بوش أراد إرسال جيش لإسقاط صدام وجيش لإعمار العراق

كنعان مكيّة يحكي لـ «الشرق الأوسط» قصة اجتماعاته مع القيادة الأميركية والتحضيرات لإطاحة نظام صدام

كنعان مكية (الشرق الأوسط)
كنعان مكية (الشرق الأوسط)
TT

بوش أراد إرسال جيش لإسقاط صدام وجيش لإعمار العراق

كنعان مكية (الشرق الأوسط)
كنعان مكية (الشرق الأوسط)

يكرر كنعان مكيّة، المعماري العراقي - حتى بمقاييس العمران عند ابن خلدون - والأستاذ والمثقف اليساري الليبرالي الذي «أبعده» الاستبداد الصدّامي إلى الغرب قبل عشرات السنين، أنه كان يرى في أحمد الجلبي «أرستوقراطياً فذاً» في وجوه كثيرة. غير أن الأخير «عَثَر» بعد حرب الخليج الأولى لعام 1991 على صاحب كتاب «جمهورية الخوف» المنشور عام 1989، الذي كان يكتب باسمه المستعار «سمير الخليل» في المسيرة التي بدأت عملياً بعد حرب الخليج الأولى وانتهت بإطاحة نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين في مثل هذه الأيام من عام 2003.
ذلك الخوف الشخصي الذي حلل طبيعته مكية، انكسر بعد انتفاضة العراقيين جنوباً وشمالاً ضد نظام صدام حسين الشمولي الذي يصفه كنعان مكيّة بأنه «استثنائي» حتى بين النظم الاستبدادية. بات التخلص من حكم البعث بالنسبة إليه «مسألة أخلاقية بقدر ما هي سياسية». أفاد كثيرون من سعته المعرفية والأكاديمية الواسعة، ومن نهجه البحثي الاستقصائي، لتقديم قضية العراقيين العاديين إلى الرأي العام العالمي، خصوصاً الأميركي، ليس فقط من منطق «المظلومية» باعتبارهم مجرد ضحايا. قدم سرديّة عراقية أصيلة يقرأها العقل الغربي. على غرار «جمهورية الخوف»، روى في «القسوة والصمت» ليس فقط كيف بنى البعثيون دولة المخابرات والأجهزة الأمنية المختلفة بعد عام 1968، وصولاً إلى سيطرة صدام على الحكم عام 1979، بل أيضاً كيف خاض هذا النظام الحرب تلو الحرب، ومنها وقائع عمليات الإبادة في الأنفال وقمع الانتفاضة في الجنوب. قدّم في ذلك الكتاب قراءة نقدية جديدة لصمت المثقفين العرب حيال ارتكابات وجرائم النظام البعثي الذي قاده صدام حسين.

صدام حسين خلال محاكمته مع أركان نظامه عام 2006 (رويترز)

في كلام كنعان مكيّة عن المعارضة العراقية، التي صارت رموزها في الحكم اليوم، مزيج من الغضب والأسف لأنهم يفتقرون إلى «الحس الوطني العراقي»، وصنعوا «دولة مافياوية» على أنقاض الدولة البعثية تمتلكها الميليشيات ورؤساء الظل. وهذا ما دفعه إلى الاعتذار في كتابه «الفتنة» عن دوره في دعم هذه القيادات خلال عقد التسعينات.
في هذا الحديث لكنعان مكية مع «الشرق الأوسط» وقائع اجتماعاته مع الرئيس جورج بوش عشية حرب العراق وبعد سقوط صدام. وكذلك لقاءاته وانطباعاته مع نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، وغيرهم قبل الغزو وبعده.
> نحن الآن في أجواء الذكرى السنوية العشرين لحرب العراق. كيف تستعيد الحقبة التي سبقت الحرب؟
- لن أغيّر رأيي العام بخصوص ضرورة التخلص من نظام صدام. هذا كان أمراً أخلاقياً بقدر ما هو سياسي. أعتبر أن طبيعة النظام البعثي السابق استثنائية من نواحٍ عديدة. في الشرق الأوسط بلدان قاسمها المشترك الديكتاتورية. لكن النظام الذي بني في العراق، والذي طال 35 عاماً، كان استثنائياً حتى بين كل هذه النظم الاستبدادية.
> ميّزت الحكم في العراق عن بقية الدول. هل هذا بسبب البعث؟
- بسبب طبيعة النظام الذي أسسه حزب البعث في العراق بالأخص. لنكن واضحين: كتابي «جمهورية الخوف» لا ينطبق على بقية الأنظمة العربية؛ كما قلت كان نظام (البعث) استثنائياً وشمولياً بالمعنى العلمي للكلمة. وقارنت بروزه داخل العالم العربي، على أساس أنه أشبه بالنظام الفاشي الألماني، وأشبه بالحكم الستاليني للحزب الشيوعي الروسي في الثلاثينات والأربعينات. في العراق، بني النظام عبر الحزب على أساس أجهزة المخابرات والأمن المختلفة التي بنتها الدولة البعثية بعد عام 1968. النقطة الحاسمة في تكامل بناء النظام الشمولي جاءت عام 1979 عندما سيطر صدام حسين شخصياً على النظام ككل. هذا هو النظام الذي غزا وضم الكويت إلى حدوده، وبذلك غيّر قوانين اللعبة السياسية في البلاد العربية كما مورست منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. كسر قاعدة رئيسية بالنسبة إلى النظام العربي القائم.
> يعني أنت ترى مسوغات كاملة لحرب العراق.
- نعم. الموقف السياسي الذي اتخذته خلال التسعينات انطلق من ضرورة التخلص من هذا النظام الشاذ، الذي كنت مقتنعاً في حينها أنه سيكرر غزوه للكويت وحروبه المدمرة لنسيج المجتمع العراقي لو دام.
> مع ذلك، أنت اعترفت بأخطاء قلت إنك ارتكبتها في تفكيرك حيال تلك المرحلة، بل أنت اعتذرت عن ذلك.
- كتبت عن ذلك في مقدمة روايتي «الحَبْل». غلطتي الكبيرة كانت أنني أسأت تقدير المعارضة العراقية التي اشتغلت معها ودعمتها بعد حرب 1991. لم أكن أتخيّل على سبيل المثال أنه لا يوجد واحد من أحزاب وشخصيات المعارضة المختلفة الذين تعرفت عليهم جميعاً، لا يوجد بينهم أحد لديه نفس عراقي أو حس وطني. لو تلاحظ أن كل الجماعات التي صارت جزءاً من مجلس الحكم مع (بول) بريمر لم يكن حتى اسم العراق موجوداً في أسمائها، عدا المؤتمر الوطني العراقي. غلطتي كانت أنني لم أقيّم هذه القوى في حينه ولم أحس بضعف وحتى غياب حسّهم الوطني العراقي.
> ذكرت كتابك «جمهورية الخوف»، ولديك «الحبل» (عنوان النسخة العربية «الفتنة»). ولكن أيضاً ذكرت ستالين. هل أثّر بك هذا الموضوع كونك كنت تروتسكياً في البدايات؟
- القضية ليست شخصية. نعم، كنت تروتسكياً واشتراكياً في شبابي أيام زمان. لكن غيّرت أفكاري السياسية، وذلك خلال الست سنوات التي قضيتها أبحث وأكتب «جمهورية الخوف». صرت ليبرالياً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، وليس بمعناه الحديث. هذا يعني أنني أعطيت دور الصدارة للحريات الشخصية ولرفض شتى أنواع القسوة في الحياة العامة للناس. عندما أذكر ستالين لا أقصد شخص ستالين فقط، بل النظام السياسي الذي ترأسه، بالمعنى نفسه نقدي للنظام العراقي ليس نقداً شخصياً لصدام.
> أهذا هو الجدال الذي دفع بأكاديمي ناجح في فن العمارة إلى الانخراط في السياسة؟
- حرب 1967 كانت نقطة انعطاف كبيرة في حياتي. من بعدها، في الستينات وعقد السبعينات، كانت حالي حال جيل كامل من المثقفين العرب داخل البلاد العربية أو خارجها.
> وصلت إلى قناعة أنه لا بد من التخلص من صدام.
- بعد حرب 1991 عندما اجتاح صدام الكويت اقتنعت الدول العظمى أن صدام الذي كان حليفها خلال الحرب العراقية الإيرانية أصبح عدوها. وبعد كارثة 9 - 11 أرادت الإطاحة به لأسبابها الخاصة. ولكن أسبابها غير أسبابي. لا علاقة لي بأسبابها من هجمات 11 سبتمبر (أيلول) وأمور أخرى. أنا أنطلق من موقف عراقي بحت رغم أنني عشت خارج العراق كل هذه الفترة. أسأل نفسي دائماً هذا السؤال: ماذا تتطلب مصلحة الشعب العراقي؟ دعونا نتذكر أن الحكومة الأميركية دعمت صدام بالكامل خلال الحرب العراقية - الإيرانية في الثمانينات.
> كل هذه العناصر أسهمت في تشكيل شخصيتك كمعارض عراقي.
- أنا كتبت «جمهورية الخوف» بالسر تحت اسم مستعار: سمير الخليل بوقتها. كان هناك 5 أشخاص أصدقاء وقريبون مني للغاية يعرفون ما أقوم به، كما كان بينهم زوجتي آنذاك أفسانه نجم أبادي، وهي إيرانية الأصل أصبحت أستاذة في هارفارد لاحقاً، والمرحومة مي غصوب التي أسسنا معاً «دار الساقي». حتى أهلي لم يعرفوا في البداية.
> أحمد الجلبي لم يكن يعرف؟
- كلا؛ أصلاً لم أكن أعرفه. أنا تعرفت على أحمد الجلبي للمرة الأولى عام 1991 مباشرة بعد حرب الخليج الأولى.
> كيف حصل ذلك؟
- وجه رئيس مركز دراسات في هارفارد آنذاك الدكتور روي متحدة في مارس (آذار) 1991 دعوة إلى شخصيات معارضة عراقية. حضرنا أربعة: أحمد الجلبي وهوشيار زيباري والمرحوم محمد بحر العلوم وأنا. كنت أستعمل اسمي المستعار قبل المؤتمر. ولكن بعدما ثار كل الشعب العراقي على النظام عبر انتفاضته الشهيرة، قلت له سأحضر المؤتمر ولكن باسمي الحقيقي. في هذا المؤتمر وللمرة الأولى، اكتشف الحضور أن سمير الخليل إنما هو كنعان مكية. خلال هذا الاجتماع تعرفت على أحمد الجلبي شخصياً للمرة الأولى.
> ثم أصبحتما صديقين.
- هذا صحيح. الجلبي شخصية فذة يختلف تماماً عن كل باقي رجال المعارضة. احترمته في حينها وهو كذلك احترمني. أنا تعرفت على كثير من اليساريين العرب الذين كانوا ضد أنظمتهم منذ بداية نشاطي السياسي في المقاومة الفلسطينية في عقد السبعينات. اشتغلت عشر سنين في صفوف المقاومة الفلسطينية، أولاً في «فتح»، ثم ذهبت إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وأخيراً إلى «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، حيث كتبت في حينها في مجلة «الحرية». خلال كل هذه التجربة، لم ألتقِ بشخص ذات وزن ثقافي كأحمد الجلبي.
> لماذا؟
- من الجوانب الجيدة والمهمة في فهم شخصيته أنه لم ينطلق قط من كونه ضحية، كما كانت الطريقة الفلسطينية في التعامل مع الحكومات والشخصيات الغربية، الذي في رأيي هو سبب فشلها خلال عقود مضت. عموماً عقدة «المظلومية»، التي حللتها بعمق في كتابي الأخير «في القسوة»، مهمة جداً في فشلنا السياسي كعرب. هذه العقدة موجودة في كل بلدان المشرق العربي، وبخاصة في بلدان الهلال الخصيب حيث الكل يعد نفسه «ضحية» بالدرجة الأولى وينطلق أساساً في كل مواقفه من هذه الفرضية، أكنّا شيعة في العراق أو سنّة في سوريا أو موارنة في لبنان أو أكراداً أو فلسطينيين. بالمقارنة، الجلبي كان أرستقراطياً وكان خارق الذكاء وقارئاً رهيباً. تمكن من بناء علاقات مع أي كان، بما في ذلك برنارد لويس وفؤاد عجمي وديك تشيني في الولايات المتحدة.
> ألهذا السبب انتقدك إدوارد سعيد؟ حاورته وحاورت فؤاد عجمي. ولكن اللهجة الاعتذارية التي أوردتها في كتابك «الفتنة» كانت مباشرة عن دورك في المرحلة التي سبقت حرب العراق. فؤاد عجمي اعتذر بشكل ما في «قصر أحلام العرب» عن سجله…
- كلا. كان هناك فارق كبير بيننا نحن الثلاثة (إدوارد سعيد، فؤاد عجمي، كنعان مكية) الذين لعبنا دوراً في التأثير على الرأي العام الغربي وحتى لحد ما على السياسة الأميركية. إدوارد سعيد يمثّل طرفاً انطلق من القضية الفلسطينية، وفقط من هذه القضية، بينما كان فؤاد عجمي يمثل طرفاً مختلفاً متبنياً الموقف الأميركي بعدما أبعد نفسه عن لبنان ومشاكله الداخلية. كتابه «المأزق العربي» من أروع ما كتب عن السياسة العربية في الربع الأخير من القرن العشرين، ولكنك لا تستطيع أن تقول هو كتاب متحيز للعرب أو لهذه الدولة العربية أو تلك. هو كتاب أكاديمي صرف.
> ماذا عن كنعان مكيّة؟
- كنعان مكية ناقد عراقي بحت في كل كتبه، ينطلق من رفضه للقسوة وللاستبداد أينما وجد، وبالأخص في العراق. أنا أصلاً تسلمت الجنسية الأميركية للمرة الأولى في حياتي قبل 8 أو 9 سنوات فقط. حصلت على جواز سفر بريطاني في عقد الثمانينات بعد سحب جوازي العراقي. وكانت لدي أيضاً إقامة دائمة في الولايات المتحدة في عقد التسعينات.
> يعني أنت قابلت الرئيس بوش ليس باعتبارك مواطناً أميركياً؟
- صح. لم تكن لدي جنسية أميركية عام 2003. لاحقاً قررت الحصول على جنسية أميركية لأنني قررت العيش في أميركا. كنت شخصاً بلا جواز لفترة ثم صارت لدي 3 جوازات (ضاحكاً).
> بصرف النظر عن «مظلوميتك» في عصر صدام، متى بدأ العمل الفعلي مع المسؤولين الأميركيين لإسقاط النظام؟
- أنا لم أكن مظلوماً في حياتي بالمقارنة مع الغالبية الكبرى من الشعب العراقي. المظلومية كارثة على الشخص تشوّه نمط تفكيره بالإضافة إلى أخلاقه. ولكن هذا موضوع بحث طويل. لنرجع الى فحوى سؤالك عبر قصة.
عام 1993، أي بعد سنتين من حرب الخليج، خابرني أحمد الجلبي بعدما صرنا صديقين. قال: يجب أن تأتي إلى واشنطن، حيث سيعقد اجتماع مهم للغاية وأنا محتاج إليك. وكان الاجتماع سيعقد بحضوري وأحمد الجلبي ومارتن أنديك الذي كان مستشار الأمن القومي للشؤون العربية في إدارة كلينتون. كنت اقترحت في مقالات ومحاضرات ضرورة إجراء محاكمة دولية للنظام البعثي العراقي. وقال لي الجلبي إن الاجتماع بخصوص إقناع أنديك بالحصول على دعم أميركي لإنشاء محكمة جنائية دولية للنظام العراقي. تحدثت طويلاً مع أنديك عن جرائم صدام، واجتياحه للكويت، وتفاصيل الأنفال مستنداً على ما كتبته في «القسوة والصمت» المليء بشهادات عراقية لما حدث في الأنفال والقتل الجماعي لشيعة الجنوب عام 1991. قال أنديك إنه إذا بدأت هذه المبادرة من عندكم، أي أنتم العراقيين في المعارضة، سندعمكم، ولكن الحكومة الأميركية لن تبادر لوحدها بمثل هذا الإجراء. اتفقت مع أحمد الجلبي على أن أكتب اتهاماً للنظام بشكل قانوني صرف على أن يصدر باسم المؤتمر الوطني العراقي، وبشرط أن يتضمن عفواً عاماً لأعضاء حزب البعث والملتحقين بالجيش ممن لم يذكر اسمه في التقرير الذي صدر لاحقاً بعنوان «الجرائم ضد الإنسانية والانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية في العراق»، وكان يتضمن ملاحق وأسماء 50 شخصاً في جزأين؛ الأول للذين لدينا معلومات وافية عنهم، ويترأسهم صدام وقيادات أخرى، والجزء الثاني لأشخاص لدينا معلومات أولية حول جرائمهم لكننا بحاجة إلى مزيد من التحقيق لأننا غير متأكدين من مسؤوليتهم في ارتكاب جريمة. وبالمناسبة، فإن البطاقات الـ50 الأميركية التي صدرت بعد الحرب مأخوذة من هذا التقرير.
> بقيت على هذه الصداقة مع أحمد الجلبي، وبنيت في الطريق من 1993 إلى 2003 صداقات أخرى. وبدأ العمل في وقت ما مع الأميركيين لمعرفة ما الذي يجب القيام به للتخلص من صدام.
- الحق يقال، لم يحصل عمل فعلي وتنسيق فعلي قبل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. نعم قام أحمد الجلبي بعمل كبير للغاية بالتأثير على الكونغرس الأميركي لإصدار قانون تحرير العراق لعام 1998. وفي عام 2002، أسس الأميركيون في وزارة الخارجية ما يسمى «التخطيط لمستقبل العراق» على هيئة حلقات استشارية، أو ما كانوا يسمونها «ورشات عمل» شارك فيها كثير من العراقيين بالمنفى. ولكن هذا الحكي جاء متأخراً جداً...
> هذا يعني أن فكرة إطاحة صدام بشكل تام بالنسبة إلى الإدارة الأميركية تبلورت بعد هجمات 11 سبتمبر.
- بالتأكيد. قبل 11 سبتمبر، كانت هناك مبادرات مختلفة ذات رمزية كبيرة، ولكن ذات وقع فعلي صغير. لم يكن هناك أي شيء جدي وفعلي.
> أشرت إلى نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد باعتبارهما المحرك الرئيسي للحرب…
- نعم، هذا صحيح. كانوا مهندسي الحرب لأسبابهم الخاصة بقراءتهم الخاصة للمصالح الأميركية، التي لا تمت بصلة لمصلحة الشعب العراقي حسب ظني. العكس كان الحال مع السياسي والرجل الثاني في وزارة الدفاع، بول وولفوفيتز، الوحيد الذي احترمته داخل الإدارة الأميركية والذي انطلق مما أسميه أنا «المصلحة العراقية» للتخلص من الاستبداد. وللعلم، اعترف لي وولفوفيتز ذات مرة بندمه في عدم دعم الانتفاضة العراقية عام 1991.
> ما كان انطباعك عن كوندوليزا رايس؟
- رأيتها عدة مرات أيضاً. وأحترمها. هي أستاذة أصلاً. ولكن انطباعي أنها كانت ضعيفة الشخصية، بالمقارنة مع شخصيات مثل رامسفيلد وكولن باول.
> لننتهي مع المرحلة التي بدأ فيها العمل الفعلي من أجل حرب العراق وإسقاط صدام. أين تعتقد ذلك بدأ؟
- بهذا الخصوص سأسرد لك حكاية معبرة: في 31 يناير (كانون الثاني) 2003، جاءني طلب من البيت الأبيض لأحضر اجتماعاً مع الرئيس بوش. كنا 4 من المعارضين المستقلين، أي غير تابعين لأي حزب أو تيار في المعارضة: أنا ورند رحيم وشخصان آخران. بالإضافة إلى بوش، حضر من الجانب الأميركي: ديك تشيني وكوندوليزا رايس وبول وولفوفيتز وآخرون. بدأ الاجتماع مع كلمة قصيرة من الرئيس بوش، انطلق فيها قائلاً: «نحن قررنا إسقاط صدام». هذه كانت المرة الأولى التي صرح فيها الأميركان للعالم الخارجي بقرار الحرب. ثم أضاف الرئيس الأميركي جملة استغربتني في حينها: «لن يدخل جيش واحد إلى العراق، بل جيشان اثنان…». أتذكر أنني قاطعته مستغرباً: «جيشان؟ لا أفهم». فنظر لي وأضاف: «جيش لإزاحة صدام، وآخر لإعمار العراق». باللحظة التي تلت هذه الجملة التفت إلى كوندوليزا رايس طالباً تأكيدها: «صحيح؟»، فطأطأت رأسها كأنها خجلانة وقالت بصوت منخفض وناعم وهي تنظر إلى الأرض: «نعم». يبدو أنها خجلت من الإجابة لأنها تعرف حقيقة لا يعرفها بوش. فهمت الوضع مباشرة بعد الاجتماع مع بوش، إذ اتصل بي الجنرال جاي غارنر الذي كان قد تولى منصب مدير مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية للعراق. أي أنه جنرال «الجيش الثاني» الذي ذكره بوش. دخلت غرفته في البيت الأبيض وكانت فارغة مع أرفف كتب أيضاً فارغة. قال لي: «السيد مكية، أريدك أن تشترك مع مجموعة من عندنا لإعادة بناء العراق». لم أفهم بالضبط، فأضاف: «نحن نشكل الفريق الذي سيعيد بناء العراق وأريدك أن تشتغل معنا». كان يتحدث عن الجيش الثاني الذي تكلم عنه بوش. سألته: من في الفريق؟ أجاب: نحن بدأنا للتو. لدي سكرتيرة للوقت الحاضر، وأنت إذا تفضلت العمل معنا. قلت له: لا أستطيع القيام بذلك، لأني كاتب وأكاديمي عراقي، وأعمل مع المعارضة العراقية. أنا لست سياسياً ولا إدارياً والمصلحة العراقية قد لا تتطابق على الدوام مع المصلحة الأميركية، ولكن شكراً على دعوتك. مغزى القصة كلها، أن عشية الحرب لم يكن الرئيس بوش يعرف أن «جيشه الثاني» لا يتعدى جنرالاً واحداً لوحده (مع سكرتيرة) في غرفة واحدة فارغة داخل البيت الأبيض. لهذا كوندوليزا رايس، التي كانت تعرف كل هذا، طأطأت رأسها من الخجل.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 في غارات إسرائيلية

رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 في غارات إسرائيلية

رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، اليوم الجمعة، عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 آخرين في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.

وأوضحت الصحة اللبنانية، في بيان، أن غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية بقضاء صيدا جنوب لبنان، أدت في حصيلة أولية إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين بجروح، وفقاً للوكالة الوطنية للإعلام.

وشن الطيران الحربي الإسرائيلي، صباح الجمعة، سلسلة غارات استهدفت بلدات كفررمان والقليلة وأطراف بلدة المنصوري في جنوب لبنان، حيث طال القصف الجوي منزلاً في بلدة حانين، وأرضاً مفتوحة في كفررمان، بالإضافة إلى مبنى في منطقة العامرية قرب بلدة القليلة الجنوبية، وأطراف بلدة المنصوري.

وفي سياق متصل، ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، اللبنانية الرسمية، أن المدفعية الإسرائيلية قصفت صباح اليوم مداخل بلدة بيت ليف وأطراف بلدات دبل والقوزح والناقورة ومنطقة حامول في جنوب لبنان.

كما أفادت الوكالة بأن الطيران المسيّر الإسرائيلي استهدف فجراً منزلاً في بلدة كفررمان الجنوبية، في حين تعرّض عدد من قرى القطاع الغربي لقصف مدفعي مركز، وطالت الغارات الجوية فجراً منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ووجّه الجيش الإسرائيلي صباح الجمعة إنذاراً عاجلاً إلى سكان قرية سجد في جنوب لبنان، طالبهم فيه بإخلاء منازلهم فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.


مفوضية اللاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب حرب الشرق الأوسط

خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
TT

مفوضية اللاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب حرب الشرق الأوسط

خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».


«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

كشفت مصادر من حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، أن هناك حالة من التشاؤم تسيطر على موقف الفصائل، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف، لقيادات من الحركة بشأن خطة نزع السلاح بشكل كامل ومن دون استثناءات من قطاع غزة.

وقال مصدران من «حماس» من داخل قطاع غزة وخارجه لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تتجه لرفض جزئي لخطة نزع السلاح المطروحة، وستطالب بإجراء تعديلات عليها من أجل أن تكون أكثر إنصافاً للفلسطينيين، وخاصةً أنها لا تلزم إسرائيل بشكل واضح بتنفيذ بنود المرحلة الثانية، ولا حتى بإلزامها باستكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى.

في حين قال مصدر ثالث من الحركة وفصيل فلسطيني بارز من داخل القطاع، إن المناقشات مستمرة داخلياً لدى كل فصيل وعلى المستوى الوطني الجماعي، ورغم السلبيات الكبيرة فيما عُرض، فإنه سيتم التعامل بإيجابية، مع التأكيد على الاحتفاظ بحقوق الفلسطينيين، مؤكداً أنه سيتم تقديم رد فلسطيني موحد لا يمنح الخطة موافقة كاملة، وإنما سيطالب بتوضيحات وضمانات وإجراء تعديلات واضحة على العديد من البنود.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح المرشح لمنصب مدير «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف في القدس (إ.ب.أ)

ورغم أن الخطة التي نُشرت في بعض وسائل الإعلام وأكدتها المصادر، تشير إلى التنفيذ «خطوة بخطوة» من قبل الجانبين، فإن «حماس» والفصائل ترى أنها تخدم إسرائيل بشكل أكبر، ولا تلزمها بتنفيذ ما عليها. كما تؤكد المصادر أنها تهدف لنزع سلاح القطاع بشكل كامل سواء الخفيف أو الثقيل، وحتى الشخصي الذي يمكن لشخصيات مطلوبة لإسرائيل الاحتفاظ به للدفاع عن نفسها عند أي حالة.

وقال مصدر رابع من فصيل فلسطيني بارز، إن الخطة هدفها إعادة تشكيل واقع قطاع غزة سياسياً وأمنياً، وتفكيك بنية «المقاومة»، والمقابل فقط مجرد إجراءات إنسانية وإدارية لا تحفظ للفلسطينيين أياً من حقوقهم وثوابتهم السياسية والوطنية، وإن مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة» هو مجرد مبدأ شكلي لا قيمة له، في ظل أن الشروط تفرض على الفصائل تقديم خطوات استراتيجية تشمل نزع سلاحها بالكامل والتخلي عن كل صلاحياتها، وحتى منع إقامة أي أعمال عسكرية، وربما لاحقاً منعها من القيام بأي نشاطات سياسية بحجج واهية، وإجبارها على تدمير أنفاقها بنفسها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مقابل مجرد تقديم حزم إنسانية مؤقتة.

ويقول مصدر من «حماس» في قطاع غزة: «من غير المقبول نزع السلاح بهذه الطريقة، التي من الواضح أن إسرائيل تريدها وفق شروطها التي فرضتها في إطار الخطة من دون الأخذ في الاعتبار المطالب الفلسطينية»، مؤكداً أن من «حق الشخصيات المطلوبة والنشطاء البارزين الاحتفاظ على الأقل بسلاحهم الشخصي للدفاع عن أنفسهم، في ظل التحركات الكبيرة من القوات الخاصة الإسرائيلية، وكذلك العصابات المسلحة ونشاطاتها المستمرة في اغتيال وقتل المقاومين، وهو أمر تؤسس إسرائيل لاستخدامه مجدداً من دون استخدام الطائرات وغيرها من الأسلحة التي لا تشير إلى اتهام مباشر لها، بما يخدم مصالحها في تنفيذ عمليات اغتيال ونسبتها لجرائم قتل عادية؛ ولذلك فإن مثل هذه الخطوة مرفوضة تماماً».

وتنص المبادئ العامة للخطة على ضرورة استكمال الالتزامات المتبقية من المرحلة الأولى ومن دون تأجيل، وإدخال مواد الإعمار والمواد ثنائية الاستخدام للمناطق التي يتم التحقق من حصر السلاح فيها وتخضع لإدارة اللجنة الوطنية، وهو أمر رأت «حماس» أنه يهدف إلى ربط قضية الإعمار ودخول اللجنة إلى مناطق في القطاع بتسليم السلاح.

 

خيام تؤوي نازحين حول ميناء غزة (أ.ف.ب)

وتقول المصادر من «حماس» إن هذا يتنافى تماماً مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي قُدمت للحركة إبان مفاوضات وقف إطلاق النار في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، مبينةً أن الخطة الأصلية تنص على وضع السلاح جانباً وفقاً لخطة يتم التفاوض عليها، وليس من خلال فرضها على الفصائل ممهورةً برسائل تهديد كما يجري حالياً.

وأشارت المصادر إلى أن خطة «مجلس السلام» التي قدمها ميلادينوف، لا تلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل، وإنما تتحدث عن انسحاب جزئي على مراحل من دون محددات واضحة، كما أنها لا تلتزم بإعادة إعمار حقيقية، وإنما يدور الحديث بشكل أساسي عن منازل مؤقتة (كرفانات)، مع السماح بإدخال مواد الإعمار من دون توضيح الكميات والهدف منها، وما إذا كان ذلك سيكون مخصصاً فقط للبنية التحتية والمستشفيات والمدارس وغيرها، أم أنه سيشمل إعادة إعمار حقيقية متكاملة تشمل منازل ومباني السكان.

وبينت المصادر أن الخطة تسمح لإسرائيل بالتصرف عسكرياً في حال لم تستطع اللجنة الوطنية القيام بمهامها، للتعامل مع ما وصفته بـ«تهديد خطير محتمل»، وذلك في المناطق التي يتم فيها حصر السلاح، معتبرةً أن هذا يسمح لجيش الاحتلال باختلاق ذرائع كما يفعل حالياً لاغتيال نشطاء الفصائل الفلسطينية.

ومن بين ما تحتج عليه «حماس»، إصرار «مجلس السلام» على عدم وجود أي موظفين حكوميين من الحركة يخدمون لدى اللجنة التي ستدير غزة، وهو أمر بُحث خلال اللقاء الذي جمع قيادة الحركة مع ميلادينوف في القاهرة مؤخراً، وسيتم مزيد من المحادثات بشأنه.

وتنص خطة «مجلس السلام» على أن تتوقف «حماس» عن ممارسة أي سلطات مدنية أو أمنية في قطاع غزة، وألا تقوم بأي وظائف تتعلق بالحكم أو الأعمال الشرطية والإدارية.

وتسعى «حماس» للتوصل لاتفاق يتعلق بأن يتم دمج موظفيها الحكوميين بعد إجراء فحص أمني عليهم، في حين يستثنى كبار الضباط وغيرهم ممن ترفض إسرائيل أن يكونوا جزءاً من أي حكم سلطوي في غزة.

ومنذ أن أبدى قادة في «حماس» غضبهم تجاه ميلادينوف، وخاصةً بعد تصريحاته أمام مجلس الأمن الدولي، لم تتوقف الآلة الإعلامية في الحركة، من مواقع ووسائل إعلام مختلفة، عن توظيف لقاءات مع شخصيات فصائلية وعشائرية ومحللين وكتّاب وغيرهم، لتوظيف أصواتهم لصالح الدفاع عن رؤيتها.