الهند تسعى بدأب لفرض نفسها قوة عالمية مؤثرة

وسط التموضعات والتحالفات السياسية والاقتصادية المعقدة

اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
TT

الهند تسعى بدأب لفرض نفسها قوة عالمية مؤثرة

اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
اجتماع نيودلهي لوزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)

تعيش الهند موجة نشاط دبلوماسي كبير، بعد استضافتها سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية بالغة الأهمية، منها لقاء لوزراء خارجية «مجموعة العشرين»، ووزراء المالية، وكذلك لوزراء خارجية دول «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، بجانب «حوار رايسينا». وفي حين تحرص نيودلهي على تحقيق توازن دقيق للغاية ما بين تعزيزها روابطها مع الولايات المتحدة وحلفائها، وترددها تجاه انتقاد روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، اختتمت أخيراً فعاليتين على صلة بـ«مجموعة العشرين». وجاء هذا بمثابة اختبار للدبلوماسية الهندية، في وقت ينقسم العالم فيه إلى معسكرين. وجاء الانقسام بين دول غربية تقودها الولايات المتحدة والحلف الروسي - الصيني، ليقوّض محاولة الهند بناء إجماع داخل اجتماعات وزراء خارجية ومالية دول «المجموعة». وشهد «اجتماع نيودلهي» لـ«مجموعة العشرين»، الذي جمع ممثلين عن أكثر 20 اقتصاداً متقدماً على مستوى العالم، تبادل عبارات حادة بين وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وعدد من وزراء الخارجية حول أوكرانيا. وفي الوقت ذاته، استمر التوتر مع الصين بسبب ملحمة بالونات التجسس، مع أن رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، حث، في كلمته الافتتاحية، ورغم اعترافه بالانقسامات القائمة بين الدول الأعضاء في «المجموعة»، قادةَ الدول الأعضاء على التعاون بما يخدم مصالح العالم بشكل أوسع.
لقد توجه إلى الهند، التي تتقلد رئاسة «مجموعة العشرين»، هذا العام، أكثر من 40 مسؤولاً، بينهم وزراء خارجية جميع الدول الأعضاء تقريباً في المجموعة. وكانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها اجتماع وزراء خارجية «مجموعة» مثل هذا العدد الكبير من الدول. والملاحَظ هنا أن القيادة الهندية تحاشت حتى اللحظة توجيه انتقادات مباشرة لـ«الكرملين»، بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا، وقاومت ضغوطاً غربية لاتخاذ موقف حاسم إزاء الحرب. والمعروف أن روسيا والهند تتشاركان في علاقات تقوم على الثقة، تمتد لعقود، منذ تأسيس هذه العلاقات إبان حقبة «الحرب الباردة»، كما كانت روسيا صديقة للهند خلال سنوات الفقر الصعبة التي جابهتها الأخيرة في خمسينات وستينات القرن الماضي، ووفرت لها تكنولوجيا منعها عنها الغرب، في بعض الأحيان.

بلينكن (رويترز)

«مجموعة العشرين»
تجدر الإشارة إلى أن «مجموعة العشرين» شُكّلت أثناء الأزمة المالية الآسيوية، عام 1999، لتغدو منتدى لمناقشة القضايا الاقتصادية والمالية العالمية الملحَّة، وضمان التعاون بين الدول المتقدمة والنامية. وكان الهدف من تشكيل «المجموعة»، في بادئ الأمر، التعامل مع الأزمة المالية التي وقعت عام 1999، مع التركيز على وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. إلا أنه، بمرور السنوات، اتسع جدول أعمال «المجموعة»، وغدت اليوم تتصدى لأزمات عدة، منها خطر أزمة الغذاء والنقص في الطاقة والتغيرات المناخية الحادة والجوائح الصحية... وأخيراً تداعيات الحرب الأوكرانية.
في المجمل، تتألف «مجموعة العشرين» من 19 دولة، فيها قرابة 85 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، و75 في المائة من التجارة العالمية. ولم يكن من المثير للدهشة أن يكون لقاء «المجموعة» في جزيرة بالي الإندونيسية، العام الماضي، الأضخم في تاريخها، وربما أكثر لقاءاتها من حيث المشاحنات والجدالات.

غياب البيانات المشتركة
في نيودلهي، رفضت روسيا والصين دعم «إعلان بالي»؛ ما ترك الهند في مواجهة مهمة شاقة تتمثل في محاولة تحقيق اتفاق حول قضية أوكرانيا، عبر محاولة تحقيق توازن دقيق بين الغرب، الذي يصر على توجيه انتقادات صارمة لموسكو، من جهة، وروسيا والصين، من جهة أخرى؛ إذ اعترض الصينيون والروس على فقرتين اقتُبِستا من الإعلان السابق لـ«المجموعة» في بالي العام الماضي. وتنص الفقرتان على أن «الحرب في أوكرانيا تسبب معاناة بشرية هائلة، وتفاقم النقاط الهشة في الاقتصاد العالمي»، بجانب التأكيد على الحاجة إلى الالتزام بالقانون الدولي، وعلى أن «استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية أمر غير مقبول». وفي أعقاب اللقاء، قال وزير الشؤون الخارجية الهندي، إس جيشينكار، معلّقاً: «كانت هناك خلافات حول الصراع بأوكرانيا تعذّرت تسويتها». وأضاف أنه بينما كان هناك إجماع حول «إعلان بالي»، شعرت بعض الدول بأنه لا يمكن الاستنباط منه، في إشارة إلى روسيا والصين. وتابع موضحاً أنه بينما كان هناك إجماع حول 95 في المائة من القضايا، لم يمتد هذا الإجماع ليشمل الفقرتين سالفتَي الذكر... «لم يكن الجميع متفقين حول هاتين الفقرتين». وبالتالي، انتهى الأمر بإصدار وثيقة نتائج.
من جهته، ردَّد أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، الموقف الهندي، فقال: «ما شهدناه وثيقة النتائج التي عكست ما جرى الاتفاق عليه بخصوص كثير من القضايا من قِبَل جميع وزراء الخارجية». وأردف أنه كان هناك إجماع واسع حول الحرب الروسية - الأوكرانية داخل «مجموعة العشرين» باستثناء دولتين وصفهما بـ«المنعزلتين» و«العنيدتين». وأشار صراحة إلى روسيا والصين باعتبارهما الدولتين المقصودتين.
ما يُذكر أنه، قبل اجتماع وزراء الخارجية، استضافت مدينة بنغالور، التي توصف بـ«سيليكون سيتي» الهند، اجتماعاً لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. وفيه رفض الروس والصينيون أيضاً قبول اللغة المستخدَمة في الحديث عن الحرب الأوكرانية التي كان قد تم الاتفاق عليها منذ أكثر بقليل من 3 شهور في بالي. وعليه، شعرت وزيرة المالية، نيرمالا سيثارامان، بتقييد لم يمكّنها من إصدار سوى موجز ووثيقة نتائج، بدلاً من بيان مشترك. وعلقت على الأمر بقولها: «أحد النجاحات التي حققتها المفاوضات، خصوصاً فيما يتعلق بالموجز ووثيقة النتائج، الوصول لموقف مشترك تجاه لغة الدَّين... من المهم التأكيد على هذا الأمر، لأن الدول الضعيفة تتطلع نحو بعض الحلول للتخفيف من أعباء الديون عليها». ثم أضافت: «هناك 4 دول (تشاد وغانا وسورينام وسريلانكا) ستستفيد من وراء اتفاق (مجموعة العشرين) على لغة مشتركة إزاء تسوية الديون، وجارٍ العمل على هذا الأمر بالفعل فيما يخص هذه الدول».
وفي الوقت ذاته، لم يجرِ التقاط الصورة المعتادة للحضور في نيودلهي، مع رفض ممثلي «مجموعة الدول السبع العظمى» التشارك في إطار صورة مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وفق مصادر.
ويُعد هذا تكراراً لما حدث في اجتماع وزراء الخارجية في بالي عام 2022، وهنا قال المحلل سوشانت سارين معلقاً: «مع أن الاجتماعين شكَّلا بداية وعرة لفعاليات (مجموعة العشرين) في الهند، لا يزال الطريق طويلاً أمام قمة الزعماء في سبتمبر (أيلول). والحقيقة أن إخفاق المفاوضين الهنود في إقناع نظرائهم الروس والصينيين بالتوقيع على الإعلان المشترك الصادر في بالي يُعد انتكاسة، الأمر الذي يعني أن على نيودلهي بذل مجهود دبلوماسي كبير خلال الأشهر القليلة المقبلة، لضمان خروج قمة (مجموعة العشرين) ببيان مشترك في سبتمبر»، ثم أضاف: «تركت مشاعر الكراهية الموجودة في صفوف (مجموعة العشرين) الهند في موقف لا تُحسَد عليه، ويحتِّم عليها محاولة التوفيق بين مواقف من الواضح أنه من المتعذَّر التوفيق بينها». ولكن، في حين حولت موسكو موقفها تماماً تجاه «إعلان بالي» بخصوص أوكرانيا، تمكنت حكومة مودي من إنقاذ كلتا الفعاليتين، من خلال إصدار «وثيقة نتائج»، مع الإشارة إلى الاختلافات على نحو منفصل في وثيقة الموجز.
وحول هذا الجانب، قال كانوال سيبال، وزير خارجية الهند السابق: «رغم الصعاب، نجحت الهند في إنجاز مهمتها المستحيلة. ومع أن الاجتماع انتهى من دون إصدار بيان مشترك، جراء غياب الإجماع بين الأطراف المشاركة حول الصراع الأوكراني - الروسي، ظلَّت الهند قادرة على استغلال الحدث في استعراض نفوذها المتنامي عبر العالم. وإذا نحينا جانباً الخلاف بين الغرب، من جهة، وروسيا والصين، من جهة أخرى، حول إصدار بيان مشترك، فسنجد أن الهند تمكّنت من تحقيق إجماع حول جميع القضايا الأخرى تقريباً، بما في ذلك اتخاذ إجراءات لمكافحة التغيرات المناخية وحماية التنوع البيئي والقضايا المتعلقة بالنوع والتقنيات الجديدة الناشئة وما إلى ذلك. لقد كان ذلك بمثابة نصر دبلوماسي هائل للهند أظهرت خلاله براعة دبلوماسية هائلة بخروجها بوثيقة نتائج من كل من اجتماعي وزراء مالية (مجموعة العشرين) في بنغالور واجتماع وزراء خارجية (المجموعة) في نيودلهي. وبالفعل، اتفق وزراء مالية (مجموعة العشرين) على 15 من إجمالي 17 فقرة في وثيقة النتائج، واتفق وزراء خارجية (المجموعة) على 22 من 24 فقرة في وثيقة النتائج. وبالتالي، مسألة نجاح الهند في الخروج بنص مكتوب متفَق عليه تُعدّ في حد ذاتها دليلاً على مصداقيتها وقيمتها في إطار النظام العالمي الجديد».

لافروف (رويترز)

اللقاء الروسي - الأميركي: ما وراء دبلوماسية الهاتف
في سياق موازٍ، يهنئ المعلقون الهنود أنفسهم على ما يعتبرونه «نجاح» دبلوماسية بلدهم في تحقيق لقاء الوزيرين بلينكين ولافروف وجهاً لوجه، لأول مرة منذ اشتعال الحرب في أوكرانيا؛ إذ لم تكن بينهما حتى اللقاء سوى المحادثات الهاتفية. وهنا يقول البروفسور راجان كومار، من كلية الدراسات الدولية في جامعة جواهرلال نهرو، إنه «رغم تعذر الخروج بنتيجة من اللقاء، تبقى مثل هذه اللقاءات مهمة، لأنها تسهم في خفض درجات التوتر، وخلق مناخ مناسب لعقد مباحثات مستقبلاً. ومن المحتمل أن يكون اتفاق الرجلين نابعاً من عدم رغبتهما في إثارة ضيق نيودلهي... أو ربما رغب كل منهما في أن يظهر أمام جمهوره بمظهر المستعد للدخول في مباحثات من دون تفريط في أي من النقاط الجوهرية التي يتمسك بها. وعلاوة على ذلك، يشعر الرجلان بالقلق من أن أي تعطل خلال اجتماع (مجموعة العشرين) سيخلف تداعيات أوسع على قضايا أخرى، مثل الغذاء وإمدادات الطاقة والاتفاقات النووية والتغيرات المناخية».

اجتماع «كواد» على هامش أعمال «مجموعة العشرين»
> استضافت الهند أخيراً اجتماع وزراء خارجية «الحوار الأمني الرباعي» المعروف اختصاراً باسم «كواد»، وذلك على هامش اجتماعات «مجموعة العشرين». وخلال هذا الاجتماع وجه وزراء الخارجية انتقادات صريحة للصين، بسبب تموضعها العدواني على نحو متزايد ببحر الصين الجنوبي، ونفوذها المتزايد في المنطقة. كذلك أعلن عن تشكيل مجموعة عمل لمكافحة الإرهاب. والمعروف أنه، منذ سبتمبر (أيلول) 2019 وحتى مارس (آذار) 2023، التقى وزراء «كواد» 5 مرات على نحو شخصي، ومرة واحدة على نحو افتراضي. ومع ذلك، فإن وضع الهند في هذا الإطار لافت جداً؛ فهي، من جهة، الدولة الوحيدة غير الحليفة للولايات المتحدة داخل «كواد»، ومن جهة ثانية، تشارك تجمعات تقودها روسيا والصين، مثل «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا).
البيان المشترك لاجتماع «كواد» ضمن (كما كان متوقَّعاً) إشارات ضمنية للتصرفات العدوانية من جانب الصين في منطقة جوارها. ونص على «أهمية الالتزام بالقانون الدولي، حسبما ورد في ميثاق الأمم المتحدة لقانون البحار، ومواجهة التحديات أمام النظام البحري القائم على القواعد، بما في ذلك داخل بحرَيْ الصين الجنوبي والشرقي». وتابع باسم الدول الأعضاء: «نعارض بشدة أي إجراءات انفرادية تسعى لتغيير الوضع القائم أو تأجيج التوترات بهذه المنطقة. ونعرب عن قلقنا العميق تجاه إضفاء صبغة عسكرية على الخلافات، والاستخدام الخطير لسفن خفر السواحل وميليشيا بحرية، وجهود تعطيل نشاطات دول أخرى في التنقيب لاستغلال مواردها الواقعة خارج سواحلها».
وبطبيعة الحال، رفض الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الصيني، البيان، وقال: «نعتقد أن التعاون بين دولة وأخرى ينبغي أن يكون متسقاً مع اتجاه السلام والتنمية، بدلاً عن إقامة كتل إقصائية».

مودي (د.ب.أ)

الهند و«جنوب» العالم و«مجموعة العشرين»
> بعد تولي الهند رئاسة «مجموعة العشرين»، أكدت القيادة في نيودلهي اعتزامها السعي لطرح آمال دول «الجنوب العالمي» المتعلقة بعدد من القضايا الاقتصادية المهمة، التي غالباً ما تتعرض للتهميش. ويُشار إلى أنه جرت العادة على استغلال مصطلح «الجنوب العالمي» للإشارة إلى الدول النامية أو تلك التي تجابه صعوبات اقتصادية.
والواقع، أن نيودلهي، راهناً، تطرح نفسها زعيمةَ الدول الناشئة والنامية، في حين تشهد أسعار الغذاء والطاقة ارتفاعاً عالمياً هائلاً، جراء الحرب الأوكرانية التي تعصف بالمستهلكين، ويكافح هؤلاء أساساً للتعامل مع ارتفاع التكاليف والتضخم. ويأتي هذا الموقف الهندي رغم أن كثيرين خالجهم، منذ بعض الوقت، اعتقاد بأن فكرة «صوت الجنوب» قد ولى عهدها، في ظل عالم متعولم باستمرار، وتسعى خلاله كثير من الدول النامية إلى تحطيم الحواجز بينها وبين الغرب.
لقد شكّلت هذه الفكرة بالذات محور الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، خلال اجتماع «مجموعة العشرين»، عندما سلط الضوء على التحديات الاقتصادية الجوهرية التي تجابهها الدول النامية. ومما قاله مودي: «تكافح كثير من الدول النامية في وجه ديون غير مستدامة، بينما تحاول العمل على ضمان أمن الغذاء والطاقة لشعوبها. أضف إلى ذلك أن هذه الدول نفسها الأشد تضرراً من الاحترار العالمي الذي تقف خلفه الدول الأكثر ثراءً. ولذلك، تحاول الهند خلال فترة رئاستها أن يكون لـ(الجنوب العالمي) صوت. ولا يمكن لأي مجموعة أن تدعي لنفسها دوراً قيادياً عالمياً من دون الإنصات لأكثر مَن يتأثرون بقراراتها».
وما يستحق الإشارة إليه هنا أنه في يناير (كانون الثاني) 2023 أعلن مودي (رغم أنه زعيم لحزب قومي يميني متشدد لا علاقة له بالسياسات الاشتراكية) تأسيس «مركز الجنوب العالمي للتميز». كذلك تجدر الإشارة إلى أن القمتين المقبلتين لـ«مجموعة العشرين»، مقرَّر عقدهما في البرازيل (2024) وجنوب أفريقيا (2025)، الأمر الذي يوحي بأن هذه المنصة لن تخضع بسهولة للرؤية الغربية تجاه الشؤون العالمية.
وحالياً، تشعر دول عديدة بالضيق بسبب الضغوط التي يمارسها عليها الغرب، وترى وجود فرص اقتصادية في علاقاتها بروسيا. وحتى اللحظة، تجنبت أعداد متزايدة من دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية الضغوط الصادرة عن واشنطن لكي تقطع علاقاتها مع روسيا. وكان هذا الرفض والتجنب السبب وراء إطلاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحاته القوية بخصوص شعوره بـ«الصدمة» إزاء فقدان الغرب مصداقيته. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية البرازيلي، ماورو فييرا، خلال «مؤتمر ميونيخ للأمن»: «لا يمكن أن نستمر في الحديث عن الحرب فقط».
ومن جهتها، قالت إليزابيث سيديروبولوس، رئيسة «معهد جنوب أفريقيا للدراسات الدولية» قبل وقت قريب: «ثمة شعور بأن الحلفاء الغربيين لأوكرانيا يحاولون اختطاف منتدى «مجموعة العشرين» على حساب قضايا جوهرية، مثل العمل على مكافحة التغيرات المناخية أو تناول قضايا التنمية بالقارة الأفريقية. وعليه، كان رد فعلهم على النحو التالي: «سنتخذ قراراتنا بأنفسنا... لا تضغطوا علينا».
من ناحية أخرى، كان مثيراً للاهتمام لقاء وزير الخارجية الصيني الجديد، تشين غانغ، ونظيره الهندي، جيشينكار، على هامش اجتماع «مجموعة العشرين» في نيودلهي. ورأى مراقبون في زيارة وزير الخارجية الصيني أنها قد تكون اختباراً لقدرة بكين على تحقيق توازن بين الغرب، بقيادة واشنطن، من جهة، وموسكو، من جهة مقابلة، في إطار حرب أوكرانيا. وتُعدّ زيارة تشين الأولى للوزير الصيني الجديد بعدما خلف سلفه وانغ يي، الذي زار الهند عام 2022، لكنه لقي استقبالاً فاتراً آنذاك بسبب غارات الصين عبر الحدود، ولم يصدر إعلان رسمي بخصوص الزيارة. ولم يتمكن الوزير الصيني السابق (يومذاك) من لقاء رئيس الوزراء الهندي، مودي.


مقالات ذات صلة

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

العالم 11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

قتل 11 شخصاً بعد تسرب للغاز في الهند، حسبما أعلن مسؤول اليوم (الأحد)، في حادثة صناعية جديدة في البلاد. ووقع التسرب في منطقة جياسبورا وهي منطقة صناعية في لوديانا بولاية البنجاب الشمالية.

«الشرق الأوسط» (أمريتسار)
العالم الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

قُتل عشرة من عناصر الأمن الهنود وسائقهم المدني في ولاية تشاتيسغار اليوم (الأربعاء) في انفجار عبوة ناسفة لدى مرور مركبتهم، حسبما أكدت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية، متهمة متمردين ماويين بالوقوف وراء الهجوم. وقال فيفيكانند المسؤول الكبير في شرطة تشاتيسغار «كانوا عائدين من عملية عندما وقع الانفجار الذي استهدف مركبتهم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق «الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

«الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم العثور على مجموعة من أدوية الشراب الملوثة والمصنوعة في الهند، تحديداً في جزر مارشال وميكرونيزيا. وحذرت المنظمة من أن العينات المختبرة من شراب «غيوفينسين تي جي» لعلاج السعال، التي تصنعها شركة «كيو بي فارماشيم» ومقرها البنغاب، أظهرت «كميات غير مقبولة من ثنائي إيثيلين جلايكول وإيثيلين جلايكول»، وكلا المركبين سام للبشر ويمكن أن يكونا قاتلين إذا تم تناولهما. ولم يحدد بيان منظمة الصحة العالمية ما إذا كان أي شخص قد أُصيب بالمرض. يأتي التحذير الأخير بعد شهور من ربط منظمة الصحة العالمية بين أدوية السعال الأخرى المصنوعة في الهند ووفيات الأطفال في غامبيا وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين)، أن الهند ستتجاوز الأسبوع المقبل الصين من ناحية عدد السكان، لتغدو الدولة الأكثر اكتظاظاً في العالم بنحو 1.43 مليار نسمة. وقالت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إنه «بحلول نهاية هذا الشهر، من المتوقع أن يصل عدد سكان الهند إلى 1.425.775.850 شخصاً، ليعادل ثم يتجاوز عدد سكان البر الرئيسي للصين». وطوال أكثر من مائة عام، كانت الصين الدولة الأكثر سكاناً في العالم، تليها الهند في المرتبة الثانية على مسافة راحت تتقلّص باطراد في العقود الثلاثة الأخيرة. ويأتي ذلك رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد السكان في الهند منذ أواخر القرن الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

أفاد مسؤول في شرطة ولاية البنجاب الهندية، اليوم (الأحد)، بأن قوات من الأمن ألقت القبض على «الانفصالي» المنتمي للسيخ أمريتبال سينغ، بعد البحث عنه لأكثر من شهر، في خطوة ضد إقامة وطن مستقل في الولاية المتاخمة لباكستان. وأدى بزوغ نجم سينغ (30 عاماً)، وهو واعظ بولاية البنجاب الشمالية الغربية حيث يشكّل السيخ الأغلبية، إلى إحياء الحديث عن وطن مستقل للسيخ. كما أثار مخاوف من عودة أعمال العنف التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي أثناء تمرد للسيخ. وقال مسؤول كبير بشرطة البنجاب لصحافيين: «ألقي القبض على أمريتبال سينغ في قرية رود بمنطقة موجا في البنجاب، بناء على معلوم

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.