الراوي... قصة سقوط بغداد واللقاءات الأخيرة مع صدّام

وزير التجارة العراقي الأسبق يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مشاهد «الجثث المحترقة» و«معركة المطار» وكيف سلّمه السوريون للأميركيين «يداً بيد»

محمد مهدي صالح الراوي
محمد مهدي صالح الراوي
TT

الراوي... قصة سقوط بغداد واللقاءات الأخيرة مع صدّام

محمد مهدي صالح الراوي
محمد مهدي صالح الراوي

كان محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي الأسبق ووكيل رئيس ديوان الرئيس الراحل صدّام حسين سابقاً، شاهداً على الغزو الأميركي لبلاده في 20 مارس (آذار) 2003. عاين بأم عينيه حملة «الصدمة والترويع» التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وتضمنت قصفاً عنيفاً للمنشآت العراقية، قبل تقدم القوات البرية نحو بغداد. يتذكر «الجثث المحترقة» التي نتجت عن القصف الأميركي. يتذكر الاجتماعات الأخيرة التي عقدها مع صدّام، قبل انهيار نظامه. ويتذكر مشاهدته الدبابات الأميركية وهي تدخل العاصمة العراقية. غادر الراوي بغداد بعد سقوطها في 5 أبريل (نيسان). ذهب إلى مسقط رأسه في راوة بمحافظة الأنبار قرب الحدود السورية. ومن هناك، دخل إلى سوريا نفسها حيث استقبله آصف شوكت، مسؤول الأمن السوري وزوج شقيقة الرئيس بشار الأسد. كان الراوي يعتقد أنه سيكون موضع ترحيب في سوريا. فهو من مهندسي عودة العلاقات العراقية – السورية، وكان مكلفاً من الرئيس صدّام بملف سوريا. لم يدم بقاؤه في سوريا طويلاً. أعاده السوريون إلى الحدود العراقية حيث تسلّمه مباشرة الجنود الأميركيون يداً بيد. فهو المطلوب رقم 35 على قائمة أبرز المطلوبين للولايات المتحدة من أركان حكم صدّام. وُضع في قائمة المطلوبين بملف «أسلحة الدمار الشامل» التي زعم الأميركيون أن صدّام يمتلكها وبرروا بها الغزو، من دون أن يجدوا دليلاً على وجودها. بعد 9 سنوات في المعتقل، أُفرج عن الراوي بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكماً ببراءته. «الشرق الأوسط» أجرت حواراً مع المسؤول العراقي الأسبق تحدث فيه عن ذكرى الغزو وكيف انتهى به المطاف في أيدي الأميركيين:
يتذكر الراوي بوضوح ليلة بدء الحرب، لكنه يؤكد أنها لم تكن مفاجئة. يقول: «لم يكن الغزو الأميركي للعراق وبداية الاعتداء الغاشم على بلدنا مفاجئاً للمسؤولين والوزراء والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية... كان الجميع متأهباً في تلك الليلة وحتى قبل أن يحصل القصف الجوي وتبدأ المعارك البرية. كانت الدولة والأجهزة الأمنية مستعدة على الأرض وفي كل الميادين لمواجهة العدو. وبالتالي لم نفاجأ بهذا الغزو غير المبرر. فقد كان هناك قرار أميركي مسبق باحتلال العراق تحت أي ذريعة».
ويتابع: «بالنسبة لي، بقيتُ في الوزارة مع زملائي. لم نترك مقراتنا، وكنا نتابع الأمور. فقد استبقنا الحرب بأن أمّنّا خزيناً من الغذاء الاحتياطي للمواطنين يدوم ستة أشهر. كان الهدف أن يكون لدى المواطنين ما يكفيهم عندما تندلع الحرب. وبالفعل أنجزنا هذه المهمة قبل أن يبدأ القصف الجوي على بغداد. بقينا في الوزارة أنا والمديرون العامّون والموظفون... كنا في الوزارة ليلة بدء القصف، ولم نغادر مكاننا. ولكن كان لدينا أيضاً مكان آخر احتياطي في ساحة عدن القريبة من موقع الوزارة. يقع هناك مقر إحدى شركاتنا التي تدير مخازن الدقيق والخبز. بقينا نتناوب بين مقر الوزارة والمقر الاحتياطي طوال فترة القصف الجوي والمعارك البرية وحتى احتلال بغداد. لم نغادر».

محمد مهدي صالح الراوي ضمن قائمة أبرز المطلوبين للولايات المتحدة من نظام الرئيس الراحل صدام حسين (غيتي)

ويتحدث الراوي عن آخر الاجتماعات التي حضرها للقيادة العراقية خلال الغزو وحتى سقوط النظام. يقول: «حضرت 3 اجتماعات بعد الغزو مع الرئيس الراحل صدّام حسين. الاجتماع الأول كان بعد أكثر من أسبوع من بدء القصف الجوي وانطلاق المعارك البرية. حضرت مع وزير النفط. كان الرئيس قد طلب منّي أن أُدخل مواد غذائية إلى مدينة بغداد تحسباً لأن تكون هناك معارك مع العدو داخلها. كذلك طلب من الدكتور عامر رشيد، وزير النفط، أن يكثّف الدخان المحترق من الوقود لحرف اتجاهات الصواريخ عن أهدافها المحددة. الاجتماع الثاني حضرته أيضاً مع وزير النفط، بعدما طلبنا الرئيس الراحل مجدداً. حضرنا وقتها اجتماع القيادة وكان الرئيس صدّام يتابع موضوع تأمين الغذاء داخل بغداد. فطمأنته وقلت له إننا أكملنا تجهيز 6 أشهر للمواطنين، ولذلك لا يوجد مبرر للقلق من هذا الجانب. كما أكدت له أنه لا سبب للقلق في بغداد تحديداً؛ إذ لدينا مخزون فائض من الأغذية يكفي أكثر من ستة أشهر. فقال: رغم ذلك، واصلوا جهدكم... كان هذا قبل أن تدخل الدبابات الأميركية إلى المدينة. الاجتماع الثالث كان في يوم 3 أبريل وحضره قادة عسكريون. وكان حاضراً (ابنا صدّام) قصي وعدي ووزير الدفاع (سلطان هاشم الطائي). كان القادة العسكريون يناقشون الوضع بعدما دخلت القوات الأميركية إلى بغداد، فطلب مني الرئيس الراحل أن أعاون الجيش في نقل السلاح. وبالفعل حضر عميد ركن من الحرس الجمهوري واستقر في إحدى شركات وزارة التجارة وهي الشركة العامة لتجارة الحبوب في باب المعظم بوسط مدينة بغداد إلى جانب المدير العام للشركة يوسف عبد الرحمن العاني. وحسب طلب ممثل الحرس الجمهوري، استمر نقل السلاح من مخازن العظيم ومن مخازن تكريت إلى المواقع المطلوبة. استمر النقل إلى أن احتُلت بغداد وتوقف العمل بعد دخول غوغائيين إلى مقر الشركة (بعد احتلال بغداد). كان هذا آخر اجتماع لنا بالرئيس صدّام».
هل ودّعكم صدّام في اللقاء الأخير؟ هل شعرتم بأنه سيكون لقاء الوداع؟ يرد الراوي بالقول: «لا أبداً. لم يكن أبداً هذا شعورنا. لم نشعر بأن الأمور ستنتهي إلى ما آل إليه الوضع. ونحن أدّينا واجبنا في وزارة التجارة حتى آخر لحظة في تأمين الغذاء للشعب العراقي منذ أن فُرض الحصار وعلى مدى أكثر من 13 عاماً وساعدنا أيضاً جهات أخرى بقدر ما نستطيع وبقدر ما كُلّفنا به كوزارة تجارة... طبعاً وزارة التجارة لديها أسطول كبير لنقل المواد، ولذلك طلب منا الرئيس الراحل أن ننقل السلاح. فلدينا قرابة 2000 شاحنة من الشاحنات الكبيرة القادرة حتى على نقل الدبابات... وبالفعل، جهزنا وزارة الدفاع بنحو 45 شاحنة لنقل الدبابات قبل أن تبدأ المعارك و2750 ماطوراً بثلاث عجلات».
وعندما يُسأل عن شعوره وهو يرى الدبابات الأميركية تدخل بغداد، يرد الراوي قائلاً: «طبعاً شعوري هو شعور شخص وطني يقاوم احتلالاً غاشماً لبلده من دون سبب... كانت مشاهد الدبابات وهي تدخل بغداد مؤلمة. ولكن لا المجتمع الدولي ولا المجتمع الإقليمي ولا حتى الجامعة العربية قامت بدور جدّي لمنع هذا العدوان. قمة شرم الشيخ أصدرت بياناً يدين أي عدوان على العراق، ولكن لم يكن هناك عمل فعلي لمنع وقوعه».
ويتحدث الراوي عن مشاهداته للقصف الذي استهدف بغداد مع بداية الغزو، فيقول: «كان القصف شديداً جداً وبخاصة على بغداد. طال الدمار الأبنية والمواطنين. كنت أرافق شاحنات الدقيق التي توصّل الدقيق إلى المخابز في مدينة بغداد. وكنت شاهداً في إحدى المرات على طائرات الأباتشي وهي ترشق المواطنين بطلقات نارية يميناً وشمالاً على طريق (الدورة – مسجد أم الطبول- المطار)، فحرقت السيارات المارة والسيارات الواقفة على جانبي الطريق. استُشهد مدير التعبئة والإحصاء التابع لوزارة التجارة، هو وزوجته. ذهبت بنفسي إلى مكان الحادث في سايلو الدورة. لاحظت الجثث وبعضها كان ما زال يحترق بعد الضربة. بعضهم كانوا ما زالوا أحياء داخل السيارات المحترقة. وجدت أن الموظف عندي واسمه نصرت هو وزوجته قد تفحما بشكل فوري في سيارتهما. شاهدت منظراً لا إنساني يخالف قواعد الحرب سبّبته الضربات الأميركية على مواطنين يسيرون في الشارع. المشهد لا يزال في ذاكرتي وكيف كان الضحايا يحترقون داخل سياراتهم وهم في النزع الأخير».
ويضيف موضحاً: «كان هذا الحادث بداية معركة المطار، حيث أُعلن قبل يوم أن القوات الأميركية دخلت المطار. ذهبتُ مع وزير النقل أحمد مرتضى، ونقلتْ وسائل الإعلام مشهد صعودنا إلى طائرة جامبو داخل المطار لإثبات عدم صحة الخبر الذي أطلقه الأميركيون. بعدها بيوم دخلت القوات الأميركية المطار وواجهت مقاومة شرسة من فصائل الحرس الجمهوري والحرس الخاص و(فدائيي صدّام) والمتطوعين العرب، وأُبيد معظم القوات المعادية وتقهقر المتبقي خارج المطار، مما دفع القوات الأميركية إلى استخدام أسلحة فتاكة محرّمة أبادت معظم المقاتلين وصهرت الدبابات في هجومها الثاني على المطار، ما مكّنها من احتلاله. ولقد سبق أن أبلغني مسؤول عربي كبير قبل ثلاثة أشهر من بدء العدوان على العراق بأنه علم من قائد القوات الأميركية الجنرال تومي فرانكس المكلف بقيادة جيش بلاده لاحتلال العراق، بأنه إذا نشبت الحرب فإن القوات الأميركية ستحتلّ العراق بكل الأسلحة المتاحة حتى وإن تطلب الأمر استخدام القنابل النووية الميدانية (التكتيكية). شدد (المسؤول العربي) على ضرورة الكشف عن أسلحة الدمار إذا كانت موجودة، فقد كان حريصاً على منع وقوع الحرب. فأكدتُ في اللقاء خلوّ العراق من أسلحة الدمار، وتم إيصال هذه المعلومات إلى الرئيس... والذي أُريد التأكيد عليه هنا أن الذي حصل في المعركة الثانية في المطار باستخدام أسلحة محرمة وفتاكة كان جزءاً من خطة غزو العراق المعدّة مسبقاً والتصميم على احتلاله».

سقوط بغداد... وسقوطه في أيدي الأميركيين

ويروي الراوي قصة خروجه من بغداد بعد احتلالها وكيف انتهى به المطاف في أيدي الأميركيين. فيقول: «لم نكن في الأساس نتوقع أن تُحتل بغداد وأن يُحتل العراق. لذلك لم تكن لدينا خطة، على الأقل كوزراء، للتعامل مع احتلال العراق. الذي حصل أنه بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد، اتصل بنا في يوم 9 أبريل سكرتير أمانة مجلس الوزراء الدكتور خليل المعموري وأبلغ ممثلي الوزراء الذين يستلمون التوجيهات من المجلس يومياً أو إيصال المعلومات إليه، بأن الوزراء يمكنهم أن يذهبوا إلى المكان الذي يرغبون فيه. مدينتي هي راوة وعائلتي وأهلي هناك. فاتجهت إلى راوة التي تبعد عن الحدود السورية نحو 100 كلم. عوائلنا الراويون موجودون في البوكمال وفي دير الزور وفي حلب. كان هناك تواصل منذ زمن طويل كعوائل على طول خط الفرات الأعلى (بين العراق وسوريا). فلما وصلت إلى راوة، أشاروا عليّ أن أذهب إلى سوريا لفترة أسبوعين وأراقب الموقف، علماً بأنني في الحقيقة لم أكن مهيئاً نفسياً للسفر إلى أي بلد خارج العراق ولا يوجد لديّ سوى جوازي الدبلوماسي. في اليوم التالي، اتجهت إلى سوريا مع أخي مزهر، ومعي المستشار في رئاسة الجمهورية عصام عبد الرحيم الراوي المشرف على نقطة طريبيل. وصلنا إلى سوريا، وفي الواقع لديّ علاقة قوية بالجانب السوري. فقد كنت عندما أطلب زيارة للرئيس بشار الأسد تتم تلبية الطلب. وقد أرسلني الرئيس الراحل صدّام مبعوثاً إلى الرئيس بشار حينما عُيّن رئيساً للجمهورية. وتم توقيع اتفاق للتجارة الحرة وفُتحت الحدود بحيث أصبح العراق وسوريا سوقاً اقتصادية موحدة وتم تشغيل أنبوب النفط الذي يعد خطوة مهمة في إطار الخروج من طوق الحصار عام 2000، وعلى هذا الأساس، حينما ذهبت إلى سوريا (بعد احتلال العراق) لم يكن لديّ قلق على أساس أنني أذهب إلى بلد أمتلك علاقة قوية به. استقبلني آصف شوكت في حينه وأبلغني أن أُحضر عائلتي إنْ رغبت، فقلت له: شكراً. أريد العودة للعراق، ولكن سأبقى في سوريا لأسبوعين كي أرى تطور الموقف في العراق، حسبما أبلغت مدير استخبارات دير الزور. في نفس الليلة، أخذَنا آصف شوكت إلى عشاء أنا والسفير العراقي... وتغيّر الموقف بالليل بعد العشاء».
يضيف الراوي شارحاً ما حصل معه: «نقلوني إلى شقة في المزة أنا وزملائي. كانت الشقة أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها كانت وسخة جداً. ليس بها شيء. كان واضحاً أنها تعود لموظفي الاستخبارات العسكرية. لم يكن هناك شيء في الثلاجة. شعرنا بأن الاستقبال الأول كان جيداً قبل الظهر... ولكن في الليل كان الموقف قد تغيّر. ويبدو أنه تم اتخاذ قرار بتسليمي منذ ذلك الوقت. طلبنا مباشرة العودة إلى العراق. بعد يومين فرّقونا. اعتُقل أخي لدى استخبارات دير الزور، وأنا حجزوني في إقامة جبرية في قرية تسمى قرية الأسد، كما أعتقد، انتظاراً لاستكمال الترتيبات اللوجيستية للتسليم... سكنت في بيت وبقي برفقتي خمسة ضباط يراقبونني ولا يسمحون لي بأن أخرج منه. فكتبت رسالة إلى الرئيس بشار بيّنت فيها أنني فلان ابن فلان وأنني جئت إلى سوريا لمدة أسبوعين وشكرته على حسن الضيافة وطلبت العودة إلى العراق وإعلامي عن مصير شقيقي. كان هذا يوم 21 أبريل 2003 قبل يومين من تسليمي. يوم 23 أبريل جاءني العميد يونس مكلفاً من اللواء آصف شوكت وأخبرني بأنه حصلت موافقة (السيد الرئيس) على عودتك... الساعة 12 (ظهراً) غادرنا دمشق في سيارة أوبل ومعنا أحد موظفيه. وصلنا إلى قرب دير الزور فقلت رجاءً أن توقفني قليلاً في المدينة كي أرى أخي فلديّ حدس كبير أنه معتقل في دير الزور. وهذا الأمر كنت قد أوضحته في رسالتي إلى الرئيس بشار التي ذكرت فيها: أرجو إبلاغي عن مصير أخي لأنني فقدته في اليوم الثالث من مجيئي إلى سوريا. لدى وصولنا إلى البوكمال شكرت العميد يونس وقلت له: أمامنا مدينة القائم التي تسمى حصيبة، فاسمح لي أن أدخل إلى بلدي. فقال لي: لا تستطيع الدخول إلى بلدك من المنفذ الرسمي وإنما سيأتي نفس الشخص الذي أوصلك إلى دمشق من دير الزور في البداية، وهو العميد ركن نصيح، وهو سيوصلك إلى حصيبة وإنما عن طريق المهربين عبر الصحراء. فقلت له: ما السبب؟ أمامي القائم والمسافة قصيرة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق سيراً على الأقدام وحالياً ليل والجو بارد، فلماذا تريدون إيصالي عبر طريق المهربين؟ فقال لي: هذا هو التوجيه. خرجتُ بالسيارة إلى الصحراء وكان معي العميد ركن نصيح من استخبارات دير الزور. بعد نحو 20 دقيقة، وصلنا إلى نقطة معينة. أطفأ الأضواء. مشينا في الظلمة. دخلنا إلى منخفض صغير وخرجنا في الأراضي العراقية. وجدت أمامي سبعة جنود أميركيين طلبوا منّا الوقوف ووجهوا البنادق الليزرية عليّ. فتوقفت. سلمني العميد ركن نصيح للأميركيين تسليم يد. كتّفوني ووضعوا قبعة على رأسي وأدخلوني إلى عربة همفي سارت في الصحراء العراقية نحو ربع ساعة. ثم دخلت مع السيارة في طائرة (تشينوك) وصلت إلى قاعدة يبدو أنها قاعدة الوليد قرب الحدود الأردنية. كانت هناك طائرة ثابتة الجناح تنتظرني، نقلوني بها إلى بغداد».
ويتابع: «وصلتُ قرابة العاشرة ليلاً، وبدأ التحقيق معي على مدى خمس ساعات. كان هناك مترجم لبناني يعمل مع المحقق الأميركي. قلت له إنني لا أحتاج إلى مترجم. فأنا خريج بريطانيا (لديه شهادة دكتوراه من جامعة مانشستر)، وأستطيع أن أتحدث معك بالإنجليزية. استمر التحقيق خمس ساعات. في الساعة الرابعة صباحاً نُقلتُ إلى غرفة كان فيها وزير التعليم العالي العراقي الدكتور همام عبد الغفور والدكتور سطام الكعود وشخص يدعى (أبو محمود الخلايلة) ينتمي إلى مجموعة أبو نضال الفلسطينية، وكان قد سلّم نفسه آنذاك وهو غير مطلوب للقوات الأميركية. أعطوني كيس زبالة أسود لاستخدامه كفراش، وكان الجو بارداً لكن نمنا أربعتنا على بطانية واحدة في هذه الغرفة من دون غطاء. في الصباح جاءني شخص وسأل: لماذا عدت؟ فقلت: طلبت من السلطات السورية -لم أقل من الرئيس بشار- أن أرجع إلى بلدي. سألني عن أمور أخرى مثل: مَن ذهب معك؟ فقلت: لم يذهب معي أحد. وبالطبع لا يمكن أن أبلغ عن زملائي. في اليوم التالي استدعاني رئيس المحققين في الاستخبارات العسكرية وقال لي إن واشنطن منزعجة جداً منك لأنك لم تقدم معلومات صحيحة. قلت له كيف؟ فقال: أنت تقول إنك ذهبت لوحدك إلى سوريا ولكن في الرسالة التي أرسلتها إلى الرئيس بشار الأسد كنت تسأل عن مصير أخيك مزهر مهدي صالح، إذن أنت لا تعطينا معلومات صحيحة. فقلت له: إن مزهر أخي رجل لا علاقة له بالسياسة وجاء معي ليخدمني، فلماذا أعطيكم اسمه؟ حتى رسالتي إلى الرئيس السوري وصلت إلى الأميركيين وعرضوها عليّ».
وعندما يُسأل الراوي عن فحوى رسالته إلى الرئيس السوري، يقول إنها تضمنت أموراً عدة بينها «موضوع يخص البلدين ومستقبل أمن سوريا. كان الرئيس صدّام قد كلفني بأن أبلغ الرئيس بشار بها. وقتها اجتمع مجلس قيادة الثورة والقيادة العراقية، وبعد انتهاء الاجتماع اتصل بي نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، وقال لي إن الرئيس يقول إن هناك تهديداً على سوريا ونحن حاضرون أن نهيئ الجيش العراقي، فأبلغ الرئيس بشار بهذا الموضوع. اتصلت بالعميد ذو الهمة وقلت له إن هذه رسالة من الرئيس صدّام للرئيس بشار يقول فيها إن الجيش العراقي حاضر ومستعد لدعم سوريا في مواجهة أي تهديد بعدما سمعنا أن هناك تهديداً ضدكم. عاد العميد ذو الهمة بجواب بعد ساعة وشكر الرئيس صدّام، وقال: إن وضعنا حالياً جيد ولا نشعر بخطر، وسنبلغكم إذا احتجنا لأي شيء. انتهى الموضوع بالنسبة لي، ولكن الرئيس أرسل وزير الدفاع العراقي إلى دمشق وحرّك حينها الجيش باتجاهين؛ الأول التنف، والآخر البوكمال باتجاه سوريا لدعمها إزاء التهديد ضد سوريا من إسرائيل. كانت هذه الرسالة في الحقيقة مصدر التحقيق معي من الأميركيين الذي طلبوا معرفة السبب الذي دفع صدّام إلى أن يكلفني أنا بالذات بهذه المهمة، فقلت لهم: إنني الشخص المعنيّ بالعلاقة مع سوريا».
ويختم الراوي ذكرياته بالقول: «بعد انتهاء المحقق من أسئلته، وجّهت إليه السؤال التالي: لماذا جئتم لاحتلال العراق ولقد كانت علاقاتكم متينة معه في الثمانينات، وكنتم تقدمون له قرضاً سنوياً بمقدار مليار دولار، ووقّعت أنا مع وزير التجارة الأميركي اتفاقية واسعة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي؟ فأجاب: جئنا لبناء الديمقراطية وسننسحب بعد إنجاز ذلك. أجبته: لن تؤسسوا ديمقراطية حقيقية في العراق ولن تنسحبوا منه وسيحكم العراق كل من المؤسسة الدينية والمؤسسة العشائرية، وسيتحول العراق، البلد الآمن، إلى بلد ينشأ فيه التطرف وسترتفع أسعار النفط إلى أعلى بكثير من الأسعار الحالية البالغة 20 دولاراً للبرميل، وستحصل حالة عدم استقرار في المنطقة. فانهيار العراق، عبر التاريخ، يقود إلى انهيار في المنطقة وستنشأ حالة عدم استقرار واضطراب تقود إلى اختلال في التوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. والشعب العراقي شعب صعب المراس لم يحكمه عبر التاريخ سوى سرجون الأكدي وحمورابي وآشور بانيبال ونبوخذ نصر والحجاج وهارون الرشيد وصدّام حسين. وكان يسجّل جوابي. وكان ذلك في صباح يوم 25 أبريل 2003».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
TT

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

يصرّ الرئيس اللبناني جوزيف عون على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف إسرائيل للمدنيين في لبنان، قبل استكمال الاجتماعات الثنائية بين ممثلي لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط تصعيد من قبل «حزب الله» ضد المسار التفاوضي ككل، واعتبره «مداناً ومرفوضاً».

وبدا الرئيس اللبناني في منتصف ضغوط من الجانبين؛ فمن جهة تضغط الولايات المتحدة باتجاه انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، وعقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يقابله «حزب الله» برفض المفاوضات المباشرة من أساسها. وفيما يرى عون أن الخيار الدبلوماسي هو الوحيد المتاح في هذا الوقت لوقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، يرفض أي لقاء ثنائي مع نتنياهو، بعدما أعلن رفضه حتى اتصالاً هاتفياً يجمعه به، ضمن اتصال ثلاثي ينخرط فيه الجانب الأميركي، وهو الوسيط بين الطرفين.

تثبيت وقف النار

وكان ملف تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإصرار عون عليه، مدار البحث بين عون والسفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى الذي جاء بعد ساعات على بيان أصدرته السفارة، قالت فيه إن عقد لقاء مباشر بين عون ونتنياهو، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها».

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون استقبل عيسى بعد عودته من واشنطن، وعرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، تمهيداً لاستكمال الاجتماعات في واشنطن، ما يؤدي إلى تحقيق إنجاز السلم والاستقرار على الحدود والإعلان عن ذلك في واشنطن. وأكد السفير عيسى دعم الولايات المتحدة المستمر للبنان ومؤسساته.

من جهته، شكر الرئيس عون السفير الأميركي على استمرار الدعم الأميركي من أجل تحقيق الاستقرار في لبنان.

كذلك، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام، السفير عيسى، وبحثا تثبيت وقف إطلاق النار، والمحادثات المتعلقة بالتفاوض مع إسرائيل، حسبما أفادت رئاسة الحكومة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما في قبرص الأسبوع الماضي (رويترز)

وينطلق إصرار عون على مطالبه من «تحقيق المصلحة الوطنية». وقالت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية «هما أساس لاستكمال المفاوضات»، لافتة إلى أن السفير عيسى «شرح البيان، ووجه أسئلة لعون الذي أكد موقف لبنان، وإصرار الرئيس على تحقيق تلك النقاط ودور الولايات المتحدة في هذا المجال»، وذلك تمهيداً لنقل الموقف اللبناني إلى واشنطن. وأكدت المصادر أن موقف عون «معروف ومعلن تجاه اللقاء المباشر»، قائلة: «من رفض الاتصال الهاتفي مع نتنياهو، بالتأكيد سيرفض اللقاء به».

ضغوط «حزب الله»

وفي مقابل الضغوط و«الضمانات الأميركية»، يتعرض عون لضغوط مقابلة من «حزب الله» الذي يرفض التفاوض المباشر، ويتعهد بمواصلة القتال على الجبهة الجنوبية، ويحمّل الدولة مسؤولية المسار الذي تمضي به.

وقالت كتلته النيابية (الوفاء للمقاومة)، في بيان، بعد اجتماعها، الجمعة، إن «مسار التفاوض المباشر مع العدو الذي ذهبت إليه السلطة مرفوض ومدان، ويشكل انحرافاً عن الثوابت الوطنية ومساساً بالسيادة، ويناقض الوفاق الوطني واتفاق الطائف، ويجافي منطق تحقيق المكاسب واستعادة الحقوق الوطنية»، مشددة على أن «أي مخرجات أو نتائج تحصل لسنا معنيين بها على الإطلاق».

وقالت إن «ما يرتكبه العدو من أعمال القتل اليومي للمدنيين العزل في الجنوب، والتدمير الممنهج لقرانا الحدودية، هي جرائم حرب ضد الإنسانية، لن تثني شعبنا عن التمسك بحقه المشروع في الدفاع عن بلده، وهي تزيده قناعة بخيار المقاومة كسبيل للتحرير والدفاع عن وجوده»، مضيفة: «إن جرائم العدو يجب أن تكون حافزاً للسلطة كي تعود إلى شعبها وتوقف مسلسل تنازلاتها المجانية».

واعتبر عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب إبراهيم الموسوي، أن «أداء السلطة ينجرف في مسار استسلامي تفاوضي مباشر يتلقى الإملاءات». كما أشار الموسوي إلى «أننا سنرفع رايات النصر الخفاقة في كل قرى الجنوب المحتل».

التزام بالمسار الإصلاحي

وكان عون قال، الجمعة، بمناسبة عيد العمال: «لقد عملنا، بالتعاون مع الحكومة، على إطلاق مسار إصلاحي يهدف إلى النهوض بالوضع الاقتصادي وتحقيق الاستقرار، قبل أن تعصف الحرب الأخيرة بالبلاد، وتزيد الأمور تعقيداً. ومع ذلك، فإن إرادتنا لم ولن تنكسر، ونحن ماضون في بذل كل الجهود الممكنة لإعادة بناء ما تهدّم، واستعادة الثقة، وخلق فرص عمل تليق بكرامة اللبنانيين». وأكد التزامه والحكومة «بمواصلة العمل على تحسين أوضاع العمال، من خلال دعم حقوقهم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتأمين بيئة عمل عادلة تحفظ كرامتهم وتكافئ جهودهم».

من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام مواصلة العمل «لاستعادة كل شبرٍ من أرضنا المحتلة، واستكمال مسيرة الإصلاح، والنهوض بالاقتصاد بما يخلق فرص عمل جديدة، ويعيد الاستقرار، ويضع البلاد على مسار التعافي الحقيقي».

جعجع

إلى ذلك، تلقى خطوة التفاوض المباشر مع إسرائيل، تأييداً من بعض القوى السياسية، وفي مقدمها حزب «القوات اللبنانية» الذي قالت النائبة عنه ستريدا جعجع إن «ما يمرّ به لبنان في هذه المرحلة المصيرية لا يحتمل المزيد من المزايدات ولا الخطابات الشعبوية التي أثبتت التجارب المتراكمة أنها لم تُنتج إلا مزيداً من الانهيار والخراب».

وأضافت: «من هنا، فإننا في حزب (القوات اللبنانية)، ومن موقعنا الوطني الصريح، نؤكد دعمنا الكامل للمساعي التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون لوضع حدّ للحرب الدائرة، عبر مسار تفاوضي واضح وصريح يهدف أولاً وأخيراً إلى حماية لبنان وشعبه وإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة ونهائية لكل اللبنانيين».


بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

في أول تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية «جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» (في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات)، وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.

وتطرّق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟ كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ«حزب الله»، كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية.

وقال إن الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟

عون وبري... تباين لا خلاف

وفي هذا السياق، كشف مصدر نيابي مواكب للعلاقات الرئاسية عن أن الخلاف الطارئ بين الرئيسين عون وبري يبقى تحت سقف التباين الذي حصل في تفسيرهما للبيان الصادر عن «الخارجية الأميركية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن وسطاء تدخّلوا لتبريد الأجواء بين الطرفين، مستبعداً أن تترتب على الخلاف أي قطيعة، في ظل الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتطلب من الجميع، بدءاً من الرؤساء، تضافر الجهود لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتثبيته، قبل الطلب من لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة، وإن كان يفضَّل أن تكون غير مباشرة، وهو ما يُفترض أن تعمل عليه الإدارة الأميركية.

وأضاف المصدر أنه ما دام الرؤساء الثلاثة يُجمعون على ضرورة وقف الأعمال العدائية استباقاً لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فإن تصويب الموقف على هامش جلسة مجلس الوزراء أسهم في ترطيب الأجواء بين الرئيسين، ما يفتح الباب أمام عودة الحيوية إلى العلاقات الرئاسية، انطلاقاً من عدم وجود مصلحة لأي من الرؤساء في غياب التشاور، بوصفه ضرورياً للتوصل إلى خريطة طريق في مقاربة ملف المفاوضات.

عون وبري (أرشيفية - رويترز)

ولفت إلى أنه لا مفر من معاودة التلاقي بين الرؤساء الثلاثة، ما داموا يتمسكون بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها بوصفه ممراً إلزامياً لبدء المفاوضات التي من غير الجائز أن تُعقد من دون أن تتلازم مع تثبيت وقف النار، وهذا ما يدعو ترمب للتدخل لدى إسرائيل لمنعها من التمادي في عدوانها.

موقف بري من المفاوضات

ودافع المصدر النيابي عن موقف بري من المفاوضات، وسأل عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالتفاهم مع فرنسا (عام 2024)، والذي لم يرَ النور، بل أتاح لإسرائيل التمادي في خرقه بتوسعة عدوانها الذي تجاوز الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات بقاعية.

وأكد أن «حزب الله» تجاوب مع رغبة بري، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف الأعمال العدائية، وكان له -بتفويض من الحزب- دور في التوصل إليه مع الوسيط الأميركي آنذاك، آموس هوكستين، وحظي برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، في مقابل إطلاق يد إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة أنه يعطيها حق الدفاع عن النفس بتوجيه ضربات وقائية تستهدف ما يخطط له الحزب بتهديده أمن مستوطناتها الشمالية.

وقال المصدر إن التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار طوال 15 شهراً، في مقابل إصرار إسرائيل على خرقه، شكّل إحراجاً له، خصوصاً مع امتناع واشنطن عن التدخل للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها، وصولاً إلى توسعة عدوانها، رغم أنها كانت قد تعهّدت بتلازم الخطوات بين الجانبين بوصفه شرطاً لتطبيق الاتفاق، مضيفاً أن حكومة نواف سلام، وإن كانت قد راهنت أساساً على الخيار الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب، فإنها واجهت تمرداً إسرائيلياً على الاتفاق واستمراراً في سياسة الضغط بالنار لدفع لبنان إلى التسليم بشروطها.

هدنة الأسابيع الثلاثة

وعدّ أن هدنة الأسابيع الثلاثة بقيت حبراً على ورق، وأتاحت لإسرائيل تحويل الجنوب إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة بمواصلة تدميرها الممنهج الذي طاول منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله لتهجير سكانه تحت ضغط مطالبتهم بإخلاء بلداتهم.

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

وقال المصدر إنه على ثقة بأن الرئيس عون ثابتٌ على موقفه القائم على اشتراط تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، بوصفه ممراً إلزامياً لبدء مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية، من دون التفريط، مهما كانت الضغوط، بالثوابت الوطنية التي يتمسك بها، مضيفاً أن هذا الموقف يأتي في إطار تفاهمه مع بري وسلام، وقد أكده في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بقوله إن المفاوضات لم تبدأ حتى الساعة، ما يعني رفضه أي مسار تفاوضي قبل توقف إسرائيل عن ضغطها العسكري على لبنان.

تثبيت وقف إطلاق النار

ولفت المصدر إلى أن الرئيس عون لن يُسلّم ببدء المفاوضات بشكل مطلق من دون أي مقابل، وفي مقدمته تثبيت وقف إطلاق النار، ورأى المصدر، من وجهة نظره، أن الضغط الأميركي لعقد لقاء مع نتنياهو على نحو عاجل قد يؤدي إلى توتير الأجواء الداخلية ورفع منسوب الاحتقان، في ظل تصاعد وتيرة الخلافات، في حال الاستجابة لهذا الضغط من دون توفير ضمانات للبنان، وفي مقدمها وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم.

وأكد أنه يقف إلى جانب الرئيس عون في تفضيله عدم حرق المراحل عبر لقاء مع نتنياهو، معتبراً أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا اللقاء، وأنه يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل إلى اتفاق يقوم على الاستجابة للثوابت الوطنية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، مقابل إنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن يُترك ما بعد ذلك لكل حادث حديث، مستغرباً صدور بيان دعوة عون للقاء نتنياهو عن السفارة الأميركية في بيروت بدلاً من صدوره عن البيت الأبيض، مشيراً إلى أن هذا الأمر استوضحه الرئيس عون خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى العائد حديثاً من واشنطن، للوقوف على الدوافع التي أملت صدور البيان عن السفارة، والذي يُعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.


تأييد أميركي للزيدي يربك حسابات بغداد

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

تأييد أميركي للزيدي يربك حسابات بغداد

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

لم تكتفِ الإدارة الأميركية بتغريدة سفارتها في بغداد لتهنئة رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، ولا بالاتصال الهاتفي الذي أجراه المبعوث إلى سوريا، توم براك؛ بل مضت إلى أبعد من ذلك، عبر اتصال أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالزيدي.

ولم يكتفِ ترمب بهذا الاتصال، الذي كان يمكن أن يصدر في بيان رسمي عن البيت الأبيض؛ بل سارع إلى تثبيت ملامح رؤيته للعلاقة المرتقبة مع بغداد عبر تغريدة على منصة «تروث سوشيال»، شدد فيها على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة في العراق خالية من الإرهاب».

ومضى الرئيس الأميركي في التعبير عن هذه الرؤية، قائلاً: «نتطلع إلى علاقة جديدة قوية ومثمرة بين العراق والولايات المتحدة»، عادّاً أنها «بداية فصل جديد ومزدهر بين بلدينا؛ فصل يزخر بالازدهار والاستقرار والنجاح غير المسبوق». كما خاطب الزيدي بعبارة «مبروك يا علي»، موجهاً له دعوة لزيارة واشنطن عقب نيل حكومته الثقة.

وبدا الموقف الأميركي حاسماً ومؤثراً في مواقف قوى سياسية عدة، لا سيما داخل البيت الشيعي، حيث كان بعض القيادات ينتظر إشارة رفض من ترمب لترشيح الزيدي، بما يعيد الملف إلى «الإطار التنسيقي»، بعد أن بدا أنه خرج مؤقتاً من قبضته مع ترشيح شخصية اقتصادية تحوم حولها تساؤلات تتعلق بقيود أميركية سابقة على تعاملات مصرفه بالدولار.

وأربك التطور الأميركي الفصائل المسلحة، خصوصاً بعد إدراج 3 من قادتها على قوائم الإرهاب، مع رصد مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات عنهم. ومن بين هؤلاء قيادي بارز في «الإطار التنسيقي»، اختفى عن الأنظار خلال الاجتماعات الأخيرة، إلى جانب قادة فصائل أخرى.

في موازاة ذلك، برزت تعقيدات إضافية تتعلق بمواقف قوى سياسية وشخصيات كانت مرشحة لتولي رئاسة الحكومة، في ظل حديث عن «فيتو» أميركي غير معلن على بعض الأسماء، مقابل دعم واضح للزيدي، ما أعاد خلط الأوراق داخل المشهد السياسي الشيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

«العشاء الأخير»

بالتوازي مع التأييد الأميركي، الذي بدا قوياً وإن كان مشروطاً بتشكيل حكومة «خالية من الإرهاب»، حظي الزيدي بدعم إقليمي ودولي واسع، ما وضع القوى السياسية العراقية أمام معادلة جديدة.

فعلى المستوى الشيعي، سحب هذا الدعم أي احتمال لكون ترشيح الزيدي مجرد مناورة سياسية، وأضعف فرص العودة إلى طرح أسماء بديلة من داخل «الإطار التنسيقي». كما أن بعض القوى، رغم إدراكها لخبرته في الملفات الاقتصادية، كانت تعوّل على إمكانية احتوائه سياسياً، وهو ما بات أكثر تعقيداً في ظل الغطاء الدولي.

أما القوى الكردية والسنية، فكانت تراهن على فرض شروطها في تشكيل الحكومة، خصوصاً فيما يتعلق بالحقائب الوزارية. غير أن الدعم الأميركي للزيدي أعاد ترتيب موازين التفاوض، وأضعف قدرة خصومه على التعامل معه وفق قواعد الاشتباك التقليدية.

وبرزت مخاوف داخل بعض الأوساط السياسية من أن يتحول الزيدي إلى نموذج لرئيس وزراء قوي مدعوم دولياً، بما قد يؤدي إلى إعادة صياغة التوازنات الداخلية، وتقليص نفوذ قوى إقليمية، في مقدمتها إيران، التي لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من تكليفه، وهو ما يثير تساؤلات داخل الأوساط الشيعية حول طبيعة هذا الصمت ودلالاته.

تحركات داخلية

في سياق متصل، تلقى الزيدي اتصالاً هاتفياً من رئيس جمهورية باكستان، آصف علي زرداري، هنأه فيه بمناسبة تكليفه تشكيل الحكومة.

وخلال الاتصال، الذي جرى الجمعة، وجه الزيدي دعوة رسمية إلى زرداري لزيارة العراق، فيما بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها بما يخدم مصالح البلدين. وأشاد الزيدي بدور باكستان في تهدئة التوترات الإقليمية، بينما أبدى الرئيس الباكستاني استعداده لتلبية الدعوة بعد تشكيل الحكومة.

وكان «الإطار التنسيقي» قد رشح الزيدي في 26 أبريل (نيسان)، لتشكيل الحكومة الجديدة، في وقت يستعد فيه لتقديم تشكيلته الوزارية إلى البرلمان خلال المهلة الدستورية.

وفي موازاة ذلك، يعتزم «الإطار التنسيقي» إنشاء هيئات استشارية متخصصة لدعم عمل الحكومة المقبلة. وقال عقيل الرديني، المتحدث باسم «ائتلاف النصر»، إن هذه الهيئات ستشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة والاستثمار ومكافحة الفساد، وتهدف إلى تقديم المشورة لرئيس الوزراء.

وأوضح الرديني أن نجاح أو إخفاق رئيس الوزراء سيكون مسؤولية التحالف، مشيراً إلى أن عدد هذه الهيئات لم يُحسم بعد، على أن يُحدد عقب تشكيل الحكومة، وأن تضم خبراء ومستشارين في مختلف المجالات لدعم الأداء الحكومي.