بريمر يعترف بـ«أخطاء» في قراري تفكيك البعث وحل الجيش

الدبلوماسي الكيسنجري يروي لـ«الشرق الأوسط» خفايا الحرب ويؤكد أن العراق بعد 20 عاماً أفضل حالاً برحيل صدام

بول بريمر إلى جانب الرئيس بوش ووزير الدفاع رامسفيلد وقائد الأركان ريتشارد مايرز في حديقة البيت الأبيض خلال الاعلان عن قتل ولدي صدام، قصي وعدي، في الموصل (غيتي)
بول بريمر إلى جانب الرئيس بوش ووزير الدفاع رامسفيلد وقائد الأركان ريتشارد مايرز في حديقة البيت الأبيض خلال الاعلان عن قتل ولدي صدام، قصي وعدي، في الموصل (غيتي)
TT

بريمر يعترف بـ«أخطاء» في قراري تفكيك البعث وحل الجيش

بول بريمر إلى جانب الرئيس بوش ووزير الدفاع رامسفيلد وقائد الأركان ريتشارد مايرز في حديقة البيت الأبيض خلال الاعلان عن قتل ولدي صدام، قصي وعدي، في الموصل (غيتي)
بول بريمر إلى جانب الرئيس بوش ووزير الدفاع رامسفيلد وقائد الأركان ريتشارد مايرز في حديقة البيت الأبيض خلال الاعلان عن قتل ولدي صدام، قصي وعدي، في الموصل (غيتي)

عندما هممتُ بإجراء هذا الحوار مع السفير بول بريمر، أخبرته أن صديقاً عراقياً أميركياً همس في أذني بأن «هذا ليس مجرد سفير، إنما هو رئيس. لقد حَكَم العراق لأكثر من عام»!
بصفته رئيساً لـ«سلطة الائتلاف المؤقتة» بعد حرب العراق التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش ليل 19 مارس (آذار) 2003، بهدف إطاحة حكم الرئيس صدام حسين في العراق، جلس «الدبلوماسي الكيسنجري» في البيت الأبيض وحيداً، وجهاً لوجه مع الرئيس الذي كلفه مهمتين جليلتين: تشغيل عجلة الاقتصاد، وتشكيل مسار جديد للحكم في العراق. ذهب إلى هناك متسلحاً بهذا التفويض، ومستفيداً مما تعلمه من وزير الخارجية سابقاً، هنري كيسنجر، ومِن عمله في القطاع الخاص بعدما تخرج في جامعتي يال وهارفرد بالولايات المتحدة و«معهد الدراسات السياسية» في فرنسا.
يحمل بول بريمر أسراراً كثيرة يتجنب الخوض فيها. لم يُشر كثيراً إلى وثائق الدولة العراقية وحزب البعث هناك، بعد انهيار حكم صدام تماماً في 9 أبريل (نيسان) 2003، أبلغني مازحاً أنه بعدما «أنجز» مهمته التي بدأت في 9 مايو (أيار) 2003، وانتهت في 28 يونيو (حزيران) 2004، دفع للمحامين الأميركيين «مبالغ أكبر من تلك التي استحصلت عليها من عملي في العراق». وكانت تلك فرصة لتبادل قصة طريفة مع المندوب الألماني السابق لدى الأمم المتحدة، كريستوف هيوسيغن، الذي كان مستشاراً للأمن القومي في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، ويعمل حالياً رئيساً لـ«مؤتمر ميونيخ للأمن»، حين اقترحت عليه مازحاً أن يفشي أسراره كي أنشرها. قلتُ: «بذلك تطير شهرة كل منا... ولكن بطريقتين مختلفتين». قهقه الدبلوماسي الأميركي قبل أن نبدأ بالفعل في إجراء هذا الحديث لـ«الشرق الأوسط».

كشف بريمر تفاصيل بالغة الأهمية في الحوار الطويل معه، مصراً على «صوابية» قرار الحرب، رغم الإخفاق الأميركي في الحصول على تفويض بذلك من مجلس الأمن. اعتبر أن مصالح الولايات المتحدة تتقدم على واجباتها في القانون الدولي، مقارناً المعركة مع حزب البعث بقيادة صدام بتلك التي أدت إلى هزيمة الحزب النازي الألماني بزعامة هتلر. وأكد أن هذا السبب الذي دفعه إلى إصداره مرسوميه الشهيرين؛ الأول خُصِص لـ«تفكيك البعث»، والثاني ركز على «حل» الجيش العراقي، معترفاً بأنه ارتكب «خطأين» فيهما، ضمن المهمة التي أصدر خلالها مائة من المراسيم (الأوامر) ليعكس بها استراتيجية فريق الرئيس بوش الابن، ومن حوله مهندسو الحقبة التي «أنهت حكماً للسنَّة استمر ألف عام»، وأبرزهم نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومساعده آنذاك بول وولفوفيتز وآخرون، علماً بأن وزير الخارجية كولن باول ومستشارة الأمن القومي، كوندوليزا رايس، اضطلعا بدورين مختلفين أيضاً في العلاقة مع «نافذة واشنطن» على المعارضة العراقية؛ من جلال طالباني ومسعود بارزاني إلى أحمد الجلبي وإياد علاوي، ومن عبد العزير الحكيم ومحمد بحر العلوم إلى غازي الياور وعدنان الباجه جي، وغيرهم من الشخصيات العراقية المؤثرة التي لا تزال حاضرة في العراق بـ«صورته الأميركية».
شخص واحد فقط، وهو الأكثر أهمية وتأثيراً في العراق منذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، رفض أن يستقبل بريمر أو يلتقيه، وهو آية الله علي السيستاني.

هنا نص الحوار مع بريمر:
> الآن، مع حلول الذكرى العشرين للحرب في العراق، كيف تنظر إلى تلك اللحظة؟
- كما تعلم، يتحدث كثيرون عن النظر إلى الوراء 20 عاماً؛ لذلك نظرتُ للخلف بالفعل. النقطة الأساسية التي خلصت إليها أن ذلك كان القرار الصائب من الرئيس بوش؛ بأن يتحرك ليطيح صدام حسين. النقطة الثانية أنني أعتقد أنه رغم الوضع الصعب الذي يجد العراقيون أنفسهم فيه اليوم، وبالنظر إلى الأمر من منظور نسبي، فإن العراق بعد 20 عاماً الآن أفضل حالاً برحيل صدام.
> كان الثمن الذي تكبده العراقيون فادحاً للغاية، وكذلك الأميركيون!
- نعم، هذا صحيح، لكن الفوائد كانت ضخمة للغاية أيضاً للعراقيين؛ فبمقدورهم الآن اختيار حكومتهم. نحن في الولايات المتحدة لم نعد نواجه عودة صدام حسين إلى مساعيه من أجل الحصول على أسلحة دمار شامل، حسبما كان يخطط. ونعلم من الوثائق التي استولينا عليها بعد إطاحته أنه كان يخطط لاستئناف جهوده لامتلاك أسلحة دمار شامل.

عراق وإيران «نوويان»

> وهل المنطقة أصبحت أفضل حالاً؟ هل تعتقد ذلك؟
- في الواقع، المنطقة أفضل حالاً، لأنه لو بقي صدام في الحكم، لكانت المنطقة تواجه اليوم عراقاً مسلحاً نووياً يقف أمام إيران مسلحة نووياً. ولم يكن ليصير لدينا اتفاق إيراني لوقف البرنامج النووي، الأمر الذي تحقق في عهد إدارة أوباما. كان الإيرانيون ليستمروا في برنامجهم النووي، الأمر الذي كان ليجعل المنطقة أقل استقراراً بكثير، وكنا لنصبح أمام قوتين نوويتين على الأقل: إيران والعراق.

قوات أميركية في صحراء الديوانية بوسط العراق يوم 4 أبريل 2003 (أ.ف.ب)

> ترى أن ذلك ربما كان ليشجع، في اعتقادك، إيران أكثر على إنتاج أسلحة نووية؟
- عندما كنتُ في العراق، خلصت وكالات الاستخبارات الأميركية إلى أن إيران أبطأت وتيرة (ولم توقف) برنامجها بسبب شعورها بالقلق. ونعلم الآن أن الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة أوباما مع إيران يجري تقويضه كل يوم من قبل الإيرانيين. والآن، لدينا تهديد حقيقي بظهور مشكلة هناك.

«لا حاجة» إلى الأمم المتحدة

> أخفقت الولايات المتحدة في الحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الحرب. لذلك كانت الحرب غير قانونية؛ هل ترى الأمر على هذا النحو، أم أن لديك رأياً مختلفاً؟
- شاركت في السياسة الخارجية طوال 50 عاماً، وكقاعدة عامة، من المفضل دوماً أن تحظى بدعم دولي واسع. إلا أنني لا أعتقد أن الولايات المتحدة بحاجة للحصول على موافقة الأمم المتحدة عندما يتهدد الخطر مصالح الولايات المتحدة.

> يستخدم الروس الآن ما أظهره الوزير كولن باول أمام مجلس الأمن ليقول إن هناك أسلحة دمار شامل وأشياء أخرى. لم يكن ثمة شيء هناك. لقد كنت في العراق، ولم تجد شيئاً. هل كنت مدركاً لذلك؟
- لا، لم أكن مدركاً. من المهم التزام الدقة حيال الأمور هنا. أفادت الاستخبارات بأن صدام يسعى بجد إلى امتلاك أسلحة دمار شامل، ومن الواضح أن هذا لم يكن صحيحاً. إلا أنه من المهم أن نتذكر أن الوكالات الاستخبارية الأميركية لم تكن الوحيدة التي على ثقة من أن صدام يعكف على تطوير هذه الأسلحة، وإنما كذلك الفرنسيون والألمان والبريطانيون والروس. اتفقت وكالات استخبارات هذه الدول كلها مع الولايات المتحدة. لذا، أعتقد حتى لو قلت الآن: حسناً، ألم يكن ذلك خاطئاً؟ أعتقد أن أي رئيس أميركي بعد 11 سبتمبر (أيلول) - حدث جلل وصدمة كبرى للشعب الأميركي راح ضحيته 3 آلاف أميركي - بما في ذلك آل غور، لو فاز في انتخابات عام 2000، كان لينظر إلى تقديرات الاستخبارات الأميركية ويقول: علينا فعل شيء حيال صدام. والآن، ثمة نقطة أخيرة هنا؛ القول إننا لم نجد شيئاً يجافي الحقيقة، ذكر تشارلز دولفر، وهو محقق قدير للغاية، أن صدام أبقى على الخطط والأفراد ومشروعات أسلحة الدمار الشامل، وكان عازماً على استئناف هذه المشروعات.
> ذكرت للتو، سعادة السفير، أمراً لافتاً للغاية؛ أن المصالح الأميركية تعلو القانون الدولي...
- لا، ما قلته أنه ليس من قانون دولي ينص على أنه يجب علينا الحصول على موافقة من الأمم المتحدة كي ندافع عن المصالح الأميركية.
> ما الأساس القانوني للحرب إذن؟
- الأساس القانوني داخل الولايات المتحدة كان قراراً رئاسياً.
> بالتالي، هل كان الرئيس بوش العقل المصمم للحرب؟ ذكرت في مقابلات سابقة أن هذا جرى ليس لإطاحة صدام حسين فحسب، وإنما كذلك الحكم السنّي الذي دام ألف سنة بالعراق. وسيترك ذلك تداعيات عميقة ليس في العراق فحسب، وإنما في المنطقة بأسرها.
- أولاً، الرئيس هو مَن يتخذ القرارات. أما بمراجعتي للأمر بعد ذلك، بعد فترة طويلة من مغادرتي العراق، فخلصت إلى أنه بعد الهجمات الإرهابية في التسعينات وهجمات 11 سبتمبر، فإن أي رئيس أميركي، ديمقراطي أو جمهوري، كان ليوافق على ما عرضته الاستخبارات على بوش. ومن المثير أن تجد (إذا عدت بالذاكرة إلى الوراء إلى داخل «الكونغرس» الأميركي) أن غالبية السياسيين بفارق كبير وافقوا على شن هجوم ضد العراق؛ سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ.
> إذن، لم يكن هذا قرار رجل واحد.
- لا، لا.

جنديان من قوات المارينز خلف امرأة عراقية لم تعثر على اثنين من أطفالها في مستشفى ببغداد عقب احتلالها من القوات الأميركية يوم 12 أبريل 2003 (أ.ف.ب)

> خلصت الولايات المتحدة إلى أن هذا أمر يجب القيام به.
- صحيح، أعتقد أنه من الإنصاف القول إنه كان هناك إجماع سياسي عبر أرجاء البلاد عندما اتخذ بوش هذا القرار.
> صحح لي إن كنت مخطئاً... كيف لك وأنت دبلوماسي كيسنجري النهج، بمعنى أنك تؤمن بالسياسة الواقعية، أن تنفذ خطة للمحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة... كيف ذلك؟
- لم أنفذ خطة للمحافظين الجدد، أو المحافظين القدامى، أو أي طرف آخر، وإنما نفذت خطة بتوجيه من رئيس الولايات المتحدة الذي قال لي: أمامك مهمتان: الأولى محاولة تسيير عجلة الاقتصاد من جديد لصالح الشعب العراقي، والثانية معاونة العراقيين على اتخاذ مسار الحكم التمثيلي. هذان هما الأمران اللذان صدرا لي من جانب الرئيس، وهما الأمران اللذان أنجزتهما.

الرئيس وأنا

> كان ذلك مجرد إعلان؟
- لا، لم يكن إعلاناً فحسب، وإنما دعاني الرئيس لتناول الغداء معه فقط داخل غرفة الطعام الصغيرة الخاصة الملحقة بالمكتب البيضاوي للتحدث معاً. كنا أنا وهو فقط، ولم يكن هناك مَن يدون ملاحظات، ولم يكن من أحد سوانا…
> لكنك تعلم أن الرئيس كان يدلي بكثير حول «الشرق الأوسط الكبير»، وأمور أخرى على صلة بالغزو العراقي. كما تحدث الرئيس علانية حول أن هذا الأمر ستكون له تداعيات قد تستمر لعقود، ليس داخل العراق فحسب، وإنما في المنطقة. وبعد 20 عاماً، ثبت أنه كان صائباً.
- نعم، حسناً، لا أعتقد أن الرئيس استخف بهذا القرار. وأعتقد أنه أدرك أنه ستكون له تداعيات، لكنني استوعبت أيضاً هدفه. وكان هدفه مساعدة العراقيين على استعادة بلادهم اقتصادياً وسياسياً.
> حسناً، لقد عملت محل غارنر (جاي غارنر الجنرال الأميركي الذي عينته حكومته حاكماً للعراق بعد الغزو) في أعقاب سقوط صدام بفترة وجيزة. كيف حدث ذلك؟ ولماذا قرر الرحيل؟
- أكن احتراماً شديداً للجنرال غارنر، وأعتقد أنه أبلى بلاءً رائعاً للغاية في ظل ظروف شديدة الصعوبة. وحسب علمي، فإن اسمي، بصورة ما، وُضع على مكتب وزير الدفاع رامسفيلد.
> أنت لا تعرف كيف؟
- لم أكن أعرف أن لديه اسمي. كانت لديه قائمة تضم 12 أو 14 اسماً لأشخاص آخرين. ولست أدري العملية التي خاضها للاختيار. على أي حال، أوصى بي في نهاية الأمر للرئيس.
> ربما ذكرت ذلك في كتابك، «عامي في العراق»؛ أن غارنر رغب في تنظيم انتخابات في غضون 90 يوماً من الغزو. لم يبدُ الأمر واقعياً. هل بدا لك واقعياً؟
- لا، لا. خلال لقاءاتي بالرئيس، ومجلس الأمن الوطني، ونائب الرئيس، ووزيري الدفاع والخارجية قبل مغادرتي البلاد، كانت الرسالة الوحيدة الواضحة من الرئيس والآخرين، بمن في ذلك وزير الدفاع رامسفيلد، ووزير الخارجية (كولن) باول، أننا سنحظى بالوقت الكافي. وسُئلت عن ذلك وقلت: أتفق مع أن هذا الأمر سيستغرق عاماً على الأقل، وربما عامين. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وعلينا التحلي بالصبر. وسمعت في الراديو أن غارنر أخبر الجميع لتوه بأنه سيعين حكومة في غضون 10 أيام. وقلت ذلك في كتابي: «إنني في تلك اللحظة كدت أنحرف عن مساري على الطريق السريع». لقد أصابتني دهشة شديدة…
> جرى التعجيل بإرسالك للعراق. ما كانت النصيحة المثلى التي تلقيتها قبل مغادرتك؟
- حسناً، كانت أفضل نصيحة قدمها الناس لي؛ أن أحاول تحقيق بعض الفوائد الاقتصادية للشعب العراقي بأسرع ما يمكن. لقد دمر صدام فعلياً الاقتصاد العراقي على أي حال. وعندما وصلتُ إلى بغداد، وأنا هنا أطرح مجرد مثال، كنا ننتج على مستوى البلاد بأكملها 300 ميغاواط فقط من الكهرباء. وهذه الكمية لا تكفي، كما تعلم، لقرية صغيرة.

من إسبانيا إلى أنغولا

> نعم، كانت البلاد تحت الحصار. إذن، فإن أقل ما يمكن قوله إن هذا لم يحدث بين عشية وضحاها؟
- لا... عانت البلاد من قبل بصورة ما بسبب العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، رغم أننا سرعان ما علمنا بالفساد في برنامج «النفط مقابل الغذاء». عندما جاء صدام للسلطة، كان إجمالي الناتج الداخلي بالنسبة للفرد داخل العراق أعلى منه في إسبانيا. وأخبرنا «البنك الدولي» أنه عام 2002 تراجع إجمالي الناتج الداخلي العراقي لأقل مما هو في أنغولا. أما النصيحة الثانية التي تلقيتها، كي أجيب عن سؤالك، فكانت الحرص على ضمان الحديث إلى نطاق واسع من العراقيين حول أي نمط من الحكم كان ممكناً، وأي نمط من الحكم يرغبون فيه.
> ذكرت بالطبع مَن التقيته حينذاك من الجانب الأميركي. هل التقيت أي شخص من المعارضة العراقية التي كانت هنا في الولايات المتحدة؟
- لا، لا أتذكر لقائي أي شخص. ربما التقيت شخصاً أو اثنين...
> هل تعرف كنعان مكية. كان ينتقد قرار الولايات المتحدة تشكيل سلطة الائتلاف المؤقتة، بدلاً من عقد انتخابات واختيار كيان ديمقراطي...
- حسناً، أكن احتراماً شديداً لمكية. الناس الذين يعتقدون أنه كان هناك بديل لم يتمكنوا من إبلاغي به. لم يكن يجري إحصاء سكاني في العراق منذ عام 1957، ولم تكن هناك حدود للدوائر الانتخابية، ولم يكن هناك فصل فعلي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. كانت ديكتاتورية كاملة. ولم يكن ثمة سبيل لعقد انتخابات في العراق بسرعة.
> إذن يمكن القول إن الجنرال غارنر كان مخطئاً حيال ذلك...
- أعتقد أن غارنر أسيء فهمه. ولم يجر إطلاعه على أسلوب تفكير واشنطن.

البعث والنازية

> الآن، ذهبت إلى العراق وأصدرت قائمة طويلة من الأوامر والمراسيم، منها مرسومان تركا تداعيات واسعة النطاق؛ أولهما تفكيك حزب البعث، ثم مرسوم حل الجيش العراقي؛ فهل جرى اتخاذ القرارين وفق خطة محددة؟ ولماذا فعلت ذلك؟ القراران تركا البلاد في حالة سيئة للغاية.
- الحقيقة لا أعتقد أن أياً من القرارين ترك العراق في وضع سيئ على الإطلاق. وأرى أنهما كانا قرارين صائبين. أما من أين جاءا؛ فوزارة الخارجية في مطلع عام 2002، أي قبل عام ونصف العام من الغزو، نشرت دراسة أُعدَّت في واشنطن تحت قيادة دبلوماسي أميركي يتحدث العربية، هو براين كروكر، الذي كان قد عمل في السفارة الأميركية ببغداد عام 1980. قاد السفير كروكر دراسة استمرت عاماً تحت عنوان «مستقبل العراق»، التقى خلالها هو وزملاؤه بوزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالات استخبارية، المئات، بل وربما الآلاف من العراقيين، كان معظمهم في المنفى، وتحدثوا حول ما ينبغي أن يكون عليه مستقبل العراق. وخلصت الدراسة إلى نتيجتين: الأولى أنه لا يمكن أن يكون هناك مكان لحزب البعث في عراق ما بعد صدام. لماذا؟ لأن حزب البعث شكل الأداة السياسية في يد صدام للسيطرة ولإرهاب شعبه. وجرى بناء أحزاب البعث بالعالم العربي، مثلما تعلم جيداً، على غرار الحزب النازي. إلا أن صدام استمر في الحكم لفترة بلغت 3 أضعاف فترة حكم هتلر. وعليه، كانت النتيجة أنه لا مكان في عراق ما بعد صدام لحزب البعث. تسلمت تحديداً في اليوم السابق لسفري إلى العراق مسودة أمر من جانب داو فايث، الرجل الثالث داخل «البنتاغون» (عمل وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات) في ظل قيادة رامسفيلد. كانت تلك مسودة وثيقة لتفكيك حزب البعث. وجاءت متسقة تماماً مع النتيجة التي خلصت إليها دراسة وزارة الخارجية ووافقت عليها. سلمني فايث هذه الوثيقة وقال: «نفكر في إصدار هذه غداً»، وكان يوم أحد، وأجبته: «حسناً، انتظر لحظة. أود الحديث مع بعض العاملين مع غارنر (في مكتب الإعمار والمساعدات الإنسانية) بالعراق». بعد ذلك أصدرت الأمر الخاص بحزب البعث، الذي صيغ على أساس القرارات التي اتخذتها أميركا، باعتبارها قوة الاحتلال داخل ألمانيا عام 1945، عند نهاية الحرب العالمية الثانية. كان لديهم برنامج لتفكيك الحزب النازي، الذي كان واسع النطاق، ولم يكن يسمح لأي شخص له أي صلة بالحزب النازي بأن يكون له أي دور من القمة إلى القاعدة. في المقابل، فإن تفكيك البعث الذي صاغته الحكومة الأميركية استهدف فقط الـ1 في المائة من قادة الحزب.
إلا أنني ارتكبتُ خطأ هنا عندما حولت مسؤولية تنفيذ أمر نطاقه شديد الضيق إلى سياسيين عراقيين، لأنه تحول بعدها إلى أداة تقاتل بين أطراف مختلفة بين العراقيين الذين حاولوا توسيع نطاق التنفيذ، وطرد أكبر عدد ممكن من البعثيين، مثل المدرسين، من وظائفهم. ما كان ينبغي لي فعله (…) هو اختيار لجنة مؤلفة من 5 قضاة عراقيين وأقول لهم: أنتم ستتولون الإشراف على تفكيك حزب البعث. إلا أنني أخطأتُ بتحويل هذه المهمة إلى السياسيين، وعندما سمعت أنهم يطردون مئات، بل آلاف المدرسين من وظائفهم، أتى إليّ وزير التعليم. لذا، اضطررت إلى استعادة هذا المرسوم. لذا، كان هذا خطأ.
> وتفكيك الجيش العراقي، اقترفتَ خطأ في هذا الأمر...
- نعم، ولا. تفحصت دراسة «مستقبل العراق»، التي أخبرتك عنها سابقاً، مسألة القوة العسكرية العراقية. واضطلع الجيش العراقي، الجيش الحديث الذي جرى بناؤه بعد الحرب العالمية الثانية، بدور مقدر ومسؤول حتى جاء البعثيون وصدام حسين إلى السلطة. بعد ذلك، تحول الجيش العراقي إلى أداة أساسية للسيطرة الجبرية على الشعب العراقي. ومن جديد، ذكرت دراسة «مستقبل العراق»، التي كانت في جوهرها مناقشات بين العراقيين، الأمر ذاته: لا مكان لهذا الجيش في عراق ما بعد صدام (…) لدى سقوط بغداد في 9 أبريل 2003 قال «البنتاغون» والجنرالات الأميركيون والجنرال جون أبي زيد إنه لا توجد كتيبة واحدة من الجيش العراقي مرابطة بأسلحتها داخل العراق. ذهب أفراد الجيش إلى منازلهم. كان الجيش العراقي بضخامة الجيش الأميركي، وضم نحو 700 ألف رجل. وينتمي جوهر مجموعة الضباط بالجيش بالجزء الأكبر منهم إلى السنَّة. أما المجندون، فكانوا في أكثريتهم من الشيعة. وكان هذا الجيش متورطاً فيما اعتبرته الأمم المتحدة حرب إبادة ضد الأكراد في الثمانينات، بما في ذلك استخدام أسلحة دمار شامل ضد بلدة حلبجة عام 1988، واستغل صدام حسين الجيش نفسه، تحديداً ألوية الحرس الجمهوري، في قمع انتفاضة الشيعة بالجنوب بعد حرب الخليج الأولى… وإذا سألتني: أين كان الخطأ؟ فسأجيبك أنه كان اختيار فعل «حل». كان السؤال: هل نستدعي الجيش؟ وتحدث بعض الضباط الأميركيين حول احتمالية استدعاء الجيش. وعندما سمع الأكراد ذلك، أخبرني قائدا الأكراد؛ بارزاني وطالباني: إذا استدعيت الجيش العراقي، فسننفصل عن العراق. وكان هذا ليشعل حرباً أهلية. وسمع الشيعة الذين كانوا يتعاونون مع التحالف، بناءً على توجيه من آية الله السيستاني، الشائعة ذاتها. وقال لي الشيخ عبد العزيز الحكيم: لن نتعاون إذا ما أعدتم ذلك الجيش.

ديمقراطية أم حرب أهلية؟

> سعادة السفير، أنت سعيت إلى بناء عراق ديمقراطي…
- صحيح.
> بدلاً من ذلك، غرقت البلاد في حرب أهلية في ظل قيادتكم، لا أدري حجم الأخطاء التي تصفها، لكن هذا ما حدث.
- لا، ليست حرباً أهلية، ما حدث كان ظهور «القاعدة». نعلم أن هذه حقيقة لأنها كُتِبت بيد الزرقاوي في رسالة بعثها إلى بن لادن. وكان هدف «القاعدة» إشعال حرب بين الشيعة والسنَّة. هذا أمر شديد الوضوح، ويجب أن تطلع على رسالة الزرقاوي. ولذلك ذكر بالمناسبة السبب وراء الهجمات المروعة التي نفذوها، بينما كنت لا أزال هناك والتحالف هناك. أولاً: الهجوم ضد مقر الأمم المتحدة الذي أدى إلى مقتل سيرجيو دي ميلو، وبعد ذلك وقع هجوم كبير ضد مسجد في النجف، في 30 أغسطس (آب) 2003، وأدى إلى مقتل عدة مئات من الشيعة. وعليه، كان هدف «القاعدة» إثارة حرب أهلية. وأنت تقول إنهم ليست لديهم ديمقراطية. هذا غير صحيح. أجروا انتخابات هي الأولى من نوعها بعد مرور عام أو عام ونصف العام من تحرير بغداد، في مطلع يناير (كانون الثاني) 2005، أجرى العراقيون 6 انتخابات، منها 5 انتخابات وطنية واستفتاء حول الدستور. وعاين العراقيون انتقالاً سلمياً للسلطة 6 مرات منذ رحيلنا. وليس بإمكان أي دولة عربية القول إنها أنجزت ذلك.

النموذج الأميركي

> روسيا تستغل ذلك داخل الأمم المتحدة، وعندما أذهب إلى هناك أراهم يسألون: هل تذكرون عندما أتى كولن باول إلى هنا بهذا الشيء؟ هل تذكرون عندما نفذت أميركا تفكيك حزب البعث. نحن نفكك نازية. كيف ترى تأثير ذلك على السياسات أو الاستراتيجيات الأميركية بمختلف أرجاء العالم؟
- أي رئيس، ويمكنني القول إنني واثق من أن هذه كانت حالة الرئيس بوش، في هذه الحالة، كان عليه التفكير في أي قرار يواجهه، وكان السؤال ما ينبغي فعله مع صدام في إطار تأثير ذلك على باقي المصالح الأميركية. وأنا واثق من أن بوش فعل ذلك. وقرر، وأعتقد أنه صائب في ذلك؛ أنه لا يمكننا التساهل إزاء ترك صدام يمضي بطريقه. وعليه، اتخذ القرار الصعب بغزو العراق للتخلص من صدام، الأمر الذي أرى أنه نجح. أما تأثير السياسة الأميركية على ما يجري في بنغلاديش أو أوكرانيا، فربما تكون مسألة منفصلة.

> لا، هذا السبب وراء قول بعض الأميركيين، وبينهم رؤساء، لاحقاً، إن حرب العراق كانت كارثة.
- آسف، مَن قال ذلك؟
> الجميع. ألم تسمع بالذي يقول إنها كارثة؟
- نعم، وأقول إنهم مخطئون. وسأظل متمسكاً بما قلتُه تواً لك حول النجاح الذي حققناه سياسيا، والنجاح الذي أحرزناه اقتصادياً.
> إذن، أنت ترى أن العراق اليوم أفضل حالاً؟
- بالتأكيد. العراق اليوم أفضل حالاً بأي مقياس... لقد بدأ الربيع العربي في تونس، إلى أين ذهبت؟ انظر إلى تونس اليوم...
> لا شيء.
- أما العراقيون، حتى مع وجود تنظيم «داعش» وكل المشكلات التي يجابهونها، فقد اختاروا حكومتهم 6 مرات على التوالي.
> إذن ليست لديك مشاعر جيدة حيال الربيع العربي؟
ـ آسف، لم ينجح. أما العراق، فيعاني اليوم بشدة بسبب الفساد. لا شك في ذلك.
> هل وضعتم نموذج العراق الجديد على غرار النموذج اللبناني؟
- لا.
> كان العراق بلداً علمانياً في ظل قيادة صدام. أنت تقول إن السنَّة حكموا البلاد ألف سنة، وبعد ذلك سحبتم العراق بعيداً عن جيرانه العرب وألقيتموه في أيدي إيران...
- يمكنني الحديث بثقة فقط عن الفترة التي كنت خلالها هناك. الإيرانيون لم يكن لهم أي وجود.
> على الأقل الحكيم والشخصيات الأخرى من المعارضة العراقية كانوا مقيمين هناك...
- حسناً، والبعض كان مقيماً في سوريا، والبعض في لندن، وقليل في ألمانيا، وبضعة في فرنسا. عبد المهدي كان في فرنسا. لم يكن لدينا نموذج نحاول أن (...). لقد فعلنا ما اعتقدنا أنه مهم، وهو أن الهيكل الذي يجري تأسيسه بالعراق ينبغي أن يعزز وجود حكومة تمثيلية. ومن جديد، الأمر كان يعود إلى العراقيين بخصوص مسألة صياغة الدستور، الأمر الذي أنجزوه بالفعل، وأقاموا نظاماً فيدرالياً، من دون إيعاز منا.
> لماذا كنتَ تتفاخر في مواضع عديدة بأن السنَّة قد حكموا العراق لألف سنة، وتوقفتَ عن القيام بذلك الآن؟
- صحيح، لقد كان ذلك مجرد بيان للحقيقة، ليس إلا.

البعث السوري

> لقد كان واضحاً أن الحكومة البعثية السورية كانت تدعم ما يسمى بالمقاومة العراقية في محاربة قوات التحالف في العراق. وكان ذلك أيضاً خلال فترة حكمك في العراق. كيف تعاملت إذن مع ذلك الأمر؟ هل حاولت التحدث مع الحكومة السورية، أم قمتَ بشيء لمنع الأمر؟
- لستُ على علم بأي مناقشات محددة تمت بين المسؤولين الأميركيين والسوريين، لكنني أعلم جيداً أن قوات التحالف في العراق كانت قلقة بشأن الدعم السوري، وبوجه خاص تسلُّل أشخاص مدعومين من الجانب السوري كان يتم تجنيدهم أحياناً في شمال أفريقيا، خصوصاً في ليبيا، ويجري تدريبهم في سوريا، ثم يتسللون عبر الحدود في القائم.
> ألم يكن عليك فعل أمر ما حيال ذلك؟
- فعلتُ كل ما كنت أستطيع القيام به.
> هل كان لإيران دور أيضاً في ذلك الأمر؟
- خلال فترة عملي هناك، لم يكن هناك أي دليل على ضلوع الإيرانيين بدور في ذلك الأمر.

الإيرانيون خافوا

> ولا حتى ما اكتشفناه لاحقاً، وبات منشوراً على المنابر الإخبارية هذه الأيام؛ بأنهم كانوا يؤوون بعض عناصر تنظيم «القاعدة» في إيران؟
- لم يكن ذلك جزءاً من المعلومات التي كانت لدينا في ذلك الوقت. أهم شيء كان خطاب الزرقاوي، الذي تمكنا من اعتراضه في يناير (كانون الثاني) 2004؛ فقد كان ذلك واضحاً، لكنه كان أردنياً، وليس إيرانياً.
> لقد عملتَ على مكافحة الإرهاب من قبل؛ لذا كنتَ مدركاً تماماً لكل الأخطار.
- نعم، كانت إيران مصنفة بالفعل دولة إرهابية حين كنتُ مسؤولاً عن مكافحة الإرهاب في إدارة ريغان بسبب التفجيرات التي نفذها «حزب الله» في بيروت عام 1983؛ لذا لم يكن هناك أدنى شك في أنها كانت دولة إرهابية. مع ذلك كانت إيران تتجنب لفت الانتباه، وإن كنتُ أفضل أولاً أن أطلق عليهم الفرس، لأنهم يرون أنفسهم كذلك، ودائماً ما يفكرون من منطلق الإمبراطورية الفارسية القديمة، التي كانت تمتد من نهر السند حتى البحر المتوسط. هذه هي الإمبراطورية الفارسية، ويمكنها أن تشغل ضعف مساحة الفراغ في العراق... لا أمنحهم العراق بعد؛ فالعراق لا يزال صامداً. لكن المؤكد أنهم ذهبوا إلى لبنان، وفعلوا ذلك، ولا تزال سوريا أكثر صعوبة قليلاً بالنسبة إليهم. مع ذلك هناك بالتأكيد مشكلات في إيران، لكن إذا فكرت بناء على منظور الشعب في طهران في خريف 2003؛ كان لديهم جيش أميركي على حدودهم الشرقية وجيش على حدودهم الغربية. وفي 2003، استنتجت الدوائر الاستخبارية، على ما يبدو، بحسب ما يقرأه المرء في الصحافة، أن إيران أوقفت برنامجها النووي النشط.
> في حين كان الوضع يتردى في العراق، كما في أفغانستان، أبعدتم عن الإيرانيين عدوين لدودين على حدودهم؛ فعل الأميركيون أمراً جللاً، لكن مع ذلك كان عليك التحدث معهم... هل قابلت الإيرانيين؟
- لا، لم يكن هناك إيرانيون لأتحدث معهم.

التواصل… والخلاف مع السيستاني

> لكنك لم تشعر بأنك كنتَ بحاجة للتحدث معهم؟
- الإيراني الوحيد الذي كنت أرغب في الحديث معه كان السيستاني، لكنه لم يكن ليقبل ذلك، ولا بأس في ذلك؛ تفهمتُ الأمر، ولم أضغط عليه. لم أطلب حتى ذلك فعلاً، كان لدي تواصل جيد مكثف مع السيستاني وأنا هناك.
> مِن خلال مَن؟
- العديد من الوسطاء. راجعت الأمر، ووجدت 48 مبادلة غير مباشرة مع السيستاني خلال 13 شهراً.
> هل كانت تلك المبادلات شفهية، أم مجرد رسائل؟
- عادة ما تكون شفهية، وكانت أحياناً كتابية.
> لديك خطابات منه إذن؟
- لديه خطابات مرسلة مني (ضحك).
> لكن هل لديك خطابات مرسلة منه؟
- لدي رسائل؛ فهو لم يكن يراسلني كتابة؛ فهذا أمر لا يقوم به مَن هو في مثل مكانته ومستواه. مع ذلك رأيي أنني إذا نظرتُ إلى السؤال إجمالاً، فيسعني القول إنه اضطلع بدور مفيد وفاعل في الأمر. كان يدعم بقوة إجراء انتخابات، وإتاحة الفرصة للعراقيين لاختيار حكومتهم. كان ذلك معتقداً راسخاً لديه، وكانت هذه مهمتي بطبيعة الحال.
> لكن كانت هناك فترات سادها التوتر بينك وبينه؟
- صحيح، بالنظر إلى أهميته في العراق، وفي المنطقة بشكل عام، أردتُ التأكد من أنه يتفهم ما نحاول القيام به، وهو إرساء عملية سياسية مع العراقيين حتى يتمكنوا من اختيار حكومتهم. هنا تكمن مشكلة، ظهرت لأن سيرجيو دي ميلو، الذي كان المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ذهب لمقابلة السيستاني بعد فترة قصيرة من وصوله إلى العراق، في بداية يونيو (حزيران) 2003، طلبني لإجراء محادثة، وعقدنا اجتماعين؛ أحدهما في مكتبي والآخر في مكتبه، وذهب إلى النجف لمقابلة السيستاني. سمعت لاحقاً من أحدهم نقلاً عن السيستاني أن دي ميلو قال للسيستاني إن الأميركيين سوف يصوغون دستوراً لإقامة كيان سياسي على الطريقة التي اعتمدوها في اليابان، من خلال دوغلاس ماك آرثر، قائد قوات الحلفاء عام 1945، هذا غير صحيح على الإطلاق.
لذا كانت أكثر الاتصالات مع السيستاني من جانبي موجهة نحو إطلاعه على نقاشاتنا، وأنا متأكد أنه كان يوجد أشخاص آخرون في الحكومة العراقية يُطلِعونه على نقاشاتنا المتعلقة بما كنا نعتزم القيام به، وكنتُ أحاول توضيح أنه لم يكن لدينا نية لصياغة دستور. الأمر الآخر أنه كان يريد إجراء انتخابات فورية، ولم يكن ذلك ممكناً، للأسباب التي ناقشناها آنفاً، ورأت الأمم المتحدة أيضاً أن ذلك لم يكن ممكناً. لقد أدرك دي ميلو ذلك، لذا كان محتوى الاتصالات مع السيستاني يتعلق تقريباً بجعله يفهم النظرة الشاملة لما كنا نحاول تحقيقه سياسياً، وهو دستور يصوغه العراقيون لا نحن، وإجراء انتخابات، مع توضيح صعوبة تحقيق ذلك. في النهاية فهم الأمر جيداً، ومرت 6 أو 7 أشهر، حتى يناير (كانون الثاني) 2004، إلى أن اتضح أن آية الله السيستاني قد أدرك عدم قدرتنا على إجراء انتخابات بصورة فورية. كان من الضروري وجود دستور، وكان ذلك الترتيب الذي اتبعناه؛ لقد تمت صياغة الدستور في يناير وفبراير (شباط) 2004، وإجراء أول انتخابات في يناير 2005.
> هل حصلتَ على بركته في النهاية؟
- لم أكن أبحث عن بركته؛ فأولاً، كنت أحاول اطلاعه على الوضع باستمرار، وأعتقد أنه تفهم ماهية هدفنا. كانت هناك بعض الأمور الأخرى التي كنا نتواصل بشأنها، لكن كان هذا الهدف الرئيسي من الاتصالات، وأرى أن دوره كان مفيداً ومساعداً.

القبض على صدام

> أريد أن أسألك عن صدام. كيف علمتَ بنبأ القبض عليه؟
- كانت مهمة الجيش محاولة القبض عليه، ونسقنا هذا الأمر بشكل واضح؛ كنا نسمع جميعاً شائعات، وكان هناك أشخاص يأتون لي ويخبرونني بمكان صدام، وكنتُ أنقل ذلك إلى الجيش، الذي كان يذهب إلى المكان المذكور، ولا يجده. كانوا يقولون إنه يقود سيارة أجرة...
> هل كان ذلك صحيحاً؟
- لا، كنا نسمع إشاعات مثل تلك. أقول إن الأمر كان جنونياً، لذا تلقى الجيش في ديسمبر (كانون الأول) خبراً بأنه في تكريت، مسقط رأس عائلته. أنت تعلم القصة، وهي أنهم وجدوه مختبئاً داخل حفرة. لم أُبلغ بعملية البحث وقت حدوثها، لكن الجنرال أبي زيد، قائد القيادة المركزية الأميركية في ذلك الوقت دعاني إلى الانتقال من غرفتي إلى مكتبي في الساعة الثانية صباحاً تقريباً في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2003، وقال: «أعتقد أننا عثرنا على صدام!»، وأخبرني القصة، مشيراً إلى أنه يبدو مثله تماماً، ولديه ندب أو شامة أو علامة ما على إحدى ساقيه، ويعتقدون أنه هو، لكن من الضروري إجراء اختبار الحمض النووي للتأكد من هويته، ولديهم تحليل الحمض النووي من ولدَيْه (عدي وقصي) اللذين قُتلا في الموصل، في يوليو (تموز)، لكن الأمر سيستغرق يومين لأنه ليس موجوداً في البلاد، بل في ألمانيا. قلت: «لا يمكن الحفاظ على سرية هذه القصة ليومين»، ورد أبي زيد: «سوف نعيده إلى بغداد، ونعرضه على بعض المعتقلين البارزين، خصوصاً طارق عزيز، ليخبرنا ما إذا كان هو صدام أو لا». رآه معتقلون وقالوا إنه صدام بالفعل، لذا اكتشفت هذا الأمر في ذلك الوقت، وكان نبأً ساراً.

رأوا صدام

> كيف كان يبدو صدام، وكيف كان تحت الأرض؟
- المشكلة التي كنا نواجهها أنه عندما هاجم ولداه قواتنا في الموصل، في يوليو (تموز) 2003، وجرى قتلهما، كنا بحاجة إلى إعلان ذلك، لكننا تساءلنا عما إذا كان العراقيون سوف يصدقوننا. لذا جمع الجيش، ورامسفيلد، والعاملون معه مجموعة من علماء الأمراض والأطباء لرؤية الجثتين، وتأكيد ما إذا كانا ابنَي صدام حقاً أم لا، لأنه، طبقاً لـ«اتفاقية جنيف»، لم يكن من المفترض عرض صور لجنود قتلى، وهو أمر تفعله روسيا باستمرار في أوكرانيا. هذا مثير للاهتمام بطبيعة الحال، لأن الإشاعات بأننا قتلنا الولدين كانت منتشرة لمدة 15 ساعة في العراق، من دون أن يعلم أحد الحقيقة، بشكل مؤكد، إلى أن أكدها الأطباء الشرعيون العراقيون الذين قاموا بعملية التشريح. في ذلك الوقت، أُطلِقت النيران بشكل احتفالي في أنحاء بغداد والبصرة والموصل وكركوك، وكانت هذه هي التجربة في يوليو (تموز). لذا واجهنا المعضلة ذاتها مرة أخرى مع صدام، وكان القرار الذي توصلنا إليه ضرورة إتاحة مقابلته لمجموعة من العراقيين في مكان وجوده، الذي كان مطار بغداد. لذا وُجهت دعوة إلى أعضاء مجلس الحكم لمقابلته واصطحاب أي شخص يريد المجيء. في النهاية كان هناك 5 أشخاص، هم عدنان الباجه جي، وأحمد الجلبي، وموفق الربيعي، وعادل عبد المهدي. كان صدام هناك، وسرعان ما تعرفوا عليه من صوته ومن كل الملامح الأخرى. لم يكن هناك أي شك، لذا شعرتُ بأنه من المهم أن يكون الباجه جي الذي كان رئيس مجلس الحكم آنذاك، موجوداً أثناء الإعلان. وهكذا تم الإعلان عن الأمر.
> هل رأيت صدام قبل ذلك؟ هل تحدثت معه؟
- لا، ولم أقل أي شيء. لم يكن لديه أدنى فكرة، وكنت أقف عند الباب.
> وقبل ذلك؟
- لا، لم أتحدث إليه أبداً.
> لم تكن تشعر بفضول لأن تسأله؛ فقد كان لديه كثير من الأسرار التي كانت لتساعدك.
- (ضحك) لا أعتقد، كنت لأسأله (مداعباً) ربما عن مكان الأسلحة النووية. (ضحك)
> هل كانت تربطك علاقات جيدة بأحمد الجلبي وإياد علاوي؟
- نعم، كنت أتحدث معهما كثيراً، وكذلك مع طالباني، وبارزاني، وبالطبع موفق الربيعي، وعبد العزيز الحكيم، وضياء جبيلي مؤلف رواية «أسد البصرة». أمضيتُ وقتاً طويلاً مع أولئك الأشخاص.

«جنة عدن»!

> ما أغرب شيء واجهته في العراق؟
- لا، لا. من الصعب الإجابة عن السؤال. لا أصف الأمر بالغريب، لكن من أكثر الأمور إثارة للاهتمام زيارة أهوار العراق، ورؤية البيوت التي كانوا يشيدونها من القصب. أعتقد أنها غير موجودة حالياً. ما يثير الأسى في نفسي معرفة أن صدام، في إطار حملته ضد عرب الأهوار، حوَّل مجرى المياه بعيداً، مما عرَّض حياتهم للتهديد. أعتقد أن المنطقة اختفت وتغيرت تماماً، كان الأمر غريباً جداً. في إحدى المرات كنت أحلق في مروحية أعلى ملتقى نهري دجلة والفرات، وقال لي الطيار: «بالأسفل، هل ترى النخلة عند نقطة تلاقي النهرين؟ إن هذه جنة عدن!».
> حسناً، أنت فخور إذن بإنجازاتك...
- أشعر بالرضا.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام بدءاً من الساعة 12:00 منتصف ليل الخميس - الجمعة بالتوقيت المحلي، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ سعياً إلى اجتماع بينهما قريباً في البيت الأبيض، والى إحداث اختراق في المحادثات الوليدة للسلام بين البلدين.

وسبق إعلان ترمب هذا اتصالات صباحية أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، مع عون الذي أبلغه أنه يرفض التحدث مع نتنياهو، مكرراً أن لبنان يرفض إجراء مفاوضات إضافية، بعد المحادثات التمهيدية التي أجريت برعاية روبيو بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذا لم توافق إسرائيل على وقف القتال الدائر مع «حزب الله».

مواطنون هرعوا إلى سيارة تعرضت لضربة إسرائيلية على طريق بلدة الجية جنوب بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الاطلاع أن روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقلا إلى الرئيس ترمب هذا الموقف الذي يركز على ضرورة أن يحتذي لبنان وإسرائيل بما فعلته الولايات المتحدة وإيران لجهة وقف النار قبل الشروع في المفاوضات. وأضاف المصدر أن الرئيس ترمب «وافق على هذه المقاربة»، ولكنه شدد على «عدم تلازم المسار اللبناني - الإسرائيلي مع المسار الأميركي - الإيراني» على رغم «أهمية التزامن بينهما».

وعلى الأثر، اتصل ترمب بنتنياهو، طالباً منه وقف النار. وحذّره من أنه إذا لم يفعل فإنه (ترمب نفسه) سيعلن ذلك.

الحرب العاشرة

وفي ضوء هذا التطور، كتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «أجريت للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واتفق الزعيمان على بدء وقف النار لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:00 منتصف الليل بتوقيت بيروت)؛ وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما». وأضاف: «الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ووجهت نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كاين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم». وزاد: «كان لي شرف المساهمة في حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون الحرب العاشرة، فلنعمل معاً على إنجازها!».

وبعد دقائق، كتب ترمب مجدداً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض «لإجراء أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، أي منذ زمن طويل». وأضاف أن «كلا الجانبين يرغب في تحقيق السلام، وأعتقد أنه سيتحقق سريعاً!».

وقبل ذلك، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً عن الاتصال بين الرئيسين ترمب وعون. وأضاف أن الرئيس عون «جدد شكره للجهود التي يبذلها ترمب من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار بشكل دائم؛ تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة. وتمنى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت ممكن». ونقل عن ترمب «رده بدعمه للرئيس عون ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في اسرع وقت».

وكان ترمب كتب الأربعاء أنه «يحاول إيجاد متسع من الوقت بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أن عون ونتنياهو سيتحدثان عبر الهاتف الخميس. غير أن عون رفض ذلك.

وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

سيدة إلى جانب قبر أحد أقربائها في مدينة صور (رويترز)

وكانت الرئاسة اللبنانية أصدرت بياناً آخر بُعيد الاتصال من روبيو، الذي أكد استمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف النار تمهيداً لاتفاق طويل الأمد من أجل السلام والأمن والاستقرار في لبنان.

وقبل إعلان ترمب، أفاد مسؤول دفاعي إسرائيلي بأنه يمكن إعلان وقف النار الخميس. وقال: «نحن أمام مفترق طرق. لا شيء نهائياً، لكن من الممكن أن يحدث ذلك».

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة النادرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.

وهددت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بتقويض وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ينتهي الأسبوع المقبل. وأصرت إيران مراراً على توسيع الهدنة لتشمل لبنان، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.


الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة، والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية تنظّم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، من محدودية الخيارات السياسية وصعوبة التصويت في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ما يقلّل من حماستهم للمشاركة.

في 25 أبريل (نيسان)، يختار الناخبون ممثليهم في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية وفي مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية في رام الله إن نحو مليون ونصف مليون شخص سجلوا للتصويت في الضفة الغربية، مقابل 70 ألفاً آخرين في دير البلح.

ويبدي كُثر خيبة أمل من قانون انتخابي جديد صدر بناء على مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشترط على جميع المرشحين الموافقة على ميثاق وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية من أجل التسجيل.

وقال خوميني سليمان، وهو تاجر قطع سيارات من قرية بيت عور قرب رام الله، إن «مسألة (التزام المرشحين) بالاتفاقيات التي تلتزم بها منظمة التحرير (مع إسرائيل)، موضوع لا أتفق معه نهائياً».

ورغم أن بعض المرشحين قالوا إن القوانين الجديدة منعتهم من الترشح، أشار مراقبون إلى تراجع عام على المستوى السياسي.

عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

وقال خبير فلسطيني في شؤون الانتخابات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «الحقيقة أن الأحزاب السياسية اختفت فعلياً من المشهد السياسي الفلسطيني».

أما المواطن محمد التاج، وهو من سكان رام الله، ورغم أنه «فخور» بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رأى أن دعم ميثاق المنظمة الذي يعترف بإسرائيل، يجب ألا يكون شرطاً للترشح.

وأكد التاج أنه لن يصوت في الانتخابات قائلاً: «أعتبر نفسي مقاطعاً للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وأدعو الآخرين إلى مقاطعة هذه الانتخابات».

ولفت إلى أن هذا الاقتناع تولّد لديه بسبب تواصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وينظم الفلسطينيون الانتخابات المحلية بشكل منتظم. أما آخر انتخابات تشريعية جرت فكانت في عام 2006، عندما حققت حركة «حماس الإسلامية» فوزاً ساحقاً على حساب حركة «فتح» بزعامة عباس.

وغالباً ما يدعو المجتمع الدولي عباس (90 عاماً) الذي انتُخب في عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، إلى إجراء انتخابات رئاسية.

وتوزعت القوائم التي ترشحت للانتخابات المحلية في الضفة الغربية بين تابعة لحركة «فتح» أو مستقلة، فيما غابت القوائم التابعة لحركة «حماس».

ولاحظ عارف جفال، وهو خبير فلسطيني آخر بشؤون الانتخابات، أن هناك بعض «العوامل الإيجابية» في القانون الجديد الذي خفّض سن الترشح إلى 18 عاماً، ورفع حصة تمثيل النساء إلى 25 في المائة.

لكنه انتقد نقل بعض صلاحيات البلديات إلى وزارة الحكم المحلي، مما يعزز سلطة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

وستتنافس قوائم حركة «فتح» والقوائم المستقلة التي يقودها مرشحون من فصائل فلسطينية أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في معظم المدن.

أما في مدينة رام الله، فلم تترشح سوى قائمة واحدة ما يعني أنها ستفوز بالتزكية.

وبدت رائدة البرغوثي (49 عاماً) متحمسة للانتخابات، خصوصاً أن قريتها كوبر ستشهد معركة انتخابية لأول مرة منذ عقد، بعد سنوات فازت فيها قائمة واحدة بالتزكية.

وأملت البرغوثي أن يكون هناك «دور للمرأة على صعيد المشاركة في العرس الديمقراطي... فمن حقنا أن نصوّت».

وفي قطاع غزة الذي تدير حركة «حماس» شؤونه، تُجري السلطة الفلسطينية الانتخابات فقط في منطقة دير البلح «كتجربة (لاختبار) نجاحها أو فشلها؛ لأنه لا توجد استطلاعات رأي بعد الحرب»، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في القاهرة جمال الفادي.

وقال الفادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخيار وقع على دير البلح؛ لأنها من المناطق القليلة في غزة التي «بقي سكانها إلى حد كبير في أماكنهم، ولم يتعرضوا للنزوح» جراء أكثر من عامين من الحرب مع إسرائيل.

وبحسب المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، استعانت اللجنة بموظفي اقتراع من منظمات المجتمع المدني، واستأجرت «شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع» في غزة.

ورغم أن اتفاق الهدنة أوقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن نحو نصف قطاع غزة لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين.

ولدى سؤاله عن التنسيق مع إسرائيل أو «حماس»، قال طعم الله إن اللجنة تتواصل بشكل غير مباشر مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، و«دون مشاركة أطراف أخرى».


مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».