محادثات ماكرون ـ جينبينغ لم تُحدث اختراقات فعلية في الملف الأوكراني

زيارة ماكرون لم تحقق اختراقاً فعلياً في الملف الأوكراني و ما حصل عليه مجرد «وعود» يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق (رويترز)
زيارة ماكرون لم تحقق اختراقاً فعلياً في الملف الأوكراني و ما حصل عليه مجرد «وعود» يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق (رويترز)
TT

محادثات ماكرون ـ جينبينغ لم تُحدث اختراقات فعلية في الملف الأوكراني

زيارة ماكرون لم تحقق اختراقاً فعلياً في الملف الأوكراني و ما حصل عليه مجرد «وعود» يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق (رويترز)
زيارة ماكرون لم تحقق اختراقاً فعلياً في الملف الأوكراني و ما حصل عليه مجرد «وعود» يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق (رويترز)

مرة أخرى، سعى الرئيس الفرنسي لبناء علاقة شخصية مع أحد كبار هذا العالم. حاول ذلك مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عندما دعاه في عام 2017، ضيف الشرف، لحضور العرض العسكري التقليدي الذي يجري كل عام بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في جادة الشانزليزيه وساحة الكونكورد في باريس. وفي صيف عام 2019 جرّب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما خصه بدعوة للمجيء إلى منتجعه الصيفي في حصن بريغونسون، المطل على مياه المتوسط حيث وصل بوتين على متن طوافة وقدم باقة من الورد لعقيلة ماكرون. وها هو، في زيارته للصين التي انتهت أمس، يعاود المحاولة مع الرئيس شي جينبينغ من خلال لفتة الانتقال في اليوم الثالث للزيارة من بكين إلى مدينة كانتون «غوانغزهو باللغة الصينية» الواقعة جنوب البلاد التي سبق لوالد الرئيس الصيني أن كان مسؤولاً عنها زمن القائد التاريخي ماو تسي تونغ قبل أن يغضب عليه ويُبعده عن المسرح السياسي. والأهم من ذلك أن زوجة شي جينبينغ وهي مغنية أوبرا في شبابها، سبق لها أن مارست فنها لسنوات في المدينة المذكورة. ولأن الشيء بالشيء يُذكَر، فإن شي جينبينغ أراد أن يردّ التحية لـماكرون بأجمل منها إذ ذهب أيضاً من جانبه إلى كانتون حيث دعا ماكرون وعقيلته إلى عشاء خاص في مكان رفضت أوساط الرئيس الفرنسي الكشف عنه. إلا أنها وصفته بأنه «متميز».

تُبين مجريات الأحداث أن دبلوماسية العلاقة الشخصية التي ينتهجها ماكرون لم تنجح مع ترمب ولا مع بوتين. الأول لم يخفِ عداءه للاتحاد الأوروبي الذي يدعو ماكرون لتعزيزه ولتمكينه من تحقيق «استقلاليته الاستراتيجية». أما مع الرئيس الروسي، فإن المحاولات التي بذلها ماكرون لثنيه عن حربه على أوكرانيا فشلت جميعها وذهبت هباء الساعات الطويلة التي أمضاها معه إما وجهاً لوجه وإما بالتواصل الهاتفي لمحاولة وقف الحرب وإيجاد حل سياسي للخلافات الروسية - الأوكرانية. ثم إن المراهنين على نجاحها مع زعيم ثاني أكبر اقتصاد في العالم والساعي لتكون بلاده «أكبر قوة» في جميع المناحي بحلول العام 2049، أي بمناسبة مرور مائة عام على إنشاء الدولة الصينية الحديثة، قلائل رغم الوعود الشفهية التي حصل عليها ماكرون خصوصاً بالنسبة إلى الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ شهر فبراير (شباط) من العام الماضي.
عندما وصل ماكرون (الأربعاء) إلى بكين، مصحوباً برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، كانت تعتمله مجموعة أهداف تتناول علاقات بلاده الثنائية «والأوروبية» مع الصين في التجارة والاقتصاد والشراكات الصناعية والبيئة... ولكن خصوصاً العمل على إقناع بكين للامتناع عن الانخراط عسكرياً إلى جانب روسيا في حربها على أوكرانيا، لا بل حثها على القيام بجهد كبير لدفع بوتين إلى طاولة المفاوضات بوصفها الطرف القادر على التأثير على بوتين. وسبق للمصادر الرئاسية الفرنسية أن نبّهت من أن موقف بكين «يمكن أن يغيّر الوضع في أوكرانيا «من النقيض إلى النقيض». وفي الكلمات التي استخدمها ماكرون مرتين أمس قبل وعقب لقائه نظيره الصيني ركز على مسؤولية بكين «في إعادة روسيا إلى رشدها» وعلى الامتناع عن تزويد بوتين بأسلحة صينية، فيما نبهت فون دير لاين إلى أن الاتحاد الأوروبي سيحدد علاقته بالصين استناداً لما سيكون عليه أداؤها في الحرب الأوكرانية.
- الرئيس الصيني لا يتزحزح فعلياً
ما محصّلة جهود ماكرون على هذا الصعيد؟ يمكن اعتبار أن الأخير أصاب نجاحاً «مبدئياً» في ثلاثة أمور: الأول، أن جينبينغ دعا إلى «استئناف محادثات السلام» الخاصة «بالحرب الأوكرانية» في «أسرع وقت ممكن». ومن يدعو إلى حل تفاوضي لا يمكنه منطقياً أن يعمد، في الوقت عينه، إلى تسليح الطرف الذي بدأ الحرب. وتجدر الإشارة إلى أن بكين سبق لها أن طرحت «خطة للسلام» منتصف شهر فبراير الماضي التي لاقاها الغربيون بكثير من الفتور كما رفضها الرئيس الأوكراني زيلينسكي لأنها لا تقول بانسحاب كل القوات الروسية من جميع الأراضي الأوكرانية، فيما انتقدتها موسكو لأنها «لا تأخذ بعين الاعتبار» وبشكل واضح وعلني، رغم التقارب مع بكين، ما تسميها «الحقائق الجديدة على الأرض»، أي الاعتراف بضم المناطق الأربع الأوكرانية «زابوريجيا، وخيرسون، ولوهانسك، ودونيتسك» التي ترى موسكو أنها أصبحت أراضي روسية. بيد أن الكرملين، عن طريق الناطق باسمه ديميتري بيسكوف، سارع لإطلاق النار مسبقاً على أي مساعٍ صينية لاحقة باتجاه الدفع نحو مفاوضات سلام جديدة. وقال بيسكوف: «إن الوضع مع أوكرانيا معقّد وليس هناك أي أفق لحصول تسوية سياسية. وفي الوقت الحالي، ليس لدينا حل آخر غير مواصلة العملية العسكرية الخاصة». لكنّ المسؤول الروسي حرص على الإشادة بموقع الصين التي «تحظى بالطبع بإمكانية هائلة وفعالة حين يتعلق الأمر بخدمات الوساطة». وفي أي حال، فإن جينبينغ، أقله علناً، لم يقل إنه سيقوم بوساطة، كما لم يتطرق أيٌّ من الرئيسين إلى محددات الوساطة أو إلى تاريخ إطلاقها أو آلية عملها. وكان لافتاً أن ماكرون اتصل بداية الشهر الجاري بالرئيس الأوكراني للتشاور معه حول الرسائل التي سيحملها معه. وعقب الاتصال، صدر عن قصر الإليزيه بيان جاء فيه ما حرفيته: «إن الرئيسين تناولا الوضع العسكري، وإن رئيس الجمهورية أكد مجدداً دعمه لأوكرانيا من أجل أن تضع حداً للعدوان الروسي كما أنهما بحثا الجهود الدبلوماسية الساعية لتنظيم قمة حول السلام». وبقي هذا التلميح غامضاً ولم يسبق لأحد أن تحدث عن «قمة السلام».
خلاصة القول أن ما جاء على لسان شي جينبينغ لا يصل إلى حد الالتزام بالعمل من أجل وقف الحرب بشكل هدنة أو وقف الأعمال القتالية. وإذا كان متعارفاً عليه أن بكين هي الجهة الوحيدة القادرة على التأثير على موسكو وأنه ليس في الساحة اليوم أي خطة سلام أخرى، فمعنى ذلك، وفق قراءة دبلوماسيين في العاصمة الفرنسية، أن الحرب ستتواصل خصوصاً أن الطرفين يتأهبان لإطلاق عمليات عسكرية واسعة تريد منها كييف تحرير مزيد من الأراضي المحتلة بعد أن تتسلم ما وعدت به من أسلحة ثقيلة غربية «دبابات، ومنظومات صاروخية، وحتى طائرات قتالية» فيما تسعى روسيا لترسيخ حضورها في المناطق الساعية للسيطرة عليها حتى تصبح واقعاً لا رجوع عنه. في المقابل، إذا كانت محادثات ماكرون - فون دير لاين قد أقنعت الرئيس الصيني بالامتناع عن الاستجابة لطلبات روسيا لمدها بالأسلحة والذخائر والعتاد، فإنها تكون قد أصابت نجاحاً فعلياً. وثمة مسألة أخرى شدد عليها ماكرون وهي حث جينبينغ على التواصل مع زيلينسكي الذي دعا الزعيم الصيني لزيارة كييف، على غرار ما فعل في روسيا أو على الأقل التواصل معه، وهي الدعوات التي صمّ الأخير أذنيه عنها. وخلال المحادثات مع ماكرون - فون دير لاين قَبِلَ الطلب الأوروبي لكنه رهنه بـ«توافر الظروف»، أي عندما ترى بكين أنه ملائم.
- ماكرون حصل على وعود
هكذا يبدو أن زيارة ماكرون لم تحقق اختراقاً فعلياً في الملف الأوكراني وأن ما حصل عليه هو مجرد «وعود» يمكن أن تتحقق أو لا تتحقق. فالرئيس الصيني لم يندد بنشر روسيا أسلحة نووية في بيلاروسيا ودافع بشكل غير مباشر عن بوتين بقوله، وفق المصادر الفرنسية، إنه يتعين «الأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية المشروعة لكل الأطراف» في إشارة إلى مخاوف موسكو من وصول الحلف الأطلسي إلى حدودها الغربية. كذلك طالب شي جينبينغ بالتوصل إلى «بناء أمني متوازن، فاعل ودائم» وهو ما تطلبه روسيا فيما كتبت صحيفة «تشاينا ديلي» إنه «يتعين على أوروبا على الأقل أن تبدأ بإعادة النظر بالسياسة الأطلسية والبحث عن أمنها على حساب أمن الآخرين، وهو ما يعد السبب الأول لانعدام الاستقرار العالمي». ورغم تشديد ماكرون وفون دير لاين على أهمية أن تمتنع الصين عن تسليح روسيا، فإن المصادر المرافقة لماكرون لم تُشر إلى تجاوب أو ردة فعل صينية. وقد استخدم ماكرون كلمات بالغة الشدة بقوله إن «من يساعد المعتدي سيعد شريكاً له في الدوس على مبادئ القانون الدولي»، فيما نبهت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أن إقدام بكين على شيء كهذا «سيسيء بشكل واضح لعلاقاتنا المشتركة». وردت بكين على التحذير الأخير بقولها في بيان إن «الأزمة الأوكرانية ليست مشكلة بين الصين والاتحاد الأوروبي».
إذا كان الغربيون يسعون إلى منع الالتحام بين موسكو وبكين، فإن الطرف الصيني يريد من جانبه أن يُحدث تشققات في المواقف الغربية بحيث تبقى باريس وبرلين، وهما القوتان الفاعلتان أوروبياً، بعيدتين نوعاً ما عن تبني المواقف الأميركية بالغة التشدد إزاء الصين. ونقلت المصادر الفرنسية عنه تنديده بـ«منطق الحرب الباردة والمواجهة بين الكتل»، مضيفاً أن بلاده تعدّ أوروبا «قطباً مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب» والمقصود أنها غير تابعة للولايات المتحدة، رافضاً أن تكون العلاقات الصينية - الأوروبية «رهناً بطرف ثالث». وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون تجنب إثارة مسائل تثير حنق الصين مثل ملف تايوان أو وضع الأويغور، مفضلاً التركيز على ما يقرّب الطرفين على صعيد العلاقات الثنائية التجارية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية.
في اليوم الأخير ومع انتهاء زيارة الدولة، صدر بيان مشترك مطول من 51 فقرة وخمسة فصول أبرزها الفصل الثاني الخاص بالأمن والاستقرار في العالم. وأشارت إحدى فقراته، إلى جانب المبادئ العامة التي تحكم أداء الطرفين على المستوى العالمي والسعي للعمل المشترك على المستوى العالمي، إلى الاتفاق النووي المبرم مع إيران. وتشدد الفقرة المذكورة على «التزامهما بالعمل من أجل حل سياسي ودبلوماسي للملف النووي الإيراني وتمسكهما بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية... ودعمهما للوكالة الدولية للطاقة الذرية». وفي الحصاد الاقتصادي، أفضت زيارة ماكرون إلى نتائج ملموسة أبرزها يتناول شركة «إيرباص» التي حققت نجاحين: الأول بيع 160 طائرة للصين وإطلاق خط إنتاج إضافي لمصانعها الواقعة في منطقة «تياجين» قريباً من بكين بحيث يدخل الخدمة في العام 2025، وتعد الصين أكبر سوق للطائرات المدنية في العالم. وما يصح على «إيرباص» يصح على شركات أخرى مثل «كهرباء فرنسا» و«سويز» و«لوريال» وشركة «سي إم إي - سي جي إم» البحرية والكثير غيرها التي وقّعت اتفاقات وعقوداً بمناسبة الزيارة، بلغت 14 اتفاقاً وعقداً بعشرات المليارات.


مقالات ذات صلة

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الفرقاطة الروسية «أميرال غولوفكو» تطلق قذيفة مدفعية خلال مناورة بحرية (د.ب.أ)

روسيا تعزز الدفاعات الجوية على ساحل بحر البلطيق بعد ضربات أوكرانية

تعتزم روسيا تعزيز الدفاعات الجوية في مواقع حسّاسة في منطقة لينينغراد على ساحل بحر البلطيق، وفق ما أعلن الحاكم الإقليمي الجمعة، عقب ضربات أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو خلال  لقاء صحافي في السفارة الأوكرانية في واشنطن  (رويترز)

رئيسة وزراء أوكرانيا تعبر عن ثقتها في الدعم الأميركي لبلادها 

غادرت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو، الولايات المتحدة أمس (الخميس)، وهي تشعر بالتفاؤل إزاء ما وصفتها بالمحادثات الإيجابية ​التي أجرتها مع كبار…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».