هل زيارة شي إلى موسكو «رافعة» لبوتين؟

في إشارة إلى أن شي يريد تقدير بوتين وجّه إليه دعوة لزيارة بكين… وترى ليانا فيكس أن هذه الزيارة بالنسبة لموسكو «تعكس دعماً ضمنياً» حتى لو لم يكن دعماً استباقياً من الصين لمواصلة القتال في أوكرانيا (أ.ب)
في إشارة إلى أن شي يريد تقدير بوتين وجّه إليه دعوة لزيارة بكين… وترى ليانا فيكس أن هذه الزيارة بالنسبة لموسكو «تعكس دعماً ضمنياً» حتى لو لم يكن دعماً استباقياً من الصين لمواصلة القتال في أوكرانيا (أ.ب)
TT

هل زيارة شي إلى موسكو «رافعة» لبوتين؟

في إشارة إلى أن شي يريد تقدير بوتين وجّه إليه دعوة لزيارة بكين… وترى ليانا فيكس أن هذه الزيارة بالنسبة لموسكو «تعكس دعماً ضمنياً» حتى لو لم يكن دعماً استباقياً من الصين لمواصلة القتال في أوكرانيا (أ.ب)
في إشارة إلى أن شي يريد تقدير بوتين وجّه إليه دعوة لزيارة بكين… وترى ليانا فيكس أن هذه الزيارة بالنسبة لموسكو «تعكس دعماً ضمنياً» حتى لو لم يكن دعماً استباقياً من الصين لمواصلة القتال في أوكرانيا (أ.ب)

زار الرئيس الصيني شي جينبينغ موسكو هذا الأسبوع، مقدماً نفسه على أنه وسيط بين روسيا وأوكرانيا، غير أنه أسهب في تصريحاته الداعمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تزداد عزلته على الساحة الدولية. بعد إعادة انتخابه للمرة الثالثة لرئاسة الصين، كانت أول زيارة دولة يقوم بها شي هي إلى موسكو هذا الأسبوع. وهي تُعدّ رمزية جداً، وعززت العلاقات بين الزعيمين، ووضعت حدا لحياد بكين المفترض في الحرب في أوكرانيا. وتقول الخبيرة في مجلس العلاقات الخارجية ليانا فيكس: «زيارة شي شجّعت بوتين»، مشيرة إلى أن هذه الزيارة حصلت بعد بضعة أيام من إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس الروسي. ويقول الخبير في مؤسسة «كارنيغي» ألكسندر باونوف إن هذه الزيارة «نظر إليها العالم غير الغربي على أنها شكلت توازنا» مع قرار المحكمة الجنائية الدولية، كما لو أن «الرئيس الصيني حطم اللعنة التي طالت بوتين».
وفي إشارة إلى أن شي يريد تقدير بوتين، وجه إليه دعوة لزيارة بكين. وترى ليانا فيكس أن هذه الزيارة، بالنسبة لموسكو، «تعكس دعماً ضمنياً، حتى لو لم يكن دعماً استباقياً من الصين» لمواصلة القتال في أوكرانيا.
من جهته، كتب مدير مركز تحليل السياسة الأوروبية في واشنطن سام غرين على «تويتر»، «هدية قُدّمت لبوتين - تحديداً إذن بكين بمواصلة القتال»، مشيراً إلى أنه لا يستبعد حدوث «مفاجأة» في حال التقى الرئيس شي نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. حتى الساعة، لا يزال اللقاء بينهما غير مؤكد. ولم تفرض الصين أبداً عقوبات غربية على موسكو، ولم تتردد في زيادة وارداتها من المحروقات من روسيا وزيادة مصالحها الاقتصادية في الدولة المجاورة.
وأثار طرحها مؤخراً لخطة سلام في أوكرانيا شكوكاً كثيرة في صفوف الغربيين.
ويعتبر الخبير في السياسة الخارجية الصينية في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية أنطوان بونداز «ما هو على المحك اليوم بالنسبة للصين في الحرب في أوكرانيا ليس مستقبل أوكرانيا، فهي غير مهتمة بذلك، (...) إنما التنافس الصيني الأميركي والرغبة في تشويه سمعة الدول الغربية».
في الوقت الحالي، وبعيداً عن الإشارة السياسية من بكين التي تشترك مع موسكو في العداء العميق تجاه الولايات المتحدة، فإن الشراكة الصينية الروسية تعمل لصالح الصين أكثر من روسيا؛ وفق خبراء. ويقول الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جون ألترمان، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية: «في حين أن بين شي وبوتين الكثير من المصالح المشتركة، يبدو من الواضح بشكل متزايد أنها ليست شراكة متكافئة». ويضيف «بوتين يحتاج إلى شي أكثر مما يحتاج الرئيس الصيني إليه»، في إشارة إلى اعتماد روسيا المتزايد على تصدير الهيدروكربونات إلى الصين، وهو اعتماد تفاقم مع بداية الحرب في أوكرانيا، ومن المتوقع أن يزداد عند دخول مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2» حيز التنفيذ.
وتقول مديرة مركز «دراسات روسيا ورابطة الدول المستقلة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» تاتيانا جان: «أخيراً، يخرج بوتين من هذه الزيارة بقوة أكبر على المدى القصير، لكنه أكثر اعتماداً على الصين على المدى الطويل».
وتشير إلى أن بكين في السياق الحالي تشكل «الدعم السياسي والاقتصادي الأكثر قيمة لروسيا»، مضيفة «ما دامت تحظى بدعم الصين المقنّع بموقف حيادي كما يُفترض، ستكون قادرة على مواصلة الحرب». ومع ذلك، لم تحصل موسكو بعد على دعم عسكري.
وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الأربعاء أمام مجلس الشيوخ الأميركي إن الصين لم «تتجاوز بعد خط» تسليم أسلحة فتّاكة لروسيا. وعلى مدى عدة أسابيع، مارست الخارجية الأميركية ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على الصين لمنع تسليم هذه الأسلحة. ويستبعد الخبير في السياسة الخارجية الصينية في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية أنطوان بونداز أن «تقدّم الصين على نطاق واسع أنظمة تسليح لروسيا» في وقت تعتزم أن تكون عامل استقرار «مع دول غير غربية»، خصوصاً أنها قد تتعرض لعقوبات. ويرى بعض الخبراء مثل الخبير المستقل كونستانتين كالاتشيف أن «المهم هو أن هذه القمة ألغت مخاطر تصعيد النزاع بين موسكو وكييف حتى بلوغه مرحلة النزاع النووي (...) لأن بوتين لن يخاطر بتخييب أمل شريكه الرئيسي شي الذي يضمن صموده».
وشبّه بلينكن الأربعاء التقارب الحاصل بين روسيا والصين بـ«زواج مصلحة»، مشدّداً على أنّ بكين لم تزوّد حتى الآن موسكو بأسلحة فتّاكة لدعم القوات الروسية في غزوها لأوكرانيا. قال بلينكن: «بما أنّ لديهما وجهة نظر عن العالم مختلفة تماماً عن وجهة نظرنا، فقد دخلا في زواج مصلحة. لست واثقا من أنّه عن اقتناع». وأضاف «من الواضح أنّ روسيا هي الشريك الأضعف في هذه العلاقة».
وتابع الوزير الأميركي «لست متأكّداً من أنّ روسيا أو (رئيسها فلاديمير) بوتين يريدان نظاماً عالمياً، إنّهما يريدان فوضى عالمية». وكان قد اتفق شي مع بوتين خلال الزيارة على العمل من أجل نظام عالمي جديد. وخلال الزيارة اعتبر شي وبوتين أنّ العلاقة «الخاصة» بين بلديهما دخلت «حقبة جديدة» في مواجهة الغرب. وقال بلينكن: «أعتقد أن دعمها الدبلوماسي ودعمها السياسي وإلى حد ما دعمها المادي لروسيا يتعارض بالتأكيد مع مصلحتنا في إنهاء هذه الحرب».
وأشار بلينكن إلى أن الولايات المتحدة ستشجع الدول الأخرى على تسليم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إذا قام بزيارتها بعد مذكرة التوقيف التي أصدرتها بحقه المحكمة الجنائية الدولية. وأوضح «أعتقد أن أي عضو في المحكمة تترتب عليه التزامات، وعليه أن يفي بتعهداته». لكنه لم يقل إن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. وأضاف «يجب أن أطلع على القوانين، وكما تعلمون، في الواقع لسنا عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، لذلك لا أريد الخوض في هذه الفرضية». وتدارك «لا أعتقد أن لديه أي نية للسفر إلى هنا قريباً»، في إشارة إلى بوتين.
بعد توليه الرئاسة، حسّن جو بايدن العلاقات مع المحكمة ورفع العقوبات، على الرغم من صدور قانون في عام 2002 يمنع الولايات المتحدة من مساعدة المحكمة رسمياً.
ولم يزر بوتين الولايات المتحدة منذ عام 2015 عندما حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وروسيا عضو في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي الذي يعقد قمته في نوفمبر (تشرين الثاني) في سان فرنسيسكو، لكن من غير المرجح أن تدعو الولايات المتحدة الرئيس الروسي.


مقالات ذات صلة

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا تظهر هذه الصورة التي التقطها ونشرها المكتب الصحافي لـ«اللواء الآلي 65» التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يوم 20 فبراير 2026 عناصر إنفاذ القانون الأوكرانيين وهم يقفون بين الأنقاض أمام مبنى سكني متضرر عقب غارة جوية في كوميشوفاخا بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب) p-circle

انقطاع الكهرباء في زابوريجيا بعد هجوم أوكراني على بنى تحتية للطاقة

قال مسؤول عيَّنته روسيا، اليوم (الأحد)، إن الجزء الخاضع لسيطرة موسكو من منطقة زابوريجيا الأوكرانية يعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد هجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended