اختيار الممثل إدوارد نورتون (46 سنة) لتلقي جائزة خاصة لمجمل أعماله السينمائية في مهرجان لوكارنو السينمائي كان صائبًا على أكثر من وجه، وفي مقدّمة هذه الوجوه حقيقة أنه ممثل جيد يستحق أي جائزة يرشح لها في أي مكان.
مؤخرًا كان نال، وعن جدارة، جائزة بافتا كأفضل ممثل مساند عن دوره في فيلم «بيردمان أو: الفضيلة غير المتوقعة للجهل» وسبق له أن نال جائزة غولدن غلوب كأفضل ممثل مساند عن دوره في «خوف أساسي» (1996)، هذا إلى جانب نحو ستين جائزة حصدها في مشواره السينمائي من تظاهرات ومهرجانات ومؤسسات سينمائية. كما رُشّـح للأوسكار ثلاث مرات أولها عن «خوف أساسي» وثانيها عن «أميركان هيستوري X» سنة 1998 والثالثة في هذا العام عن دوره المساند في «بيردمان».
اليوم الذي تمّـت فيه هذه المقابلة هو اليوم الذي ولد فيه سنة 1969 ما يعني أن اختيار مهرجان لوكارنو لهذا العام تحديدًا لمنحه الجائزة ليس عشوائيًا بل زيادة في التقدير. الجائزة نفسها كانت منحت لنخبة من الممثلين والممثلات سابقًا (ومن العام 2004 عندما سرى هذا التقليد أول مرة) ومنهم جون مالكوفيتش وسوزان ساراندون والراحل حديثًا كريستوفر لي وميشيل بيكولي وجولييت بينوش.
تمارين مسرحية
إلى ذلك، تم عرض فيلم «الساعة الـ25» الذي كان قاد بطولته مع فيليب سايمور هوفمن وباري ببر سنة 2002 تحت إدارة سبايك لي. فيه لعب شخصية تاجر مخدرات من نيويورك محكوم عليه بالسجن لديه آخر 25 ساعة من الحرية قبل أن يسلم نفسه. في هذا الفيلم الجيّـد وغير المنتشر أو المعروف جيّـدًا أبحر المخرج في تلك الساعات الأخيرة عاكسًا الحكاية وبيئتها وحياة الأصدقاء وعلاقة بطله بأبيه والأكثر علاقة كل هؤلاء بنيويورك بعد الكارثة الإجرامية سنة 2001.
> إنه أحد أفضل أفلامك. ألا تعتقد؟
- أوافقك. أنا سعيد به.
> قبل أن نمضي بعيدًا: «هابي بيرث داي».
- شكرًا. إنها مناسبة تذكرني بأن علي أن أنجز المزيد من الحياة والعمل.
> تاريخك الحافل يشير إلى أنك حققت الكثير من ذلك… كل هذه الجوائز وكل هذه الأفلام…
- طبعًا هذا جيد، لكن هناك ذلك الصوت الداخلي الذي يطالبك دومًا بأن لا تتأخر عن فعل المزيد. شاهدت «بيردمان» طبعًا… صوت لا يختلف عن الصوت الذي كان يتحدث إلى مايكل (كيتون) طوال الوقت. أعتقد أن هذا الصوت طبيعي وكل منا يحمله. يأتي مع حقيقة كوننا بشرًا.
> هو علامة رضا أو غير رضا؟
- الاثنان في رأيي. لكن غايته أن يدفعك للأفضل في الحالتين. معظم الناس تستطيع أن تتعامل مع هذا الصوت الداخلي. في أفضل حالاته هو الصوت الذي يدلك على ما لم تنجزه بعد وعلى كيف كانت أحلامك وما حدث لها.
> بدأت حياتك على المسرح، هل هذا صحيح؟
- بدأتها، إذا شئت التدقيق، بدراسة التمثيل في كلية «كولومبيا سنتر للفنون المسرحية».
> لكنك لم تنتقل من الدراسة الدرامية إلى الاحتراف.
- لا. درست التاريخ في شبابي وأهملت رغبتي في أن أصبح ممثلاً. ثم عشت في اليابان لفترة وعدت إلى نيويورك وبدأت التمثيل سنة 1994.
> سنتان قبل فيلمك الأول «الشعب ضد لاري فلينت».
- صحيح.
> هل الخبرة المسرحية ضرورية للممثل الجيّـد؟
- سؤال جيد ولو أنني أجبت عليه أكثر من مرّة. هناك الحالتان. لقد شاهدت ممثلين مسرحيين يتركون بصمتهم القوية عندما وقفوا أمام الكاميرا، وشاهدت ممثلين مسرحيين لم تسعفهم الخبرة كثيرًا أمامها. بلا شك الأسس هي نفسها، لكن المختلف هو قدر من الطاقة التي عادة ما ينجح الممثل في الإتيان بها من التمثيل على خشبة المسرح. إنها نوع مختلف من الطاقة في رأيي. وهي مختلفة لأنك على المسرح لديك فضاء من الجمهور يستقبلونك مباشرة من دون حاجز ويتفاعلون معك في اللحظة ذاتها.
> التمثيل المسرحي هو تدريب الموهبة من دون السماح بأخطاء.
- صحيح. هو تدريب يشبه التمرين البدني الذي تقوم به في صالة رياضية. أحيانًا أشعر أنه عندما أمثل على المسرح بأني أقوم بتلك التمارين. كل ليلة عليك أن تقدّم الدور كاملاً وتضيف إليه قدر المستطاع. هذا ما يزيد من قوّتك ومهارتك.
من وإلى
> في «بيردمان» الذي لا يزال آخر ما لديك من أدوار أديت دورًا لا يقل صعوبة عن ذلك الذي أداه مايك في الشخصية الرئيسية. ما الذي أردت الخروج به بتمثيلك هذا الفيلم؟
- لا شيء. أعتقد من الخطأ على الممثل أن ينظر إلى الأفلام كفرص. هو ينظر إلى الدور كرغبة في تمثيله إذا كان الدور جيّـدًا وإذا كانت العناصر الفنية الأخرى متلاقية كما في «بيردمان»، لكنه سيفوّت عليه سعادة تحقيق هذه الرغبة إذا ما فكّـر بشيء آخر كالفرص التي قد تتولد إذا ما قام بتمثيل هذا الدور أو ذاك الدور. كذلك هناك حقيقة أخرى إضافية في هذا الموضوع الذي تتحدث فيه. العمل مع مخرج مثل أليخاندرو (غونزاليز إيناريتو، مخرج «بيردمان») لا يتيح لك التفكير بأي شيء آخر سوى الجهد لتلبية طلباته. أحيانًا هي ليست طلبات واضحة.
> هل لديك مثال؟
- في أحد المشاهد التي تجمعني بمايكل أوقف التصوير وجاء غاضبًا يقول: إننا نفعل العكس تمامًا مما يريد. طلب منا أن نعكس كل شيء على نحو كامل. كان ذلك في مشهد احتمل الكثير من التحضير لأنه مشهد مهم. بالطبع أعدنا التصوير، هذه المرّة على النحو الذي اقترحه. لنقل كنا هادئَـين وانتقلنا إلى ثائريَـن. كنا نمثل بنبرة والمطلوب نبرة مختلفة. عندما انتهينا تقدم منا وقال: إنه غير راض. قال لنا: أريد منكما الانتقال إلى العكس تمامًا مما تقومان به (يضحك). لكن العكس تمامًا هو ما كنا نقوم به في البداية.
> لكن في النهاية، سواء أحققت نسخته الأولى من التمثيل أم نسخته الثانية جاء تمثيلك وتمثيل مايكل رائعًا والمشاهد بينكما حادة ومتوترة على نحو مفهوم.
- صحيح. هذه هي حسنة أليخاندرو الأساسية: يعرف ما يريد حتى وإن توجه إليه بإرشاد غير واضح ويحققه ضمن عملية سرد مواكبة لما يريد. الكاميرا المتوترة في الفيلم تواكب التوتر الدرامي جيّـدًا. من الصعب أن تفصلهما. الفيلم أساسًا هو عن شخصيات تجاهد في سبيل تحقيق ذواتها من دون أن تخون أنفسها. كل يريد شيئا مختلفًا والكل مجتمع على البذل في سبيل هذا الشيء.
العمل والنجاح
> لماذا في اعتقادك مرّ «الساعة الـ25» هادئًا من دون النجاح الذي أعتقد أنه كان يستحقه؟
- هذا يتوقف على ما تقصد بالنجاح. تجاريًا أعتقد أنه لم يكن من النوع الذي يحتشد الجمهور طويلاً على بابه. لكنه لم يخسر كلفته أيضًا. ومنذ تنفيذه قبل أكثر من عشرة أعوام ازداد عدد الذين يريدون مشاهدته كما سمعت. لكن نقديًا حظي بنجاح أعلى بالتأكيد. نقديًا وبين الفئة التي تحب هذا النوع من الأفلام المفكّـرة كحال «بيردمان».
> كحال الكثير من الأفلام التي قمت بتمثيلها. هل لديك تفضيلات؟
- هناك فيلم سابق لهذا الفيلم هو «خوف أساسي» أحب دوري فيه وكذلك «أميركان هيستوري x» و«فخر ومجد» وبالطبع «الساعة الـ25» و«بيردمان».
> ماذا عن «ذا غراند بودابست هوتيل»؟
- بالتأكيد. وس أندرسون من المخرجين الذين أحب الظهور معهم. لديه رؤية فنية خاصّـة به.
> لديه طاقم من الممثلين المعتادين، لكنك كنت من بين الجدد في هذا الفيلم.
- هو وأنا صديقان وهو دائمًا ما فكر في أن يكتب دورًا لي. لم أطلب منه شيئا لكنني كنت أعلم أن الفرصة آتية بلا ريب. وها هي تحققت. هو وأليخاندرو من بين عدة مخرجين أنا مستعد للعمل معهم في أي وقت. أبحث عن القيمة في العمل وليس عن الفرصة أو النجاح فقط.
> مثلت أيضًا في أفلام جماهيرية أكثر مثل «إرث بورن» و«مملكة السماء» و«العملاق المدهش» (The Incredible Hulk). أعتقد أنك حاولت منح شخصية «العملاق» المستوردة من روايات الكوميكس حياة جديدة.
- أردت أن أمنحها شيئا تختلف به عن مجرد تمثيلها على الشاشة. من دون أن أذكر أسماء وأمثلة الكثير من شخصيات الكوميكس تنتقل على الشاشة في نمط لا يسمح للممثل بتحقيق طموحه من ورائها. هذا ما أردت الابتعاد عنه.
> بمناسبة عيد ميلادك، هل لديك خطّـة جديدة؟
- أعتقد أنني سأواصل نهج طريقتي في العمل المتوازن بين الأفلام الكبيرة والأفلام المستقلة. طالما أن الدور أو الكاتب أو المخرج جيد. لكن للمستقبل أود أن أعود للإخراج (حقق سابقًا «الحفاظ على الإيمان» سنة 2000). كذلك أريد أن أتجنّـب السعي للإكثار من التمثيل. ليس لأني أود الانقطاع عنه، لكني أريد التريث واختيار أفلامي بدقة. أنا في هذه المرحلة الخاصّـة من حياتي حيث لا أود تكرار ما أقوم به حبًا في العمل.
إدوارد نورتون: أبحث عن القيمة في العمل وليس عن النجاح فقط
احتفى بعيد ميلاده ولوكارنو أهداه جائزة
كما بدا في أحد أفلامه الجديدة {إرث بورن} ومع المخرج سبايك لي وبينهما فيليب سايمور هوفمن
إدوارد نورتون: أبحث عن القيمة في العمل وليس عن النجاح فقط
كما بدا في أحد أفلامه الجديدة {إرث بورن} ومع المخرج سبايك لي وبينهما فيليب سايمور هوفمن
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

