الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

عدد جديد من مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي
TT

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

كرّست هذه المجلة الباريسية المرموقة عددها الأخير لموضوع واحد، هو «الجهاد في الإسلام». وقد شاركت فيه نخبة من الباحثين والباحثات. افتتح العدد رئيس رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين البروفسور الجزائري الأصل الدكتور صادق بلوصيف. وقد جاء في افتتاحيته للعدد الجديد ما فحواه: كلمة الجهاد أصبحت ترعب الكثيرين وتحدث في نفوسهم الكثير من المخاوف والهلوسات. فما هي حقيقة الأمر؟ ما هي حقيقة الجهاد؟ هل كلمة الجهاد حربية صراعية عسكرية؟ هل الجهاد نوع من «صدام الحضارات» قبل الأوان؟ أسئلة كثيرة متلاحقة يضطر المرء إلى طرحها، بل ويطرحها الكثيرون على أنفسهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. ولكن الجميع ينسون أن الجهاد في الإسلام يعني مجاهدة النفس ومقاومة انحرافاتها وتقويم اعوجاجها وتعويدها على الفضيلة ومكارم الأخلاق. وهذا هو الجهاد الأكبر في الإسلام. ولكن لا أحد يتحدث عنه. الجميع مهووسون بالجهاد الأصغر: أي الجهاد الحربي العسكري. كلنا مشغول بالجهاد الخارجي وننسى الجهاد الداخلي: أي مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء.
ثم يختتم رئيس التحرير افتتاحيته قائلاً ما معناه: هكذا تجدون أننا ابتعدنا كثيراً عن المفهوم الأصلي للجهاد الأكبر، والذي يعني كما قلنا مجاهدة النفس ونزعاتها الشريرة؛ بغية إصلاحها وتحسينها وتدريبها على الفضائل. وهذا ما ينصح به الإسلام كل مسلم. هذا ما يعلمنا إياه الإسلام دين السلام والتعايش والتعارف بامتياز. جاء في الذكر الحكيم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13). هنا يكمن جوهر الإسلام العظيم الذي شوّهوه، وينبغي أن يدفعوا ثمن هذا التشويه يوماً ما.
وقد ابتدأ الكلام الباحث المعروف أسامة حسن بدراسة مطولة اتخذت عنواناً لافتاً، هو «كيف يمكن تخليص الإسلام من الإسلاموية». المقصود كيف يمكن تخليصه من الاتجاهات الجهادية المتعصبة والدموية على طريقة «داعش» و«القاعدة»، إلخ. وقد أنهى الباحث الإسلامي مداخلته بعبارة فاجأت الجميع، وهي أن الجهاد في جوهره وأساسه مفهوم سلمي لا عنفي.
ولكن يبقى صحيحاً القول بأن الجهاد حُرّف عن معناه الحقيقي وتحول على أيدي المتطرفين الدواعش إلى تفجيرات دموية مرعبة ولم يعد مسالماً على الإطلاق. ولهذا السبب ينبغي تحرير الإسلام من الإسلاموية. فالإسلام في جوهره دين الرحمة والشفقة والمغفرة. ولكن اتجاهات متعصبة سطت على الإسلام في السنوات الأخيرة واحتكرته لصالحها وكأنها الممثل الوحيد له في حين أنها تشويه له. ولهذا السبب ينبغي تخليصه من براثنها.
أما الدراسة الثانية في العدد، فهي مكرّسة للتحدث عن مناضلي الجهاد الفرنسي، عن منشئهم السوسيولوجي الاجتماعي، عن آيديولوجيتهم، عن مساراتهم الشخصية أو الفردية، إلخ. وقد كتبها الباحث المعروف التونسي الأصل حكيم القروي بالإضافة إلى الباحث بنيامين هودايا.
وانتهى العدد بدراسة ثالثة كتبتها البروفسورة والمحللة النفسانية المعروفة حورية عبد الواحد. وقد تحدثت فيها عن كيفية تحويل أطفال «داعش» إلى مسلحين قتلة مرعبين في حين أنهم كانوا أطفالاً أبرياء. بمعنى آخر، لقد حوّلوهم من ضحايا إلى جلادين.

منطق الأصولية الإسلاموية

ننتقل الآن إلى كلام سكرتيرة التحرير إيفا جانادان، الباحثة المختصة المتبحرة في العلم والدراسات الإسلامية. فماذا تقول لنا يا ترى عن موضوع الجهاد؟ إنها تتحدث عن نظرية الجهاد قائلة ما معناه: لكي نفهم عقيدة الجهاد جيداً، فإنه لمن الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار رأي كبار الفقهاء في القرون الوسطى الذين قسّموا العالم إلى قسمين: دار الإسلام/ ودار الحرب التي تدعى أيضاً دار الكفر. وهذا التقسيم الثنائي أو الثنوي يرتكز على الفرضية التي تقول بأن الإسلام سيعمّ العالم كله يوماً ما وأن شريعته ستحلّ محل جميع الشرائع وأنه لا يمكن أن يوجد حكم شرعي مرضي عند الله على وجه الأرض إن لم يكن إسلامياً. وهذا يعني أن أرض الإسلام بالمعنى الديني كما السياسي للكلمة مفتوحة لا حدود لها. ولكن بانتظار أن يعمّ الإسلام العالم كله فإن الفقهاء اضطروا إلى تقسيم المعمورة إلى قسمين: أرض الإسلام والطهر/ وأرض الحرب والكفر. وبين هذين القسمين ينبغي أن تستمر الحرب حتى يتحقق الانتصار الكلي والنهائي للإسلام على بقية العقائد والأديان. ثم تردف الباحثة قائلة: ضمن هذا المنظور خلع فقهاء القرون الوسطى المشروعية الإلهية على الجهاد الحربي العنيف.
ننتقل الآن إلى المداخلة القيّمة التي كتبها الباحث الإنجليزي ولكن العربي السعودي الأصل الدكتور أسامة حسن. وهذا الباحث لمن لا يعرفه ذو مسار مدهش حقاً وغير متوقع على الإطلاق. فقد كان أصولياً جهادياً قبل أن ينقلب إلى مسلم مستنير! ينبغي العلم أنه كان في شبابه الأول ولمدة عشرين سنة على الأقل مناضلاً حركياً من أتباع الخط السلفي الراديكالي. بل وحتى عندما كان لا يزال طالباً في جامعة كمبردج فإنه شارك فعلياً في عمليات الجهاد ضد القوات الشيوعية في أفغانستان (9019 - 1991). ولكن على أثر التفجيرات الإرهابية التي أصابت ميترو لندن عام 2005، فإنه غيّر موقفه جذرياً وراح يناضل ضد التطرف والتعصب الديني. بل وراح ينخرط في خط الإصلاح الإسلامي المستنير ويروّج له داخل البيئات والحلقات الإسلامية. وهناك شيء آخر لا نعرفه عنه، وهو أنه خدم كإمام جامع لمدة 40 سنة على الأقل. وهو مشبّع بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وبقية النصوص الإسلامية المقدسة. وقد ترجم العديد من هذه النصوص إلى لغة شكسبير. كما وساهم في تأليف كتاب جماعي بعنوان «أهل الكتاب: كيف يفهم اليهود والمسيحيون والمسلمون نصوصهم المقدسة» (2019). وأخيراً، ينبغي العلم أنه المحلل الفكري والسياسي والاستراتيجي الأول «لمعهد توني بلير للتغيير العالمي». ماذا يقول هذا الباحث الخبير المطلع من الداخل على شؤون الحركات الأصولية وشجونها؟ إنه يقول لنا ما معناه: أن منطق الأصولية الإسلاموية يرتكز إلى أربع مسلّمات: الأولى هي أن مسلمي العالم كله يشكلون الأمة الإسلامية بصفتها أمة عالمية موحدة تقف في مواجهة جميع الأمم الأخرى غير المسلمة. وهم يعتمدون على مفهوم أساسي ذاع صيته وانتشر، هو: الولاء والبراء. بمعنى أن ولاء كل مسلم هو لصالح الإسلام والمسلمين الآخرين فقط. وبالتالي، البراء من جميع من هم غير مسلمين من أتباع الأديان والفلسفات والعقائد الأخرى. أما المسلّمة الثانية، فتقول بضرورة تشكيل دولة الخلافة الإسلامية التي تضم جميع مسلمي الأرض والتي لا تعترف بالحدود الحالية الكائنة بين الدول الإسلامية كالسعودية ومصر والمغرب، إلخ. كل هذه يعتبرونها حدوداً مصطنعة. وأما المسلّمة الثالثة، فتقول بضرورة تطبيق الشريعة كقانون وحيد لدولة الخلافة الإسلامية. ينبغي تطبيقها بما فيها الحدود البدنية كقطع يد السارق وجلد شارب الخمرة ورجم المرأة المخطئة، إلخ. إنهم يطبّقون تفسيرهم الأصولي للشريعة بشكل حرفي على جميع رعايا المملكة الإسلامية حتى ولو كانت مضادة بشكل صارخ للمفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان. وأما المسلّمة الرابعة، فتقول بضرورة توسيع رقعة الدولة الإسلامية أكثر فأكثر بواسطة الجهاد. وهم يقصدون الجهاد الحربي الدموي فقط؛ لأنهم يجهلون كلياً الجهاد الأكبر الذي تحدثنا عنه سابقاً أو يتجاهلونه. ضمن هذا المعنى، فإن الأصوليين الإسلامويين يستخدمون الجهاد كأداة فعالة وفتاكة لإرهاب الآخرين وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية.

فتوى ماردين

يقول لنا هذا الباحث الضليع المطلع بأنه اجتمع في مدينة ماردين التركية أكثر من اثني عشر عالماً إسلامياً كبيراً وأعلنوا إدانتهم للتطبيق المتطرف لفتوى شهيرة كان ابن تيمية قد أصدرها في المدينة ذاتها قبل سبعة قرون. لقد شوّه الجهاديون الدمويون فتوى شيخ الإسلام التي تقول حرفياً «يُعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُعامل الخارج على شريعة الإسلام بما يستحقه». فأصبحت على أيدي المتطرفين المعاصرين: تنبغي «محاربة» غير المسلمين بالطريقة التي يستحقونها! وهكذا شوّهوا فتوى ابن تيمية أو قُلْ حرفوها عن طريق إحلال كلمة «محاربة» أو «مقاتلة» محل كلمة «معاملة». ثم يخبرنا الباحث بأن الجماعات التكفيرية كانت منذ سنوات الستينات من القرن الماضي تستخدم هذه الفتوى المحرفة كأداة فعالة وفتاكة لتبرير اعتداءاتها الدموية على الآخرين. كما واستخدموها ضد الأنظمة العربية والإسلامية القائمة بحجة أنها مرتدة عن الإسلام، وبالتالي فيحق شرعاً إسقاطها واغتيال قادتها لأنهم لم يعودوا مسلمين في نظرهم! وهكذا بلغ التطرف بالجهاديين الدمويين مبلغه... ولكن لحسن الحظ، فإن فتوى ماردين الجديدة أعادت الأمور إلى نِصابها وقالت حرفياً «فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكاً أو مستنداً لتكفير المسلمين والخروج على حكامهم، بل هي فتوى تحرّم كل ذلك». ثم أردفت فتوى ماردين الجديدة قائلة بأن العالم كله ينبغي أن يصبح أرض سلام وتسامح وتعايش بين مختلف الأديان والأقوام والمذاهب دون استثناء. وكل هذا متوافق مع جوهر الآية القرآنية الكريمة المذكورة سابقاً «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى....» إلخ. وهذا ما أعلنته أيضاً وثيقة الأخوة الإنسانية الموقّعة في أبوظبي من قِبل بابا روما وشيخ الأزهر بحضور الشيخ محمد بن زايد (بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019). وهذا ما أعلنته أيضاً وثيقة مكة المكرمة الموقّعة من قِبل أكثر من 1200 عالم إسلامي كبير (بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019). وقد حصل ذلك في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين وللأمير محمد بن سلمان، الذي هو قائد نهضوي وتنويري عربي كبير.
ولكن ماذا فعل المتطرفون الظلاميون؟ لقد رفضوا هذا الانفتاح الفكري والديني الكبير الذي حصل في ماردين وأبوظبي والرياض. وكان من بين الرافضين أحد منظّري «القاعدة» أنور العولقي، الذي زعم بأن فتوى ماردين هي فتوى النظام العالمي الجديد. كما ورفض هو وبقية قادة التطرف القاعدي - الداعشي فكرة الحوار بين الأديان. وقالوا بأن الإسلام يفرض علينا شرعاً محاربة جميع الأديان والمذاهب الأخرى بلا هوادة. هكذا نلاحظ أننا نقف في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة من تاريخ الإسلام أمام تفسيرين متضادين له أو مفهومين متخاصمين: مفهوم منفتح/ ومفهوم منغلق، مفهوم متسامح/ ومفهوم متعصب، مفهوم أنواري/ ومفهوم ظلامي. وحتماً سوف تنتصر الأنوار على الظلمات ولو بعد حين.


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.