رفع الفائدة... هل سيضرم فتيل الاحتياج العالمي للسيولة؟

خبراء يرون في استمرار سياسة «الفيدرالي} الأميركي تعميقاً لرحلة الركود الاقتصادي

«الفيدرالي الأمريكي» يفضل خفض التضخم عبر زيادة جديدة في سعر الفائدة رغم حاجة القطاع المالي للسيولة (رويترز)
«الفيدرالي الأمريكي» يفضل خفض التضخم عبر زيادة جديدة في سعر الفائدة رغم حاجة القطاع المالي للسيولة (رويترز)
TT

رفع الفائدة... هل سيضرم فتيل الاحتياج العالمي للسيولة؟

«الفيدرالي الأمريكي» يفضل خفض التضخم عبر زيادة جديدة في سعر الفائدة رغم حاجة القطاع المالي للسيولة (رويترز)
«الفيدرالي الأمريكي» يفضل خفض التضخم عبر زيادة جديدة في سعر الفائدة رغم حاجة القطاع المالي للسيولة (رويترز)

في ظل تنامي المخاوف من أن تفرز سياسة «الفيدرالي الأميركي» المتوالية في رفع سعر الفائدة دعماً لكبح حالة «التضخم»، مخاطر اقتصادية مالية ومصرفية عالمية، شدد مختصون على ضرورة أن تستعد المصارف العالمية إلى التصدي لآثار السياسة النقدية الأميركية، مشيرين إلى أن السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي ستعمل على إضرام فتيل الاحتياج العالمي للسيولة وستدفع بمزيد من رحلة ركود الاقتصاد الدولي.

تاريخ من المصالح
ويرى الاقتصادي الأكاديمي الدكتور إبراهيم العمر أن «الفيدرالي الأميركي» دائماً وعبر التاريخ يتصرف من منطلق مصلحته البحتة، مشيراً إلى أن كثيراً من قراراته لا تُغلِّب حساب المجتمع الدولي، حتى لأقرب الحلفاء السياسيين والاقتصاديين والعسكريين لواشنطن، والشواهد برأيه كثيرة، منها «خطة مارشال» بعد الحرب العالمية الثانية، و«صدمة نيكسون» المتمثلة بفك ربط الدولار بالذهب عام 1971 و«التخفيض الكبير للدولار» عام 1985 وأخيراً الرفع المتتالي لأسعار الفائدة منذ عام.
وكل قرارات «الفيدرالي الأميركي»، وفق العمر، تتم لمصالح أميركية بحتة دون الاكتراث بتبعات قراراته على الحلفاء والاقتصاد العالمي، مبيناً أن ذلك أمر منطقي للأميركيين فحسب، لكنه يستلزم وعياً كاملاً من الطرف الآخر بأن تقابلها بإجراءات تخدم مصالحه أو على الأقل تحد من آثاره قرارات الفيدرالي الأميركي والسياسة النقدية له.

لا نمو عالمياً
وفي حين استبعد الدكتور أسامة بن غانم العبيدي، المستشار وأستاذ القانون التجاري الدولي بمعهد الإدارة العامة بالرياض، أن يكون لقرار «الفيدرالي الأميركي» تأثير مباشر على المصارف العربية، لضآلة انكشافها على الأزمات المصرفية في أوروبا، أقرّ بأن خطوة «الفيدرالي الأميركي» برفع أسعار الفائدة ذات كلفة، لا سيما أنها تأتي بعد الأزمة المصرفية، التي تعرضت لها عدة بنوك أميركية أبرزها «سيليكون فالي» و«سيغنتشر» التي أدت إلى إفلاسها.
وأضاف العبيدي: «قيام الفيدرالي الأميركي، بهذه الخطوة يزيد المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى المزيد من الاضطرابات المالية حول العالم، خصوصاً بعد حالات الفشل المصرفية العالمية التي بدأت مع إفلاس بنك (سيليكون فالي)»، مشيراً إلى أن الاضطرابات المصرفية ستؤدي إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي العالمي خلال الفترة المقبلة مع زيادة تكاليف الاقتراض.

ضغوطات الإقراض
رفع أسعار الفائدة منذ العام الماضي وبشكل متوالٍ لتاسع مرة، وفق العمر، يزيد الضغوط على القطاع المصرفي مع ارتفاع تكلفة الحصول على قروض تجارية والحصول على القروض الاستهلاكية وارتفاع في تكلفة شراء المنازل.
وقال: «يهدف الأميركيون إلى خفض التضخم إلى 2 في المائة، عبر رفع سعر الفائدة وهو ما سينتج عنه حالة عدم اليقين في سعر الدولار ذاته بعد فترة بجانب ارتفاع سعر النفط والذهب والملاذات الآمنة الأخرى».

فك الارتباط
وبالنظر إلى التداعيات على المنطقة، يلفت العمر إلى تساؤل حول إمكانية توجه دول المنطقة على سبيل المثال نحو تحرك تاريخي بإعادة النظر بسياسة الربط مع الدولار والاستناد إلى قوة الاقتصادات الوطنية ونمو الناتج القومي والبحث عن تنويع سلة الاعتماد على العملات في العلاقات الخارجية.
ويستطرد العمر في أن وجاهة مطالبته بفك الارتباط بالدولار الأميركي تتمثل في أن العالم يتجه نحو أقطاب الاقتصاد العالمي الجدد، كالصين وروسيا والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل، التي أصبحت تنافس العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، في حين أن تلك العلاقات مع دول كلها غير مرتبطة عضوياً مع الدولار الأميركي.
واستند العمر إلى ربط العملة بالدولار في بلدان المنطقة يعني دفع فاتورة تضخم الاقتصاد الأميركي ركوداً داخلياً في القطاع المالي والعقاري والتوظيف والتشغيل، وهو ما يدعو للتفكير جدياً في وقت أكثر مما مضى للتعامل بندية، لكل ما يخدم اقتصادات الدول العربية.

سيناريوهات مستقبلية
من جهته، أكد الدكتور عبد الرحمن باعشن، رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية السعودية، أن استمرار «الفيدرالي الأميركي» في رفع الفائدة سيفرز تحديات هيكلية قد تعوق تعافيه، لا سيما تعميق هوة الركود الاقتصادي وعدم الوثوق بكفاءة العودة إلى الانتعاش في ظل الظروف الراهنة، هذا بجانب إحداث حالة من العجز لمواجهة زيادة احتياج القطاع المالي للسيولة ليس في الولايات المتحدة فحسب بل في قنوات النظام المصرفي العالمي، مشيراً إلى أن ذلك سينعكس سلباً على القطاع المالي والمصرفي العالمي بما يؤكد زيادة تباطؤ النمو الاقتصادي.
ولفت باعشن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الإجراءات التي يتخذها «الفيدرالي الأميركي»، برفع الفائدة في سبيل مواجهة تضخم الاقتصاد الأميركي، تخدم بالمقام الأول مصلحة واشنطن بعيداً عن مصالح دول العالم الآخر، لأنه برأيه يتسبب بشكل أو بآخر في تقلص سلاسل الإمداد، وبالتالي عرقلة سير حركة الصادرات داخل الأسواق العالمية، فضلاً عن اضطراب استقرار القطاع المالي والمصرفي.
ويعتقد أن النكسة المالية التي تعرضت لها البنوك الأميركية أخيراً جاءت في ظروف جيوسياسية غير مواتية وليست في مصلحة أميركا، حيث تؤثر الأزمة الروسية الأوكرانية والأزمات المصاحبة في عدد من أنحاء العالم واتجاهاتها الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والمالية والمصرفية، التي ستحكمها مصلحتها في أن تتحوط لأي ركود اقتصادي أو تجاري، فضلاً عن اهتزازات أسعار عملاتها في الأسواق العالمية.
ويتوقع باعشن استمرار السياسات النقدية والمصرفية الأميركية في رفع سعر رفع الفائدة، التي بدورها ستغير في خريطة السيناريوهات المستقبلية على الاقتصاد العالمي، من حيث السياسات الاقتصادية التي تلائم وضعها الاقتصادي والمالي لمواجهة أي اختلالات مصرفية، للحفاظ على مستوى من الاستقرار، وعدم الانزلاق في بحيرة الركود والتضخم الاقتصادي، ومواجهة آثارها قبل استفحالها.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
TT

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)

قالت جماعة ‌حقوقية يقودها محاربون قدامى أميركيون، اليوم الأحد، إن مهاجراً أفغانياً لقي حتفه مطلع هذا الأسبوع في ​أثناء احتجازه لدى وكالة الهجرة والجمارك، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من اعتقاله في ولاية تكساس.

وكان محمد ناظر باكتيوال عمل سابقاً مع الجيش الأميركي في أفغانستان وطلب لاحقاً اللجوء إلى الولايات المتحدة.

وقال شون فانديفير، رئيس جماعة «أفغان ‌إيفاك» المدافعة ‌عن حقوق اللاجئين، في بيان، ​إن ‌باكتيوال ⁠كان ​يعيش في ⁠إحدى ضواحي دالاس مع زوجته وأطفاله الستة في انتظار البت في طلب اللجوء الذي قدمه.

وأضاف فانديفير أن أفراد أمن اتحاديين اعتقلوا باكتيوال من أمام شقته صباح يوم الجمعة بينما كان يوصل أطفاله ⁠إلى المدرسة قبل أن يلقى حتفه أمس ‌لأسباب غير ‌معروفة.

باكتيوال (41 عاماً) هو الشخص الثاني ​عشر على الأقل ‌الذي يموت في أثناء احتجازه لدى وكالة ‌الهجرة والجمارك هذا العام في ظل حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للهجرة.

وتوفي 31 شخصاً العام الماضي بعد احتجازهم لدى وكالة الهجرة والجمارك، ‌وهو أعلى رقم خلال عقدين.

وأدت وكالة الهجرة والجمارك دوراً محورياً ⁠في ⁠سياسة ترمب القائمة على الترحيل الجماعي.

وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، التي تتبعها وكالة الهجرة والجمارك، إنها تحتاج إلى مزيد من الوقت للرد على طلب من وكالة «رويترز» للتعليق.

وقال فانديفير إن أسرة باكتيوال أُبلغت بأنه نُقل إلى أحد المستشفيات في دالاس ليلة اعتقاله، وكان لا يزال على قيد الحياة في صباح اليوم التالي، لكنه ​توفي بعد ذلك ​بوقت قصير. ودعت منظمة «أفغان إيفاك» إلى فتح تحقيق فوري.


مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
TT

مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)

قال مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، كيفن هاسيت، إن هجمات إدارة الرئيس دونالد ترمب على إيران كلفت الولايات المتحدة حتى الآن 12 مليار دولار.

وأضاف هاسيت، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس نيوز»: «آخر رقم تم إطلاعي عليه كان 12 مليار دولار»، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وكانت تقديرات البنتاغون المقدمة للكونغرس تشير إلى أن الحرب ستكلف 11.3 مليار دولار في أسبوعها الأول. ولم يوضح هاسيت الإطار الزمني لإنفاق الـ12 مليار دولار.

وعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة ستحتاج لطلب المزيد من الأموال من الكونغرس، أجاب هاسيت: «أعتقد أننا الآن لدينا ما نحتاجه. أما ما إذا كان علينا العودة إلى الكونغرس لطلب المزيد، فهذا شيء أعتقد أن روس فوجت ومكتب الإدارة والميزانية سينظران فيه».

ويعرف مكتب الإدارة والميزانية الأميركي بأنه الجهة المسؤولة عن تخطيط وتنظيم ميزانية الحكومة الأميركية.


حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.