بكين وموسكو تتعهدان بنظام عالمي جديد... وواشنطن: علاقاتهما أشبه بـ«زواج مصلحة»

«الرفيق شي» لـ«الصديق العزيز» بوتين لدى مغادرته: هناك تغييرات لم تحدث منذ 100 عام... عندما نكون معاً فإننا نقود هذه التغييرات

الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بموسكو أمس في 21 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بموسكو أمس في 21 مارس (إ.ب.أ)
TT

بكين وموسكو تتعهدان بنظام عالمي جديد... وواشنطن: علاقاتهما أشبه بـ«زواج مصلحة»

الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بموسكو أمس في 21 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بموسكو أمس في 21 مارس (إ.ب.أ)

مع استعداد الرئيس الصيني شي جينبينغ لمغادرة موسكو، بعد قمة جمعته لثلاثة أيام بـ«صديقه العزيز» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو، انطلقت صافرات الإنذار في أنحاء العاصمة الأوكرانية كييف، وفي شمال وشرق أوكرانيا، مع ورود تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة.
وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية، اليوم (الأربعاء)، إن القوات الروسية شنت «غارة جوية ضخمة» خلال الليل، بينما كان شي في موسكو، بإطلاق 21 طائرة مسيرة من طراز «شاهد - 136». وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي: «إذا كانت الصين تريد الاضطلاع بدور بنَّاء هنا في هذا الصراع (الحرب الأوكرانية)، فيجب أن تضغط على روسيا لسحب قواتها من أوكرانيا والأراضي ذات السيادة الأوكرانية»، مشيراً إلى أنه ينبغي على شي التحدث للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
من جهته، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه «دعا» الصين إلى الحوار و«ينتظر رداً» من بكين. وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «عرضنا على الصين أن تصبح شريكاً» في البحث عن تسوية للنزاع في أوكرانيا. وتابع زيلينسكي مخاطباً الصينيين: «ندعوكم إلى الحوار. ننتظر ردكم»، مضيفاً: «نتلقى إشارات، لكن لا شيء ملموساً» في هذه المرحلة.
غادر الرئيس الصيني موسكو، اليوم، بعد أن أظهر التضامن بشكل كبير مع نظيره، الرئيس الروسي، في مواجهة الغرب، وانتهت الزيارة بتعهد الزعيمين بالعمل معاً لتشكيل نظام عالمي جديد. وهيمنت قضايا الطاقة والتجارة على القمة التي استمرت ساعات عدة بين شي وبوتين.
وقال شي لبوتين لدى مغادرته: «الآن هناك تغييرات لم تحدث منذ 100 عام. عندما نكون معاً فإننا نقود هذه التغييرات». ورد بوتين بالقول: «أتفق معك». وأضاف شي: «اعتنِ بنفسك يا صديقي العزيز من فضلك». لكن لهجة بوتين كانت مختلفة تماماً مع ضيفه الذي وصفه بـ«الصديق العزيز» و«الرفيق شي». حتى إن الزعيمين شربا خلال عشاء دولة أقيم في «الكرملين» نخب «رخاء ورفاه» الشعبين الروسي والصيني. وقال بوتين خلال هذا العشاء إنه يرى «إمكانات غير محدودة» في التعاون الروسي - الصيني.
وعن الزيارة، قال بيان صادر عن الصين: «إنهما (الزعيمان) يتشاركان في الرأي القائل إن هذه العلاقة قد تجاوزت النطاق الثنائي بكثير، واكتسبت أهمية بالغة للمشهد العالمي ومستقبل البشرية». وقال بوتين في تصريح نشره موقع «الكرملين» الإلكتروني: «إننا نعمل في تضامن على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً وديمقراطية يجب أن يقوم على أساس الدور المركزي للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها والقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
ووصفت واشنطن العلاقات بين بكين وموسكو بعد القمة بين بوتين وشي بأنها أشبه بـ«زواج مصلحة»، وليست تحالفاً حقيقياً. وقال شي إنه أجرى «محادثات بناءة» في «الكرملين»، في اليوم الثاني من زيارته الرسمية التي استمرت 3 أيام، مشيراً بالأخص إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع روسيا.
وبعد القمة، أشاد الزعيمان بدخول العلاقة «الخاصة» بين بلديهما «حقبة جديدة». وتعد رحلة شي إلى موسكو دعماً مهماً للرئيس الروسي الذي صدرت بحقه، الأسبوع الماضي، مذكرة توقيف من «المحكمة الجنائية الدولية»، على خلفية «ترحيل» أطفال أوكرانيين بشكل غير قانوني، وبعد زيارة استمرت 3 أيام شهدت توقيع البلدين اتفاقيات بشأن تمديد الشراكة الاستراتيجية، دون وجود إشارة على التوصل لانفراجة فيما يتعلق بإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وهيمنت قضايا الطاقة والتجارة على المحادثات التي استمرت ساعات عدة. وبالإضافة إلى القضايا الاستراتيجية، تطرق الاجتماع بين بوتين وشي إلى مسألة تعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً فيما يتعلق بالمواد النفطية. تأتي زيارة الرئيس الصيني لروسيا في حين أعادت موسكو توجيه اقتصادها بشكل كبير نحو الصين، في مواجهة العقوبات الغربية الشديدة التي تستهدفها.
وفي هذا الإطار، أعلن بوتين أن بكين وموسكو توصلتا إلى اتفاق بشأن مشروع خط أنابيب الغاز الضخم «قوة سيبيريا 2» الذي سيربط سيبيريا بشمال غربي الصين. وقال الرئيس الروسي: «كل الاتفاقات أُبرمت»، موضحاً أنه «مع دخول (المشروع) حيز الخدمة، سيمر 50 مليار متر مكعب من الغاز» عبر خط أنابيب الغاز هذا الذي يهدف إلى زيادة كبيرة في عمليات التسليم الروسية إلى الصين.
وفي وقت سابق، أكد بوتين لنظيره الصيني أن موسكو يمكنها تلبية «الطلب المتزايد» للصين على مصادر الطاقة. وفي دليل على ذلك، أعلنت شركة «غازبروم» الروسية العملاقة، أمس (الثلاثاء)، تسليم شحنات يومية قياسية إلى بكين الاثنين عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا»، الذي يمر في الشرق الأقصى الروسي باتجاه شمال شرقي الصين.
ولم يأتِ شي على ذكر الصراع في أوكرانيا تقريباً طوال زيارته التي استمرت 3 أيام، وقال إن الصين لديها «موقف محايد». ورد «البيت الأبيض» قائلاً إن موقف الصين ليس محايداً، وحث بكين على الضغط على روسيا من أجل إنهاء أكبر صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وشكك وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الاثنين، بمقترحات بكين «للسلام» في أوكرانيا، وقال: «على العالم ألا ينخدع بأي قرار تكتيكي من جانب روسيا، بدعم من الصين أو أي دولة أخرى، بتجميد الحرب بشروطها». وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، اليوم، إن بكين تؤيد تهدئة التوترات الناجمة عن الأزمة الأوكرانية وإجراء محادثات سلام لحلها، مشددة على معارضتها لما سمته «صب الزيت على النار».
وذكرت المتحدثة عبر حسابها على «تويتر» أن الصين ليست لديها «أجندة أنانية» بخصوص قضية أوكرانيا، التي تشن فيها روسيا عملية عسكرية منذ أكثر من عام. وأضافت: «لم ننحز لطرف، ولم نصب الزيت على النار، أو نستغل الوضع لتحقيق مكاسب أنانية. كل ما فعلناه يتلخص في دعم محادثات السلام».
أعلن «الكرملين»، اليوم، أنه لم يُفاجأ برد الغرب «العدائي» بعد القمة. وقال المتحدث باسم «الكرملين»، ديمتري بيسكوف: «فيما يتعلق برد الفعل الجماعي الصادر عن دول الغرب، فإن طبيعة رد فعلهم غير الودي والعدائي على جميع القضايا، ليست مفاجئة لأحد».
أشاد بوتين بالرئيس الصيني بسبب خطة السلام التي اقترحها الشهر الماضي، وألقى باللوم على كييف والغرب في رفضها. وقال بوتين: «نعتقد أن بنوداً كثيرة في خطة السلام التي طرحتها الصين تتماشى مع المواقف الروسية، ويمكن اعتبارها أساساً لتسوية سلمية حين يكونون جاهزين لذلك في الغرب وفي كييف. لكننا لا نرى، حتى الآن، مثل هذا الاستعداد من جانبهم».
ويرى الغرب أن خطة السلام الصينية ما هي إلا حيلة لكسب الوقت لبوتين لإعادة تنظيم قواته وتعزيز قبضته على الأراضي التي احتلها في أوكرانيا. وقال كيربي إن الولايات المتحدة لا تريد وقف إطلاق النار في أوكرانيا؛ لأنه سيسمح لروسيا بالاحتفاظ بمكاسبها الإقليمية والسماح لبوتين بإعادة تجميع قواته. وأضاف كيربي أن «وقف إطلاق النار في الوقت الحالي، وتجميد الخطوط في مكانها، يمنحانه أساساً الوقت والمساحة التي يحتاج إليها لمحاولة إعادة التجهيز بالعتاد والقوات والتعويض عن إنفاق الموارد».
ولا تتضمن خطة الصين المكونة من 12 نقطة تفاصيل محددة حول كيفية إنهاء الحرب الدموية المستمرة منذ عام، وأودت بحياة عشرات الآلاف، وأجبرت الملايين على الفرار. وتضمن بيان مشترك للزعيمين اتهامات مألوفة للغرب، مفادها أن واشنطن تقوض الاستقرار العالمي، وأن «حلف شمال الأطلسي» يقتحم منطقة آسيا والمحيط الهادي.
وهاجم الزعيمان الغرب بشدة، متهمين الولايات المتحدة بـ«تقويض» الأمن العالمي للحفاظ على «أفضليتها العسكرية»، بينما أعربا عن «قلقهما» من الوجود المتزايد لـ«حلف شمال الأطلسي» في آسيا. وقالت روسيا والصين إنهما ترفضان حدوث أي حرب نووية، في حين وصل التوتر مع الغرب إلى أوْجِه، وأكدتا أن الجميع سيكون خاسراً في مواجهة مماثلة.
وأوضح البلدان في الإعلان المشترك أنه لا يمكن أن يكون هناك رابحون في حرب نووية، وأن «حرباً مثل هذه» يجب ألا تحدث أبداً. وأتت تصريحات بوتين وشي عقب محادثات ثنائية في «الكرملين»، كانت تهدف قبل كل شيء إلى إظهار متانة العلاقات بين روسيا والصين، في سياق التوترات الشديدة بين هذين البلدين والغربيين. وقال شي: «وقعنا إعلاناً حول تعميق الشراكة الاستراتيجية وعلاقات ثنائية تدخل حقبة جديدة»، بينما أشاد بوتين بالعلاقات «الخاصة» بين بكين وموسكو، التي تظهر وحدتهما في مواجهة الغربيين.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.