عبد الله أمين أبو شميس: الشعر الحديث أهم تحول منذ المعلقات

الشاعر الأردني تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن فوزه بجائزة البابطين

عبد الله أمين أبو شميس
عبد الله أمين أبو شميس
TT

عبد الله أمين أبو شميس: الشعر الحديث أهم تحول منذ المعلقات

عبد الله أمين أبو شميس
عبد الله أمين أبو شميس

في دورتها الأخيرة التي اختتمت في الكويت مساء الثلاثاء الماضي، أعلنت مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية عن فوز الشاعر الأردني الدكتور عبد الله أمين أبو شميس بجائزة أفضل قصيدة.
وعبد الله أبو شميس، بالإضافة إلى كونه شاعراً، هو باحث ومترجم، حاصل على البكالوريوس في هندسة الميكاترونيكس، والدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة اليرموك في الأردن (2013). صدرت له 5 مجموعات شعريّة: «هذا تأويلُ رُؤْياي» (2006)، «الخطأ» (2011)، «الحوارُ بعدَ الأخير» (2016)، «شهودُ غزة» (2021)، و«كتاب الْمَنسِيّات» (2021). كما صدرت له ترجمة شعريّة لكتاب «اللانْداي: من شعر المرأة الأفغانيّة في الحبّ والحرب» بالاشتراك مع د. حنان الجابري (2018). وهو حاصل على عدد من الجوائز العربية.
هنا حوار معه بمناسبة فوزه...
> لديك سجل مع الجوائز، ماذا يعني لك الفوز بجائزة البابطين الثقافية تحديداً؟
- جائزة البابطين جائزة كبيرة تحظى بثقة واحترام كبيرين في الوسط الأدبي العربي. والظفر بهذه الجائزة في فرع أفضل قصيدة عربية يعني بالنسبة لي اعترافاً ما، وتقديراً للعمل الفائز «قصيدة راحيل».
وفي الواقع، ما أسعدني كذلك أن «قصيدة راحيل» تمثل إلى حد كبير طريقتي الأثيرة في الكتابة، ومشروعي الشعري - إذا جاز لي القول - الذي يعتمد قصيدة التفعيلة، مع اهتمام بالشخصيات الإنسانية، لا بذات الشاعر وحده، واهتمام بإبراز صوت المرأة، وهو ما أراه ضرورياً جداً في لحظتنا الراهنة.
> لديك 5 مجموعات شعرية، حدثنا عن مجموعتك الشعرية الأخيرة (كتاب المنسيات) التي كانت قصيدتك الفائزة «راحيل» من بينها؟
- «كتاب المنسيات» هو 10 قصائد على ألسنة 10 نساء وردن في القصص القرآني إما تصريحاً أو تلميحاً. تنطق كل قصيدة بلسان شخصية امرأة، وتروي جزءاً من القصة القرآنية من زاوية المرأة فيها. هذه الشخصيات العشر هي؛ حواء ووالهة (امرأة نوح) وهاجر وراحيل (والدة يوسف) وزليخا وآسيا وصفّورا (زوجة موسى) وبلقيس ومريم وخديجة.
ونحن عندما نرى القصة من زاوية المرأة فيها، نبصر بعداً آخر لها. فمثلاً، كيف تفاعلت هاجر مع الرؤيا التي رآها إبراهيم، والأمر بأن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام؟ قصيدة هاجر تضيء منطقة أخرى في القصة لا تضيئها القصة القرآنية والروايات التاريخية غالباً.
> هل ثمة صلة بين مجموعتك الأخيرة وقصيدة «راحيل» ومجموعتك الشعرية «هذا تأويل رؤياي»...؟
- «هذا تأويل رؤياي» كانت مجموعتي الأولى وصدرت في 2006. وبينها وبين كتاب المنسيات 16 عاماً. في قصيدة «هذا تأويل رؤياي» كانت ثمة محاولة لإضاءة زاوية إنسانية من قصة يوسف عليه السلام، ولكن ضمن العناصر المعهودة في القصة؛ يعقوب والإخوة تحديداً. في «كتاب المنسيات» قصيدتان على لسان راحيل والدة يوسف وزليخا امرأة العزيز. لذلك فالقصة تروى من زوايا نسائية هذه المرة، كانت غائبة إلى حد كبير عن قصيدة «هذا تأويل رؤياي».
> لديك مجموعة شعرية بعنوان «الحوار بعد الأخير»، وعنوان المجموعة مختصر من عنوان إحدى قصائدها، وهي «الحوار بعد الأخير مع محمود درويش» التي تضمنها الديوان، تقول فيها...
وأدار إلى جهة الخلْد
كرسيّه في هدوء
وما عدت أبصره
ربّما طار بين التهاويم
أو صار دندنة في الترانيم،
حدثت نفسي
بأن الزيارة قد كسرت
مثل فنجان شاي
على مرمر فارسيّ.
لماذا محمود درويش تحديداً هو من أثار الحماسة داخلك لهذه المحاورة؟
- قصيدة «الحوار بعد الأخير مع محمود درويش» كما يشير اسمها هي قصيدة حوارية مع درويش كتبت بعد وفاته بحوالي سنة. درويش شاعر عربي مهم جداً، سواء في صياغة الشعرية العربية الحديثة بعموم، أو في تكوين الشعرية الفلسطينية على وجه الخصوص. والحوار مع درويش شعرياً يمثل فرصة لشاعر من جيل جديد، لمساءلة كثير من القضايا إنسانياً ووطنياً وشعرياً.
على الصعيد الإنساني، كان الحوار حول معنى الوجود والزمن وكيفية التعامل مع العدو الضد والأخ الخصم المغاير. فلدرويش تأملاته الخاصة ومواقفه التي قد لا أتفق معه فيها بالضرورة.
أما وطنياً فقد كان الحوار حول المسار الذي يجب اتخاذه وطنياً من أجل التحرر، وكذلك الموقف من الاختلافات الداخلية والحديث عن الانقسام، واختلاف الاجتهادات، وفلسطين الحلم.
وشعرياً حاورت درويش حول جدوى الشعر، وحول مكانته في مقابل رموز الشعر العربي الكبرى.
> ما الرابط بين شعرية درويش والواقع الراهن حتى استدعيته لتسقط عليه هالة درويش؟
- الحقيقة أن الواقع جزء لا يتجزأ من لحظة الحوار. في 2008 حين توفي درويش كان الانقسام الفلسطيني في ذروته، لذلك حضر السؤال حول الواقع في سياق الحوار بشكل جلي، كما في هذا المقطع...
وساءَلني قبل أن يختفي:
كيفَ غزة بعد الرّمادِ؟
فقلتُ لهُ:
أصبحتْ بَلَدا!
قال:
عمّا قليلٍ تصيرُ بلادا...

> مع أن قصائدك تنحو نحو التجريب الفني في بنية القصيدة، وأنك لا تميل كثيراً للقصيدة العمودية، لكن وجدناك تكتب قصيدة «الهدهد». هل تقيدك القوالب الشعرية؟ ما مدى الحرية التي تمارسها في قصائدك؟
- لدي 5 مجموعات شعرية جميع قصائدها قصائد تفعيلة، ما عدا قصيدتين أو 3 قصائد. نادراً جداً ما أكتب قصيدة الشطرين، والحقيقة أنني لا أرى أن قالب الشطرين بالعموم مناسب لأسلوبي في الكتابة الذي يستفيد من عناصر السرد والحوار والدراما، وأجد أن قالب التفعيلة هو الأنسب لي.
> تساءلت في سلسلة مقالات لك؛ كيف نقرأ الشعر الحديث؟ وقلت فيها: «حين نصل إلى الشعر الحديث تتحول أداة السؤال فجأة من (كيف؟) إلى (لماذا؟)، لماذا لا نفهم الشعر؟ لماذا لا نتذوق الشعر؟ لماذا نقرأ هذا الشعر؟».
سأعيد عليك السؤال الاحتجاجي معكوساً؛ هل ترى أن الشعر الحديث ليس شعراً؟
- بالطبع الشعر الحديث شعر! وفي اعتقادي، الشعر الحديث منذ منتصف القرن الماضي هو أهم تحول في مسار الشعر العربي بأكمله منذ المعلقات.
لكن إشكالية الشعر الحديث التي برزت منذ البداية تكمن في أن هذا الشعر خلخل كل عناصر الشعر ومكوناته مرة واحدة، غيّر اللغة مفردات وتراكيب، والصورة الشعرية، وبناء القصيدة. وغيّر الرؤية الشعرية، والمواقف من أهم القضايا؛ الزمن والمدينة والمرأة والجمال والتراث وغيرها.
هذا التغيير الشامل شكل صدمة هائلة للقراء والنقاد على حد سواء. وهي صدمة ربما لم يستفق منها البعض حتى اليوم. فما زال رفض الشعر الحديث ديدن كثيرين في أوساط مختلفة. وظل السؤال الدائم حول كيف نفهم الشعر الحديث؟ سؤالاً حاضراً بقوة. لذلك جاءت سلسلة المقالات تلك بهدف اقتراح طريقة لفهم الشعر الحديث، تقوم الطريقة أساساً على تحليل كل قصيدة بأدوات معرفية ميسرة للقارئ المتوسط، حتى لا يصبح الشعر كهنوتاً تقتصر معرفته على صفوة الصفوة. لقد كانت سلسلة المقالات تلك محاولة لمد جسر صلب وبسيط بين القصائد الحديثة والقراء. وأتمنى أن تكون نجحت في تيسير تفاعل القراء مع بعض نماذج الشعر العالية.
> يرى الشاعر والروائي الأردني علي طه النوباني أن تجربتك الشعريّة فيها «تنوُّع ينبثق من تواصل عميق مع الموروث، ‏وشغل حثيث على جدة التشكيل».
ما مكانة الموروث في شعرك؟ هل يعيق الحداثة تشبث الشاعر بموروثه؟
- الموروث - شئنا أم أبينا - جزء أساسي جداً في تكويننا، وبالنسبة للإنسان العربي تحديداً الموروث والماضي جزء أساسي من الحاضر. وأنا عندما أعود إلى الموروث في قصائدي كما في «كتاب المنسيات»، أعود إليه لأراه في ضوء وعي معاصر، حاملاً قضايانا الجديدة، فكيفية التعامل مع المقدس، والموقف من المرأة، مثلاً، قضايا معاصرة، وليست قضايا قديمة.
في رأيي، نحن بحاجة إلى العودة إلى التراث مراراً وتكراراً، لا لنمجده ونقدسه، ولكن لنراه في ضوء وعينا الجديد.

من شعره: قصيدة «هاجر»

ليس من أجلكَ
أو من أجل أحلامٍ تراها
أيها الشيخ
الّذي ما فارق الرّحلة
أو ألقى عصاها
لم تعُدْ لي،
عدتَ كي تذبحَ إسماعيلَ
هل تعرف إسماعيلَ كي تذبحَهُ؟!
هل قلَبتَ الرملَ
كي تبحث عن قطرة ماءٍ
وهو يبكي صارخاً فوق يديكْ؟
هل ذرعتَ الأرضَ
والرّيح تسفّي ملحَها
في شفتيكْ؟
فوقكَ الشّمسُ
وخُفّ الرّملِ يشوي قدميكْ؟
هل تعلّقتَ به عشرين عاماً
مثل وشمٍ غائرٍ في كتفيكْ؟
أنتَ لا تعرف إسماعيلَ
فاتْركهُ لمن يعرفهُ
يعرفُ ما يرضيهِ
أو يشجيهِ
ما يرفعهُ أعلى من الغيمِ
وما يلقيهِ من أعلى
كما ألقيتَهُ من قبلُ في الوادي...
فَتاها
أنتَ لا تعرف إسماعيلَ...
إسماعيلُ نخلٌ شامخٌ
حتّى إذا الليلُ أتى
سال مياها
*
ليس من أجلكَ
أو من أجل أحلامٍ تراها
أيّها الشيخ،
الذي قد جاء
من أقصى منافي الرّبِّ
كي يذبح إنساناً
ويفنيهِ كما يفني الشِياها!
ربّما كنتَ نبيّاً
إنّما لو كنتَ أُمّاً
لم تُطع رُؤياكَ في هذا
وخالفتَ الإلها


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».