طائرات الهيدروجين... انطلاقة واعدة

تصاميم جديدة للطيران «الأخضر»

طائرة شركة «يونيفرسال هيدروجين»
طائرة شركة «يونيفرسال هيدروجين»
TT

طائرات الهيدروجين... انطلاقة واعدة

طائرة شركة «يونيفرسال هيدروجين»
طائرة شركة «يونيفرسال هيدروجين»

للوهلة الأولى، بدت «دورنيير 228» Dornier 228، الطائرة المروحية التي تضمّ 19 مقعداً، عاديّة جداً وهي تحلّق في السماء الصافية في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت مروحتها اليسرى تدور بمحرّك كهربائي بقدرة 2 ميغاواط تشغّله خليتان من وقود الهيدروجين، (أما الجهة اليمنى فكانت تعمل بمحرّك وقود من الكيروسين المعياري). وأصبحت أكبر طائرة تعمل بالهيدروجين حتّى يومنا هذا. ووصف فال ميفتاخوف، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «زيروأفيا» الناشئة في كاليفورنيا التي رعت التحليق التجريبي الذي دام لمدّة عشر دقائق في منطقة غلوسترشير، إنجلترا، الحدث «باليوم التاريخي للطيران المستدام».
طائرات الهيدروجين
ونجحت شركة «يونيفرسال هيدروجين» في لوس أنجليس في اختبار طائرة بخمسين مقعداً تعمل بالهيدروجين أيضاً. وذلك في رحلة بداية هذا الشهر استمرت 15 دقيقة بحمولة 40 من أصل 50 راكباً. وتعد هاتان الشركتان بتسيير رحلات تجارية على متن طائرات مزوّدة بمحركات توربينية معاد تصميمها بحلول عام 2025.
من جهته، وسّع عملاق الطيران الفرنسي «إيرباص» خططه بإضافة رحلة استعراضية لطائرته «A380» في 2026، التي من المزمع أن تستخدم خلايا وقود الهيدروجين وحرق الهيدروجين مباشرة في المحرّك. وأخيراً، تعتزم شركة «رولز رويس» الدخول في مجال محرّكات الطائرات الحارقة للهيدروجين الصافي.
تلتزم صناعة الطيران، التي تتحمّل مسؤولية إنتاج 2.5 في المائة من انبعاثات الكربون العالمية، بتصفير الانبعاثات بحلول عام 2050، ولكنّ تحقيقها لهذا الهدف يتطلّب سلوك مسارات مختلفة، أبرزها الوقود المستدام، والمحرّكات الهجينة – الكهربائية، والطائرات العاملة بالبطارية - الكهرباء.
يُعدّ الهيدروجين مساراً محتملاً في هذا المجال أيضاً، سواء استُخدم لتوليد الكهرباء بواسطة خلايا الوقود أو حرقاً في المحرّكات، حيث إنه يندمج في الحالتين مع الأكسجين لتوليد بخار المياه كناتج ثانوي. وإذا نجح الهيدروجين الأخضر في تلبية حاجات تسيير الشاحنات والسفن الكبيرة، سنكون آمنين بوقود منخفض الكلفة وخالٍ من المشاكل البيئية التي تسببها البطاريات. ينطوي الطيران بواسطة الهيدروجين على تحديات متعلّقة بالتخزين والتراخيص، ولكنّ شركات الطيران تعمل اليوم على أساس البدء بتسيير رحلات بطائرات الهيدروجين بحلول العام 2035. ونقلت مجلة المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن أماندا سيمبسون، نائبة رئيس قسم البحوث والتقنية في «إيرباص أميركا»، أنّ «الهيدروجين في طريقه إلى السماء وسنوصله إلى هناك».
وقود مضغوط وسائل
الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة والأخفّ وزناً – أي أنّه أساسي في قطاع للصناعة يتحدّى الجاذبية – خصوصاً أنه ينتج ثلاثة أضعاف الطاقة التي ينتجها الوقود الآخر بالوزن نفسه. ولكنّ مشكلة الهيدروجين تكمن في الكمية؛ لأنّ نقله يتطلّب تخزينه في خزّانات ثقيلة، سواء على شكل غازٍ عالي الضغط أو على شكل سائلٍ مبرّد.
تستخدم شركة «زيروأفيا» غاز الهيدروجين المضغوط لأنّه حاصل على ترخيص للنقل على الطرقات. تتضمّن طائرتها التجريبية خليتين من وقود الهيدروجين وخزّانات تستقرّ داخل الحجرة، ولكنّ الفريق يفكّر حالياً بابتكار نظامٍ مضغوط بتعديلات بسيطة على تصميم الطائرة لتسريع الحصول على ترخيص في الولايات المتحدة وأوروبا. يشرح جايمس ماك ميكينغ، نائب رئيس الاستراتيجية في الشركة، بأنّ «الوزن الإضافي لخلايا الوقود يقلّل نطاق الطيران، ولكنّ هذا الأمر ليس بمشكلة لأنّ الطائرات الحديثة صُممت لتطير أبعد مما كانت عليه في الماضي».
وتُخطّط الشركة لإعادة تصميم طائرة أكبر حجماً، بمحركات توربينية و70 مقعداً، وضِعف نطاق الطيران لتستخدم على نطاق واسع في أوروبا بحلول 2027. تعمل الشركة اليوم على تطوير محرّكات كهربائية بقدرة 5 ميغاواط لهذه الطائرات، وتخطّط للتحوّل لاستخدام الهيدروجين السائل ذي الطاقة الأكثر كثافة لتوفير المساحة والوزن. يصف ماك ميكينغ هذا الوقود بالجديد في صناعة الطيران، لافتاً إلى أنّ الترخيص التنظيمي له قد يحتاج إلى وقتٍ أطول.

طائرة «إيرباص إيه 380»

من جهتها، تراهن شركة «يونيفرسال هيدروجين» على الهيدروجين السائل، وهي تسعى، على حدّ تعبير مؤسسها ورئيسها التنفيذي بول إيريمنكو، لتأمين شبكة نقلٍ سلسة لصناعة الطيران بالهيدروجين فور انطلاقها. تحصل الشركة على الهيدروجين الأخضر من مصدره وتحوّله سائلاً، وتضعه في خزانات ألمنيوم عازلة يمكن نقلها في العربات والقطارات والسفن. يقول إيريمنكو «نريد ترخيص هذه الخزانات من قِبل إدارة الطيران الفيدرالي بحلول 2025، أي أنّها لا يمكن أن تكون مشروعاً علمياً».
تحديات الطيران
ما هي التحديات التي تواجه طائرات الهيدروجين؟ يتوقّع إيريمنكو أن تكون كلفة الهيدروجين الأخضر موازية لكلفة الكيروسين في 2025، ولكنّ «لا يوجد أحد في هذا المجال يملك حلاً مدهشاً لطائرات الهيدروجين. الأمر يشبه قصّة البيضة والدجاجة».
في محاولة منها لإيجاد هذا الحلّ، وقّعت «يونيفرسال هيدروجين» شراكة مع «بلاغ باور»، الشركة الرائدة في صناعة خلايا الوقود، لتطوير آلافٍ من معدّات التحويل للطائرات التوربينية. تستبدل هذه المعدّات المحرّك التقليدي بحزمة من خلايا الوقود، وإلكترونيات الطاقة، ومحرّك كهربائي بقوّة 2 ميغاواط. وبينما يستخدم منافسو الشركة بطاريات كمخازن طاقة للإقلاع، يقول إيرمينكو: إن «(يونيفرسال) تستخدم خوارزميات ذكية لإدارة خلايا الوقود بطريقة تتيح لها التكثّف والاستجابة السريعة». وأضاف «نحن الأوائل في صناعة الهيدروجين. نشتري هيدروجين الآخرين، ونضعه في خزانات، ونوصله للزبائن. ولكن في البداية، علينا أن تطوّر آلة الصناعة. نحن الشركة الوحيدة التي تحتضن البيضة والدجاجة معاً».
تتفوّق خلايا الوقود على المحرّك الكبير الأساسي بفوائد عدّة، إذ إنّها تتيح للمصمم نشر محرّكات دفع أصغر حجماً على امتداد الطائرة، فتمنحه المزيد من الحريّة في التصميم. علاوة على ذلك، تتميّز هذه الفكرة بغياب الأجزاء المتحرّكة العالية الحرارة؛ ما يقلّل كلفة الصيانة. في المقابل، تعدّ المحرّكات الحارقة للهيدروجين خياراً أكثر جاذبية من خلايا الوقود الوازنة والمعقّدة في الطائرات التي تسافر لمسافات طويلة.
تدرس شركة «إيرباص» استخدام خلايا الوقود ومحركات الاحتراق في نظام «زيرو إي» في طائرتها الهيدروجينية. لهذه الغاية؛ دخلت في شراكة مع صانع خلايا وقود السيارات الألماني «إلرينغ كلينجر»، ومع «سي إف إم إنترناشيونال» لصناعة محركات الاحتراق. ولكنّ حرق الهيدروجين السائل قد يحتاج إلى تعديلات طفيفة على محركات اليوم، كاعتماد غرفة احتراق أصغر وأقفال أفضل.
تعمل «إيرباص» أيضاً على تقييم مقاربات الدفع الهجين بواسطة توربين مدعوم بمحرّك هيدروجين ومحرّك مدعوم بخلايا وقود الهيدروجين على الطائرة نفسها. وتقول سيمبسون من «إيرباص أميركا»: «بعدها، يمكننا العمل على تطوير أدائها لنتمكّن من استخدام أنظمة الدفع للإقلاع والارتفاع، ومن ثمّ إطفاء أحدها أثناء الطيران».
(النص الكامل على الموقع الإلكتروني)

لا تحصر الشركة نفسها في إعادة تصميم بسيطة للطائرات. تقول سيمبسون: إنّ «خزّانات الهيدروجين يمكن وضعها في قبّة على رأس الطائرة، أو في حجيرة تحت الأجنحة، أو في خزان كبير في خلفية الطائرة»، مضيفة أنّ «غياب الوقود السائل في الجناحين يسمح بتحسين الأجنحة بجعلها أرقّ أو أطول لخدمة الديناميكا الهوائية. يمهّد هذا الأمر الطريق لتطوير الطائرة والحصول على المزيد من الفاعلية». قد يحتاج الترخيص لطائرة مشابهة إلى سنوات؛ لذا، لا تتوقع «إيرباص» إطلاق رحلاتها التجارية قبل 2035.
يقول روبين رايدل، محلّل في شركة «ماكينزي وشركاه»: إنّ الطائرات التقليدية التي تُصنع اليوم ستكون موجودة في 2050 على اعتبار أنّها تدوم لـ25 أو 30 عاماً، لافتاً إلى أنّ أنواع الوقود المستدامة هي الخيار الأخضر الوحيد المناسب لهذه الطائرات. ويضيف، أنّ الهيدروجين قد يكون له دورٌ في هذه الحالة من خلال تقنية «الطاقة إلى السائل»، حيث يمكن مزج الهيدروجين مع ثاني أكسيد الكربون المخزّن لصناعة وقود للطيران.
وحتّى في ذلك الوقت، يعتقد رايدل، أنّ الهيدروجين سيكون على الأرجح جزءاً صغيراً من الحلّ المستدام لصناعة الطيران في 2050، مشدّداً على أنّ «الهيدروجين سيلعب دوراً أكبر بكثير بحلول عام 2070 ولكن علينا أن نبدأ العمل عليه من الآن». تشكّل الأموال التي تنفقها «إيرباص» و«بوينغ» على الهيدروجين جزءاً صغيراً من الصناعة الجوية، إلّا أنّ استثمارات شركات الطيران الكبرى في شركات الهيدروجين «تدلّ على رغبة كبيرة في الخوض بهذا المجال».
تختم سيمبسون قائلة: إنّ «الوقود الحيوي هو مجرّد خطوة أولى لأنّه يقلّل الانبعاثات فقط ولا يعالج الأضرار الأخرى. إذا كنّا نريد التقدّم نحو الطيران النظيف، علينا أن نعيد التفكير بكلّ شيء من الصفر وهذا ما تفعله شركة (زيرو إي). هذه الفرصة ليست لإحداث تغيير تطويري، بل تغيير ثوري».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
TT

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالاً أكثر طموحاً: هل يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، والتدخل في وقت يسمح بتغيير مسار المرض؟ وفي طب القلب، قد تأتي الإجابة من فحص قديم ومألوف: تخطيط كهربائية القلب (ECG)، فالخوارزميات تستطيع البحث داخل إشاراته عن أنماط دقيقة قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها باضطرابات قلبية ومخاطر مستقبلية؛ ليصبح التخطيط ليس مجرد قراءة لما يحدث الآن، بل نافذة محتملة على ما قد يحدث لاحقاً.

وفي 2 سبتمبر (أيلول) 2026، تناول الدكتور ريتشارد داسيلار (Richard Dasselaar)، خبير التحول الرقمي المقيم في سويسرا ورئيس مجموعة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب، هذه النقلة في مقال تصدّر غلاف العدد الرابع من المجلد 26 لمجلة «HealthManagement.org» بعنوان «من التنبؤ إلى الوقاية: تحويل طب القلب الدقيق إلى واقع». وينطلق داسيلار من سؤال يتجاوز قدرة الخوارزمية على توقع المرض: هل يمكن اكتشاف الخطر في مرحلة مبكرة بما يكفي لمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى مرض واضح؟ فالقيمة الحقيقية للتنبؤ، في هذه الرؤية، ليست في معرفة ما قد يحدث للمريض فحسب، وإنما في استخدام تلك المعرفة في الوقت الذي لا يزال فيه ممكناً تغيير مسار المرض.

حين يرى الذكاء الاصطناعي خطر القلب قبل الاعراض

تخطيط القلب... شفاء المستقبل

تخطيط قلب قد يرى المستقبل. المفارقة أن إحدى الأدوات التي قد تساعد الطب على استشراف أمراض القلب ليست تقنية جديدة، بل تخطيط كهربائية القلب (ECG)، أي الفحص البسيط والرخيص والمتاح على نطاق واسع منذ أكثر من قرن. والجديد ليس التخطيط نفسه، وإنما الطريقة التي أصبح الذكاء الاصطناعي يقرأ بها إشاراته. فالطبيب يفسر التخطيط عادةً بالبحث عن أنماط معروفة في النشاط الكهربائي للقلب، مثل اضطراب النظم أو التغيرات التي قد تشير إلى مشكلة قلبية. أما نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم AI-ECG، فتستطيع تحليل تفاصيل وعلاقات دقيقة داخل الإشارة الكهربائية قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية في القلب، وكذلك ببعض المخاطر المستقبلية. وتشير الدراسات التي يستعرضها داسيلار إلى أن تخطيط القلب يمكن، بهذه الطريقة، أن يتحول من تسجيل كهربائي للحظة الراهنة إلى ما يشبه «المؤشر الحيوي الرقمي» (Digital Biomarker) الذي يكشف معلومات إضافية كامنة داخل الفحص نفسه.

وتكمن جاذبية الفكرة في بساطتها: لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى فحص جديد أو جهاز جديد؛ فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج معلومات لم تكن متاحة سابقاً من تخطيط يُجرى بالفعل يومياً في المستشفيات والعيادات. لكن اكتشاف إشارة خفية لا يعني تلقائياً أننا منعنا المرض؛ وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا نفعل عندما تخبرنا الخوارزمية بأن المريض معرض للخطر؟

• عندما يتحول التنبؤ إلى تدخل. لكن معرفة أن شخصاً معرض لخطر المرض ليست في حد ذاتها علاجاً. وهذا أحد أهم التحولات في النقاش حول الذكاء الاصطناعي الطبي. ففي السنوات الأولى كان السؤال المتكرر: ما مدى دقة الخوارزمية؟ وما حساسيتها ونوعيتها؟ هذه الأسئلة مهمة، لكنها لم تعد كافية.

فقد يحقق نموذج أداءً ممتازاً داخل قاعدة بيانات بحثية، ثم تتراجع فائدته عند انتقاله إلى مستشفى آخر أو مجتمع مختلف، نتيجة اختلاف المرضى وانتشار الأمراض وجودة البيانات والأجهزة ومسارات العمل السريري. والأهم أن التنبؤ لا يملك قيمة حقيقية إذا لم يؤدِّ إلى قرار سريري مناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت الأدلة تنتقل بالفعل من اختبار قدرة الخوارزمية على التنبؤ إلى اختبار أثر استخدامها فعلياً على المرضى. ففي مايو (أيار) 2024، نشرت مجلة «Nature Medicine» تجربة سريرية عشوائية عملية بقيادة تشين-شان لين (Chin-Sheng Lin) وزملائه، شملت 15 ألفاً و965 مريضاً منوّمين في المستشفى. واختبرت الدراسة نظام تنبيه يعتمد على تخطيط القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن استخدامه ارتبط بانخفاض الوفيات لجميع الأسباب خلال 90 يوماً، مع تركز الفائدة لدى المرضى الذين صنّفهم النظام ضمن الفئة مرتفعة الخطورة.

ولا تعني هذه النتيجة أن تجربة واحدة حسمت مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب القلب، لكنها تشير إلى تحول جوهري في طريقة تقييمه: لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الخوارزمية اكتشاف الخطر؟ بل: هل يؤدي استخدام ذلك الاكتشاف إلى تغيير ما يحدث للمريض؟

هل تفهم خوارزميات القلب المريض العربي؟

الخوارزمية والعلاج

الخوارزمية ليست العلاج. لنتخيل أن مريضاً أُجري له تخطيط للقلب، فاكتشف الذكاء الاصطناعي نمطاً يرتبط بارتفاع احتمال وجود خلل قلبي لم تظهر أعراضه بعد. ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتلقى التنبيه؟ ومن يقرر إن كان يستدعي فحصاً إضافياً؟ وماذا يحدث إذا اختلف تقدير الطبيب عن الخوارزمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن القرار؟ وكيف نشرح للمريض أن ارتفاع «احتمال الخطر» لا يعني أنه مصاب بالمرض؟

هنا يضع داسيلار قاعدة شديدة الأهمية: «المؤسسات الصحية لا تطبق خوارزميات، بل تطبق مسارات سريرية». فتنبيه الذكاء الاصطناعي ليس علاجاً بحد ذاته؛ وإنما تبدأ قيمته عندما يدخل في مسار واضح: يراجعه الطبيب، ويضعه في سياق حالة المريض، ويطلب الفحوص التأكيدية عند الحاجة، ثم يتخذ قراراً علاجياً أو وقائياً مناسباً. وبذلك لا يكون نجاح الذكاء الاصطناعي في أنه أطلق تنبيهاً صحيحاً، بل في أن هذا التنبيه وصل إلى الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وأدى إلى إجراء يمكن أن يحسن ما يحدث للمريض.

• هل تصلح الخوارزمية نفسها للمريض العربي؟ هنا يبرز سؤال يهم منطقتنا مباشرة: إذا طُوّرت خوارزمية لتخطيط القلب واختُبرت على مرضى في الولايات المتحدة أو أوروبا، فهل يمكن افتراض أنها ستحقق الدقة نفسها عند استخدامها مع المرضى في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة؟

ليس بالضرورة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي دُرّب عليها، وقد يتأثر أداؤه بخصائص السكان، وانتشار الأمراض، والأعمار والحالات المصاحبة، وكذلك بنوع الأجهزة المستخدمة، وطريقة تسجيل البيانات، والممارسات السريرية في كل مؤسسة. لذلك فإن نجاح الخوارزمية في المجتمع الذي طُوّرت واختُبرت فيه لا يكفي وحده لضمان الأداء نفسه في مجتمع آخر.

ويشدد داسيلار على أن التحقق الخارجي ليس مجرد تفصيل تقني، خصوصاً عندما تُستخدم الخوارزمية للكشف المبكر عن المرض. فالنموذج ينبغي أن يثبت أن أداءه يظل موثوقاً عند تغير الجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة السريرية وطريقة الحصول على البيانات. وعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل، تصبح الحاجة أكبر إلى دراسات تمتد زمنياً، للتأكد من أن الإشارة التي تلتقطها الخوارزمية اليوم ترتبط بالفعل بما يحدث للمريض لاحقاً، وفي وقت مبكر بما يكفي لإتاحة فرصة حقيقية للتدخل.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك قضية أكبر من مجرد استيراد أحدث خوارزمية: هل جرى التحقق منها على السكان الذين ستُستخدم معهم فعلياً؟

د. ريتشارد داسيلار لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي قد ينقل طب القلب من التنبؤ إلى الوقاية

لقاء صحافي

عينات سعودية للتحقق من التقنية. وفي لقاء مباشر مع «الشرق الأوسط»، سُئل الدكتور داسيلار عما إذا كان التحقق من هذه التقنية في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبية يعني أنها أصبحت جاهزة للتطبيق مباشرة في الشرق الأوسط. فأجاب بأن التحقق في دولة لا يمنح الخوارزمية تلقائياً صلاحية عالمية؛ فلكل بلد تركيبته السكانية ونظامه الصحي وأجهزته وبياناته السريرية، ومن الضروري أن يمتلك سياسة واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وآلية للتحقق المحلي قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.

وأوضح أن التحقق لا ينبغي أن يكون اختباراً يُجرى مرة واحدة وينتهي، بل عملية مستمرة تشمل قياس دقة الخوارزمية على السكان المحليين، والتأكد من أدائها مع الأجهزة والمنصات المستخدمة فعلياً في المؤسسات الصحية، ثم مراقبتها بعد التطبيق لرصد أي تغير في الأداء بمرور الوقت. ولعل التطور الأهم للمنطقة أن فريق المشروع، حسب داسيلار، قرر إدراج عينات من المملكة العربية السعودية ضمن مراحل التحقق من التقنية، بهدف تقييم أدائها لدى السكان في المملكة وتوسيع تنوع قاعدة التحقق. وهي خطوة قد تمهّد، إذا أثبتت النتائج كفاءتها، لاستخدام مستقبلي أكثر أماناً في المنطقة يستند إلى أدلة محلية، بدلاً من افتراض أن النجاح في أوروبا أو الولايات المتحدة سيُترجم تلقائياً إلى النتائج نفسها لدى المريض العربي.

وهنا تتبلور قاعدة أساسية في عصر الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الخوارزمية قد تكون عالمية، لكن الثقة السريرية بها يجب أن تُبنى محلياً.

• من التنبؤ بالخطر إلى رسم «مسار» المريض. الخطر القلبي ليس رقماً ثابتاً. فهو يتغير مع العمر وضغط الدم والأدوية والنشاط البدني والحالة الصحية ووظيفة القلب. ولذلك فإن تقدير احتمال إصابة المريض في لحظة واحدة لا يروي القصة كاملة.

من هنا ينتقل السؤال من: «ما احتمال إصابة هذا المريض؟» إلى سؤال أكثر طموحاً: «إلى أين يتجه مساره الصحي، وما الذي يمكن أن نفعله لتغيير هذا المسار؟» ويشير داسيلار إلى مفهوم ناشئ يعرف بـ«التوأم الرقمي القلبي» (Cardiovascular Digital Twin)، يقوم على إنشاء تمثيل رقمي لحالة الفرد المتغيرة مع الزمن، وقد يتيح مستقبلاً استكشاف مسارات صحية محتملة ومحاكاة أثر تدخلات مختلفة عليها. لكنه يحذر ضمناً من اختزال الفكرة في نموذج ذكاء اصطناعي أكبر أو لوحة بيانات أكثر تعقيداً؛ فالطموح الحقيقي هو تمثيل الحالة السريرية المتغيرة للفرد وفهم الاحتمالات المستقبلية التي قد تنتج عنها. والمجال لا يزال ناشئاً، مع أسئلة علمية وسريرية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

وهكذا قد ينتقل طب القلب الدقيق مستقبلاً من خوارزمية تقول: «هذا المريض معرض للخطر» إلى نظام يساعد الطبيب على طرح سؤال أكثر فائدة: «أي تدخل اليوم يمكن أن يغيّر ما سيحدث لهذا المريض غداً؟»

• الذكاء الاصطناعي سيمنحنا الوقت. لكن كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، ازدادت المسؤولية. فالتنبؤ ليس تشخيصاً، وارتفاع الاحتمال ليس يقيناً؛ لذلك ينبغي ألا تتحول إشارة الخوارزمية إلى حكم على مستقبل المريض، بل إلى معلومة يفسرها الطبيب في سياق حالته ويقرر ما إذا كانت تستدعي تدخلاً أو فحوصاً إضافية. وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تستخدم هذه الأدوات مع أشخاص أصحاء أو قليلي الأعراض.

ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في طب القلب أن يخبرنا بدقة أكبر مَن سيمرض، بل أن يمنح الطب شيئاً أكثر قيمة: الوقت... وقتاً لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض واضح، ووقتاً للتدخل عندما لا يزال بالإمكان تغيير المسار، وربما ـ في أفضل الحالات ـ وقتاً يجعل المرض الذي تنبأت به الخوارزمية حدثاً لم يقع أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل: قد يكون أفضل تنبؤ يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب هو ذلك التنبؤ الذي يساعدنا على منع نفسه من أن يصبح حقيقة.

يحلل تفاصيل إشارات القلب التي قد يصعب تمييزها ويربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية فيه


هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة
TT

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

لطالما تخيّل الناس جنود المستقبل في الحرب وقد تحوّلوا وبفضل الآلات القابلة للارتداء من مقاتلين يحملون الأسلحة، إلى جنود مُغلّفًين بدروع الروبوتية القوية والقدرة النارية.وتعود أحلام ارتداء الهياكل المحمية القوية في الحروب إلى رواية «جنود الفضاء Starship Troopers» (الصادرة عام 1959) لروبرت هاينلاين، حيث تمنح بدلة بطلها جوني ريكو القتالية الآلية، السرعة والقوة وإمكانات الهجوم المدمر في ساحة المعركة، مع الحفاظ على سهولة استخدامها كملابس عادية. وأصبحت هذه الصورة التي عززها لاحقاً الرجل الحديدي، نموذجاً قوياً للمخططين العسكريين: هيكل خارجي متكامل قادر على تحويل جندي المشاة العادي إلى آلة أقوى وأسرع وأكثر فتكاً.

في غضون عامين من صدور رواية هاينلاين، كان البنتاغون يبحث بالفعل عن «جنديه الآلي»، وهو بدلة تُمكّن الجنود من الركض أسرع والتوقف بشكل أسرع ورفع أحمال أثقل. وكانت المؤسسة الدفاعية الأميركية تسعى جاهدةً لتحويل الدروع الآلية إلى واقع ملموس.

منجزات عبر العقود

بعد عقود من البحث، يبدو أن الحلم يتحقق أخيراً، ولكن بصورة أبسط بكثير مما توقعه «البنتاغون». تعود الفكرة إلى ما قبل هاينلاين وشخصية الرجل الحديدي، فقد ظهرت براءات اختراع لأجهزة مساعدة تعمل بالزنبرك والبخار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان باحثو الجيش الأميركي يدرسون تقنيات التعزيز البيولوجي - الميكانيكي. وحددت الدراسات المبكرة المشكلات التي ستعيق المشروعات اللاحقة: الطاقة المحمولة، وأنظمة التحكم، وصعوبة جعل الآلة تتحرك بشكل طبيعي مع جسم الإنسان.

> أولى التصاميم. شكّلت هذه الفجوة بين الخيال والهندسة أساس البرامج الأميركية اللاحقة. فقد صُممت بدلة هارديمان Hardiman suit من جنرال إلكتريك في ستينيات القرن الماضي لمساعدة الجندي على حمل 1000رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً)، لكنها كانت بطيئة وغير مستقرة وعرضة لحركات عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، بينما ظلّت بدلة بيتمان Pitman suit التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد فكرة. وظلّ الجيش يعود مراراً وتكراراً إلى رؤى الدروع الروبوتية، لكن قوانين الفيزياء وتعقيداتها حالت دون تحقيقها.

* أفكار القرن الحادي والعشرين. أعادت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إحياء هذا المسعى في عام 2001 بمنحٍ كبيرة لتعزيز الأداء البشري. أفضت تقنية الهيكل الخارجي للجزء السفلي من الجسم التي طورتها جامعة بيركلي في النهاية إلى نظام HULC من شركة «لوكهيد مارتن»، في حين طورت شركة «ساركوس» (التي استحوذت عليها لاحقاً شركة «رايثيون») نظام Guardian XO للاستخدام الصناعي. ورغم أن هذه النماذج الأولية قدمت أفكاراً مبهرة فيما يتعلق بقدرة تحمل الأوزان، غير أنها لم تنجح في التحول إلى معدات عملية صالحة للاستخدام في ساحات المعارك.

وتُعد مبادرة «تالوس» TALOS التي أطلقتها قيادة العمليات الخاصة الأميركية عام 2013 وسُوِّقت باعتبارها «بدلة الرجل الحديدي» Iron Man suit للقوات الخاصة- أشهر المحاولات الحديثة في هذا المجال. وبعد مرور خمس سنوات، ومشاركة أكثر من 100 شركة وجامعة، وتبني رؤية طموحة لدرع قادر على مقاومة نيران الأسلحة، انتهى البرنامج دون التوصل إلى بدلة قتالية جاهزة للاستخدام الميداني. ولم تكن المشكلة تكمن في الطموح، بل في التكامل؛ إذ تطلب الأمر عمل عدد كبير من الأنظمة المترابطة معاً بسلاسة تامة، وهو ما لم يتحقق.

وعليه، يظل مفهوم «الجندي المعزز آلياً بالكامل» (servo-soldier) بعيد المنال. ومع ذلك لا تزال الهياكل الخارجية تظهر في السياقات العسكرية، ولكن كأدوات متخصصة ومحدودة النطاق للتعامل مع أعباء بدنية محددة، بدلاً من كونها آلات قتالية متعددة الأغراض.

هياكل جديدة للحدّ من الإصابات

وعلى مدار العقد الماضي أعاد الجيش الأميركي توجيه أبحاث الهياكل الخارجية لتركز على تقليل الأحمال التي يحملها الجنود والحد من الإصابات. وقد أشارت استراتيجية الروبوتات لعام 2017 وأولويات التحديث اللاحقة إلى أنظمة حمل الأوزان باعتبارها جزءاً من القدرات القتالية الفتاكة المستقبلية، مما دفع نحو إجراء تحليلات هندسية للتصاميم الحالية والناشئة بهدف تطبيقها عملياً في المجال العسكري

* بدلات للمسعفين في المعارك. وتعكس التجارب الأخيرة هذا التحول؛ فقد اختبر الجيش بدلة SABER الخارجية للحد من إصابات الظهر، ودرس كيف يمكن للهياكل الخارجية مساعدة المسعفين القتاليين، كما قيّم أنظمة تجارية مخصصة لمناولة ذخيرة المدفعية. وفي الوقت نفسه، اختبرت القوات الجوية هياكل خارجية لعمليات تحميل الشحنات، بينما طور الباحثون الطبيون في الجيش دعامة خفيفة الوزن للساق السفلى لمساعدة الجنود المصابين على الوقوف والمشي وإخلاء أنفسهم ذاتياً. وتتضمن الميزانيات المستقبلية تمويلاً بحثياً متواضعاً لأنظمة قد تساهم في تقليل الإصابات بين أفراد فرق نقل الجرحى (حاملي النقالات). وقد اشترى سلاح الجو الملكي الأسترالي 470 بدلة خارجية من طراز HeroWear Apex 2، المشتقة من نظام SABER، لعمال النقل الجوي الذين ينقلون البضائع ويبنون المنصات.

* تطويرات أوكرانيا والصين. وهناك جيوش أخرى تجري تجارب مماثلة أيضاً، فقد استخدمت القوات الأوكرانية هياكل خارجية سلبية تجارية ومحلية لمساعدة أطقم المدفعية على نقل القذائف وحمل الأحمال الثقيلة مع تقليل الضغط على العمود الفقري. وعرضت الصين جنود جيش التحرير الشعبي الصيني وهم يستخدمون هياكل غير مزودة بمحركات في المناطق الجبلية، لا سيما في مهام الدوريات والإمداد الشاقة في مناطق مثل التبت وشينجيانغ. وتستكشف فرنسا ودول أخرى استخدامات مماثلة تركز على الخدمات اللوجستية.

> تطبيقات ناجحة. وتشترك التطبيقات الناجحة في نمط معين: فهي تركز على منطقة واحدة من الجسم، مثل الظهر أو الركبتين؛ وهي سلبية أو مزودة بمحركات خفيفة؛ وتحل مشكلات لوجستية روتينية. وهي خفيفة بما يكفي ليرتديها الجنود بالفعل. وبدلاً من تحويل جندي واحد إلى عشرة، تعالج هذه التقنية مشكلة عسكرية أكثر إلحاحاً، ألا وهي الوقاية من إصابات الجهاز العضلي الهيكلي، التي تشكل الغالبية العظمى من إصابات الجيش الأميركي، وغالباً ما تنتج عن الإفراط في الاستخدام.

* حماية جسدية. الدرس الأوسع نطاقاً يتعلق بالضجة الإعلامية حول تكنولوجيا الدفاع. فقد فشل مشروع «تالوس» لأنه اعتمد على نظام موحد معقد، حيث كان على كل نظام فرعي فيه أن يعمل بكفاءة في آن واحد. أما الهياكل الخارجية التي تشهد تقدماً اليوم فهي أقل بريقاً بكثير: فهي تساعد جندي المدفعية، أو عامل مناولة البضائع، أو المسعف على حماية ظهره وركبتيه أثناء العمل المتكرر.

لا تزال الدروع الآلية مجرد خيال جذاب، بدءاً من مشاة هاينلاين الآلية وصولاً إلى الرجل الحديدي. لكن الهيكل الخارجي الذي قد يكون الأكثر أهمية في ساحة المعركة هو الهيكل الصغير والبسيط والذي لا يحتاج إلى بطاريات وقابل للنقل. ورغم أن ذلك لن يُحدث ثورة في الحرب، فإنه قد يساعد الجنود العاديين على مواصلة العمل خلال فترات الانتشار الطويلة، وأعمال الإمداد الثقيلة، وإجلاء المصابين.

* مجلة «فاست كومباني»


شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا
TT

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

كشف علماء بريطانيون عن أدلة جديدة تشير إلى أن الجينوم البشري يبدأ بتنظيم نفسه استعداداً للقرارات التطورية المستقبلية قبل وقت طويل من تنشيط الجينات الرئيسية. وتوضح النتائج أن البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) تلعب دوراً محورياً في تحديد كيفية اكتساب الخلايا لهويتها خلال المراحل الأولى من تطور الجنين البشري.

وقاد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Cell Reports» في 23 يونيو (حزيران) 2026 باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC) وكلية «إمبريال لندن»، بالتعاون مع «معهد بابراهام» المنظمة الشريكة لجامعة كمبردج في المملكة المتحدة. وتسلط النتائج الضوء على الكيفية التي تساعد بها البنية المكانية للجينوم في توجيه التطور الجنيني كما قد توفر أدلة مهمة لفهم أسباب بعض الاضطرابات النمائية.

الجينوم أكثر من مجرد مخطط وراثي

على الرغم من أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على الحمض النووي (دي إن إيه) (DNA) نفسه، فإن اختلاف أنواع الخلايا يعود إلى تشغيل مجموعات معينة من الجينات في أوقات محددة. وتتحكم في هذه العملية مناطق من الحمض النووي تُعرف باسم المعززات الجينية (Enhancers) التي تعمل مفاتيح جزيئية لتنظيم نشاط الجينات.

وغالباً ما تكون هذه المعززات بعيدة عن الجينات التي تتحكم بها على امتداد شريط الحمض النووي. وللتأثير في تلك الجينات ينطوي الحمض النووي داخل نواة الخلية بطريقة تسمح بحدوث تلامس مباشر بين المعززات والجينات المستهدفة عبر حلقات ثلاثية الأبعاد. ويُعد فهم كيفية تشكل هذه الاتصالات وتوقيتها من الأسئلة الأساسية في علم الأحياء التطوري.

تتبع المراحل الأولى من التطور البشري

لتتبع المراحل الأولى من تطور الجنين البشري، استخدم الباحثون تقنية متطورة مكّنتهم من مراقبة كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الحمض النووي داخل الخلايا الجذعية البشرية. وركزت الدراسة على فترة انتقال هذه الخلايا من مرحلة مبكرة جداً إلى مرحلة أكثر استعداداً للتخصص وتكوين أنسجة وأعضاء الجسم.

وخلال هذه المرحلة لاحظ العلماء أن عدداً من العناصر الجينية المسؤولة عن التحكم في نشاط الجينات المرتبطة بالنمو الجنيني لم يكن نشطاً بشكل كامل لكنه لم يكن خاملاً أيضاً، بل كان في حالة استعداد للعمل. والأكثر إثارة أن هذه العناصر بدأت مبكراً في إنشاء روابط مع الجينات التي ستحتاج إليها الخلية في مراحل لاحقة من التطور.

وتشير هذه النتائج إلى أن الخلايا لا تنتظر لحظة الحاجة إلى الجينات المهمة، بل تبدأ في تجهيزها مسبقاً وكأنها تضع خطة عمل مبكرة تضمن سير عملية النمو والتطور بشكل منظم ودقيق.

نظام «التوصيل المسبق» للجينات

كما كشفت الدراسة أن العديد من الاتصالات بين المناطق المنظمة للجينات، والجينات نفسها تتكوّن في وقت مبكر جداً قبل أن يتم تفعيل هذه الجينات بوقت طويل. والأهم أن هذه الروابط المبكرة غالباً ما تبقى ثابتة حتى لحظة تشغيل الجينات لاحقاً.

وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها نوع من «التوصيل المسبق»، حيث يقوم الجينوم بإنشاء مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة.

وللتأكد من أهمية هذه الروابط استخدم الفريق تقنية «كريسبر» (CRISPR) لتنشيط إحدى هذه المناطق الجينية بشكل تجريبي. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة قامت بتفعيل الجين الذي ترتبط به ثلاثياً داخل الخلية وليس الجين الأقرب لها على شريط الحمض النووي الذي لا يملك هذا الاتصال.

وتشير هذه النتائج إلى أن شكل الجينوم داخل الخلية يلعب دوراً أساسياً في تحديد أي الجينات يتم تشغيلها وليس فقط موقعها أو قربها على تسلسل الحمض النووي.

انعكاسات على النمو والأمراض

ويرى الدكتور ميخائيل سبيفاكوف من معهد العلوم السريرية، كلية الطب إمبريال كوليدج لندن، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تكشف الدور الأساسي الذي يؤديه الجينوم ثلاثي الأبعاد في توجيه القرارات التطورية للخلايا.

وأوضح أن الجينوم يكون منظماً مسبقاً بطريقة تسمح للمعززات المناسبة بتنشيط الجينات الصحيحة حتى قبل بدء التعبير الجيني الفعلي وهي عملية أساسية في تحديد هوية الخلايا والحفاظ عليها طوال الحياة.

ويعتقد الباحثون أن أي خلل في هذه البنية المبكرة قد يساهم في ظهور اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية. لذلك فإن فهم كيفية تشكل هذه الهياكل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسباب الجزيئية للعديد من الأمراض.

نافذة جديدة لفهم تطور الأجنة البشرية

تؤكد الدراسة أيضاً أهمية نماذج الخلايا الجذعية في دراسة المراحل المبكرة من تطور الإنسان. فقبل أن تتخصص الخلايا لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة تمر بسلسلة من المراحل التحضيرية المهمة، من بينها إعادة تنظيم الجينوم في هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة.

ومن خلال توضيح كيفية توجيه هذه البنية لنشاط الجينات المستقبلي توفر النتائج فهماً أعمق للرحلة البيولوجية التي تبدأ من بويضة مخصبة واحدة وتنتهي بتكوين كائن حي متكامل. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال يأمل العلماء أن يسهم فهم مبادئ تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد في تعزيز المعرفة بالتطور البشري وفتح آفاق جديدة في الطب التجديدي ونمذجة الأمراض وتطوير علاجات مستقبلية مبتكرة.