هل ما يقدمه دي زيربي مع برايتون تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة أم مجرد فترة نجاح عابرة؟

المدرب الإيطالي تمكن من إحراج كثير من الأندية الكبيرة والغنية وأصبح قريباً من التأهل لدوري الأبطال

برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
TT

هل ما يقدمه دي زيربي مع برايتون تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة أم مجرد فترة نجاح عابرة؟

برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)

قبل مواجهة غريمسبي في ربع نهائي كأس إنجلترا اليوم، قال المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي ذات مرة: «لقد كنت لاعباً مملاً». ويمكن القول إن دي زيربي كان بطريقة ما لاعباً لا يناسب على الإطلاق الفترة التي كان يلعب فيها؛ حيث كان صانع ألعاب تقليدياً تماماً في نهاية القرن الماضي، وهي الفترة التي بدأ فيها اللاعب بهذه المواصفات يختفي من عالم كرة القدم الحديثة التي تتطلب القيام بكثير من الأدوار والمهام في الوقت نفسه. ويتميز دي زيربي بأنه يبحث دائماً عن كل ما هو جديد ومثير، في رياضة تميل بشكل متزايد نحو النظام الصارم.
لقد كان جيداً بما يكفي كي ينضم إلى ميلان؛ لكنه لم يكن جيداً بما يكفي كي يشارك في التشكيلة الأساسية! وحتى عندما انتقل على سبيل الإعارة إلى فريق ليكو الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، دخل في خلافات مع المدير الفني روبرتو دونادوني. لم تكن هناك أي شكوك بشأن القدرات الفنية والبدنية لدي زيربي؛ لكن المشكلة برمتها كانت تتعلق بقدرته على التأقلم والتكيف. وقال دي زيربي لاحقاً لصحيفة «لا غازيتا ديلو سبورت»: «أنا شخص حالم، وطموح للغاية، وصادق؛ لكنني غير مستقر وغير صبور وأغضب بشدة». وبالنسبة لدي زيربي، فلا يمكن أن تُلعب كرة القدم إلا بطريقته الخاصة. ولحسن حظه، فقد وجد الفريق الذي يساعده على القيام بذلك.
بدأت فكرة أن يصبح دي زيربي مديراً فنياً تظهر على السطح عندما كان يلعب في صفوف نادي «سي إف آر كلوج» الروماني. لم يكن دي زيربي معجباً بالأجواء الثقافية للمدينة الثانية في رومانيا، لذلك كان يقضي أمسياته في مشاهدة مباريات كرة القدم، فكان يشاهد مباريات برشلونة تحت قيادة جوسيب غوارديولا، وإنتر ميلان تحت قيادة جوزيه مورينيو، وبايرن ميونيخ تحت قيادة لويس فان غال؛ لكنه كان يفعل ذلك بعين الناقد، وليس المشجع العادي. بدأ دي زيربي يحصل على دورات متخصصة في مجال التدريب، وهو يمنِّي النفس بأن يسير على خطى غوارديولا. وكان دي زيربي يرغب في أن يلعب بطريقة تمزج بين التمرير الإسباني القصير، والضغط الألماني، والالتزام التكتيكي الإيطالي، لبناء شيء مميز وجديد وفريد من نوعه. وكانت أطروحته الأخيرة في الأكاديمية الوطنية الإيطالية للتدريب بعنوان «طريقتي في اللعب».
وهذه هي الطريقة التي بدأ دي زيربي في تطبيقها على أرض الواقع مع نادي برايتون. وعندما يشاهد المرء برايتون وهو يلعب حالياً –كما كانت الحال عند مشاهدة فريق ساسولو تحت قيادة دي زيربي– فإن هذا يجعله يتساءل عما إذا كان المدير الفني الإيطالي الشاب قد أحدث طفرة وتحولاً كبيراً في عالم كرة القدم. في الحقيقة، يبدو ما يحدث في برايتون وكأنه قفزة كبيرة بالنسبة لنادٍ يحتل المركز السابع في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولمدير فني لم يتولَّ المسؤولية إلا قبل أقل من 6 أشهر فقط. وعندما لعب برايتون أمام مانشستر سيتي على ملعب «الاتحاد» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعرب غوارديولا عن إعجابه الشديد بما يقدمه برايتون، ووصفه بأنه شيء جديد تماماً. وقال المدير الفني الإسباني بعد فوز مانشستر سيتي بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، بعد مباراة استحوذ فيها على الكرة بنسبة 48 في المائة: «إنهم يلعبون بطريقة لم نعتد عليها. سيكون تأثيره في إنجلترا هائلاً».
إذن، ما هي هذه الرؤية؟ لنبدأ في ملخص تكتيكي صغير: قبل نحو عقد من الزمان، كانت كرة القدم التي تُلعب على الطريقة الإسبانية –ما يصفه البعض باسم «التيكي تاكا»– قد انتهت تدريجياً لصالح طريقة جديدة تعتمد على الشراسة والضغط العالي والمتواصل على حامل الكرة، والتحول السريع من الدفاع للهجوم، والعكس. وأصبح الضغط على الفريق المنافس هو بديل التمريرات القصيرة. ومع تطور طريقة الضغط العالي من حيث الحجم والمهام المعقدة، أصبح الاستحواذ العقيم في المناطق الدفاعية شيئاً يجب التخلص منه والقضاء عليه. وعندما يستحوذ أي فريق على الكرة فإن أول شيء يفكر فيه هو كيفية نقل الكرة إلى الأمام بأقصى سرعة ممكنة. وأصبح لاعبو خط الوسط مطالبين دائماً بالضغط على المنافس، وأصبح حراس المرمى مطالبين بإجادة اللعب بالقدمين لبناء الهجمات من الخلف.
قد لا يكون ما يفعله دي زيربي في برايتون شيئاً ثورياً أو جديداً تماماً؛ لأنه لا يوجد شيء في كرة القدم يمكن وصفه بأنه جديد تماماً. لكن في الدوري الإنجليزي الممتاز على الأقل، لم يلعب أي فريق من قبل بهذه الطريقة الجريئة التي يلعب بها برايتون. فكما تفعل معظم الأندية الكبرى، يبني برايتون الهجمات بداية من حارس المرمى، روبرت سانشيز. لكن على عكس كل هذه الفرق، يواصل برايتون في كثير من الأحيان إعادة تدوير وتمرير الكرة بصبر في مناطق الخطورة الخاصة به، وغالباً ما يصل الأمر إلى 10 أو 15 تمريرة.
لهذا السبب تصل نسبة استحواذ الفرق التي يتولى دي زيربي تدريبها إلى أكثر من 70 في المائة في كثير من الأحيان؛ لكن ما يفعله برايتون في هذا الصدد هو بالضبط الشيء نفسه الذي يحذر منه خبراء كرة القدم في العصر الحديث. ويطلب دي زيربي من لاعبيه ألا يشتتوا الكرة أبداً حتى لو كان ذلك يعني موتهم! وفي أطروحته التي أشرنا إليها سابقاً، أشار المدير الفني الإيطالي الشاب إلى أن المدافعين يجب أن «يشعروا بالسعادة وهم يمتلكون الكرة ويشاركون في بناء الهجمات، ويجب أن يعرفوا أن كل شيء يبدأ من عندهم».
إن فكرة الاستحواذ بهذه الطريقة، والتي يمكن وصفها بـ«استحواذ الحبل المشدود»، إن جاز التعبير، تستفز الفريق المنافس، وتجعله يفتح خطوطه بطول الملعب، ويبالغ في ممارسة الضغط، ويفتح مساحات كبيرة في الملعب، وعند هذه النقطة يلعب برايتون بطريقته المدروسة بعناية ودقة، ويبدأ في استغلال المساحات الخالية، وإحداث حالة من الفوضى في دفاعات الفريق المنافس. وعندما يتم هذا بشكل صحيح فإنه يتفوق تماماً على طريقة الضغط العالي التقليدية التي هيمنت على كرة القدم على مستوى النخبة، خلال السنوات العشر الماضية. ولم يكن هذا الأمر أكثر وضوحاً مما حدث خلال المباراتين اللتين فاز فيهما برايتون على ليفربول، بقيادة المدير الفني الألماني يورغن كلوب، هذا العام، عندما سمح برايتون لليفربول بممارسة الضغط العالي، ثم استغل المساحات الخالية وتلاعب به تماماً.
وهنا تجب الإشارة إلى أن دي زيربي قد تأثر كثيراً بالمركز الذي كان يلعب فيه (صانع ألعاب). قال دي زيربي في تصريحات صحافية في عام 2021: «عندما كنت ألعب لم أكن أريد من زملائي أن يلعبوا لي كرات طويلة، فقد كنت أريد تسلم الكرة في قدمي. عندما يبني الفريق الهجمة من الخلف فإن الكرة تصل للأمام بشكل جيد، وليست عالية أو سيئة». وتجب الإشارة هنا أيضاً إلى أن فريق شاختار دونيتسك الذي كان يتولى دي زيربي تدريبه حتى الصيف الماضي كان يلعب بلاعبَين أو حتى 3 في مركز صانع الألعاب! أما بالنسبة لبرايتون، فإن هذا الدور يمكن القيام به من خلال ما لا يقل عن 6 لاعبين بالتناوب -أليكسيس ماك أليستر، وسولي مارش، وكاورو ميتوما، وآدم لالانا، وفاكوندو بونانوت، وجيريمي سارمينتو- الذين مهما كانت مراكزهم داخل الملعب فإنهم يشعرون براحة كبيرة عندما تكون الكرة بين أقدامهم.
لكن يتعين علينا أن نرى ما إذا كان ما يقدمه دي زيربي مع برايتون هو تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة، أم أنه مجرد فترة عابرة وستنتهي سريعاً. من المؤكد أنه من السابق لأوانه القول بأن طريقة الضغط العالي في طريقها للنهاية، أو أن طريقة «التيكي تاكا» في طريقها للعودة. لكن دي زيربي تمكن –بفريق متواضع وعلى الرغم من عمله منذ فترة قصيرة– من أن يقود أحد الأندية منخفضة الدخل في الدوري الإنجليزي الممتاز، ليصبح قريباً من التأهل لدوري أبطال أوروبا، ويحرج كثيراً من الأندية الكبيرة والغنية. وبالتالي، فإن ما يقدمه هذا المدير الفني الشاب يستحق، على أقل تقدير، المتابعة من كثب!


مقالات ذات صلة


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.