«محاولات 1» يجسّد بدايات 7 فنانين في الخرطوم

معرض يشمل بورتريهات للوجوه بخلفيات بيضاء وبراويز سوداء

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«محاولات 1» يجسّد بدايات 7 فنانين في الخرطوم

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

لا يملك زائر معرض «محاولات 1» المقام في صالة عرض مركز راشد دياب للثقافة والفنون بالخرطوم، غير أن يتفاجأ من حجم إبداع الفنانين؛ في أول الطريق استغلوا مخيلتهم لتحويل الواقع إلى تفاصيل تشكيلية نلاحظ فيها وجود الماء والظل والضوء كرمز للعديد من الحكايا والأحداث في لحظات معينة تقترب من تحصيل تجربة متفردة، وهي محاولات لإخراج إحساس ينبض بأمل كبير في حياة جمالية.
يركز المعرض على بورتريهات للوجوه وُضعت في سياقات خاصة ضمن خلفيات بيضاء وبراويز رفيعة باللون الأسود، بعضها بلا إطارات نراها معلقة منفردة عند مدخل المعرض، الذي يضمّ أكثر من 20 لوحة لسبعة فنانين، ترتيبها يوحي بهندسة مميزة تُظهر شغف راسميها في التعريف بانفعالاتهم عبر حضور بشري في جميع اللوحات.
يتوقف الزائر عند بعض اللوحات المكررة أثناء ترحاله بين مجموعة الأعمال المعروضة ليشبع فضوله ومحاولة فهم ما يحدث ليكتشف أن التكرار هذا كان بفعل التحدي بين الرسامين لإثبات قدراتهم على فهم اللحظة وتجسيدها من زوايا مختلفة.
ويحمل الملصق الدعائي للمعرض صوراً لـ7 لوحات تُظهر وجوهاً تمثل مشاركات كل الفنانين في المعرض، وهم مأمون بابو عثمان، وشيماء سيف الدين، ومحمد عز الدين، ومحمد علي، ومؤيد حسن حامد، وعمر إسماعيل بوي، ومحمد أرباب الفضل.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» يعلق الفنان التشكيلي راشد دياب على المعرض قائلاً: «إنه لفنانين شباب في بداية طريقهم الفني لم يتلقوا دورساً فنية، ولديهم قدرة عالية على الإحساس والانفعال مع لحظات إنسانية استطاعوا منحها جمالية بمواهبهم».

عمل للفنان محمد أرباب (الشرق الأوسط)  -    عمل للفنان محمد علي النور   -   عمل للفنان محمد أرباب (الشرق الأوسط)

ويضيف دياب، أن مركزه سعيد بتنظيم هذا المعرض لاكتشاف مدى ثراء هؤلاء الفنانين، وهذا التنوّع الذي قدّموه في أعمالهم يدل على مستقبل فيه الكثير من الجمال الذي لا ينضب ويظهر معانقة لثقافات مختلفة.
وتقول الفنانة التشكيلية شيماء سيف الدين، التي تشارك في المعرض بثلاث لوحات، إنه بالنسبة لها مشروع بالغ الأهمية باعتباره أول خطوة في طريقها لاحتراف الفن، وتضيف أن اسم المعرض يشرح مضمون الأعمال المقدمة من قبل الفنانين المشاركين.
أما التشكيلي عمر إسماعيل بوي (طالب في كلية الهندسة)، فيقول إن «مشاركتي في معرض (محاولات 1) تأتي بعد شعوري بأنني صقلت موهبتي، وبدأت أستعمل عدداً مختلفاً من الخامات، بعدما كنت أرسم بالرصاص فقط، فضلاً عن تشجيع أسرتي لي لاحتراف الرسم بعد مشاركتي في الرسم السوداني، بالإضافة إلى معرض باسم (مونديال قطر)».
وأقر محمد علي النور (تشكيلي)، بأن معرض «محاولات 1» يمثل فرصة لإعطاء المبتدئين من الرسامين التشكيليين مزيداً من الصقل والاحتكاك بالوسط التشكيلي، ومتذوقي الفنون، مضيفاً أنه اغتنم هذه الفرصة لتطوير موهبته، وقد شارك بعدد من الأعمال، منها لوحة لهيكل عظمي يقرأ في كتاب، وأخرى تجسّد وجه امرأة يغطيه النمش، ويتابع مؤكّداً أنه يميل إلى رسم وجوه النساء لتفاصيل الجمال الموجودة فيها، التي يمكن توظيفها بطريقة إبداعية مبتكرة.
وتحدث التشكيلي محمد عز الدين عن علاقته بالرسم وكيف تشكل حبه وشغفه قائلاً: «كنت دائماً أرسم على حيطان منزلنا منذ نعومة أظافري، وأترجم ما يدور في خيالي بشخبطات، إلى أن تعلمت أساسيات الرسم من بعض الفنانين، وكوّنت رؤيتي الخاصة في2020 لتأتي مشاركتي في معرض (محاولات1) أول خطوة في مشواري الفني، وأنا اليوم أشارك بثلاث لوحات ولم أختر اسماً لها، بل تركتها للجمهور»، مضيفاً: «ما زلت أرسم بالرصاص ولم أجرب بعد أي خامات أخرى من الألوان».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
TT

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

يضع مارون الحكيم في معرضه «غابة الحرّية» («ريبيرث بيروت»)، المُتلقّي أمام تجربة تشكيلية تُبنَى تدريجياً حول مفهوم الحرّية كما يصوغه في لوحاته. المُتأمِّل في اللوحات يُدرك أنّ الحرّية فعل يوميّ يتجدَّد وقرار يُصاغ مع كلّ ضربة فرشاة، وربما طريق يعبُر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة.

يتشكّل فضاء يحتفي بالحياة ويترك للعين اكتشاف مساراتها الخاصة (الشرق الأوسط)

منذ الانطباع الأول، تستوقف المُتلقّي اندفاعة لونية كثيفة. فالرشقات متعدِّدة الطبقات، والبقع سميكة تُشبه انكسارات ضوء، والمساحات تتبدَّل بين الضبابيّ واللامع. هذا الأثر التقني جزء من بناء المعنى. فالنصّ الفرنسي المُرافق لكاتالوغ المعرض يقرأ كلّ ضربة فرشاة على أنها قرار يَفتح ممرّاً غير متوقَّع داخل مساحة لم تكن موجودة قبل الفنان، ويقترح أنَّ ما يظهر على القماش هو ولادة حرّية مُمكنة في كلّ مرّة. تتقاطع الفكرة مع ما يكتبه مارون الحكيم في نصّه العربي عن اللون الذي يراه «سليل الضوء» وروح اللحظة، وعن الانفعال وهو دافع أوليّ يُخرج العمل من إطار الحرفة إلى منطقة الحياة بتقلّباتها.

التكوين يولد من توازن دقيق بين الصرامة والانفتاح (الشرق الأوسط)

تقود الطبيعة المشهد من دون أن تُختَزل في منظريّة تقليدية. عناوين مثل «رياض الألوان»، «تنهدات التراب»، «استراح الظلّ، انهمر النور»، «غيمة تمتلئ سرّاً بالمطر»، «سرير الغيوم»، و«موج الزبد الملوّن»... تُقيم قاموساً يُجاور الحسّ الشاعري مع حسّ رصين في بناء الصورة. اللوحات تؤكد هذه الروح عبر حقول تشتعل بنقاط لونية، وطبقات من الأزرق والذهب تتحرَّك بخفَّة مُتموِّجة، وبقع خضراء وحمراء تتدلَّى على السطح مثل أوراق رطبة أو ثمار لا تبحث عن شكل نهائي. الطبيعة عند مارون الحكيم تقيم داخل اللوحة كأنها قوة مولَّدة تُعطي المعنى من جوهر اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر.

إلى جانب هذا المسار، تظهر المدينة مثل جرح مستمرّ ومحاولة مستمرّة أيضاً. أعمال مثل «المدينة الصابرة»، «حرّاس المدينة الجريحة»، «المدينة المهدّمة»، «أهوال تعصف بهذه الأرض»... تستحضر الواقع اللبناني داخل البنية البصرية من دون أن تُفقد العمل توازنه الفنّي. الحكيم يكتب عن الخوف الناتج عن عدم الاستقرار والحروب، وعن صبر وتحدٍّ وإيمان يواجه المصاعب. هذه المفردات تتجلّى بصرياً عبر كتل مُتكسّرة وخطوط تحمل أثر عمران متداعٍ، ثم تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تشقُّ العتمة. اللوحات تظهر المدينة مثل مربَّعات متراصّة داخل إطار حادّ، وفوقها مساحة صفراء كبيرة تُشبه شمساً قريبة أو سقفاً من نور، كأنَّ اللوحة تقترح عمارةً جديدة داخل المُخيّلة قبل أن تتكرَّس على الأرض.

حضور الجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، يفتح محوراً ثالثاً في «غابة الحرّية». أعمال «ولادة حوّاء»، «جنّة عدن»، «دوّامة الحبّ والحرّية»، و«أجساد تكتب قصائدها»... تضع المرأة في مركز الفضاء وتُصوّرها طاقة بدء وتجدُّد. يُصرِّح مارون الحكيم بأنّ الجسد الإنساني لديه حقيقة مُطلقة ورمز للبراءة الأولى، بعيداً عن سياقه الاجتماعي المباشر وقريباً من أصله الأسطوري الأول. في إحدى اللوحات، تبدو الأجساد ظلالاً واقفة تحت غابة من الألوان، تتلقَّى المطر اللونيّ ولا تذوب فيه، كأنَّ الجسد يتعلَّم كيف يحيا داخل الفَيْض ويحفظ حدوده من غير انغلاق.

الضوء عبر الطبقات يمنح السطح عمقاً يتجاوز النظر الأول (الشرق الأوسط)

الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف والذاكرة مع التطلُّع. لهذا تظهر عناوين مثل «مهرجان الضوء والماء»، «أحيك أريج الألوان»، «إبحار في وساعة الحلم»، و«فرح لا يعرف الاختباء»... علامات على فلسفة قوامها الانفعال والتخيُّل الذي هو «البصمة الشخصية» للعمل. التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات.

طبقات من اللون تتقدّم بثقة كأنَّ كلّ ضربة فرشاة أثرُ قرار لا رجعة فيه (الشرق الأوسط)

دعم الدكتور طوني كرم للمعرض ينعكس في نصّ إنجليزي يُقدّم الحكيم ركناً من أركان الفنّ اللبناني، مع تركيز على البُعدين النفسي والعاطفي في عمله، وانتقاله بين التصوير والنحت وبين المجاز والتجريد. هذه القراءة تلائم ما يقترحه المعرض الذي يتحرَّك على محور داخلي - خارجي يتقدَّم عبره الجسد بثقله الرمزي، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع وتخفّف الاضطراب، فتتَّضح فكرة الهدنة التي يُسمّيها الفنان شرطاً للخلق، وتتراءى على هيئة لحظة سكينة ضرورية لتمتدَّ اليد نحو ما عاشته من حزن وقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفنّي.

علامات تتراكم ثم تتراجع في حركة تُشبه إعادة التفكير في المعنى (الشرق الأوسط)

المعرض يُقدّم الحرّية على أنها شيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب مرّة تلو مرّة. حرّية تخرج من اللوحة لتضع المتلقّي أمام تساؤل مارون الحكيم القديم المتجدِّد: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ثم تتركه يمشي داخل الجواب.


«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
TT

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول إن فيلمه الروائي الطويل الأول «كبرتُ بوصةً عندما مات أبي» يخرج من رحم سؤالٍ إنساني بسيط، لكنه موجع، وهو: ماذا يتبقى للأطفال حين يفقدون آباءهم؟ موضحاً أن العمل لا ينشغل بواقعة القتل في حد ذاتها، بقدر ما يتأمل أثرها العميق في نفسَي شقيقين يجدان نفسيهما فجأة أمام فقدٍ معقَّد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة ظاهرياً مع ابن قاتل والدهما.

وحصد الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي»، جائزة نتباك (NETPAC)، التي تُمنح لأفضل فيلم روائي طويل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقال باتيندول لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه لم يبدأ حلماً بصناعة فيلم عن جريمة، بل بدأ سؤالاً بسيطاً عن الصداقة، وعن قدرة الأطفال على تجاوز ما يعجز الكبار عن احتماله، لافتاً إلى أن «الفكرة وُلدت خلال تصوير فيلمي القصير السابق حين عدت إلى بلدتي في جزيرة ليتي بعد غياب يقارب العقدين، مدفوعاً برغبة في إعادة اكتشاف المكان الذي خرجت منه شاباً».

وأوضح أنه خلال جائحة «كورونا» كان عالقاً بين فترات الإغلاق في مانيلا، فبدأ يختبر كاميرا هاتفه المحمول، مصوِّراً تفاصيل يومية في شقته لأنه كان يعرف في داخله أنه إذا عاد إلى المقاطعة فلن يملك سوى هذا الهاتف كأداة للتصوير، مشيراً إلى أنه في عام 2021 قرر العودة فعلاً، لكنه وجد نفسه غريباً في مكانه الأول، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، فاستعان بوالديه لجمع بعض شباب القرية الذين لديهم فضول تجاه السينما.

المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول (الشرق الأوسط)

وقال إن «الفريق بدأ بخمسة فقط، يخرجون يومياً ساعتين أو أربع ساعات إلى ضفة النهر، ينتظرون الغروب، يتسلقون سفح الجبل، من دون سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي»، لافتاً إلى أن الشرارة جاءت مصادفة، حين لاحظ بعض أفراد فريقه يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما سأل عن السبب، قيل له إن الطفل هو ابن رجل قتل رجلاً آخر في شجارٍ بين أبَوين مخمورين أثناء الجائحة.

وتابع: «ما أثار دهشتي أن ابن القتيل كان يلعب في المكان نفسه، وأن الصبيين بقيا صديقين رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما»، مشيراً إلى أن هذا المشهد ظل يطارده، وتساءل كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف؟ ومن هنا، كما أكد، «بدأ الفيلم ينمو».

ولفت المخرج الفلبيني إلى أنه لم يكن مهتماً بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما بعدها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يحمله الأبناء عن آبائهم، لافتاً إلى أنه تعمَّد ألا يقترب من القصة الحقيقية مباشرة احتراماً لأصحابها، بل خلق حكاية مستقلة تنبع من السؤال نفسه.

وعن طريقة العمل، أوضح أنه كان صانع الأفلام المحترف الوحيد في الموقع، وأن جميع الممثلين وأفراد الطاقم تقريباً من أبناء بلدته، وأنهم لم يعملوا وفق نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، من دون ضغط لإنهاء عدد محدد من المشاهد يومياً. مؤكداً أن غياب الضغط جعله لا يشعر بتحديات بالمعنى المعتاد، لأنهم لم يكونوا يسابقون الوقت أو السوق، بل ينتظرون اللحظة الصادقة.

صور المخرج الفيلم في مسقط رأسه (الشركة المنتجة)

وعن الصعوبات التي واجهوها، قال: «أصعب ما واجهنا كان تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تربك استمرارية الإضاءة، لكنني كنت أفضّل التوقف والانتظار حفاظاً على سلامة الفريق، خصوصاً الأطفال»، موضحاً أنه في أحيان كثيرة كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحوِّل تلك اللحظات العفوية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، لأن روح العمل، كما قال، قائمة على الحرية.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه فكَّر أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يوافق، فتذكر طفلاً شاهده سابقاً يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه تحمس لاختياره، ثم انضم قريبُه وصديقه إلى المشروع، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.

وفيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرَّ بأنها شاقة، موضحاً أن «الحصول على تمويل ليس أمراً سهلاً في ظل محدودية المنح وكثرة صناع الأفلام، ومن ثم أنتجنا الفيلم على نفقتي الخاصة بمساعدة من والدي قبل أن أحصل لاحقاً على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج».

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان «تورونتو»، قال المخرج الفلبيني إنه لم يكن يتوقع الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عِدَّة من مهرجانات أخرى، مما جعل رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصله بعد أشهر من الانتظار، لدرجة أنه تأثر بشدة حتى دمعت عيناه، مؤكداً أن الفوز بجائزة «نتباك» منحه وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يجد صدى عالمياً.


«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended