شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

«الشذرات» في القصيدة النثرية مثالاً

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين
TT

شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين

لكي يمكننا إضاءة الراهن الأدبي في المشهد الأدبي السعودي، علينا تتبع الحراك الإبداعي الذي ينتسب أو يتقاطع مع مفهوم «الومضة» وشاعريتها بين متنازعين؛ «القصيدة النثرية» وما أنتجته من «شذرات» شعرية، وكذلك «القصة» بوليدها الذي اصطُلح على تسميته بالقصة القصيرة جداً أو «الأقصوصة».
ولطبيعة الموضوع، سوف نتخفف قليلاً من الحديث عن بداية حضور «الومضة» كجنس أدبي، وكذلك صلتها بمرجعيات تاريخية - أدبية؛ عربية كانت أم أجنبية، أو أن انبثاقهما جاء نتيجة لعوامل مادية؛ مثل إيقاع الحياة السريع، ومساهمة وسائل التواصل الاجتماعية كوسيط أدبي ناقل سارع في انتشارها، كل ذلك يمكن الوقوف عنده ومناقشته أو الرضا به، لكن العامل الأهم الذي نرى وجوب التركيز عليه هو العامل الثقافي الذي سنتناوله، وخصوصاً في الشذرات النثرية.
فعندما لا نذهب إلى التفسير التاريخي، فنحن أمام خيارين؛ سؤال الشعر أو سؤال الثقافة. فبالشعر تبدو قصيدة الومضة وقد تطورت كحاجة أسلوبية وحركة من داخل الشعر نفسه؛ ونقصد بالأسلوب ذلك الذي يشتمل على «الامتلاء والفراغ، على اللا والنعم، على وجه الساعة والظل، وعمل الشاعر حينها أن يشهد لهيب الشعلة الفانية واحتراقها»، كما يقول الشاعر باول تسيلان. وبإضافة صفات مثل؛ وضوح المفارقة، وقوة التباين، والنهاية المتوهجة، والنزعة الإضمارية... إلى التعريف الجامع لقصيدة النثر الذي قاله «إي جالو»: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية». فبهذا التعريف، والصفات السابقة، تتضح الفاعلية الشعرية للشذرات كحراك ونتيجة برزت من داخل الشعر.
أما سؤال الثقافة فيأخذنا إلى عمق التحولات لما بعد الحداثة ومقولاتها؛ كالتقويض والتشكيك والعدمية والتفكيك واللا انسجام، الغرابة والغموض... إلى بقية لافتاتها. وهذا ما دعا ليندا هاتشيون إلى القول: «إن ما بعد الحداثة مغامرة تنطوي على تعارض؛ حيث إن أشكالها الفنية توظف المتعارف عليه وتنتهكه في الوقت ذاته، تنصبه وتكرسه، ومن ثم تخلخله»! فمما سبق، ألا يمكن التوقف عند هذا المحرض الثقافي والإشارة من قرب إلى أثره على معمارية قصيدة الومضة النثرية وفاعليتها؟ أي إجابة عن هذا السؤال تبدو متعجلة وناقصة إذا لم نلحظ الأثر الثقافي أيضاً على الجنس المنافس للشعر؛ أي السرد، خصوصاً القصة القصيرة. ففي منتصف القرن الماضي، أدخل أرنست هيمنغواي مجمل الجنس السردي في مواجهة حقيقية مع الشعر من خلال توظيفه لتقنيات بقيت لأزمان متعاقبة خصائص شعرية بامتياز؛ مثل المجاز والإيجاز والتكثيف، ذلك بديلاً عن أداة «التعبير» السردية المعتادة. حينها كتب قصته القصيرة ذات الكلمات الست: «للبيع... حذاء طفل لم يلبس قط»، ولحظتها، وفي عالمنا العربي، ومحيطنا المحلي السعودي أيضاً، كانت عوامل ثقافية ومادية كثيرة كنشوء المدن الحديثة والانفتاح على ثقافات العالم، جميعها كانت تهيئ لاستيعاب وظهور هذا اللون السرد - شعري من جهة، يقابله توجه شعري ملحوظ لكتابة قصيدة النثر وانهمامها جزئياً «بسرد» اللحظة العابرة والقبض الخاطف عليها من خلال القول الشعري في اتجاه معاكس للقصة.
ولادتان لجنسين أدبيين تقاربا زمنياً بالظهور وتماثلا في بعض السمات، إلى الحد الذي ينذر بتلاشي الحدود والعلامات، إلا من خلال فرزهما بمعيار مفهومي القصيدة أو الحكاية. أما من ناحية الشكل وعدد الأسطر والكلمات، فهما متشاركان فيهما.
ففي مقابل أقصوصة القاص جبير المليحان: «غفا الحارس؛ ففرت أشجار الحديقة»، يكتب الشاعر أحمد الملا على نفس منوال عدد الكلمات الخمس شذرته: «رفقاً - أيُّها - السقفُ - فالأضلاعُ - هواءٌ». كلاهما مارس التجريب والكتابة بمفهوم الومضة، إلا أن النصين واضحان كجنسين أدبيين مختلفين لا يجمعهما سوى تقنية الإيجاز والمجاز والنهاية البارقة، ويفرقهما منسوب الشعرية؛ حيث الأول متخفف منها، والنص الثاني غارق فيها. أو كما يفرق بينهما جون كوين باعتبار أن السرد نثر أدبي؛ لذلك «يصبح شعراً معتدلاً، بينما الشعر يمثل الشكل المتطرف في الأدب أو النوبة الحادة في الأسلوب»، وعند التخفيف من هذه الحدية في الأسلوب يَدخل النص الشعري في المساحة الملتبسة؛ كنص الشاعر زياد السالم: «جئتُ بالأوتاد فاعتذر الظلُ بلباقة وهرب».
بهذين الشاهدين الشعريين الحديثين، يمكننا المضي في استطلاع بعض ملامح وسمات قصيدة الومضة النثرية المعاصرة، وما استقرت عليه بعد أكثر من 3 عقود من التجريب المستمر في الكتابة عليها من قبل شعراء النثر السعوديين، وتأجيل التفصيل في سمات الأقصوصة السردية المعاصرة والكتابة عنها في مقالة منفصلة لدراسة مدى تطورها. وعليه يمكننا تكوين الانطباع التالي عن الشذرات...
أولاً؛ الاختزال الشديد والاقتصاد في الجمل الشعرية وعدد الكلمات باعتبارها قطع فسيفساء تتكامل جميعاً لتشكل الوحدة الموضوعية للفكرة المراد إبرازها، وذلك بتطور مفهوم الشذرة الواحدة من التعبير عن الموضوع الواحد إلى التنويع عليه بسلسلة من الشذرات، وبهذا تنازلت الشذرة طواعية عن عنوانها المستقل؛ الذي كان يعتبر جزءاً من مكونها. ويمكن مشاهدة هذا التطور في أغلب مجموعات شعراء النثر الأخيرة. وما يمكن استحضاره كمثال هو قصيدة للشاعر إبراهيم الحسين، المنشورة مؤخراً بعنوان «توقيعاتٌ للبرق».
ففي هذه المجموعة الشذرية، لا يُحضر الشاعر البرق بهيئته المادية فقط ليحاوره أو يستنطقه، إنما يرفعه بالمجاز إلى رتبة القصيدة النثرية القصيرة حتى يسقط عليه مفهومه عنها: «يقولُ البرقُ قصيدتَه - ويخلصُ لِفكرتِها - يُضيئُها يُنشدها ويغنّيها - آخر ما يفكّر فيهِ الإيقاعْ».
وعند نظرته للبرق؛ كمتجدد ومتخلق في كل ومضة، فالشاعر يفصح عن هاجسه في تعامله مع اللغة أثناء لحظة انفعاله شعرياً؛ بأن عليه «تخليص الكلمة من القيود التي يكبلها بها الاستعمال، وتطهيرها مما يتراكم عليها من ضبابية الممارسة... حيث الإبداع إحياء للكلمة بعد نضوبها»، كما يقول «فاغنار». إبراهيم يُضمن هذا الطموح في شذرته: «يُجَدّدُ البرقُ دائماً لُغتهُ ينطقُها بضوءٍ مختلفٍ ويخطُّها كذلك - يحذفُ ويُضيفُ».
وكما تجب عليه أن تكون قصيدة الومضة، الشاعر في شذرته التالية يؤكد على أحد أهم أركانها، وهو التكثيف الشديد ويناظره بالبرق في سرعة وميضه: «إذا كتبَ البرقُ كثّفَ لُغتَهُ».
أما تمثله المادي للبرق، فالشاعر قد استفرغ فيه كل ما أعانته عليه مخيلته بتعداد زوايا الالتقاط والتناول حتى تجاوز بها الستين شذرة، وليختم باعتذاره: «أنت البرق - حَصَدَ الضّوءُ كلَّ كلماتِكَ وتَرَكَكَ بِلا فَمٍ».
ثانياً؛ لم تصبح الشذرة تعبيراً عن المكنون الداخلي للشاعر فحسب، أو حصرها بالقضايا الوجودية، بل تجاوزتها إلى الموضوعات الممكن الكتابة عنها؛ ما أضفى طابع التأمل والهدوء على جملها الشعرية، بعد أن كانت صاخبة ومتفجرة.
ثالثاً؛ تماست الشذرات بشكل جزئي غير مقصود أحياناً مع قصيدة الهايكو اليابانية من حيث طول المقاطع الصوتية، وإن احتفظت بقليل من المجاز والتشبيه، وهذا ما لاحظه أيضاً الناقد والشاعر عبد الله السفر أثناء قراءته لبعض نصوص غسان الخنيزي، وأحياناً أخرى تأتي الشذرات على غرار الهايكو. فنص الشاعر محمد الحرز التالي يكشف عن قرب الصلة، ويمكن ملاحظة تقاطعه مع الهايكو «المديني» بقرينة أنسنة النار: «وهي في التنور - النارُ تكفرُ - عن ذنوبها السابقة».
هذا النص، هو بخلاف نص للشاعرة هيفاء الجبري «ذقن مقلوب» الذي يمكن قراءته بسهولة كهايكو كلاسيكي «طبيعي» واضح: «أغصانُ الشجرة المتشابكة - لحية كثة - تُخَللها الرياح».
أخيراً، قد تكون هناك سمات أخرى أغفلناها أو تجاوزنا عنها في هذه العجالة، لكن الأهم هو أن شعراء قصيدة النثر ماضون في التجريب، وعليه هل يمكننا الإضافة إلى ما قاله قديماً أبو عمرو بن العلاء: «كانت العرب تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها»؛ فنقول نحن في عصرنا الحالي هذا وبعدما فرضت قصيدة الومضة شكلها الشعري: «... وتُكثف العرب وتصطنِع المفارقة وتُبرق بالمعنى حتى يُقرأ لها»!
* كاتب وروائي سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

TT

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)
أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)

مَن يقرأ روايات أجاثا كريستي المنغمسة في عالم الجريمة الغامضة، يتصوّر كاتبةً مسنّة جالسةً خلف مكتبٍ خشبيّ داخل غرفةٍ معتمة، وأنها نادراً ما تتحرّك من مكانها. لكنّ سيرتها التي لا يعرفها كثيرون تقول خلاف ذلك.

أمضت كريستي حياةً شبيهةً بيوميات الرحّالة، فاستوحت معظم رواياتها الـ72 من أسفارها حول العالم. وكان للبلاد العربية الأثرُ الأكبر على الأديبة التي تنقّلت بين مصر، والعراق، وبلاد الشام. غالباً ما تنقّلت في رحلاتها تلك على متن «قطار الشرق السريع»، الذي تحوَّل إطاراً لأشهر رواياتها على الإطلاق «جريمة في قطار الشرق السريع».

أجاثا كريستي في مصر عام 1931 (المتحف البريطاني)

مصر البداية

رحلتُها الأولى صوب المَشرق كانت إلى مصر في شتاء عام 1907. في الـ17 من عمرها، قررت السفر وأمَها المريضة من إنجلترا الباردة إلى دفء القاهرة حيث نزلتا في فندق «الجزيرة بالاس»، وأمضتا هناك 3 أشهر.

خلال إقامتها في العاصمة المصرية، شاركت كريستي بكثافة في المناسبات الاجتماعية فشوهدت في السهرات الراقصة ومباريات البولو. وبرفقة والدتها كلاريسا، زارت أهرام الجيزة ومواقع أثريّة أخرى.

يوم عادت إلى بريطانيا، بقيت صور القاهرة ومغامراتها هناك محفورةً في بالها، وهي ألهمَت تجربتها الروائية الأولى «ثلجٌ على الصحراء» التي لم تبصر النور.

فندق «الجزيرة بالاس» في القاهرة حيث أقامت كريستي ووالدتها ما بين 1907 و1908 (فيسبوك)

حبٌ على ضفاف دجلة والفرات

قبل الانغماس في الحِبرٍ من جديد، أخذت الحياة أجاثا كريستي في اتّجاهٍ مختلف. متأثّرةً بزوجها الأول الذي كان عقيداً مقاتلاً في الحرب العالمية الأولى، تطوّعت لتصبح ممرضة محترفة. لكن لم يُكتَب لزواجهما أن يستمر ولا لمهنة التمريض. بعد طلاقٍ عاصف عام 1928، توجّهت مباشرةً وابنتها الوحيدة روزاليند إلى بغداد عبر إسطنبول بواسطة «قطار الشرق السريع - أورينت إكسبرس»، الذي ألهمَ لاحقاً أشهرَ رواياتها على الإطلاق.

كان العراق المحطة العربية الثانية لمَن لُقّبت بـ«ملكة الجريمة». دعاها إلى هناك عالم الآثار ليونارد وولي وزوجته اللذان عادا وجدّدا الدعوة عام 1930، طالبَين إلى كريستي مرافقتهما في رحلة تنقيب إلى مدينة أور التاريخية في ولاية ذي قار جنوبي البلاد. هناك التقَت بمَن سيصبح حبّ حياتها وشريكها حتى الممات، عالم الآثار ماكس مالوان، والذي كان يصغرها بـ14 سنة.

كريستي وزوجها الثاني عالم الآثار ماكس مالوان (فيسبوك)

أجاثا كريستي في العراق

على خطى زوجها الثاني، سارت أجاثا كريستي. رافقته في كل رحلاته إلى الشرق الأوسط، حيث مكثت في الخيام أحياناً خلال مهامّ التنقيب عن الآثار. انخرطت هي أيضاً في المجال فأوكلت إليها وظيفة تصوير الموجودات الأثريّة، إلى جانب السهر على راحة المنقّبين وتأمين الطعام لهم.

ما بين 1930 و1939، ولاحقاً ما بين 1949 و1958، تعدّدت رحلات كريستي إلى العراق حيث أقامت لفترات طويلة. سُجّلت إحدى أولى مغامراتها هناك في محافظة نينوى حيث شهدت على اكتشافاتٍ أثريّة مهمة في مدينة نمرود الآشوريّة. حتى عام 2014، كان البيت الطينيّ الصغير الذي قطنت فيه لا يزال شاهداً على ذكرياتها هناك، قبل أن يتهدّم بفعل الحرب. إلّا أنّ كتاب مذكّراتها يستحضر إقامتها في نمرود: «كان نهر دجلة على بُعد كيلومتر ونصف فقط، وعلى التل العظيم للأكروبوليس، برزت رؤوس حجرية آشورية ضخمة من الأرض. لقد كانت منطقة خلابة، هادئة، ورومانسية، غنية بالتاريخ».

أجاثا كريستي في نمرود العراقية حيث كانت تصوّر الآثار (إكس)

أما في بغداد، فأقامت الروائية البريطانية وزوجها في حيّ كرادة مريم التاريخي. على ضفاف دجلة، وفي بيتٍ ملأته بالتُحَف والسجّاد، وجدت ما يكفي من إلهامٍ لتأليف عددٍ من أعمالها. ولعلّ رواية «موعد في بغداد» الصادرة عام 1951 هي بمثابة تكريمٍ للعاصمة العراقية، حيث تدور أحداثها الغامضة وسط صخب شوارعها وبين آثارها القديمة.

أول انطباع تركته فيها بغداد يوم زارتها عام 1928 دوّنته كريستي في سيرتها الذاتية، حيث قالت: «في الأفق، على اليسار، رأينا القباب الذهبية للكاظمين، ثم عبرنا جسراً آخر من القوارب، فوق نهر دجلة. هكذا اتّجهنا إلى بغداد، على طول شارع مليء بالمباني المتداعية، مع مسجد جميل ذي قباب فيروزية يقف، كما بدا لي، في منتصف الشارع».

كريستي خلال عمليات التنقيب عن الآثار في العراق (فيسبوك)

من حبّ النيل ما قتل

إذا كان العراق قد ألهمَ عدداً من روايات كريستي، فإنّ مصر فعلت فعلها كذلك. ولعلّ أشهرَ تلك الحكايات «موت فوق النيل»، المستوحاة من رحلةٍ قامت بها في الباخرة «سودان» البخاريّة والتي تُبحِر ما بين أسوان والأقصر منذ 1885 حتى اليوم، من دون أي جرائم سُجّلت على متنها، باستثناء تلك التي اخترعتها كريستي.

إلى جانب زوجها، عادت وزارت مصر بشكلٍ متكرر في الثلاثينيات وتنقّلت بين محافظاتها خلال عمليات التنقيب. في إحدى مقابلاتها الصحافية النادرة، تحدّثت عام 1969 عن مغامراتها المصريّة إلى الصحافية مارسيل بيرنستاين. استذكرت كريستي وهي كانت قد بلغت الـثمانين من العمر، السوق القديمة حيث كانت تشتري السجّاد والقناديل واللوحات. حتى أنها ابتاعت آلتها الكاتبة من مصر.

على تلك الآلة، ومن غرفها في فندقَي «ونتر بالاس الأقصر» و«أولد كاتاراكت أسوان» حيث ما زالت طاولتها وكرسيّها معروضَين، كتبت مجموعة من الروايات المقتبسة من سحر المكان.

رواية «موت فوق النيل» التي استوحتها كريستي من إقامتها الطويلة في مصر (فيسبوك)

أجاثا كريستي من سوريا ولبنان إلى فلسطين والأردن

أمضت الكاتبة البريطانية وقتاً طويلاً في سوريا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان زوجها وزملاؤه علماء الآثار يقومون بأعمال تنقيب في منطقة الجزيرة. مكثت في فندق «بارون» التاريخي في حلب، كما زارت تَدمُر التي تصِفُها بإحساسٍ عالٍ في مذكّراتها: «أعتقد أن هذا هو سحر تدمر... جمالها الرشيق ذو اللون الكريمي الذي يرتفع بشكلٍ خيالي وسط الرمال الساخنة. جمالها يفوق الواقع، بكل ما تحمله من خيالٍ مسرحي لا يُصدق، كالحلم. ساحات ومعابد وأعمدة مُهدمة... لطالما كانت بالنسبة لي أشبه بحلم...».

كريستي مع زوجها خلال رحلة تنقيب في سوريا (فيسبوك)

كان لأجاثا كريستي مرورٌ في لبنان كذلك، فهي زارت قلعة بعلبك الأثريّة ومكثت في فندق «بالميرا» التاريخي، حيث لا يزال توقيعها محفوظاً في كتاب الزوّار.

عام 1933، عبرت في فلسطين حيث زارت القدس. وعندما زارت آثار بترا في الأردن، حضر فوراً طيف بطلها الشهير المحقق «هرقل بوارو». متأثّرةً بدراماتيكيّة المكان، بدأت كريستي تخطّ روايتها «موعد مع الموت». عبرت مضيق السيق وشاهدت الخزنة ثم سلكت الدروب المؤدية إلى مواقع القرابين المرتفعة.

استحضرت تلك التفاصيل الجغرافية كلها في روايتها، حيث تزور الشخصيات مدينة البتراء خلال جولة سياحية في الشرق الأوسط. تُقتل امرأة متسلطة وقاسية بين المقابر والآثار القديمة المنحوتة في الصخر، فيظهر بوارو ليكشف هوية مرتكب الجريمة من بين أفراد المجموعة السياحية.

استوحت كريستي رواية «موعد مع الموت» من رحلتها إلى بترا في الأردن (رويترز)

روايات ألهمتها أسفار كريستي العربية

- مصر: «موت فوق النيل» و«في النهاية يأتي الموت».

- العراق: «جريمة في بلاد الرافدَين» و«موعد في بغداد».

- الأردن: «موعد مع الموت».

- سائر الرحلات العربية: «جريمة في قطار الشرق السريع»، وكتاب المذكّرات «تعال، أخبرني كيف تعيش».


وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
TT

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

وفاز الثنائي بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي يوم السبت عن فيلمهما الوثائقي الذي يتناول الضربات الجوية الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل مدنيين فلسطينيين في غزة، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي فيلم «نازا»، يعرض الثنائي مقابلات مع 24 من عناصر الاستخبارات الإسرائيلية مجهولي الهوية الذين يقدمون رؤى تفصيلية حول عملياتهم. وتم إجراء المقابلات معهم ليلاً على أسطح المنازل في تل أبيب.

وكلمة «نازا» هي اختصار لعبارة باللغة العبرية يقال إنها تستخدم لحساب عدد المدنيين المقدر مقتلهم في ضربة عسكرية.

وقال زوهار إن أبراهام وتسور كانا مستعدين «للإضرار بوطنهما من أجل الحصول على التقييم والتصفيق من معادين للسامية حول العالم».

وكتب زوهار على منصة «إكس»: «سأعمل على الفور لنزع الجنسية الإسرائيلية عن هذين المبدعين الحقيرين بتهمة الخيانة العظمى ضد الدولة».

كما لجأ وزير الأمن القومي من اليمين المتطرف إيتمار بن غفير إلى منصة «إكس»، واصفاً الثنائي بأنهما «عار وإحراج» لإسرائيل.

وقال: «أنا متأكد من أن أصدقاءكما، أي أعداؤنا (حماس) في غزة، سيرحبون بكما بذراعين مفتوحتين».

ورفض الجيش الإسرائيلي الادعاءات الواردة في الفيلم. واتهم متحدث باسم الجيش، في رده على الفيلم، حركة «حماس» بإدراج البنية التحتية العسكرية بشكل متعمد داخل المناطق المدنية.

وأسفرت الحملة الإسرائيلية في غزة التي انطلقت إثر هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن مقتل أكثر من 73500 فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفاً، بحسب أرقام وزارة الصحة في غزة وتعتبرها الأمم المتحدة موثوقاً بها.

ويتطرق الفيلم أيضاً إلى هجمات «حماس» في 7 أكتوبر 2023، التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، وأدت إلى ضربات جوية إسرائيلية دمرت معظم أرجاء غزة.


جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها
TT

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش: لا أستطيع أداء شخصية لا أجد نفسي فيها

نال الأميركي جون مالكوفيتش جائزة أفضل ممثل في الدورة الـ83 من مهرجان «فينيسيا» السينمائي، عن دوره في «وايلد هورس ناين»، بعد نحو أسبوع من إجراء «الشرق الأوسط» حواراً معه.

وأكد خلال الحوار أنه يبحث في السيناريو عن شخصية يجد نفسه فيها وتتيح له إضافة معنى إلى الفيلم؛ إذ لا يستطيع أداء دور لا يثيره. وأوضح أن لكل ممثل لغته وطريقته، ولذلك يستحيل أن يؤدي ممثلان الشخصية نفسها بأسلوب متطابق.

وعن منهجه، قال إنه يدخل شخصياته مستطلعاً لا حاكماً، متجنباً الأداء الجاهز والانفعالات. كما عدَّ الحوار وطريقة الإلقاء جزأين أساسيين من التمثيل، موضحاً أن عميل الاستخبارات في الفيلم ينفِّذ مهماته بحياد، قبل أن يراجع أفعاله.