العالم امتص زلزال «كورونا» لكنه يعاني التوابع

في الذكرى السنوية الثالثة لإعلان الفيروس وباءً عالمياً... وبعد 680 مليون إصابة و6.8 مليون وفاة

صورة من مدخل مستشفى ووهان في الصين (رويترز)
صورة من مدخل مستشفى ووهان في الصين (رويترز)
TT

العالم امتص زلزال «كورونا» لكنه يعاني التوابع

صورة من مدخل مستشفى ووهان في الصين (رويترز)
صورة من مدخل مستشفى ووهان في الصين (رويترز)

3 سنوات مرت على إعلان فيروس كورونا المستجد جائحة عالمية في مارس (آذار) 2020. ورغم نجاح العالم في امتصاص زلزال «كورونا»، ما أدى إلى تراجع المخاوف من الجائحة، والتخفيف وربما التخلي عن الإجراءات الاحترازية، فإن «كوفيد - 19» ترك بصماته على شتى مناحي الحياة، مخلفاً توابع وهزات ارتدادية ما زال العالم يعاني منها في قطاعات الصحة والتعليم، وسوق العمل.
الفيروس أصاب أكثر من 681 مليون إنسان وأمات نحو عشرهم، أي: 6.812.126، حسب أحدث الإحصاءات الرسمية المعلنة عالمياً.
شهور معدودة فصلت بين إعلان الجائحة، وتوفير أول لقاح للفيروس في ديسمبر (كانون الأول) 2020، الذي ساعد في إنقاذ ما يقدر بنحو 19.8 مليون شخص، خلال العام الأول من توفير اللقاح (من ديسمبر 2020 وحتى ديسمبر 2021)، وفق دراسة نشرت في يونيو (حزيران) من العام الماضي بدورية «ذا لانسيت إنفيكشين ديزيز».
وبينما انشغل العالم في إنتاج اللقاح، وإدارة الحملات الصحية لتطعيم الناس، وتوفير الرعاية الصحية للمصابين، تراجع الاهتمام بتوفير خدمات صحية أخرى، بينها رعاية مرضى الأمراض غير السارية، وتنفيذ حملات التطعيم للأطفال.
ويعزي كثير من الدراسات هذا التراجع الذي شهدته الخدمات الصحية الأخرى إلى «الإرهاق» الذي أصاب الأطقم الطبية خلال الجائحة، وهو ما تعبر عنه «دراسات حالة» لأكثر من دولة، كان آخرها دراسة نشرتها دورية «ساينتفيك ريبورتيز» في فبراير (شباط) الماضي، عن «الإرهاق» الذي أصاب الأطقم الطبية في كوريا الجنوبية.

ولا يرجع هذا «الإرهاق»، فقط، إلى الضغط الناتج عن زيادة أعداد المصابين بالفيروس، حيث تشير دراسات أخرى إلى أن «الجائحة خلقت فرصاً لهجرة بعض الأطباء، ما أدى إلى نقص في أعداد الأطقم الطبية ببعض الدول».
وهو ما لفتت إليه دراسة لباحثين من الكلية الملكية للأطباء بآيرلندا، نشرت بدورية «الموارد البشرية الصحية» في مارس (آذار) 2021، أي بعد عام من إعلان «كوفيد - 19» جائحة عالمية، استطلعت آراء 31 طبيباً آيرلندياً، وقسمتهم إلى مجموعتين: «عائدو كوفيد» و«المهاجرون المحتملون بسبب كوفيد».
والعائدون، بحسب الدراسة، هم أطباء عادوا إلى آيرلندا في مارس (آذار) 2020، استجابة لنداء التوظيف المتعلق بالوباء الصادر عن الحكومة الآيرلندية. أما المهاجرون المحتملون، فهم أطباء يفكرون في الهجرة، بسبب معاناتهم من اضطرابات مرتبطة بالوباء، إضافة إلى مشاكل أخرى في النظام الصحي الآيرلندي، بينها ظروف العمل «السيئة».
وتظهر هذه المشكلة بشكل أكبر في الدول متوسطة ومحدودة الدخل، وبينها مصر. حيث تقدر نقابة الأطباء المصرية، في إفادة رسمية صدرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن «عام 2022 شهد أعلى معدل للاستقالات بين الأطباء إلى حد تم تقديره بنحو 4261 طبيباً، بمعدل يومي 12 طبيباً وطبيبة، وهذه الأرقام تعد الأعلى خلال السبع سنوات الأخيرة، بمعدل تضاعف 4 مرات».

الأمراض غير السارية
وعالمياً، أثر هذا النقص العددي في الطواقم الطبية على الخدمات الطبية المقدمة لعلاج الأمراض غير السارية. وإن كانت الخدمة شهدت تحسناً تدريجياً في عام 2023، لكنها لم تصل إلى مرحلة ما قبل الوباء، كما يقول ماثيو وودروف، مدرس علم المناعة البشرية بجامعة إيموري الأميركية.
ويضيف وودروف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه «من البديهي مع توجيه طاقة أغلب الأطقم الطبية للتعامل مع فيروس (كورونا)، أن يحدث تعطل للخدمات الصحية جزئياً، أو كلياً في كثير من البلدان، وهو ما أكدته إحصائيات المراكز الصحية المحلية والدولية».
وكشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية في يونيو (حزيران) 2020، عن تعطل كلي أو جزئي في الخدمات الخاصة بعلاج فرط ضغط الدم في أكثر من نصف البلدان (53 في المائة)، والخدمات الخاصة بعلاج داء السكري ومضاعفاته (49 في المائة)، وخدمات علاج السرطان (42 في المائة)، والخدمات الخاصة بطوارئ أمراض القلب والأوعية الدموية (31 في المائة).
ويوضح وودروف أن «هذا الوضع استمر حتى نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، وبدأ يتحسن تدريجياً، لكنه لا يزال يمثل تحدياً كبيراً».

الوباء الثلاثي
وأحد أسباب استمرار هذا الوضع، ليس فقط نقص الطواقم الطبية، ولكن ما بات يعرف بـ«الوباء الثلاثي»، كما يؤكد أحمد سالمان، مدرس علم المناعة وتطوير اللقاحات بمعهد إدوارد جينر بجامعة أكسفورد الأميركية.
والوباء الثلاثي هو اجتماع فيروسات «كوفيد - 19» و«الإنفلونزا» و«المخلوي التنفسي». ففي الوقت الذي بدأ فيه العالم يتخلى عن الإجراءات الاحترازية في أواخر عام 2022، كان هناك انتشار كبير لفيروسي الإنفلونزا والمخلوي التنفسي، كأحد توابع جائحة «كوفيد – 19»، وهو ما أضاف مزيداً من الضغوط على الأطقم الطبية.
ويوضح سالمان، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه «مع قرارات الإغلاق من 2019 وحتى 2022، بسبب كوفيد - 19، تراجعت الإصابات بفيروسات الإنفلونزا، ما استتبع تراجعاً في معدلات المناعة القادرة على تحجيم خطر الفيروس. والشيء نفسه تكرر مع (الفيروس التنفسي المخلوي)، الذي شهد خلال العامين الماضيين تراكماً في الطفرات».
وكانت جمعية العناية المركزة في ألمانيا، أشارت، في بيان رسمي خلال شهر ديسمبر الماضي، إلى «وضع كارثي» بالمستشفيات نتيجة الزيادة الموسمية في حالات الإصابة بفيروس الجهاز التنفسي المخلوي، والإنفلونزا ونقص الممرضات. وأوضحت أن «مسحاً حديثاً أظهر أن عدد أسرة الأطفال المتاحة لا يتجاوز 100 سرير، في جميع أنحاء البلاد، وأن الوضع قد يزداد سوءاً».
وطالبت جمعية مستشفيات الأطفال والأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الحكومة الأميركية، بإعلان الفيروس المخلوي التنفسي «حالة طوارئ وطنية»، وذلك بعد أن «حطم كثير من المستشفيات الأرقام القياسية في عدد الأطفال المصابين».

تراجع التطعيم
وبشكل غير مباشر، تسببت الجائحة في تراجع معدلات التطعيم ضد الأمراض الأخرى. وحسب بيان مشترك لمنظمة الصحة العالمية و«اليونيسيف» صدر في يوليو (تموز) من العام الماضي، «تم تسجيل أكبر انخفاض متواصل لمعدلات تطعيم الأطفال منذ ما يقرب من 30 عاماً».
ووفق البيان، فقد «انخفضت النسبة المئوية للأطفال الذين تلقوا 3 جرعات من اللقاح المضاد للخناق والكزاز والسعال الديكي (اللقاح الثلاثي) بمقدار 5 نقاط مئوية في الفترة من عام 2019 إلى عام 2021، لتستقر هذه النسبة عند 81 في المائة. كما انخفضت نسبة التغطية بالجرعة الأولى من الحصبة إلى 81 في المائة في عام 2021، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عام 2008. وبالمقارنة مع عام 2019، لم يتلقَّ 6.7 مليون طفل آخر الجرعة الثالثة من لقاح شلل الأطفال. فيما لم يتلقَّ 3.5 مليون طفل الجرعة الأولى من لقاح فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يحمي الفتيات من سرطان عنق الرحم في مرحلة لاحقة من العمر».
ونتج عن ذلك، رصد حالات من مرض شلل الأطفال في دول غنية مثل أميركا وبريطانيا، ورصد عدد كبير من الحالات في دول فقيرة ونامية.
لكن الجائحة لم تكتفِ بالتأثيرات غير المباشرة على شؤون الصحة العامة. وواصلت وجودها عبر ما يعرف بـ«كوفيد - 19 طويل الأمد»، وهي أعراض تلازم المرضى بعد تعافيهم من الفيروس. وتشمل الإرهاق، ومشاكل التنفس، والتشوش الذهني. وتشير دراسات إلى «احتمالية تسبب الفيروس في الإصابة ببعض الأمراض غير السارية؛ مثل السكري، والقلب، ولكن هذا الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات»، كما يؤكد سالمان.
ويقول سالمان إن «هناك حاجة لمعرفة ما إذا كان المرضى الذين تم تسجيل إصابتهم بالسكري على سبيل المثال، قد أصيبوا بالمرض قبل أو بعد (كورونا)».

لقاحات «الرنا مرسال»
لكن على صعيد آخر، كان للجائحة تأثير «إيجابي» في الملف الصحي، حيث تأكد العالم من فاعلية تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (الرنا مرسال) المستخدمة في إنتاج لقاحات «فايزر» و«موديرنا»، وهو ما أعطى زخماً لهذه التقنية، لتتم تجربتها في إنتاج أدوية متعددة.
ويستخدم هذا النوع من اللقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال، المعدل وراثياً لإعطاء الخلايا تعليمات بكيفية إنتاج البروتين الشوكي الموجود على سطح فيروس «كوفيد - 19» (بروتين سبايك). وبعد تلقي اللقاح، تبدأ خلايا العضلات في إنتاج قطع البروتين، ثم توزيعها على سطح الخلايا، ما يدفع الجسم لتكوين أجسام مضادة قادرة على محاربة الفيروس عند تكرار الإصابة.
وبالآلية نفسها، أعلن فريق بحثي مشترك من جامعة أوريغون للصحة والعلوم، وجامعة ولاية أوريغون بأميركا في يناير الماضي، عبر بحث نشر بدورية «ساينس أدفانسيس»، عن تطوير جسيمات نانوية دهنية (كرات صغيرة من الدهون)، لإيصال الحمض النووي الريبوزي المرسال داخل العين، لإعطاء الخلايا تعليمات بإنتاج البروتين الفلوري الأخضر، الذي يعمل على تعديل الطفرات الجينية التي تضر برؤية العين.
وأعلن أكثر من فرقة بحثية حول العالم استخدام الآلية نفسها لعلاج أمراض السرطان، واضطرابات التمثيل الغذائي، وكسور العظام، والتهابات المفاصل وغيرها.

أخطر أزمة تعليمية
ولا تقل أزمة القطاع التعليمي خطورة عن أزمة القطاع الصحي، حيث وصف خايمي سافيدرا، المدير العام لقطاع الممارسات العالمية للتعليم بمجموعة البنك الدولي، تأثير الجائحة بأنه «أخطر أزمة تعليمية» في الزمن المعاصر.
وقال في مدونته على الموقع الرسمي للبنك الدولي، إن «الأزمة تسببت في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلداً، أي ما يقرب من 80 في المائة، من الطلاب الملتحقين بالمدارس على مستوى العالم».
وبينما أتيح للطلاب في البلدان المتقدمة خدمات التعليم عن بعد، لوجود بنية تحتية تساعد في ذلك، لم يكن ذلك متاحاً في البلدان الأقل دخلاً، بل إن تلك الخدمة شهدت تباينات داخل الدول مرتفعة الدخل، إذ اعتمدت درجة استفادة الطلاب منها على المستوى التعليمي للأب والأم، حيث تحتاج مثل هذه الخدمات لدعم منزلي، كما أكد سافيدرا.
ولفت التقرير إلى أن «هذا النمط التعليمي ليس مثالياً، لأنه لا يتيح تفاعلاً شخصياً بين المعلم والطالب، وهو ما أدى إلى خسائر تعلم فعلية».
وكان المركز الوطني لإحصاءات التعليم في أميركا، قد أشار إلى جانب من هذه الخسائر، عندما قال في تقرير أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إن جائحة «كوفيد - 19» تسببت في «انتكاسة تعليمية» تاريخية لأطفال أميركا، و«قضت على عقود من التقدم الأكاديمي».
وأرجع المركز ذلك إلى أن «الطلاب بعد أن عادوا إلى المدارس عقب شهور من التعليم عن بعد، خضعوا لامتحان في الرياضيات، وشكلت نتائج الاختبار انخفاضاً تاريخياً في الدرجات، حيث فشل 4 من كل 10 طلاب بالصف الثامن في المدارس على مستوى الولايات الأميركية في فهم مفاهيم الرياضيات الأساسية».
وعبرت وقتها بيجي كار، مفوضة المركز الوطني لإحصاءات التعليم، في تصريحات لوكالة «أسوشييتد برس»، عن قلقها، قائلة إن «هذه النتائج جرس إنذار، فعندما كان يحدث انخفاض بمقدار نقطة أو نقطتين، كان يتم الحديث عن تأثير مهم على إنجاز الطالب، لكن في الرياضيات، حدث انخفاض بمقدار 8 نقاط، وهو أمر تاريخي لهذا التقييم».
وربما كان المستفيد الوحيد من التحول نحو التعليم عن بعد هو منصات اتصالات الفيديو، مثل منصة «زووم»، التي كانت تستخدم بشكل أساسي في توفير هذه الخدمة.
وحققت الشركة أرباحاً خلال عام 2021 بلغت 316.9 مليون دولار، غير أن العودة مجدداً إلى النمط التقليدي للتعليم في المدارس هبط بأرباحها، إلى 45.7 مليون دولار في 2022.

فرص وتحديات
وكما أحدثت الجائحة رواجاً في خدمات «التعليم عن بعد»، فعلت الشيء نفسه مع العمل، حيث راج مفهوم «العمل عن بعد»، وهو العمل غير المباشر الذي يتم أداؤه من مسافات بعيدة عن المكتب أو مقر العمل، ويتم التواصل مع العاملين عبر الاتصالات السلكية واللاسلكية أو الحاسب الشخصي.
وإذا كان «التعليم عن بعد» لا يعد خياراً مثالياً، فإن «تجربة العمل عن بعد، حققت كثيراً من المزايا»، التي يرى محمد البنا، أستاذ العلوم الإدارية بجامعة الزقازيق (شمال شرقي القاهرة)، أنها «قد تدفع المؤسسات إلى التوسع فيها، لأنها تحقق مصلحة للعامل والمؤسسة، بل والدولة ككل».
ويقول البنا لـ«الشرق الأوسط»، إنه «بالنسبة للوظائف التي يمكن أداؤها عن بعد، فالموظف لن يضيع وقتاً في الذهاب إلى مقر العمل، ومن المفترض أن يضاعف ذلك من إنتاجيته، كما يوفر مصروفات الانتقال، ويتيح هذا النمط من العمل فرصاً وظيفية في أماكن بعيدة عن مقر الإقامة، لم تكن متاحة من قبل».
ويضيف البنا أنه «بالنسبة للمؤسسة أو صاحب العمل، فهي تستفيد عبر تخفيض المصاريف التشغيلية لمواقع العمل؛ مثل الكهرباء، والماء، والنظافة، والحراسة، ومواقف السيارات. في حين يساعد هذا النمط الدولة عبر تقليل الازدحام المروري، ما ينعكس إيجابياً على البيئة».
لكن ورغم هذه المزايا، فإن «العمل عن بعد» يحتاج إلى بعض الضوابط، التي يشير إليها البنا، ومنها «وضع آليات تضمن الالتزام بحجم الإنتاج المطلوب خلال ساعات العمل، والحفاظ على أمن المعلومات، وقبل ذلك توفير البرامج التقنية اللازمة لتطبيقه».
وإذا اعتبر «العمل عن بعد» بمثابة فرصة خلقتها الجائحة، فإنها في المقابل ضربت سوق العمل بهزة ارتدادية عنيفة، وهو ما دفع منظمة العمل الدولية إلى القول في تقرير أصدرته في 17 يناير (كانون الثاني) 2022، إن «الآفاق لا تزال هشّة والطريق إلى التعافي بطيء وغير مؤكد».
وقدرت منظمة العمل الدولية في هذا التقرير، وصول عدد العاطلين عن العمل إلى 207 ملايين شخص في عام 2022، مقابل 186 مليون عاطل عن العمل في عام 2019، قبل الوباء.

الاستعداد للجائحة المقبلة
وأثناء مواجهة هذه الهزات الارتدادية الصحية والاجتماعية، يؤكد الخبراء أهمية استيعاب درس «زلزال كوفيد»، لأن تلك الجائحة لن تكون الأخيرة.
فكما أن الفوالق النشطة التي شهدت زلازل في تاريخها، تكون على موعد بعد فترة طويلة من الزمن مع زلزال جديد، فإن نمط ظهور الفيروسات يشير إلى أن العالم سيكون على موعد كل فترة من الزمن مع جائحة جديدة.
وسبق وأكد تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، هذا المعنى، عندما قال في 27 ديسمبر أثناء الاحتفال باليوم الدولي الأول للتأهب للأوبئة، إن «التاريخ يخبرنا أن (كوفيد - 19) لن يكون الوباء الأخير، لأن الأوبئة هي حقيقة من حقائق الحياة».


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروبا

صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
TT

خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروبا

صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

تشهد العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً، مع تفاقم الخلافات بين القادة الأوروبيين وواشنطن، واتّساع نطاقها، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. ورغم إشادته بـ«وحدة غير مسبوقة» في قمة أنقرة لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن حدّة تصريحات ترمب في حقّ بعض الحلفاء كشفت حجم الهوة.

وفيما يلي جولة سريعة على أبرز القضايا الشائكة بين ضفتي الأطلسي اليوم.

ضغوط الإنفاق الدفاعي

عاد ترمب إلى قمة «الناتو» في أنقرة محمّلاً بسلسلة من المآخذ على الحلفاء الأوروبيين، قائلاً إنه «غاضب جداً» من تقاعس الحلف في دعم بلاده في حربها مع إيران، ومجدداً مطالبه بالسيطرة على غرينلاند وانتقاداته الحادّة تجاه إسبانيا «السيئة جداً».

ورغم محاولات الأمين العام للحلف مارك روته طمأنة القادة بشأن التزام واشنطن، فإن تصريحات ترمب أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل لا تزال المظلة الدفاعية الأميركية مضمونة؟

ففي الوقت الذي يفاخر فيه روته بأن ضغوط ترمب ساعدت في دفع الأوروبيين والكنديين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، بعدما تعهدت دول الحلف بتخصيص ما لا يقل عن 5 في المائة من ناتجها المحلي للأمن، يبقى القلق الأوروبي قائماً من أن تتحول مطالب واشنطن إلى أداة ضغط سياسي دائم.

وزاد هذا القلق بعدما أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في منتصف يونيو (حزيران)، مراجعة خلال ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ما أعاد إحياء المخاوف من تقليص القوات الأميركية على القارة.

أوكرانيا... تنازلات مفروضة؟

يمثل ملف أوكرانيا أحد أكثر مصادر القلق الأوروبي من سياسة ترمب الخارجية. فالرئيس الأميركي يكرر اعتقاده بأن موسكو وكييف «تريدان التوصل إلى اتفاق»، وذلك بعد أيام من محادثة وصفها بأنها «جيدة جداً» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الأوروبيين يخشون أن تعني رغبة ترمب في تسوية سريعة دفع كييف نحو قبول تنازلات قبل أن تحصل على ضمانات أمنية كافية.

وفي ظل غياب مؤشرات ملموسة على استعداد الجانبين للتسوية، يسعى الأوروبيون إلى إعادة تأكيد التزامهم تجاه أوكرانيا، بحزمة مساعدات عسكرية جديدة والتزام سياسي متجدّد.

حرب إيران

تحولت الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إلى مصدر جديد للتوتر بين ترمب وحلفائه الأوروبيين. فمنذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير (شباط)، كثّف ترمب انتقاداته للدول الغربية التي نأت بنفسها عن النزاع. وفي أنقرة، قال إنه غير راضٍ عن «الناتو» لأن الحلفاء «لم يريدوا مساعدتنا» في مواجهة إيران، التي وصفها بأنها «الدولة الرئيسية الداعمة للإرهاب».

ويكشف هذا الخلاف حدود التضامن الأطلسي خارج الجغرافيا التقليدية للحلف. فالأوروبيون يترددون في الانخراط في حرب يرون أنها لم تُنسَّق معهم مسبقاً، وقد تضر بمصالحهم الأمنية والاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة والممرات البحرية. أما ترمب، فيتعامل مع الموقف الأوروبي بوصفه تخلّياً عن واشنطن في لحظة مواجهة استراتيجية.

تهديد إسبانيا

كانت إسبانيا أبرز هدف مباشر لهجوم ترمب على حلفائه الأوروبيين منذ أسابيع. فقد وصفها بأنها «قضية خاسرة»، واتهمها مجدداً بعدم المشاركة بما يكفي في الإنفاق الدفاعي داخل «الناتو»، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالقول إن الولايات المتحدة ستوقف كل أشكال التبادل التجاري معها.

وتحول الخلاف مع مدريد من نقاش داخل الحلف حول تقاسم الأعباء الدفاعية إلى تهديد اقتصادي مباشر ضد دولة عضو في «الناتو» والاتحاد الأوروبي. كما تداخل الملف مع موقف إسبانيا من حرب إيران، إذ رفضت مدريد دعم العمليات الأميركية، ما جعلها في نظر ترمب نموذجاً للحليف الأوروبي الذي لا يدفع كفايته دفاعياً ولا يساند واشنطن عسكرياً.

سيادة غرينلاند

أعاد ترمب فتح ملف غرينلاند بوصفه «قصية محورية» بالنسبة إليه، قائلاً إن الجزيرة التابعة للدنمارك «مهمة جداً للولايات المتحدة».

وأعادت تصريحاته التوتر مع كوبنهاغن إلى الواجهة، بعدما كان قد هدد في بداية العام بالاستيلاء على غرينلاند، حتى بالقوة، قبل أن يتراجع لاحقاً بعد أسابيع من الخطاب التصعيدي.

بالنسبة للأوروبيين، لا يتعلق الأمر بغرينلاند وحدها، بل بمبدأ السيادة داخل التحالف. فالدنمارك عضو في «الناتو»، وغرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية. لذلك،

أثارت تصريحات ترمب قلقاً أوسع من أن يصبح الحلفاء أنفسهم هدفاً لضغوط أميركية عندما ترى واشنطن أن مصالحها الاستراتيجية تبرر ذلك.

قاعدة دييغو غارسيا

اصطدم ترمب ببريطانيا على خلفية اتفاق جزر تشاغوس مع موريشيوس، محذراً من «التخلي» عن دييغو غارسيا، وهي القاعدة العسكرية البريطانية - الأميركية ذات الأهمية الاستراتيجية في المحيط الهندي.

واكتسب الخلاف حساسية إضافية بسبب ارتباط القاعدة بالتخطيط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه إيران. ويضع هذا الملف لندن في موقف بالغ الدقة: فهي تحاول تسوية نزاع سيادي طويل حول تشاغوس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقع دييغو غارسيا في البنية العسكرية الأميركية - البريطانية. أما ترمب، فينظر إلى أي تغيير في وضع القاعدة من زاوية أمنية صارمة، ويراه تهديداً لمصالح واشنطن العسكرية.

صورة ميلوني

أثار ترمب أزمة دبلوماسية مع روما، بعدما زعم أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «توسلت» إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي. ورفضت ميلوني هذه الرواية ووصفتها بأنها مفبركة، فيما عُدّت التصريحات في إيطاليا إهانة شخصية وسياسية لحليفة أوروبية مقربة من واشنطن.

ورغم أن الخلاف بدا في ظاهره شخصياً، فإنه عكس نمطاً أوسع في تعامل ترمب مع القادة الأوروبيين، حيث تختلط الاعتبارات الدبلوماسية بالهجمات الشخصية، ما يترك أثراً سلبياً على العلاقات الثنائية حتى مع الحكومات الأكثر قرباً منه سياسياً.

الرسوم الجمركية

إلى جانب الخلافات الأمنية، أعادت تهديدات ترمب التجارية ضد الاتحاد الأوروبي مخاوف الحرب التجارية عبر الأطلسي.

فبالنسبة إلى بروكسل، لا تنفصل مطالب واشنطن في الدفاع عن ضغوطها الاقتصادية: الحلفاء مطالبون بإنفاق دفاعي أكبر، وفتح أسواقهم أكثر، وتجنب معارضة الخيارات الأميركية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي وحرية شركات التواصل الاجتماعي.

وهذا يجعل العلاقة مع إدارة ترمب أكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر التوترات على «الناتو» أو أوكرانيا أو إيران، بل تمتد إلى التجارة والرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد، ما يعمق الإحساس الأوروبي بأن واشنطن تستخدم أدوات الأمن والاقتصاد معاً لفرض أجندتها.


قمة أنقرة تختبر وحدة «الناتو» بين دعم أوكرانيا وانتقادات ترمب

قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
TT

قمة أنقرة تختبر وحدة «الناتو» بين دعم أوكرانيا وانتقادات ترمب

قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

خرجت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة بتعهدات جديدة لدعم أوكرانيا، وتأكيد متجدد على التزام الحلف بالدفاع الجماعي، في وقت حاول فيه قادته إظهار وحدة الصف أمام التهديد الروسي وتداعيات حرب إيران وانتقادات سيد البيت الأبيض.

وهيمن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أجواء القمة، بعدما أشاد بنتائجها ووصف اجتماعاتها بأنها «جيدة»، معلناً في الوقت نفسه خطوة نوعية لصالح كييف عبر منحها ترخيصاً لتصنيع منظومات «باتريوت» الدفاعية. لكن نبرة ترمب الإيجابية تجاه أوكرانيا قابلتها انتقادات حادة لحلفاء أوروبيين داخل «الناتو». فقد عبّر عن امتعاضه من موقف الحلف من مساعيه للسيطرة على غرينلاند، وخصّ إسبانيا بانتقادات مباشرة واصفاً إياها بأنها «شريك سيئ» في الحلف، مجدداً تهديده بقطع العلاقات التجارية معها.

وبدت القمة محاولة مزدوجة لطمأنة كييف وتعزيز المسؤولية الدفاعية الأوروبية، من دون أن تنجح بالكامل في احتواء التوترات التي أعاد ترمب فتحها مع عدد من الشركاء الأطلسيين.

دعم أوكرانيا

تعهد قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتقديم دعم لأوكرانيا بقيمة 80 مليار دولار خلال العامين الحالي والمقبل على شكل معدات عسكرية ومساعدات تدريب.

وأكّد القادة، في البيان الختامي لقمتهم الـ36 التي عقدت في أنقرة يومي الثلاثاء والأربعاء تحت اسم «إعلان أنقرة»، أن أوكرانيا تساهم في الأمن عبر الأطلسي وأن الحلفاء يقفون صفاً واحداً في دعمهم الثابت لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها.

جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

كما أشار البيان إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا يمولون حالياً الغالبية العظمى من المساعدات الأمنية لأوكرانيا عبر قنوات ثنائية ومتعددة الأطراف، وأن «الناتو» يؤكد ضرورة أن يكون هذا الدعم عادلاً وقابلاً للتنبؤ ومستداماً على المدى الطويل. وشدد القادة على «التهديد طويل الأمد» الذي تمثله روسيا للأمن الأوروبي - الأطلسي، في وقت تتزايد فيه مخاوف بعض الدول المتاخمة لروسيا من احتمال لجوء موسكو إلى هجمات هجينة تجمع بين الوسائل العسكرية التقليدية والهجمات السيبرانية وأساليب الضغط غير المباشر.

أنظمة «باتريوت»

تبنّى الرئيس الأميركي، خلال لقائه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو»، نبرة أكثر إيجابية تجاه الحلف بعد اجتماعات القمة، قائلاً إن القادة عقدوا «اجتماعاً جيّداً»، ومبدياً إعجابه بالتقدم الذي حققته أوكرانيا في إنتاج الطائرات المسيّرة، ملوّحاً باحتمال استيرادها في المستقبل.

وفي تحوّل بارز، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع منظومات الدفاع الجوي «باتريوت». وقال خلال اجتماعه مع زيلينسكي: «سنمنحهم الحق في تصنيع باتريوت. سنريهم كيف يفعلون ذلك». وأضاف أنه يعتقد أن أوكرانيا قادرة على إنتاجها «بسرعة كبيرة». ويُعد هذا الإعلان مكسباً كبيراً لكييف التي تطالب منذ سنوات بالحصول على مزيد من هذه المنظومات، ثم بالحصول على ترخيص لإنتاجها محلياً، في ظل ارتفاع تكلفتها والطلب الكبير عليها وطول فترة تصنيعها، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».

ترمب يخاطب الصحافيين في مؤتمر صحافي شارك فيه أعضاء وفده بأنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

وعلى خلاف لقاءات سابقة اتسمت بالتوتر، بدا ترمب أكثر ودية تجاه الرئيس الأوكراني، مشيداً بما وصفه باستعداده للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وقال إن زيلينسكي «قام بعمل مذهل» وكان «فعالاً جداً» خلال الحرب، مضيفاً: «لقد طورنا في الواقع علاقة جيدة. من الصعب تصديق ذلك». كما أشار إلى أنه يعتقد أن اتفاقاً لإنهاء الحرب بات في الأفق، وأن واشنطن ستعمل على «نوع من حزمة أمنية» تقدمها لأوكرانيا.

كما ذكر ترمب أنه يرغب في أن يلتقي بوتين وزيلينسكي، لكنه أوضح أن اللقاء لن يكون على الأرجح في موسكو. ولفت إلى أن بوتين كان منفتحاً على الاجتماع، لكنه أراد استضافته في العاصمة الروسية، وهو ما رفضه ترمب نيابة عن زيلينسكي. وعندما سأل ترمب الرئيس الأوكراني مباشرة ما إذا كان سيقبل لقاء في موسكو، أجاب زيلينسكي مازحاً: «الأمر صعب، هناك كثير من المسيّرات الأوكرانية هناك... إنه خطر».

وجدد زيلينسكي، على هامش القمة، مطالبة بلاده بالانضمام إلى «الناتو»، مؤكداً أن القوات الأوكرانية اكتسبت خبرات قتالية كبيرة من شأنها تعزيز قدرات الحلف الدفاعية. كما أبرز قدرة أوكرانيا على التكيف عسكرياً وتنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية، قائلاً إن قوات بلاده «تقضي» في المتوسط على 30 ألف جندي روسي شهرياً.

البند الخامس وتحدّي غرينلاند

أكد قادة الحلف التزامهم الراسخ بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، لافتين إلى أن أي اعتداء على أحد الحلفاء هو اعتداء على الجميع.

وشددوا على أن بقاء الوحدة والتضامن والقوة الجماعية أساس للسلام والأمن والازدهار لمليار مواطن من الدول «الحرة والديمقراطية»، وعلى الالتزام بالنهج الشامل للردع والدفاع.

صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

لكن ترمب لم يُخفِ امتعاضه من عدد من شركائه في «الناتو»، قائلاً إنه غير راضٍ عن الحلف بسبب اعتراضه على مساعيه للسيطرة على غرينلاند، وعدم دعم أعضائه حربه ضد إيران. كما جدّد مطالبته بجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مؤكداً أنها «مهمة جداً» للولايات المتحدة، وأن واشنطن «تحتاج إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».

وردّت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن بالقول إن بلادها «مستعدة للدفاع عن كل شبر من أراضي (الناتو)، بما في ذلك أراضينا»، مؤكدة أنها ستعتمد على الحلفاء للوفاء بالتزامهم الدفاعي المشترك في حال وقوع هجوم. وشددت، في رد مباشر على تصريحات ترمب، على أن «غرينلاند ليست للبيع بالطبع».

كما وجّه ترمب انتقادات حادة إلى دول أوروبية رفضت المشاركة في حرب إيران، وخصّ إسبانيا بالهجوم واصفاً إياها بأنها «شريك سيئ في (الناتو)»، مجدداً تهديده بقطع العلاقات التجارية معها.

في المقابل، سعى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى التقليل من شأن تهديدات ترمب، قائلاً إن العلاقة الثنائية بين مدريد وواشنطن «إيجابية»، وإن إسبانيا أوفت بالتزاماتها في الإنفاق الدفاعي لعام 2026. وأوضح سانشيز أنه تحدث لفترة وجيزة مع ترمب على هامش قمة أنقرة، وأن الحديث بينهما لم يتجاوز «كلمات ودية ولطيفة»، مضيفاً: «تحدثنا عن كرة القدم، وعن كأس العالم في الولايات المتحدة... كانت دردشة غير رسمية».

الإنفاق الدفاعي

سعى قادة حلف «الناتو» إلى إظهار أنهم يستجيبون لمطالب ترمب بزيادة الإنفاق الدفاعي. وأشار الأمين العام مارك روته إلى دول مثل إستونيا ولاتفيا وبولندا والدنمارك التي رفعت استثماراتها الدفاعية، لكنه لفت إلى أن إدارة ترمب تتوقع من الأوروبيين وكندا «مساواة» إنفاقهم مع الولايات المتحدة.

وكان روته قد توجه الشهر الماضي إلى واشنطن للإشادة بما سمّاه «تريليون ترمب»؛ في إشارة إلى 1.2 تريليون دولار أضافها الحلفاء الأوروبيون وكندا إلى الإنفاق الدفاعي منذ وصول ترمب إلى السلطة عام 2017. كما استضاف، مع توافد القادة إلى أنقرة، فعالية لعرض الصفقات المخطط لها في إطار الإنفاق الدفاعي المتزايد، على أن يذهب جزء كبير منها إلى شركات أميركية بما يخلق آلاف الوظائف في الولايات المتحدة، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».

الرئيسان التركي والفرنسي برفقة أمين عام «الناتو» على هامش قمة أنقرة يوم 8 يوليو (د.ب.أ)

وذكر البيان أنه تم الاتفاق خلال منتدى الصناعات الدفاعية في أنقرة، الثلاثاء، على مشتريات جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، مؤكداً التزام قادة الحلف بتوسيع القدرات التصنيعية الجماعية، والعمل مع القطاع الصناعي لتسريع وتيرة الابتكار.

وقال رؤساء دول وحكومات «الناتو»، في بيانهم الختامي: «سنواصل جهودنا لإزالة الحواجز التجارية الدفاعية بين الحلفاء، والاستفادة من شراكات (الناتو) لتعزيز عمق الصناعات الدفاعية والتعاون فيها».

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد، في كلمته في افتتاح الجلسة الرئيسية لقمة «الناتو»، أهمية رفع القيود المفروضة بين الحلفاء في مجال التعاون الدفاعي، بوصفه خطوة ضرورية لتحقيق «هدف الناتو 3.0».

وقال إن تركيا اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لرفع نسبة إنفاقها الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج الإجمالي قبل حلول عام 2030، مشيراً إلى أنها تقدم بالفعل 1.5 في المائة من الموازنة للنفقات المرتبطة بالأمن والقدرة على الصمود، «وبذلك نستهدف بلوغ نسبة 5 في المائة قبل حلول عام 2035، وهو الموعد المحدد في لاهاي».

«الناتو 3.0»

تريد إدارة ترمب الدفع نحو ما تصفه بـ«الناتو 3.0» يكون أكثر رشاقة، وتتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، بما في ذلك أوكرانيا، عبر الأسلحة التقليدية، فيما تواصل الولايات المتحدة توفير المظلة النووية.

وفي هذا السياق، أطلق البنتاغون مراجعة تستمر ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ما دفع الحلفاء إلى السعي للحصول على توضيحات بشأن مدى عمق التخفيضات التي يعتزم ترمب إدخالها على أعداد القوات الأميركية.

ترمب يخاطب مؤتمراً صحافياً في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

وقال روته إن الحلفاء «رحبوا بحرارة» بقيادة ترمب، رغم أن الرئيس الأميركي أعاد فتح جروح قديمة بشأن غرينلاند وإسبانيا. وأضاف أن قيادة ترمب «تحول هذا الحلف وتجعله أقوى»، مشدداً على أن رسالة القمة بسيطة: «الناتو ينجز».

بدوره، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن القمة ساهمت في إبقاء الحلف متماسكاً، وإن توقعاته منها تحققت بأكثر مما كان ينتظر. وأضاف أنه يعود إلى ألمانيا وهو يشعر بأن القادة قدموا مساهمة كبيرة في بقاء «الناتو» موحداً، وفي جعله أقوى وأكثر أوروبية، مشيراً إلى وجود «شعور جديد بالمسؤولية الأوروبية» داخل القاعة.

في السياق ذاته، قال قادة الحلف في بيانهم: «نبني المستقبل، أوروبا أقوى في حلف ناتو أقوى، حلف مُحدَّث يضطلع فيه الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، بمسؤولية أكبر عن دفاع الحلف، ويعتمد ردع (الناتو) ودفاعه على مزيج مناسب من القدرات النووية والتقليدية والصاروخية، مدعومة بأصول فضائية وسيبرانية».

وتابع البيان: «نحن ملتزمون بالحفاظ على تفوقنا القتالي، ونستثمر في قدرتنا على نشر قواتنا المسلحة وتمكينها ودعمها، وتحقيق أهداف قدراتنا في جميع المجالات، بما في ذلك الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والأنظمة غير المأهولة، والتقنيات المتطورة، والقدرات الاستخباراتية، ونعمل على تطوير سحابة عمليات قتالية عابرة للأطلسي قابلة للتشغيل البيني، ونعتمد نماذج ذكاء اصطناعي متطورة».


مستشار رئاسي: زيلينسكي وترمب والشرع يجرون محادثات قصيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)
TT

مستشار رئاسي: زيلينسكي وترمب والشرع يجرون محادثات قصيرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة (أ.ب)

كشف مستشار رئاسي أوكراني للصحافيين أن ‌الرئيس ‌فولوديمير ​زيلينسكي ‌أجرى ⁠محادثات ​ثلاثية قصيرة مع ⁠الرئيسين الأميركي دونالد ⁠ترمب ‌والسوري ‌أحمد ​الشرع ‌على هامش قمة ‌حلف شمال الأطلسي ‌في أنقرة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأعلن ترمب، اليوم (الأربعاء)، أنه سيجيز لأوكرانيا تصنيع صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي، وذلك خلال لقائه زيلينسكي في تركيا.

وقال الرئيس الأميركي، وهو جالس إلى جانب نظيره الأوكراني: «سنمنحكم ترخيصاً لتصنيع (باتريوت)». وأضاف للصحافيين: «لم نبلغ الشركة بذلك بعد، لكن الأمور ستسير على ما يرام».

وناشد زيلينسكي مراراً الحصول على الصواريخ الاعتراضية الأميركية الصنع، وهي السلاح الوحيد في ترسانة أوكرانيا القادر على إسقاط المقذوفات الباليستية ‌التي يصعب ‌وقفها بسبب سرعتها ​العالية ومسارها ‌شديد ⁠الانحناء.

وكان من ​المتوقع أن ⁠يطرح هذه المسألة مع ترمب خلال اجتماعهما.