سهل القليلة في جنوب لبنان: منصة لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل

تحيط به المخيمات الفلسطينية وتستخدمه منظمات لتوجيه «رسائل أمنية»

لبنانيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بأحد المواقع في بلدة القليلة الجنوبية بعد غارة إسرائيلية صباح أمس (أ.ف.ب)
لبنانيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بأحد المواقع في بلدة القليلة الجنوبية بعد غارة إسرائيلية صباح أمس (أ.ف.ب)
TT

سهل القليلة في جنوب لبنان: منصة لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل

لبنانيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بأحد المواقع في بلدة القليلة الجنوبية بعد غارة إسرائيلية صباح أمس (أ.ف.ب)
لبنانيون يتفحصون الأضرار التي لحقت بأحد المواقع في بلدة القليلة الجنوبية بعد غارة إسرائيلية صباح أمس (أ.ف.ب)

تحوَّل سهل القليلة - رأس العين الواقع في جنوب مدينة صور بجنوب لبنان، منذ عام 2009، إلى منصة إطلاق رسائل نارية باتجاه إسرائيل، عبارة عن «صواريخ لقيطة»، غالباً ما لا يتبنى أحد إطلاقها، رغم أن الجهات الأمنية اللبنانية تؤكد أن منظمات متشددة ومنظمات فلسطينية تقف وراء إطلاقها.
والقليلة، البلدة الساحلية التي تقع في نقطة وسطية تقريباً بين الحدود مع إسرائيل (تبعد 16 كيلومتراً إلى الشمال من الخط الحدودي، ونحو 12 كيلومتراً إلى جنوب مدينة صور)، تنتشر فيها بساتين الموز والمساحات الخضراء، وتمتد إلى وديان عميقة وطويلة تصل إلى وديان أخرى ممتدة إلى الحدود اللبنانية مع إسرائيل. وتشكل سهول القليلة نقاط اتصال جغرافي بين مدينة صور والقرى التابعة لها، وصولاً إلى الناقورة، ومخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين، الواقع أيضاً على الشاطئ الجنوبي. وتعد البساتين القائمة هناك واحدة من أكبر الغطاءات النباتية على سواحل الجنوب.

وغالباً ما شهدت المنطقة الحدودية اللبنانية الإسرائيلية، منذ عام 2007، إطلاق عدد محدود من الصواريخ باتجاه الشمال الإسرائيلي، كان أولها في يونيو (حزيران) 2007، حين أعلنت جماعة متشددة، تطلق على نفسها «كتائب بدر الجهادية - فرع لبنان»، مسؤوليتها عن إطلاق صواريخ باتجاه كريات شمونة، انطلاقاً من جنوب شرقي لبنان.
وخلال مسار إطلاق الصواريخ، تبنّى «حزب الله» اللبناني مسؤوليته عن إطلاق بعضها، كما هي الحال في عام 2021، رداً على استهداف إسرائيلي، ونفى مسؤوليته عن أخرى، في حين أدرجت الصواريخ، التي لم يعلن أحد المسؤولية عن إطلاقها، ضمن خانة «الصواريخ اللقيطة».
وتصدرت سهول بلدة القليلة على الساحل الجنوبي، استضافة إطلاق «الصواريخ اللقيطة»، وبدأ اعتماد المنطقة باعتبارها منصة إطلاق، في يناير (كانون الثاني) 2009، بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على غزة، مما دفع المدفعية الإسرائيلية للرد، قبل أن يتكرر الأمر في فبراير (شباط) من العام نفسه، وأعيدت الكَرّة، في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، حيث جرى إطلاق صاروخين أيضاً، قبل أن تردّ المدفعية الإسرائيلية.
وبالتزامن مع الحرب السورية، تبنّى تنظيم متشدد يحمل اسم «كتائب عبد الله عزام» إطلاق 4 مقذوفات باتجاه شمال إسرائيل، سقط صاروخان بالقرب من بلدتيْ بيرانيت ونيتوا في الجليل الغربي، على بُعد 700 متر من الحدود اللبنانية، وردّت القوات الإسرائيلية بالمدفعية. وكرر الفصيل المتشدد نفسه العملية، في أغسطس (آب) 2013، حيث أطلق 4 صواريخ كاتيوشا باتجاه المستوطنات الشمالية، واعترض نظام «القبة الحديدية» الإسرائيلي أحد الصواريخ.
وفي يوليو (تموز) 2014، رصدت قوات الأمم المتحدة، المؤقتة في جنوب لبنان «اليونيفيل»، حادثتي إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل بفارق يومين، وتحدثت عن إطلاق 3 صواريخ من محيط بلدة القليلة، جنوب لبنان، نحو إسرائيل. وأبلغت السلطات الإسرائيلية «اليونيفيل» بأن صاروخين سقطا في البحر، وسقط الثالث في شمال إسرائيل، جنوب الخط الأزرق. وردّ الجيش الإسرائيلي بإطلاق قذائف مدفعية نحو محيط زبقين.
وتكرر الأمر في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وفي يوليو 2021، حين أعلن الجيش اللبناني عثور وحدة من عناصره، في محيط منطقة القليلة، على 3 منصات لإطلاق صواريخ من نوع «غراد 122 ملم»، أحدها صاروخ كان مُعداً للإطلاق جرى تعطيله من قِبل الوحدات المختصة، وأطلقت الأخرى باتجاه إسرائيل. وتكرر ذلك في أبريل (نيسان) 2022، بالتزامن مع تطورات عسكرية في غزة، حيث جرى إطلاق صاروخ من منطقة رأس العين - القليلة، جنوب مدينة صور، باتجاه إسرائيل.
ويسهم الموقع الجغرافي للمنطقة في تسهيل وصول أي أطراف تستعد لاستخدام المساحات غير المأهولة والبساتين، لإطلاق الصواريخ، فالمنطقة واقعة إلى جانب خط سريع يربط صور بالناقورة، ويحاذي شواطئ غير مأهولة أيضاً، وهو قريب من مخيمات فلسطينية موجودة في مدينة صور ومحيطها، بينها مخيم الباص، ومخيم برج الشمالي، ومخيم الرشيدية، وغيرها.
وتغيرت ديموغرافية المنطقة، في السنوات العشر الأخيرة، فبعدما كانت قرى بلا سكان، بالنظر إلى أنهم نزحوا منها، على خلفية الاحتلال الإسرائيلي للبنان، عاد سكانها بدءاً من عام 2000، وباتت منطقة حيوية بعد عام 2006، بالنظر إلى أنها الطريق الرئيسي الذي ينقل قوات «اليونيفيل» من مقرهم في الناقورة إلى بيروت. أما في السنوات الأخيرة، فقد نشطت المنتجعات السياحية بشكل كبير في المنطقة.


مقالات ذات صلة

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

المشرق العربي توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

دعت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، مساء الجمعة، إلى الهدوء بعد توتر بين حرس الحدود الإسرائيليين وأنصار لـ«حزب الله» كانوا يتظاهرون إحياءً لـ«يوم القدس». ونظّم «حزب الله» تظاهرات في أماكن عدّة في لبنان الجمعة بمناسبة «يوم القدس»، وقد اقترب بعض من أنصاره في جنوب لبنان من الحدود مع إسرائيل. وقالت نائبة المتحدّث باسم يونيفيل كانديس أرديل لوكالة الصحافة الفرنسية إنّ عناصر القبعات الزرق «شاهدوا جمعاً من 50 أو 60 شخصاً يرمون الحجارة ويضعون علم حزب الله على السياج الحدودي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أنَّ «الصمت الشيعي» حيال إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل في شمال إسرائيل لا يعني أنَّ «حزب الله» على توافق مع حركة «أمل» بهذا الشأن، بمقدار ما ينم عن تباين بينهما، إذ ارتأيا عدم إظهاره للعلن لقطع الطريق على الدخول في سجال يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الجنوبية. وقالت المصادر إنَّ حركة «أمل»، وإن كانت تتناغم بصمتها مع صمت حليفها «حزب الله»، فإنها لا تُبدي ارتياحاً للعب بأمن واستقرار الجنوب، ولا توفّر الغطاء السياسي للتوقيت الخاطئ الذي أملى على الجهة الفلسطينية إطلاق الصواريخ الذي يشكّل خرقاً للقرار 1701. وعلى صعيد الأزمة الرئاسية، ذكرت مصادر فرنسية مط

العالم العربي المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

استنكر المطارنة الموارنة في لبنان، اليوم (الأربعاء)، بشدة المحاولات الهادفة إلى تحويل جنوب لبنان إلى صندوق لتبادل الرسائل في الصراعات الإقليمية. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، طالب المطارنة الموارنة، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم الشهري في الصرح البطريركي في بكركي شمال شرقي لبنان اليوم، الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية بالحزم في تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تعزيز أجهزة الرصد والتتبُّع والملاحقة. وناشد المطارنة الموارنة، في اجتماعهم برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، «القوى الإقليمية والمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمل أعباء لم تجلب عليه ماضياً سوى الخراب والدمار وتشتيت ا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل

ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، اليوم الأحد، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والانتهاك المتمادي للسيادة اللبنانية أمر مرفوض، مؤكدا أن «عناصر غير لبنانية» وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب. وقال ميقاتي إن «الهجوم الإسرائيلي على المصلّين في الأقصى وانتهاك حرمته أمر غير مقبول على الإطلاق، ويشكل تجاوزاً لكل القوانين والأعراف، ويتطلب وقفة عربية ودولية جامعة لوقف هذا العدوان السافر». وعن إطلاق الصواريخ من الجنوب والقصف الإسرائيلي على لبنان، وما يقال عن غياب وعجز الحكومة، قال ميقاتي إن «كل ما يقال في هذا السياق يندرج في إطار الحملات الإعلامية والاستهداف المجاني، إذ منذ اللحظة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

قررت الحكومة اللبنانية تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل، على خلفية الغارات التي نفذتها على مناطق لبنانية بعد إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كرّمها بايدن وعاقبها ترمب... وزيرة عراقية سابقة على قائمة «الإرهاب»

وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
TT

كرّمها بايدن وعاقبها ترمب... وزيرة عراقية سابقة على قائمة «الإرهاب»

وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)

أكدت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء تأشيرة وزيرة المالية العراقية السابقة طيف سامي محمد الشكرجي، بعد إدراج اسمها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي، في تطور يمثل تحولاً لافتاً في موقف واشنطن تجاه مسؤولة كانت قد كرمتها الإدارة الأميركية السابقة بجائزة دولية عام 2022.

وقالت الخارجية الأميركية إن تأشيرة الشكرجي ألغيت بعد إدراجها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الاتحادي، مضيفة أنها لم تعد موجودة في الولايات المتحدة.

ولم تكشف الوزارة، وفقاً للمعلومات الواردة في التقارير التي تناولت القضية، عن موعد إدراج اسم الشكرجي على القائمة أو طبيعة المعلومات الاستخبارية التي استند إليها القرار.

وكانت الشكرجي قد نفت، قبل صدور التأكيد الأميركي، مغادرتها العراق أو إدراج اسمها على قوائم مراقبة الإرهاب الأميركية، وقالت إنها لم تُمنع من دخول الولايات المتحدة خلال توليها منصب وزيرة المالية، كما لم تستدع إلى أي محكمة ولم تتلق إخطاراً قضائياً.

من التكريم إلى الإلغاء

يكتسب القرار الأميركي أهمية سياسية بسبب التباين بين موقف الإدارة الحالية والسابق. ففي عام 2022، منحت الخارجية الأميركية الشكرجي جائزة «المرأة الدولية للشجاعة»، خلال فترة إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تقديراً لدورها الذي وصفته واشنطن آنذاك في مكافحة الفساد والدفاع عن المساواة بين الجنسين.

وكانت الشكرجي قد تلقت التكريم من وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن، والسيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن، ضمن مجموعة من النساء اللواتي قالت الإدارة الأميركية إنهن أظهرن شجاعة وقيادة في مجالات السلام والعدالة وحقوق الإنسان وتمكين النساء والفتيات.

لكن وزارة الخارجية في إدارة الرئيس دونالد ترمب أكدت الآن إلغاء تأشيرتها، وقالت إن الإدارة «لن تسمح للمشتبه بضلوعهم في الإرهاب بالبقاء في الولايات المتحدة».

ولا يعني إدراج شخص على قائمة مراقبة أو إلغاء تأشيرته، بحد ذاته، إثبات إدانته قضائياً بارتكاب جريمة، كما أن الأسباب التفصيلية التي دفعت السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار لم تُعلن في البيانات المتاحة.

طيف سامي كانت وزيرة المالية خلال ولاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (إعلام حكومي)

اتهامات عراقية

وتزامن التطور مع اتهامات مالية وجهها مسعود حيدر، وكيل وزارة المالية العراقية السابق، إلى الشكرجي. وقال حيدر في تدوينة على منصة «إكس»، إن الشكرجي يجب أن تحاكم أمام القضاء العراقي، واصفاً إياها بأنها «أفشل وزير في الإدارة المالية في تاريخ الدولة العراقية»، وفقاً لما نقلته «الشرق الأوسط».

واتهمها أيضاً بأنها تسببت في إغراق العراق بديون تزيد على 200 تريليون دينار عراقي، وبـ«هدر» أكثر من 140 مليار دولار خلال فترة توليها وزارة المالية.

حسابات أميركية أوسع

ويرى رحمن الجبوري، الخبير في الشؤون الأميركية، أن الإجراءات الأميركية الأخيرة قد تكون جزءاً من مقاربة أوسع للعلاقة مع بغداد.

وقال الجبوري لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى واشنطن «حساباتها في العراق» تشمل، من بين أمور أخرى، مستقبل التمثيل الدبلوماسي الأميركي، ومدى التزام الحكومة العراقية بالاتفاقات التي جرى بحثها خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، فضلاً عن ملف حصر السلاح وتجفيف شبكات اقتصادية مرتبطة بإيران ومكافحة تهريب الدولار.

وأضاف أن ترمب، في تقديره، «يناور» في هذه الملفات، وأن التزام الحكومة العراقية بالتفاهمات قد يفتح الطريق أمام ترسيخ العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات العراقية الأميركية نقاشاً متزايداً بشأن مستقبل التعاون الأمني والوجود العسكري الأميركي، بالتزامن مع خلافات حول سلاح الفصائل المسلحة وشبكات التمويل والعقوبات.

وبينما أكدت واشنطن إلغاء تأشيرة الشكرجي وإدراجها على قائمة المراقبة، لم تعلن تفاصيل الأدلة أو الاتهامات التي استند إليها القرار. ومن ثم، فإن الربط بين الإجراء الأميركي والاتهامات المالية العراقية أو الخلافات السياسية والأمنية بين بغداد وواشنطن يظل، في غياب تأكيد رسمي، استنتاجاً لا واقعة مثبتة.

Your Premium trial has ended


بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)

يفتح تمسك الولايات المتحدة الأميركية برفض التجديد لقوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» الباب أمام ضرورة البحث عن قوة أممية تحل مكانها تحظى بتوافق أوروبي - أميركي، وتوجد في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتحدة، بحسب قول رئيس المجلس النيابي نبيه بري لـ«الشرق الأوسط»، وإلا نفتقد إلى المستند القانوني للإبقاء على المرجعية الدولية، والتمسك بدورها باعتبارها الناظم الوحيد لمؤازرة الجيش اللبناني لبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها مشروطة بانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رئاسة البرلمان)

وأكد بري أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل ليست البديل عن الحضور الدولي في الجنوب، طالما أن تل أبيب ترفض تطبيق ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار» برعاية أميركية للالتزام بتطبيق «المرحلة التجريبية» الأولى، وتشكيل الآلية للتأكد من انتشار الجيش في البلدات المشمولة بها، مع أن بري -رغم موقفه الرافض للاتفاق- كان اقترح توسيعها باعتماد القضاء، تبعاً للتقسيمات الإدارية للجنوب بدلاً من حصرها ببلدة زوطر الغربية المحتلة، وضم بلدات محررة إليها.

تكامل بين 1701 و«اتفاق الإطار»

فانتهاء المهلة المحددة لانتداب القوات الدولية في جنوب لبنان، في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل بإصرار من واشنطن، يشغل بال اللبنانيين عموماً، والجنوبيين خصوصاً، بغياب المرجعية الدولية الشاهدة على مراقبة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ومواكبته حتى الحدود الدولية، في ضوء إصرار إسرائيل على تغييبها، والاستعاضة عنها باتفاقات ثنائية بين البلدين تلقى رفضاً لبنانياً على المستويين الرسمي، والشعبي، ما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها بأن تأخذ الموقف اللبناني بعين الاعتبار في ضوء مطالبة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بتشكيل قوة أوروبية بديلة تحظى بغطاء أممي في حال لم تستجب واشنطن لطلب لبنان الرسمي من مجلس الأمن بالتمديد المؤقت لـ«اليونيفيل».

وفي هذا السياق رأى مصدر وزاري أن هناك ضرورة لتحقيق حد أدنى من التكامل بين المسار الدولي المتمثل بـ«القرار 1701» و«اتفاق الإطار» الذي لا يزال يراوح مكانه، ويضع الولايات المتحدة أمام مصداقيتها بتعهدها بدعم لبنان بتطبيقه. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مجلس الأمن أكد تمسكه بالقرار المذكور في الجلسة المغلقة التي عقدها في الساعات الماضية، وإن البديل لن يتأمّن، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلا بإنشاء قوة مراقبة دولية.

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

ولفت المصدر إلى أن إصرار الخارجية الأميركية على تطبيق «اتفاق الإطار» يصطدم برفض إسرائيل التجاوب مع مطالبة واشنطن بتوسيع «المناطق التجريبية» بشمولها مدناً وبلدات جنوبية محتلة، وعدم موافقتها على آلية التحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية» الأولى، للتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله»، ومقاتليه. وأكد أن تأمين استمرارية المفاوضات في جولتها الثامنة التي تستضيفها روما يتوقف على تحديد موعد انعقادها، ومدى استعداد واشنطن بالضغط على إسرائيل لإحداث خرق يمهد الطريق أمام تحقيق تقدم يخرجها من الدوران في حلقة مفرغة، خصوصاً بعد دخول توقيع البلدين على «اتفاق الإطار» في 26 يونيو (حزيران) الماضي شهره الثالث.

اليوم التالي لانتهاء مهمة «اليونيفيل»

وسأل المصدر: كيف سيكون عليه الوضع في اليوم التالي لانتهاء انتداب «يونيفيل» في مهمتها بمؤازرة الجيش اللبناني لبسط سلطته على كافة أراضيه؟ وهل سيبقى الوضع المشتعل في الجنوب معلقاً إلى ما بعد انتهاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من خوض معركته الانتخابية لتأمين الأكثرية في «الكنيست» للعودة لرئاسة الحكومة؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي رئيس البرلمان نبيه بري في وقت سابق من شهر أغسطس 2026 (أرشيفية - رئاسة البرلمان)

سلاح «حزب الله» كشرط للتقدم بالمفاوضات

وأكد أن أي تقدم في المفاوضات يبقى مرتبطاً بنزع سلاح «حزب الله». وقال إن الموقف الذي صدر عن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى في هذا الخصوص لم يكن عفوياً، وإن عبّر عنه على طريقته، وهذا ما كان تبلّغه لبنان من واشنطن بأن تثبيت وقف النار يتزامن مع تسليم سلاح الحزب للدولة، وإخلائه لتلال «علي الطاهر» إفساحاً في المجال أمام انتشار الجيش اللبناني فيها.

ولفت إلى أن تغييب أي إشارة في «اتفاق الإطار» للقرار 1701 لا يعني صرف النظر عن نزع سلاح «حزب الله» الذي هو موضع إجماع دولي، وعربي، ويحظى بتأييد غالبية القوى السياسية المحلية، ويكاد يكون الممر الإلزامي للانتقال بالبلد إلى مرحلة التعافي على كافة المستويات بعد أن أصرت الحكومة على تطبيق حصريته بيد الدولة. فيما توقف في نفس الوقت أمام ما قاله أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم في خطابه الأخير الذي لم يحمل أي جديد سوى أنه توخى منه كعادته شد عصب محازبيه، مع أنه في هجومه على الولايات المتحدة أغفل تعليقه على قول عضو المجلس السياسي للحزب محمود قماطي إن الأبواب لم تقفل بصورة نهائية أمام التواصل مع الأميركيين، ما اعتبره مصدر في «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» كأنه لم يكن ما لم يمر عبر طهران التي تعود لها كلمة الفصل في أي قرار يتخذه الحزب بعد أن ربط المسار اللبناني بـ«مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية التي يحاصرها تبادل الحملات والتهديدات بين طرفيها، ما يصعّب تطبيقها، علماً أن الجواب على قماطي جاءه على لسان السفير عيسى باشتراط أي تواصل مع واشنطن بنزع سلاح «حزب الله».

واشنطن تضغط على نتنياهو

وبالنسبة إلى المفاوضات، فإن واشنطن تسعى لإعادة الاعتبار إليها بالضغط على نتنياهو لإزالة تحفّظه على توسيع «المناطق التجريبية»، وتشكيل «آلية التحقق»، ما ينعش الآمال المعقودة على استئنافها، مع تذكير الحزب، بلسان مصدر سياسي معني باستئنافها، بأنه آن الأوان ليعيد النظر في تحريضه على الـ«يونيفيل» الذي يشكل عائقاً أمام إقناع أي دولة لترؤس «آلية التحقق» بغياب الضمانات من التعرض لمراقبيها تحت اسم «احتجاج العائلات»، لا سيما أن قاسم كان عارض تشكيل الآلية، وهذا ما يضع قاسم أمام مسؤوليته بتقديم التسهيلات لإنقاذ لبنان بدلاً من الإبقاء عليه معلقاً على «مذكرة التفاهم» الإيرانية-الأميركية، خصوصاً أن واشنطن ثابتة على موقفها بعدم ربط المسار اللبناني بإيران.


بغداد تؤكد الالتزام بإنجاز الانسحاب الأميركي نهاية سبتمبر

جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بغداد تؤكد الالتزام بإنجاز الانسحاب الأميركي نهاية سبتمبر

جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت مصادر إن بغداد ما زالت متمسكة بموعد 30 سبتمبر (أيلول) المقبل لإنهاء الوجود العسكري لقوات التحالف الدولي في العراق، وذلك في وقت أفادت فيه تقارير صحافية بأن الولايات المتحدة وشركاءها يعتزمون تقليص مهمتهم العسكرية والانتقال إلى إطار أمني ثنائي مع الحكومة العراقية بدلاً من الانسحاب الكامل.

وقال مصدر رسمي عراقي لـ«الشرق الأوسط» إن صحة التقارير التي تتحدث عن استمرار وجود قوات أميركية وأجنبية في العراق بعد سبتمبر «تتنافى مع ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة العراقية السابقة والإدارة الأميركية». لكنه أضاف أنه «من السابق لأوانه التعليق على تقارير صحافية لم تستند إلى مصدر أميركي رسمي».

وكانت التقارير قد نقلت السبت عن مسؤول أميركي، لم تكشف هويته أو منصبه، قوله إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف سيخفضون مهامهم العسكرية في العراق بحلول 30 سبتمبر المقبل، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس دونالد ترمب.

وحسب التصريحات المنسوبة إلى المسؤول، فإن خفض المهمة يعكس ما وصفه بالنجاح المشترك في محاربة تنظيم «داعش»، ويمثل انتقالاً نحو شراكة أمنية ثنائية دائمة بين بغداد وواشنطن، بما يتوافق مع المصالح الأميركية والدستور العراقي واتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين.

وقال المسؤول إن الخطوة لا تعني نهاية التحالف الدولي ضد «داعش»، وإنما انتقال مهمته العسكرية إلى شكل أكثر تقليدية في إطار العلاقات الثنائية، مع استمرار التنسيق بين الحكومة العراقية والدول المشاركة في التحالف لضمان انتقال «مسؤول وسلس».

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

اتفاق سابق وجدول زمني

كان العراق والولايات المتحدة قد أعلنا في سبتمبر 2024 عن خطة لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد «داعش» في العراق، والانتقال تدريجياً إلى علاقة أمنية ثنائية.

وبموجب الخطة، انتهت المرحلة الأولى من المهمة في سبتمبر 2025، فيما بقيت قوات في إقليم كردستان لدعم العمليات المرتبطة بمكافحة التنظيم في سوريا، على أن تنتهي المرحلة الأخيرة في سبتمبر 2026.

وقال صباح النعمان، الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلحة، إن 30 سبتمبر المقبل سيكون بمثابة «عرس عراقي»، مؤكداً التزام بغداد بإنجاز انسحاب قوات التحالف في الموعد المحدد.

وأضاف النعمان أن الحكومة ماضية أيضاً في تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة وإدماج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة الشرعية.

وقال المصدر الرسمي العراقي لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة «ملتزمة بما تم الاتفاق عليه بين بغداد وواشنطن»، وإن العراق لم يعد بحاجة إلى قوات أجنبية على أراضيه لأي غرض.

وأضاف أن بغداد حريصة على ألا يؤدي استمرار الوجود الأميركي، في حال حدوثه، إلى توفير مبرر للفصائل المسلحة للتراجع عن مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

السلاح والعلاقة مع واشنطن

يضع ملف سلاح الفصائل في العراق قضية الوجود الأميركي في سياق أوسع من مجرد ترتيبات عسكرية. فبغداد تسعى، حسب تصريحات مسؤولين عراقيين، إلى تثبيت سلطة الدولة على السلاح، بينما يمثل وجود القوات الأميركية أحد أبرز الملفات التي تستند إليها بعض الفصائل في موقفها من العلاقة مع واشنطن.

وقال مسؤول أمني عراقي سابق لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يستبعد أن تعيد واشنطن النظر في موقفها من الانسحاب إذا لم تلتزم الحكومة العراقية بجدول زمني لنزع سلاح الفصائل.

وأضاف أن تشكيل لجنة من قوى سياسية ضمن «الإطار التنسيقي» لبحث ملف السلاح، مع طرح أفكار تتعلق بإعادة تنظيمه أو تخزينه بدلاً من نزعه، قد يُفسر في واشنطن باعتباره مؤشراً على غياب الجدية في تنفيذ هذا الملف.

وعزا المسؤول، في تقييمه، جانباً من التحول في الموقف الأميركي إلى زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق، قائلاً إن الزيارة أعقبها تشدد أميركي في ملفات عدة، من بينها الوجود العسكري والعقوبات.

رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي

غير أن هذه التفسيرات تبقى، حتى الآن، في إطار تقييمات مسؤولين ومراقبين وليست إعلانات رسمية عن تغيير أميركي للاتفاق المعلن مع بغداد.

وقال سعيد الجياشي، المستشار السابق في الأمن الوطني، لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق العراقي الأميركي، الذي جاء بعد مفاوضات استمرت أكثر من عام ونصف العام، ينص على انسحاب قوات قيادة المهام المشتركة الأميركية التي عملت في العراق ضمن عملية «العزم الصلب» ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا.

وأضاف أن عملية الانسحاب بدأت في سبتمبر (أيلول) 2025 ومن المقرر أن تنتهي في 30 سبتمبر 2026، بما ينهي الوجود العسكري الأميركي ووجود قوات دول التحالف في العراق.

وأكد الجياشي أن ذلك لا يعني نهاية التعاون الأمني بين العراق والولايات المتحدة أو بقية الدول، مشيراً إلى استمرار التنسيق في مكافحة الإرهاب.

ويبقى الخلاف الحالي مرتبطاً، بصورة أساسية، بتفسير طبيعة المرحلة التالية: هل تنتهي المهمة العسكرية الأجنبية في الموعد المتفق عليه، أم تتحول إلى وجود محدود ضمن علاقة أمنية ثنائية؟ وفي ظل عدم صدور إعلان أميركي رسمي واضح، تظل الإجابة النهائية مرتبطة بالمفاوضات بين بغداد وواشنطن خلال الأسابيع المقبلة.