قناة السويس.. حلم ديليسبس الذي غير العالم في الوثائق التاريخية وأعمال كبار الفنانين

الرسام الفرنسي فرومنتان وصف حفل الافتتاح: نعيش أحداث رواية من ألف ليلة وليلة.. خليط خيالي من التبذير والبذخ

صورة للعمال المصريين أثناء حفر القناة، صورة فردنان ديليسبس، فرمان إنشاء قناة السويس
صورة للعمال المصريين أثناء حفر القناة، صورة فردنان ديليسبس، فرمان إنشاء قناة السويس
TT

قناة السويس.. حلم ديليسبس الذي غير العالم في الوثائق التاريخية وأعمال كبار الفنانين

صورة للعمال المصريين أثناء حفر القناة، صورة فردنان ديليسبس، فرمان إنشاء قناة السويس
صورة للعمال المصريين أثناء حفر القناة، صورة فردنان ديليسبس، فرمان إنشاء قناة السويس

في يوم 15 أغسطس (آب) من عام 1869 وفي حضور الخديوي إسماعيل، أعطى فردنان ديليسبس إشارته بدخول مياه البحر الأحمر إلى البحيرات المرة ثم لمجرى قناة السويس بحماس شديد قائلاً: «منذ خمسة وثلاثين قرنًا انحسرت مياه البحر الأحمر بأمر من النبي موسى. واليوم تعود هذه المياه إلى مجراها تنفيذًا لأمر عاهل مصر».
كان ديليسبس متحمسًا للمشروع وفكرته التي ظلت تراوده لسنوات، ووثق كل تفاصيله في رسائله، ومنها رسالة كتبها في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1854، تلك الرسالة التي أرسلها ديليسبس قبل البدء في حفر قناة السويس، ذلك الحلم الذي بدأ لدى علماء الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت، ولم يتحقق ظنًا منهم أن هناك فارقًا في المنسوب بين البحرين قد يؤدي لغرق الدلتا، وسعى وراءه ديليسبس. جاء فيها: «بدأت الحياة تدب في المعسكر والنسمات تعلن عن شروق الشمس، على يميني الشرق بكامل عظمته، وعلى يساري الغرب حالك وملبد بالغيوم. وفجأة يبزغ قوس قزح بألوانه البهية ويغوص بأطرافه شرقًا وغربًا، أعترف بأن قلبي لم يتحمل وأخذ يدق بعنف. وشعرت بأنني في حاجة إلى الحد من جموح خيالي المبتهج مستعينًا بالدلائل التي تتحدث عنها الكتابات الشعرية وباللحظة الحقيقية التي يتحد فيها غرب العالم وشرقه، وباليوم المشهود الذي يكلل فيه مشروعي بالنجاح».
لم تكن تلك الرسالة لشاعر أو فنان فرنسي بل رسالة ديليسبس إلى مدموزيل «ديلامال»، التي وثقها كتاب «رحالة وأدباء فرنسيون في مصر» لمؤلفه جون ماري كاريه وصدر عام 1956.
ولد ديليسبس في ضاحية فرساي القريبة من باريس في 19 نوفمبر عام 1805 لأسرة تعمل بالدبلوماسية واشتهرت بمواقفها المؤيدة لنابليون، وعقب رحيل نابليون عن مصر أوفد ماتيو ديليسبس والد فردناند، وأصبح مقربًا من محمد علي باشا الكبير، وقبل رحيله عن مصر طلب منه الاهتمام بابنه فردناند. في عام 1832 جاء فردناند إلى الإسكندرية وأصبح قنصلاً عامًا لفرنسا فيها وعمره 27 عامًا. وأثناء قضائه فترة الحجر الصحي كان يتصفح كتاب «وصف مصر» وإذا به يجد فكرة «مشروع البحرين الأبيض والأحمر» ظلت الفكرة الجهنمية تطارده وراوده حلم تغيير العالم.
وفي 15 نوفمبر عام 1854 أثناء مشاركته في جولة عسكرية يقودها الأمير سعيد بن محمد علي في صحراء العامرية بالإسكندرية لم يستطع ديليسبس أن يكبح جماح نفسه واقترح فكرة مشروع حفر قناة السويس، هنا قال له سعيد: «مشروعك هو مشروعي.. لقد وافقت عليه، وسوف نتولى أثناء الرحلة بحث وسائل تنفيذه»، ثم جمع مرافقيه من الباشوات ليشاورهم في الأمر، وبالفعل حصل على موافقتهم وبعد 15 يومًا حصل ديليسبس على فرمان الامتياز والإذن ببدء المشروع. وقد استمر حفرها 10 سنوات.
كتب ديليسبس في خطابه أمام الأكاديمية الفرنسية: «هذا المجرى الجديد الذي فتح أمام السفن يصل 300 مليون أوروبي بـ700 مليون آسيوي، إن البحر الذي عايشت ضفافه أجمل وأروع ما صنعه الإنسان.. البحر الذي تاه فيه البطل «أوليس» لمدة 10 سنوات، البحر الذي حمل سفن موسى الممتلئة بالكنوز، ومراكب الإغريق المنتصرة وسفن الرومان الكئيبة، وبواخر الصليبيين وسفينة سانت لويس الشراعية الكبيرة والسفن الشراعية الحربية لأهل البندقية، وبيزا وجنوا، هذا البحر المتوسط المهجور الذي زالت أمجاده ومفاخره التاريخية بعد أن اكتشف فاسكو دي جاما، طريق رأس الرجاء الصالح.. هذا البحر يشهد الآن أساطيل السفن البخارية تحمل أثمن بضائع أوروبا وأسيا وتفتح مداخل ثغوره على مصراعيها ليصل مداها إلى محيطات الهند واليابان والصين».
لقد كان مشروع القناة أسطوريًا، وقراءة مراسلات الفنانين والرسامين الفرنسيين الذين جاءوا في بعثات من أجل مشروع القناة العملاق آنذاك تكشف لنا أسطورية هذا المشروع في ذلك الزمان. فقد قام الرسام الفرنسي نارسيس برشير (1819 - 1891) Narcisse Berchère، صاحب كتاب «صحراء السويس: خمسة أشهر عبر البرزخ» بتصميم رسومات مجسمة للقناة ومتابعة المشروع الحلم، وتقديم رسومات عن القناة للإمبراطورة أوجيني، فكتب في رسائله للفنان الفرنسي أوجين فرومنتان: «ها نحن نتابع الخطوات الأولى لتنفيذ هذا المشروع العملاق، بداية من دمياط التي شيدت فيها المخازن الرئيسية وموقع القيادة المتواضع، وحتى بورسعيد مدينة الهناجر والدكاكين الواقعة على شاطئ البحر ذات العشرين شهرًا التي تضج بالحياة وبضوضاء الورش، ثم نتقدم من بورسعيد لنصل إلى القنطرة وهو المكان الذي كان يمر فيه الطريق القديم للقوافل القادمة من آسيا، والذي يتوقف فيه الآن الجزء الأول من القناة القادم من البحر المتوسط».
أما أجواء الاحتفال الأسطوري الذي حرص الخديوي إسماعيل أن يكون فائق البذخ كان بالفعل كذلك، فقد ذهب إلى أوروبا لدعوة ملوكها، ووجه الدعوة إلى نحو ألف من الشخصيات المرموقة في أوروبا زار منهم تسعمائة فقط السويس بينما اختير مائة زائر بعناية لمرافقة الخديوي لرؤية صعيد مصر والتعرف على الحضارة المصرية القديمة، وقام عالم الآثار الفرنسي الكبير مارييت بطبع كتيب به معلومات عن صعيد مصر ومدينة أسوان وتم توزيعه على الصفوة منهم قبل سفرهم إلى الأقصر.
موكب الإمبراطورة أوجيني ضم الأمير جواشيم مورات وابن أخيه الدوق دي هوسكار وحاجبه الكونت دي كوسيه بريساك وفارسه الأول الكومندان رامبو وياور الإمبراطور الجنرال دواي والضابط المرافق له الكابتن هيب وبنات شقيقته وبعض الوصيفات. كما حضر إمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف ومن ورائه أمير بروسيا ثم أمير وأميرة هولندا ثم أمير هانوفر ثم الأمير الجزائري عبد القادر، ومن ورائهم موكب كبير من أصحاب السمو والألقاب.
وكان من مظاهر الاحتفال الأسطوري مشهد ظهور اليخت الإمبراطوري الفرنسي «ليجيل» مزينًا بالأعلام، تصحبه من بورسعيد 17 باخرة من دول العالم تعلوها الأعلام، والإمبراطورة أوجيني على متنه تحيي بمنديلها الضيوف وبجانبها ديليسبس، ومعهم على متن اليخت الفرنسي موفدون من كبار الشخصيات في العالم، فأرسلت ألمانيا أهم علماء المصريات لديها لبسيوس ودوماخن ودراك، بينما أرسلت النرويج كاتبها الشهير إبسن، وأرسلت سويسرا العالم نافيل، ومن إسبانيا جاء الكاتب المسرحي أوزوبيو بلاسكو. أما الحضور فكان منهم الفنانون الفرنسيون فائقو الشهرة جيروم وبرشير وفرومنتان. وتورنمين ولونوار والمثال الفرنسي جيروم. وكان الوفد الفرنسي هو الأكبر وضم كبار العلماء الفرنسيين وشعراء مثل تيوفيل جوتييه، والناقد الفني الكبير شارل بلان، إلا أن الشاعر جوتييه لم يتمكن من حضور الاحتفال بسبب كسر في ذراعه أصيب به أثناء سفره من مارسيليا إلى مصر وظل مقيما في فندق شبرد التاريخي يكتب عن يومياته في مصر ويوثق لكل ما يراه ويسمعه، كما وثق لوصول الموكب الفرنسي لميناء الإسكندرية واستقلالهم لقطار خاص للقاهرة، فقد وصف الموكب وصفا ساخرا قائلاً: «كان كثير منهم قد تزود لهذه الرحلة القصيرة التي لا تستغرق سوى أربع ساعات كما لو كانت رحلة نيلية لما وراء الشلالات وكانت درجة الحرارة تقارب مثيلتيها في مارسيليا أو الجزائر. ناهيك بتسريحات الشعر شديدة الغرابة العادية جدًا منها عبارة عن قبعات من التل الأبيض يتدلى منها جزء من الخلف أسفل الرأس يشبه الحلقات المعدنية للعسكر وبها واق أخضر مسدل على الوجه، وعلى جانبي الرأس فتحتان للتهوية».
أما الرسام الفرنسي أوجين فرومنتان Eugène Fromentin) 1820 - 1876) الذي يعد مؤرخ حفل قناة السويس، فقد جاء في مذكراته التي نشرت في كتاب «voyage en Egypte» وصف رائع يسجل الساعات التي تسبق الافتتاح التاريخي للقناة: «كان القطار يعج بالشركس والنساء والعساكر والمعاقين والمكفوفين.. وأثناء ذلك وعلى ساحل بورسعيد حيث توحد الصليب مع الهلال، كانت الترانيم المسيحية وابتهالات المسلمين تصعد إلى سماء مصر. وفي حضور الخديوي وكبار المدعوين.. وكان يدوي في أنحاء العالم الأربع اسم فردناند ديليسبس العظيم». إلا أنه في صباح اليوم التالي تعقدت الأمور في الإسماعيلية وكتب فرومنتان يقول: «سرت أنباء مشئومة تقول إن المركب المصري (لطيف) قد جنح وعاق الملاحة، وبذل 300 رجل مجهودًا مضنيًا لسحبه إلى أحد جانبي القناة. وقضى الوالي ونوبار باشا وديليسبس ليلتهم في الموقع. ويقال إن الوالي هدد بإعدام بعض الضباط.. هل يتمكن (ليجيل) من السير؟ إذا كانت الإجابة نعم.. ستفتتح القناة، وإن كانت لا، هذه هي البلية».
ويصف فرومنتان توقيت افتتاح القناة: «جمهور غفير، سلاح المدفعية، وحدات من الرماحين المصريين على أهبة الاستعداد على الساحل، في الرابعة تقترب ثلاث سفن مغطاة بالأعلام من قناة السويس وتلقي بالمسراة في البحيرة.. مرحى!.. في الخامسة والنصف رأينا دخانًا خفيفًا وأعلى أحد الصواري من وراء الحافتين الرمليتين لقناة الشمال. وكان الصاري الكبير للسفينة التي لم تظهر بعد يرفع العلم الإمبراطوري لفرنسا. إنها (ليجل) وتم أمامنا ببطء وحذر.. وتطلق المدافع طلقات التحية ويرتفع تصفيق الجمهور الغفير.. إنها حقًا لحظة بديعة».
ويروي: «ومنذ هذه اللحظة وطوال يومين والأفراح لا تنتهي.. طلقات نارية، صخب، رقص، دراويش، مآدب عشاء، حفلات وأيضا هرج ومرج.. أصدقاء يتوهون وجمال وعير وعربات خيل إنجليزية وخيول عربية وخيالة وفرسان واستعراضات للجنود.. ونرى الإمبراطورة في أبسط زينة وهي تنزل من على جمل مزركش ووراءها عربة ملكية يجرها ثمانية من الجمال البيضاء، وإمبراطور النمسا مرتديًا قبعة زرقاء يمر أمام الخيام..».
ويصف الولائم الأسطورية للحفل: «طعام من الخيال، أسماك شهية، طيور.. نحو 8 آلاف شخص يطعمون في قلب الصحراء. كيف تم إنجاز هذا العمل وكيف تتم عملية الإمداد والتموين.. لا أحد يفهم.. وها نحن نعيش أحداث رواية من ألف ليلة وليلة، وسط الرمال والحصير على الرمال.. خليط خيالي من التبذير والبذخ».
كانت تكاليف الحفل كما ذكرها المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «عصر إسماعيل» تقدر بنحو مليون وأربعمائة ألف جنيه، وقد أقيم الحفل على صفة القناة يوم 16 نوفمبر عام 1869، وخصصت ثلاث منصات، المنصة الكبرى للملوك والأمراء وكبار المدعوين، والثانية لرجال الدين الإسلامي يتزعمهم شيخ الأزهر، والثالثة لرجال الدين المسيحي يتزعمهم واعظ البلاط الفرنسي.
والطريف أنه من ضمن استعداد افتتاح القناة، عرض النحات الفرنسي الكبير أوجوست بارتولدي تصميم تمثال «مصر تنير الشرق»، وهو تمثال ضخم يمثل فلاحة مصرية رافعة ذراعها وترتدي غطاء رأس فرعوني، لكن الخديوي اعترض على الغطاء الفرعوني وتوقف مشروع التمثال، وبعد فترة فكر بارتولدي في إهداء التمثال للشعب الأميركي من الشعب الفرنسي وأصبح فيما يعرف الآن «بتمثال الحرية» بنيويورك.
وقبل افتتاح القناة بخمسة أشهر قام الخديوي إسماعيل بتكليف عالم الآثار والمصريات الكبير أوجوست مارييت بتأليف أوبريت «عايدة» الشهير، كما تم تكليفه بالاتصال بالموسيقار الشهير فردي لتلحينها، ولما رفض قائلاً إنه ليس ملحن مناسبات، فهدد الخديوي باللجوء إلى فاجنر أو جونود وحصل بالفعل الملحن الإيطالي على 150 ألف فرانك بعد أن وقع العقد في يوليو (تموز) 1870، ولم تقدم «عايدة» في افتتاح القناة، لكن الأوبريت ظل خالدًا حتى الآن.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».