الخرطوم: نجاة السفير الأميركي من حادث سير

سيارته المصفحة تحطمت... وتكهنات على «السوشيال ميديا» حول «مؤامرة» لا «قضاء وقدر»

السفير غودفري أمام سيارته بعد الحادث (الشرق الأوسط)
السفير غودفري أمام سيارته بعد الحادث (الشرق الأوسط)
TT

الخرطوم: نجاة السفير الأميركي من حادث سير

السفير غودفري أمام سيارته بعد الحادث (الشرق الأوسط)
السفير غودفري أمام سيارته بعد الحادث (الشرق الأوسط)

نجا سفير الولايات المتحدة الأميركية، جون غودفري، من «حادث سير» وسط الخرطوم، أدى لتحطم سيارته الرسمية تقريباً.
وفور خروجه من المستشفى التي نقل إليها، شكر السفير «الجميع على عباراتهم الرقيقة بحقه»، كما شكر الفريق الطبي الذي قدم له الإسعافات.
وكلفت وزارة الخارجية الأميركية في 24 أغسطس (آب) 2022 الدبلوماسي المخضرم غودفري، كأول سفير للولايات المتحدة في السودان، منهية بذلك قطيعة دبلوماسية عمرها نحو 25 عاماً، وذلك بعد أن أدرجته ضمن قائمتها لـ«الدول الراعية للإرهاب» منذ 1996، إثر استضافته لجماعات إرهابية على رأسها زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن.
وفي تغريدة على الصفحة الرسمية للسفارة الأميركية، قال غودفري: «لحسن الحظ، لم يصب أحد من فريقنا بأذى شديد، وعلمنا أن سائق السيارة الأخرى لم يتأذ كذلك... شكراً للجميع على عباراتهم الرقيقة التي عبرت عن قلقهم بعد حادث السيارة يوم أمس... شكراً للمهنيين الطبيين الذين اعتنوا بنا بعد الحادث، وأكدوا أن أياً من إصاباتنا لم تكن خطيرة».
ونشر السفير صورة له وهو يقف إلى سيارته التي تسببت في الحادث، وهي من طراز «تايوتا لا ندكروزر» مصفحة زرقاء اللون، وقد بدت واجهتها مهشمة تماماً، وقال متأسياً عليها: «سيارتنا المخلصة لم تكن جيدة».
وإثر ذيوع خبر حادث سيارة السفير الأميركي راجت العديد من التكهنات حول أسباب الحادث، الذي وقع قبيل الإفطار بقليل، وهو الوقت الذي تكثر فيه حوادث السير في السودان. أصحاب نظرية المؤامرة أشاعوا أن الأمر مدبر، وزعموا أنه محاولة للتخلص من تأثير الرجل، أو على الأقل توجيه رسالة مشفرة، من أنصار نظام الرئيس المعزول والجماعات المتطرفة الحليفة لهم.
وربطت تلك التكهنات تصريحات ممثل الأمين العام للأمم المتحدة فولكر بيرتس بتلقيه تهديدات بالقتل، وبين حالة أشبه بـ«فوبيا السفير الأميركي» يعيشها أنصار نظام الرئيس المعزول عمر البشير من دوره الذي قد يقضي على أطماعهم في العودة مجدداً، وبين تلميحات خطيرة تصدر عن بعض الشخصيات المتطرفة على السوشيال ميديا، حرفت عدسات الكاميرات من القضاء والقدر إلى «المؤامرة».
ويشغل غودفري، الذي يعد أنشط السفراء في الخرطوم، وسائط التواصل الاجتماعي السودانية بمشاركاته في نشاطات اجتماعية وثقافية عديدة، إلى جانب الدور السياسي والدبلوماسي الذي يلعبه ضمن المجموعة الرباعية الدولية (السعودية وأميركا وبريطانيا والإمارات) لصالح العملية السياسية الجارية في البلاد.
لم تكتف السفارة الأميركية في عهد غودفري بزيارات السفير ومشاركاته، بل نظمت هي الأخرى إفطاراً رمضانياً على الطراز الأميركي في شارع النيل بالخرطوم، مع مجموعة متنوعة من الفنانين ورجال أعمال وقادة مجتمع، وقالت إن «الحدث بمثابة فرصة عظيمة للسفارة الأميركية في السودان للمشاركة في رمضان بنكهة أميركية».
وفاجأ السفير المراقبين بتناوله مع عدد من موظفي السفارة إفطاراً رمضانياً في منزل المطربة الشعبية، ميادة قمر الدين، بأم درمان. وقالت السفارة في تغريدة: «أتيحت لنا الفرصة لمشاهدة العادات الرمضانية السودانية الفريدة، وتذوق الأطعمة التقليدية، وكنا خير شاهد على كرم الضيافة». وسابقاً شوهد السفير وموظفوه يوزعون «كيس صائم على جيران السفارة».
كما نقلت صفحة السفارة صوراً لمشاركة موظفين بالسفارة في طقوس تحضير مشروب «الآبري» الرمضاني السوداني، وقالت: «نظم موظفو السفارة الأميركية في الخرطوم عواسة حلو مر أو الآبري للزملاء الجدد لمشاهدة كيفية صنع المشروب الشهير، ومعرفة ما يعنيه للشعب السوداني خلال الشهر الكريم».
ولم تبدأ أنشطة السفير غودفري الاجتماعية في رمضان، بل بمجرد تسلمه مهام منصبه، وصار من المعتاد مشاهدته في أكثر من مكان، ومع أكثر من شخص من عامة المواطنين، وتشمل دائرة اهتماماته: بائعات شاي، نساء عاديات، أشخاصاً من العامة، وليست مقصورة على الخرطوم، بل في عدد من أنحاء البلاد التي زارها.
ونقلت السفارة أخيراً، أن الرجل زار مزارع الموز في ولاية النيل الأزرق، وقالت: «هذا تذكير بالإمكانيات الهائلة لزيادة الإنتاج الزراعي التي يمكن للولايات المتحدة والسودان العمل معاً لتحقيقها، عند تشكيل حكومة جديدة بقيادة مدنية».
وتحظى تحركات ونشاط السفير غودفري الاجتماعي ودعمه للعملية السياسية بقبول شعبي واسع، بيد أنها تثير تحفظ - وربما «غيظ» - الكثير من مناوئي العملية السياسية وبعض الأصوات المتطرفة، وأنصار نظام الرئيس المعزول من الإسلاميين.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مع تصاعد تكلفة الحرب... الكونغرس يُطالب إدارة ترمب بتوضيح استراتيجية إيران

ترمب يتحدث في مؤتمر للحزب الجمهوري في فلوريدا في 9 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في مؤتمر للحزب الجمهوري في فلوريدا في 9 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مع تصاعد تكلفة الحرب... الكونغرس يُطالب إدارة ترمب بتوضيح استراتيجية إيران

ترمب يتحدث في مؤتمر للحزب الجمهوري في فلوريدا في 9 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في مؤتمر للحزب الجمهوري في فلوريدا في 9 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مع دخول حرب إيران أسبوعها الثاني، تتزايد التساؤلات في الكونغرس حيال استراتيجية الإدارة الأميركية وأهدافها، وتتردد الانتقادات على لسان الديمقراطيين بشأن التصريحات المتضاربة من البيت الأبيض حول العمليات العسكرية.

النقطتان الأبرز في هذا الجدل هما تكلفة الحرب المادية والبشرية، ومدتها. وفيما ينتظر المشرعون الموازنة الطارئة التي سيرسلها البنتاغون (وزارة الحرب) إليهم لتمويل الحرب، التي يُقدّر بعضهم تكلفتها بنحو مليار دولار يومياً، أوفد البيت الأبيض مُجدّداً عدداً من المسؤولين إلى مجلس الشيوخ لتقديم إحاطات وتوفير أجوبة عن أسئلة أعضائه المعنيين بالموافقة على الموازنة.

السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال يتحدث بعد الإحاطة المغلقة في 10 مارس 2026 (رويترز)

لكن السيناتور الديمقراطي، ريتشارد بلومنثال، يقول إنه لم يحصل على أي أجوبة حيال التكلفة المادية والبشرية للحرب، مُعرباً عن قلقه من تزايد عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية في المنطقة. وأضاف مُحذراً: «يبدو أننا على مسار لنشر القوات الأميركية على الأرض في إيران، لتحقيق أي من الأهداف المحتملة».

أهداف متقلبة

لكن ما طبيعة هذه الأهداف؟ هذا هو السؤال الآخر الذي يتردد في أروقة الكونغرس، خاصة مع التصريحات المختلفة، وأحياناً المتناقضة، للمسؤولين في الإدارة. ويتساءل السيناتور الديمقراطي كريس مورفي كيف غاب هدف تدمير برنامج الأسلحة النووية عن لائحة الأهداف التي استعرضتها الإدارة في الإحاطة المغلقة، خصوصاً أن الرئيس الأميركي أكد مراراً أن البرنامج النووي هو الهدف الأساسي من هذه العمليات.

النقطة الثانية التي أثارها مورفي تتعلّق بغياب تغيير النظام في إيران عن باقة الأهداف، قائلاً: «إذن الإدارة ستنفق مئات المليارات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وسيموت عدد كبير من الأميركيين، وفي النهاية سيبقى النظام المتشدد في الحكم هناك، بل ربما سيكون النظام أكثر تشدداً وعداءً لأميركا».

وعن الأهداف الأساسية التي كرّرتها الإدارة، مثل تدمير الصواريخ ومصانع الطائرات المُسيّرة، تساءل مورفي: «ماذا سيحدث عندما تتوقف عمليات القصف ويبدأون إعادة الإنتاج من جديد؟».

أسئلة كثيرة يقول الديمقراطيون إنهم لم يحصلوا على أي جواب بشأنها، نظراً لـ«غياب استراتيجية واضحة من قِبَل البيت الأبيض»، وفي ظل تضارب التصريحات حيال مدة العملية. ولعل خير دليل على هذا التضارب ما قاله الرئيس الأميركي بأن الحرب أصبحت «على وشك الانتهاء»، مقابل تصريحات لوزير حربه بيت هيغسيث قال فيها إن «هذه مجرد البداية». ولدى سؤال ترمب عن هذا الاختلاف، كان جوابه أكثر غموضاً عندما قال إن «الجوابين صحيحان»، تاركاً واشنطن والعالم في حيرة وترقب.

انتخابات نصفية «كارثية»

ويُحذّر بعض الجمهوريين من أن الدعم الحزبي للرئيس في حرب إيران لن يستمر في حال ارتفاع الأسعار وزيادة عدد القتلى من الجنود الأميركيين. وقال السيناتور الجمهوري راند بول، المعارض للحرب، إن انتخابات التجديد النصفي قد تكون «كارثية» على حزبه إذا استمرت حرب إيران. وأوضح في مقابلة مع «فوكس نيوز»: «نحن في موقف صعب انتخابياً. إن ارتفاع أسعار البنزين والنفط سوف يستمر إذا استمرت هذه العمليات، وأعتقد أننا سنشهد انتخابات كارثية حينها».

السيناتور الجمهوري راند بول في جلسة استماع في الكونغرس في 12 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولهذا السبب، يسعى ترمب جاهداً لدفع حزبه لإقرار مشروع «أنقذوا أميركا» الذي يفرض تعديلات على القوانين الانتخابية. إذ يرجح البعض أن هذه التغييرات من شأنها أن تُعزز حظوظ الجمهوريين بالفوز، لأنها ستؤثر على إقبال الديمقراطيين، خصوصاً أن الناخب الديمقراطي يعتمد على التصويت عبر البريد أكثر بكثير من الناخب الجمهوري، وهو من الأمور التي سيحد منها المشروع.

تحذيرات من تأثير ارتفاع الأسعار على الدعم الشعبي لترمب (رويترز)

لكن الانتقادات لحرب إيران لا تأتي من الجانب الديمقراطي فحسب، بل تصاعدت أصوات من المؤثرين في اليمين الأميركي اعتراضاً على استمرار الانخراط في الصراع.

فبعد الإعلاميين ميغان كيلي وتاكر كارلسون، انضم مقدم البودكاست، جو روغان، إلى هذه الأصوات، عادّاً أن ترمب «خان مناصريه». وقال إن «كثيراً من الناس يشعرون بأنهم خُدعوا. لقد خاض حملته الانتخابية على شعار (لا مزيد من الحروب، دعونا ننهِ هذه الحروب الغبية والعبثية). ثم نجد أنفسنا الآن أمام حرب لا نستطيع حتى أن نفهم بوضوح لماذا بدأناها أساساً».

وفي ظل هذه المواقف، تتجه الأنظار إلى الرئيس الأميركي الذي سيكون بيده قرار وقف الحرب أو استمرارها، كما يُكرر أعضاء إدارته. فهل يستمع إلى المعارضين ويوقف الحرب بغض النظر عن أهدافها؟ أم سيواصل التصعيد ويتخذ الخطوة الجدلية عبر إرسال قوات برية؟


مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
TT

مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)

مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وازدياد التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة الإيرانية، بدأ مسؤولون أميركيون في مراجعة بعض القرارات التي اتُّخذت قبل اندلاع المواجهة مع طهران. ويشير عدد منهم إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربما ارتكبت «خطأً تكتيكياً» عندما لم تمنح اهتماماً كافياً لعرض أوكراني سابق يتعلق بتكنولوجيا مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، وهي التكنولوجيا التي أصبحت اليوم تشكل تحدياً كبيراً للقوات الأميركية في المنطقة.

ففي منتصف العام الماضي، أفادت تقارير بأن إدارة ترمب تجاهلت عرضاً من أوكرانيا للمساعدة في تعزيز أنظمة الدفاع ضد الطائرات الإيرانية المسيّرة الفتاكة التي باتت منتشرة على نطاق واسع. وبعد أن تسببت هذه الطائرات لاحقاً في مقتل عدد من الجنود الأميركيين، يرى بعض المسؤولين أن تجاهل ذلك العرض الأولي كان خطأً كبيراً، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقال مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس»: «إذا كان هناك خطأ تكتيكي أو هفوة ارتكبناها قبل هذه الحرب (مع إيران)، فهذا هو».

وفي أغسطس (آب) الماضي، أفادت تقارير بأن مسؤولين أوكرانيين حاولوا عرض تكنولوجيا مجرّبة في ساحة المعركة على الولايات المتحدة لمواجهة الطائرات الإيرانية الهجومية من طراز «شاهد». وتتميز هذه الطائرات بأنها منخفضة التكلفة وأحادية الاتجاه، وقد أصبحت جزءاً أساسياً من ترسانة روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وذكرت التقارير أن الأوكرانيين قدموا هذا العرض خلال اجتماع مغلق في البيت الأبيض عُقد في 18 أغسطس، حيث عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الرئيس ترمب طائرات مسيّرة اعتراضية بوصفها وسيلة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين. وتشير التقارير إلى أن العرض اختُتم بعرض تقديمي تضمن شرائح توضح كيف يمكن للطائرات المسيّرة الإيرانية أن تشكل تهديداً واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط خلال حرب افتراضية مع إيران.

وحسب التقارير، طلب الرئيس ترمب من فريقه دراسة العرض الأوكراني، غير أن المقترح لم يُبحث بجدية خلال الأشهر اللاحقة. ويُعتقد أن بعض الجهات داخل الإدارة الأميركية آنذاك رأت أن زيلينسكي كان يسعى أساساً إلى استعراض موقفه السياسي والعسكري.

وكانت العلاقات بين الجانبين قد شهدت توتراً قبل أشهر من ذلك الاجتماع. فقد تحول لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في المكتب البيضاوي إلى جدال حاد حول ما عدّه ترمب نقصاً في تقدير الزعيم الأوكراني للمساعدات الأميركية، وذلك أمام عدسات الكاميرات.

وفي تعليق على هذه التقارير، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لصحيفة «إندبندنت»: «انخفضت الهجمات الإيرانية الانتقامية بنسبة 90 في المائة لأن قدراتهم الصاروخية الباليستية تُدمر تماماً. هذا الوصف الذي أطلقته هذه المصادر غير دقيق، ويثبت أنهم مجرد متفرجين من الخارج. لقد قام وزير الدفاع هيغسيث والقوات المسلحة بعمل رائع في التخطيط لجميع الردود المحتملة من النظام الإيراني، والنجاح الباهر لعملية (إبيك فيوري) خير دليل على ذلك».

غير أن التطورات الأخيرة أعادت تسليط الضوء على العرض الأوكراني السابق، خصوصاً بعد أن أصبحت الولايات المتحدة مهددة بشكل مباشر بالطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد». ويشير بعض الخبراء إلى أن تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة التي طورتها أوكرانيا تُعد وسيلة أقل تكلفة بكثير لاعتراض هذه الطائرات مقارنة بأنظمة الدفاع الجوي التقليدية الباهظة الثمن المنتشرة في القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.

وحسبما ورد، أطلع القادة العسكريون الأميركيون المشرعين الأسبوع الماضي على أن الطائرات المسيّرة الإيرانية تمثل تحدياً أكبر مما كان متوقعاً، مشيرين إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الأميركية لا تستطيع اعتراض جميع هذه الطائرات.

وفي سياق متصل، نشرت الولايات المتحدة أيضاً مسيّرات من طراز «لوكاس» في ساحة المعركة، وهي طائرات جرى تصميمها على غرار الطائرات الإيرانية منخفضة التكلفة من طراز «شاهد».


كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
TT

كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)

في 18 فبراير (شباط)، وبينما كان الرئيس دونالد ترمب يدرس ما إذا كان سيشن هجمات عسكرية على إيران، قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، في مقابلة، إنه غير قلق من أن تؤدي الحرب الوشيكة إلى تعطيل إمدادات النفط في الشرق الأوسط وإحداث فوضى في أسواق الطاقة.

وقال رايت إنه حتى خلال الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، كان هناك اضطراب محدود في الأسواق. وأضاف: «ارتفعت أسعار النفط قليلاً ثم عادت إلى الانخفاض». وكان بعض مستشاري ترمب الآخرين يتبنّون وجهات نظر مماثلة في أحاديث خاصة، متجاهلين التحذيرات من أن إيران قد تشن (في المرة الثانية) حرباً اقتصادية، عبر إغلاق الممرات البحرية التي تنقل نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

أزمة اقتصادية

تكشف حجم الخطأ في التقدير خلال الأيام الأخيرة، حين هددت إيران بإطلاق النار على ناقلات النفط التجارية التي تعبر مضيق هرمز، وهو عنق زجاجة استراتيجي يجب أن تمر عبره جميع السفن في طريقها للخروج من الخليج. ورداً على التهديدات الإيرانية، توقّفت حركة الشحن التجاري في المنطقة، وقفزت أسعار النفط، وبدأت إدارة ترمب تبحث على عجل عن سبل لاحتواء أزمة اقتصادية أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بالنسبة للأميركيين.

دخان يتصاعد من ناقلة تايلاندية بعد تعرضها لهجوم بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ويجسد هذا الحدث إلى أي مدى أساء ترمب ومستشاروه تقدير كيفية رد إيران على صراع ترى فيه الحكومة في طهران، عاصمة إيران، تهديداً وجودياً. فقد ردّت إيران بصورة أكثر عدوانية بكثير مما فعلت خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، مطلقةً وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد عسكرية أميركية، ومدن في دول عربية بالشرق الأوسط، وعلى مراكز سكنية إسرائيلية.

واضطر المسؤولون الأميركيون إلى تعديل خططهم على عجل، من إصدار أوامر متسرعة بإجلاء السفارات إلى وضع مقترحات سياسية لخفض أسعار الوقود.

وبعد أن قدّم مسؤولو إدارة ترمب إحاطة مغلقة للنواب، يوم الثلاثاء، قال السيناتور كريستوفر مورفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الإدارة «لا تملك أي خطة» لمضيق هرمز، و«لا تعرف كيف تعيد فتحه بأمان».

داخل الإدارة، بدا بعض المسؤولين يزدادون تشاؤماً بسبب غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب. لكنهم كانوا حريصين على عدم التعبير عن ذلك مباشرة للرئيس، الذي كرّر مراراً أن العملية العسكرية حققت نجاحاً كاملاً.

وقد طرح ترمب أهدافاً قصوى، مثل إصراره على أن تعيين إيران قائداً يخضع له، في حين وصف وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث أهدافاً أضيق وأكثر تكتيكية قد توفر مخرجاً قريباً من الحرب. وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الإدارة «كانت لديها خطة قوية» قبل اندلاع الحرب، وتعهَّدت بأن تنخفض أسعار النفط بعد انتهائها. وأضافت في بيان: «إن الاضطراب المتعمَّد في سوق النفط من قبل النظام الإيراني قصير الأمد، وهو ضروري لتحقيق المكسب طويل الأجل المتمثل في القضاء على هؤلاء الإرهابيين والتهديد الذي يُشكّلونه على أميركا والعالم». ويستند هذا المقال إلى مقابلات مع نحو اثني عشر مسؤولاً أميركياً طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لتطرّقهم إلى محادثات خاصة.

«أظهروا بعض الشجاعة»

أقر هيغسيث، يوم الثلاثاء، بأن الرد الإيراني العنيف ضد جيرانه فاجأ «البنتاغون» إلى حد ما. لكنه أصرّ على أن تصرفات إيران جاءت بنتائج عكسية. وقال بمؤتمر صحافي في «البنتاغون»: «لا أستطيع القول إننا توقعنا بالضرورة أن يكون هذا بالضبط رد فعلهم، لكننا كنا نعلم أنه احتمال وارد». وأضاف: «أعتقد أنه كان دليلاً على يأس النظام».

ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض من فلوريدا - 9 مارس (نيويورك تايمز)

وقد أبدى ترمب إحباطاً متزايداً من تأثير الحرب على إمدادات النفط، قائلاً لشبكة «فوكس نيوز» إن على أطقم ناقلات النفط «إظهار بعض الشجاعة» والإبحار عبر مضيق هرمز. وكان بعض المستشارين العسكريين قد حذروا قبل الحرب من أن إيران قد تطلق حملة عدوانية رداً على الهجوم، وأنها ستنظر إلى الضربة الأميركية - الإسرائيلية على أنها تهديد لوجودها. لكن مستشارين آخرين ظلوا واثقين من أن قتل القيادة العليا الإيرانية سيؤدي إلى وصول قادة أكثر براغماتية قد يسعون إلى إنهاء الحرب.

وعندما أُطلع ترمب على المخاطر المتمثلة في احتمال ارتفاع أسعار النفط في حال اندلاع الحرب، أقرّ بإمكانية حدوث ذلك، لكنه قلّل من شأنه باعتباره مصدر قلق قصير الأمد ينبغي ألا يطغى على مهمة «قطع رأس» النظام الإيراني. ووجه رايت ووزير الخزانة سكوت بيسنت للعمل على تطوير خيارات لمواجهة أي ارتفاع محتمل في الأسعار.

ترمب برفقة هيغسيث وخلفهما المبعوث الخاص ستيف ويتكوف على متن طائرة الرئاسة - 7 مارس (رويترز)

لكن الرئيس لم يتحدث علناً عن هذه الخيارات - بما في ذلك تأمين المخاطر السياسية المدعوم من الحكومة الأميركية، وإمكانية مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط - إلا بعد أكثر من 48 ساعة من بدء الصراع. ولم تبدأ هذه المرافقة حتى الآن.

ومع اضطراب الأسواق العالمية بسبب الحرب، بدأ الجمهوريون في واشنطن يشعرون بالقلق من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إلحاق الضرر بجهودهم لتسويق أجندتهم الاقتصادية للناخبين، قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد جادل ترمب، علناً وفي أحاديث خاصة، بأن النفط الفنزويلي يمكن أن يساعد في معالجة أي صدمات ناجمة عن حرب إيران. وأعلنت الإدارة يوم الثلاثاء عن مصفاة جديدة في تكساس قال مسؤولون إنها قد تساعد في زيادة إمدادات النفط، بما يضمن ألا تتسبب إيران في أي ضرر طويل الأمد لأسواق النفط.

مخرج محتمل

قال ترمب إن الحرب قد تستمر لأكثر من شهر، لكنه قال أيضاً إنها «شبه مكتملة إلى حد كبير». وأضاف أن الولايات المتحدة «ستمضي قدماً بعزم أكبر من أي وقت مضى».

غير أن روبيو وهيغسيث يبدوان، في الوقت الحالي، وكأنهما نسّقا رسائلهما حول ثلاثة أهداف محددة، باشرا عرضها في تصريحات علنية، يومي الاثنين والثلاثاء.

وقال روبيو في فعالية بوزارة الخارجية، يوم الاثنين، قبل أن يعقد ترمب مؤتمره الصحافي إن «أهداف هذه المهمة واضحة. إنها تدمير قدرة هذا النظام على إطلاق الصواريخ، وذلك من خلال تدمير صواريخه ومنصات إطلاقها، وتدمير المصانع التي تصنع هذه الصواريخ، وتدمير بحريته». وقد عرضت وزارة الخارجية الأهداف الثلاثة حتى في شكل نقاط، وسلّطت الضوء على مقطع فيديو لروبيو يذكرها عبر حساب رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي.

وزير الحرب ونائب الرئيس الأميركيين لدى وصول جثمان جندي أميركي إلى ديلاوير، بعد مقتله في خضمّ الحرب مع إيران (أ.ف.ب)

وبدا عرض روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، وكأنه يُمهّد الطريق للرئيس لإنهاء الحرب عاجلاً لا آجلاً. وفي مؤتمره الصحافي، تفاخر ترمب بأن الجيش الأميركي دمّر بالفعل قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية وبحريتها. لكنه حذر أيضاً من اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية، إذا حاول القادة الإيرانيون قطع إمدادات الطاقة العالمية.

وقال ماثيو بوتينغر، الذي كان نائب مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب الأولى، في مقابلة، إن الرئيس لمح إلى أنه قد يقرر السعي إلى أهداف حرب طموحة قد تستغرق أسابيع على الأقل. وأضاف بوتينغر: «في مؤتمره الصحافي، شعرت بأنه يعود إلى تبرير القتال لفترة أطول قليلاً، نظراً إلى أن النظام ما زال يبعث إشارات بأنه لن يرتدع، وما زال يحاول السيطرة على مضيق هرمز».

وتابع بوتينغر، الذي يشغل حالياً رئاسة «برنامج الصين» في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، وهي مجموعة تدعو إلى شراكة أميركية وثيقة مع إسرائيل ومواجهة إيران: «هو لا يريد أن يضطر إلى خوض حرب تكملة».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»