«الشهوات الغذائية»... كيف تتولد؟

ميكروبات الأمعاء تتلاعب بخيارات الإنسان من الأطعمة

«الشهوات الغذائية»... كيف تتولد؟
TT

«الشهوات الغذائية»... كيف تتولد؟

«الشهوات الغذائية»... كيف تتولد؟

تفرض تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا حاجاتها الغذائية بطرائق كثيرة.
أحاسيس الجوع والشبع

لا تسألوا كيف يؤثّر نظامكم الغذائي على ميكروبيوم (الوسط الميكروبي) الأمعاء لديكم؛ بل كيف يؤثر الميكروبيوم على نظامكم الغذائي. ترجّح مجموعة كبيرة من الدراسات أنّ الميكروبات الموجودة في الأمعاء لا تنظّم شهيّة الإنسان فحسب؛ بل تتلاعب بخياراته الغذائية أيضاً؛ لأنّ هذا التلاعب هو ببساطة طريقتها لضمان تلبية حاجاتها الخاصة.
الجوع محرّكٌ قوي جداً يتغذّى من مسارات بيولوجية كثيرة بمنطقة «تحت المهاد» في الدماغ hypothalamus (التي تحتوي أيضاً على مراكز التحكم في الجوع والعطش). ويعتمد الوجود البشري في النهاية على عاملٍ أساسي يتلخّص في الحصول على القدر الكافي من الطاقة والأغذية.
تولّد الهرمونات التي ينتجها الدماغ أحاسيس الجوع وتنشّط استهلاك الطعام، بينما تعمل هرمونات أخرى تنتُجها الأمعاء على حثّنا لتناول الطعام. تنشّط خلطة غنيّة أخرى من الهرمونات –بعضها يُنتج في الدماغ، وبعضها تنتجها خلايا الدهون (حيث تُخزّن الطاقة الإضافية)، والجزء الأكبر منها يُنتج في الأمعاء والأعضاء المرتبطة بها– أحاسيس الشبع وتكبح التغذية. وتؤكّد آليات الإشارة المتنوّعة أنّ الجوع يعبّر عن نفسه بعدّة أشكال من الانزعاج -أبرزها صرير المعدة، والمزاج المعكّر، والدوار- تدفعنا جميعها لتناول الطعام.
وتوجد أيضاً حوافز كثيرة لتناول الطعام (أو عدم تناوله) والتي تتجاوز الجوع الفسيولوجي وتؤثّر على الشهية، مثل منظر البيتزا الساخنة، ورائحة الخبز الطازج، والتوتّر الناتج عن مهلة مهمّة، والملل.

الوسط الميكروبي المعوي
إضافة إلى جميع هذه الإشارات التي توجّه ماذا ومتى تضعون في فمكم، أضيفوا واحداً آخر: النشاط اليومي لتريليونات البكتيريا التي تستوطن المجرى الهضمي، والتي تُعرف مجتمعة باسم الميكروبيوم المعوي. تفوق جينات هذه الميكروبات الجينات البشرية عدداً بمعدّل 100 جين لكلّ جين بشري، ما يمنحها القوّة لتغيير سلوكنا الغذائي بما يصبّ في مصلحتها. فقد أظهرت إحدى الدراسات مثلاً أنّ الفئران الخالية من الجراثيم التي استوطنها ميكروبيوم قوارض بريّة تتّبع استراتيجيات تغذية طبيعية مختلفة كليّاً –بعضها نباتي وبعضها لا– تبنّت أنماط الاستهلاك الغذائي التي تتبعها القوارض صاحبة الميكروبيوم الدخيل.
عبر أفعالها المباشرة، ومنتجاتها الأيضية (نواتج التمثيل الغذائي)، والرسائل التي ترسلها عبر العصب المبهم من الأمعاء إلى الدماغ، وحتّى عبر منافستها الدارونية للسيطرة، تهندس ميكروبات الأمعاء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ما تأكلونه، ويُعتقد أيضاً أنّها تلقّن جسدكم شهواته الغذائية لتناول: صدر دجاج غني بالبروتين، أو شطيرة برغر دسمة بالجبن.
محاكاة هرمونية

تولّد بكتيريا الأمعاء الشهوات الغذائية، من خلال التلاعب بمتلقّيات التذوّق لديكم، فتغيّر الإحساس بالأغذية وتذوّقها. على سبيل المثال، تستطيع البكتيريا تخفيف الحساسية للنكهات الحلوة والدهنية، لتدفع بذلك الحاجة لزيادة كثافة هذه المحفّزات. وتساهم الأمعاء الغنية بالبكتيريا العصية اللبنية Lactobacilli، الضرورية لمراقبة البكتيريا المسببة للأمراض، في تراجع الحساسية للطعم الحامض، وتستطيع بكتيريا الأمعاء أيضاً زيادة الحساسية تجاه الطعم المرّ؛ الأمر الذي قد يفسّر عدم تقبّل النّاس لطعم البروكلي.
تعدّل مكوّنات البكتيريا، أو منتجاتها الثانوية الأيضية، عبر مسارات الإشارات الحسيّة الكيميائية، تعبير خلايا متلقّيات الطعم في الأمعاء والفم، ولو أنّ الوسائل التي تستخدمها لهذه الغاية ليست واضحة بعد. ومع ذلك، يمكن للتغييرات التي تطرأ على البيئة الميكروبية في الأمعاء أن توجه خيار الطعام، من خلال التأثير بشكلٍ كبير على تلقّي الطعم؛ الدافع الأبرز خلف تناوله.
تؤثر بكتيريا الأمعاء أيضاً على خيارات الطعام، من خلال السيطرة على الدوائر العصبية الكيميائية في منطقة تحت المهاد. تنتج الميكروبات بروتينات تتشاطر التسلسلات الجزيئية مع بعض هرمونات الجوع والشبع، وتستطيع التنكّر لتشبه هرمونات مشابهة، لتتدخّل في تنظيم الشهية الطبيعية. وتستطيع أيضاً أن تلتحم مع مستقبلات هرمونات وتمدّد فعاليتها، أو تلعب دور العدو، وتعترضها. ووجد الباحثون أيضاً أنّ ميكروبات الأمعاء تستطيع تخفيف حساسية الدماغ للِّبتين، وهو هرمون أساسي مسؤول عن تثبيط الجوع تفرزه دهون الجسم.
ولكنّ التنكّر ليس لعبة ميكروبات الأمعاء الوحيدة، إذ تلعب مكوّنات ومستقلبات ميكروبية متنوّعة دور جزيئات ترسل إشارات مرتبطة بالشهية. تتخلّص البكتيريا في حياتها وغذائها وموتها، من المكوّنات الخلوية (كعديد السكاريد الشحمي lipopolysaccharides مثلاً) الذي ينشّط إنتاج هرمون الشبع المعروف باسم كوليسيستوكينين الذي تولده وتفرزه خلايا تحيط ببطانة الأمعاء الدقيقة. يثبط الكوليسيستوكينين استهلاك الطعام من خلال التفاعل مع اللّبتين، ومن خلال الوصول مباشرة إلى الدماغ وحثّ الوطاء على إحباط الشهية.
التنوّع الدفاعي

تُعدّ الأحماض الدهنية القصيرة السلسلة مساراً مختلفاً للتأثير. تؤدّي هذه المواد الحيوية وظائف مهمّة كثيرة، وتُنتَج في القناة الهضمية بفعل نشاط أنواع عدّة من البكتيريا المعوية (البيفيدوبكتيريا، واللاكتوباسلاي، وروزيبوريا) على الأطعمة الغنية بالألياف التي يصعب هضمها بطريقة أخرى.
تحافظ هذه الأحماض على سلامة جدار الأمعاء، وتنظّم حمضيّة الأمعاء للوقاية من فرط نموّ أنواع البكتيريا المرضية، وتنشّط المناعة، وتحسّن الصحّة النفسية من خلال تنشيط اللدونة العصبية في الدماغ، وتلعب دوراً مهماً في السيطرة على الشهية. تثبط الأحماض الدهنية القصيرة السلسلة من نوع «أسيتات» مثلاً مواد كيميائية عصبية في منطقة تحت المهاد، قد تعزز الشهية وتضعف الاستقلاب، بينما تؤدّي الأحماض الدهنية القصيرة السلسة من نوع «بوتانويك» عملاً رائعاً في تنظيم الشهية؛ لأنّها تؤثّر على استقلاب الدهون بأشكال عدّة تكبح استهلاك الطعام، وتطول نشاط عدّة هرمونات مرتبطة بالجوع.
ولكنّ نوع بكتيريا «روزيبوريا» التي تنتج «البوتانويك»، والبكتيريا الأخرى التي تنتج الأحماض الدهنية القصيرة السلسلة، لا تستطيع القيام بأدوارها المهمّة من دون تناول أطعمة غنية بالألياف. بدورها، تملك تريليونات البكتيريا الأخرى أطعمتها المفضّلة أيضاً، فالخميرة مثلاً تطلب السكريات، بينما تفضّل البريفوتيلّا النشويات. ولهذا السبب، يؤدّي غياب الأغذية الأساسية إلى تغيير توازن الميكروبات في الأمعاء، وتفاوت الطلب على الأغذية من قبل الأنواع الصامدة.
إضافة إلى ذلك، تعزّز الأحماض الدهنية القصيرة السلسلة التنوّع الميكروبي، من خلال تغذية كثير من أنواع البكتيريا الأخرى بشكلٍ أساسي؛ حيث اتّضح أنّ الحفاظ على التنوّع الميكروبي هو الطريقة الأمثل لإبقاء الشهية تحت السيطرة. يتّسم التنوّع المتناقص بالبروز المتزايد لأنواع على حساب أخرى، ولهذا السبب تسهّل المنافسة المقيّدة على البكتيريا فرض وجباتها المفضّلة.
بشكلٍ عام، يرتبط تراجع التنوّع في ميكروبات الأمعاء بالجوع، بينما يرتبط اكتمال الأنواع البكتيرية بالشبع. إذ تشير دراسات أجريت على الحيوانات إلى أنّ غنى الأمعاء بالميكروبات يعزّز إشارات اللبتين للشبع، ويقي من الإفراط في تناول الطعام. يعتقد المختصون اليوم أنّ جراحات علاج البدانة التي تُعرف أيضاً بجراحة المجازة المعديّة، المصممة لمساعدة الأشخاص المفرطي السمنة على التخلّص من الوزن، لا تنجح لأنّها تحدّ من كميّة الطعام التي يستهلكها النّاس؛ بل لأنّها تغيّر تركيبة الميكروبيوم إلى الأفضل.
وأخيراً فإن خيارات تأسيس ميكروبيوم صحي تشمل جراحة المجازة المعديّة، وهي وسيلة قاسية لتأسيس ميكروبيوم صحيح. وتوجد طبعاً وسائل أخرى غير جراحية لتحقيق الهدف نفسه، أكثرها وضوحاً ومباشرة هو اعتماد نظام غذائي متنوّع غني بالفواكه والخضراوات، أي الأطعمة التي تغذّي كثيراً من البكتيريا المفيدة. ويمكنكم تأسيس هذا الميكروب بطريقة أخرى أيضاً، وهي تناول مكمّلات غذائية من البروبيوتيك المعزّز بالألياف والمدعّم بالبكتيريا الصحيحة.
* «سايكولوجي توداي»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.