاً على عقوبات فرضتها دول غربية على رأسها المملكة المتحدة، ومن بينها فرنسا وكندا، على المستوطنات الإسرائيلية بسبب عدم قانونيتها وعنف المستوطنين.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، مبرراً هذه الخطوة، إن حكومة حزب العمال في بريطانيا تحاول «فرض» دولة فلسطينية على إسرائيل، لكن هذه المحاولة «محكوم عليها بالفشل».

تصاعد الهجمات

وتتعرّض السلطة الفلسطينية التي أقيمت في التسعينات ككيان مؤقت لتمثيل الشعب الفلسطيني، لانتقادات مرتبطة بالفساد والافتقار إلى الشرعية.

وقد تحوّلت إلى كيان أكثر عجزاً عندما بدأت إسرائيل بخنقها اقتصادياً بعد عام 2023، فتجد صعوبة في دفع رواتب موظفيها المدنيين والعسكريين من جراء عدم تحويل الدولة العبرية عائدات الضرائب التي تجبيها نيابة عنها.

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)

في مطلع عام 2025، أقامت إسرائيل نحو ألف بوابة حديدية في الضفة الغربية، عند مداخل معظم القرى والبلدات، تقوم بإغلاقها بين الفينة والأخرى للتحكّم في حركة الفلسطينيين. بالإضافة إلى عشرات الحواجز العسكرية التي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض.

ويندّد الفلسطينيون بسياسة «أرض أكثر وعرب أقل» التي تطبّق عملياً عبر إقدام مستوطنين على طرد التجمعات الرعوية المعزولة من المناطق الريفية في الضفة من أجل إقامة بؤر استيطانية.

وتقول الأمم المتحدة إن المستوطنين المتطرفين نفذوا في عام 2026 ما معدله ست هجمات يومياً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية.

ويشكو الفلسطينيون من أن مرتكبي أعمال العنف من الإسرائيليين نادراً ما يُحاسبون، وأن الجيش يوفر لهم الحماية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أنه كلّف الجيش إعداد خطة هدفها «نقل كل صلاحيات حفظ النظام» المتصلة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة، في خطوة يراها مراقبون مزيداً من التقدم نحو الضم.

ويرى سامح، وهو مهندس برمجيات من نابلس، أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية العام الماضي لا تزال «إشارة إيجابية»، لكن الوضع صعب. ويقول: «لا يزال هناك فارق كبير بين الاعتراف الدولي وبين رؤية هذا الاعتراف يُترجَم إلى واقع ملموس على الأرض».