رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

من مكتب صغير لتأجير الأفلام إلى أكبر منصة ترفيهية

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون
TT

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

ليست المسلسلات ظاهرة طارئة على المشهديّة الترفيهية. أول مسلسل بثّه تلفزيون «بي بي سي» سنة 1946 وتَحلّق حوله المشاهدون، تألّف من 10 حلقات وكان يُدعى «بنرايتس بروغرس Pinwright’s Progress»، لتكرّ بعده المسلسلات بالأسود والأبيض ثم بالألوان، والتي كان ينتظرها مُشاهد الأمس كما يفعل مُشاهد اليوم. الفارق بين الأمس واليوم كبير، إنما غير وحيد؛ وهو أن المتفرّج في الماضيين البعيد والقريب، لم يكن قادراً على اختيار توقيت المُشاهدة، بل كان يُفرَض التوقيت عليه.


مشهد من Pinwright’s Progress ، أول مسلسل عرضته BBC عام 1946
كم مرة حاول الناس ماضياً أن يختصروا دوامهم في العمل، أو أن يعتذروا عن دعوة إلى العشاء؛ حتى لا يفوّتوا حلقة جديدة من مسلسلهم المفضّل؟ كم مرّة سجّلوا الحلقة على آلة الفيديو كي يستطيعوا مشاهدتها في وقتٍ لاحق؟ وكم مرة تذمّروا لأنّهم فوّتوا حلقة من «دالاس»، أو «داينستي»، أو حتى «فريندز»؟
إلى أن جاء الخلاص من داخل مكتبٍ صغير في كاليفورنيا، انطلق عام 1997 لبيع وتأجير الأقراص المدمجة DVD عبر البريد الإلكتروني، ليتحوّل بعد 10 سنوات إلى أهمّ خدمة بث رقمي للمسلسلات والأفلام. في عام 2007، وُلد ما يُعرف بالفيديو حسب الطلب أو Video on Demand VOD. إنها «نتفليكس»، أو أقوى الثورات الترفيهية في الألفيّة الثالثة.
كان على العالم العربي أن ينتظر 9 أعوام حتى تَصلَه تلك الثورة. فمع بداية 2016، دخلت المنصة العالمية رسمياً وشرعياً إلى البيوت العربية. سرعان ما تحوّلت إلى رفيقة الكل، كباراً وصغاراً، مجموعاتٍ وفرادى. تؤنس وحدتهم، ترفّه عنهم، تجمعهم، وتتيح لهم مشاهدة ما يريدون، بمزاجهم، وفي التوقيت الذي يحددون والأهم، من دون إعلاناتٍ تزعجهم.


شعار منصة نتفليكس (رويترز)
«بيت من ورق»... صلبٌ ومتين
استلزمت التحوّلات الجذريّة في مسيرة المنصة سنوات من التفكير والدراسات. صحيح أن البث بدأ سنة 2007، إلا أن الإنتاجات الخاصة المعروفة بـNetflix Originals لم تظهر سوى في عام 2013.
كانت الانطلاقة الحقيقية لإنتاجات «نتفليكس» مع «بيت من ورق House of Cards» في فبراير (شباط) 2013. افتتح ذاك المسلسل حقبة جديدة في تاريخ منصات البث الرقمي، وأحدثَ ضجة هائلة، ليس لكونه باكورة الإنتاجات الخاصة فحسب، بل لمحتواه المثير للجدل. معه، ثَبُت أن الاهتمام كبير بكواليس عالم السياسة. إذ يروي المسلسل حكاية صعودِ فرانك أندروود (يؤدي الدور كيفن سبايسي) إلى سدّة الرئاسة الأميركية، معتمداً بالتعاون مع زوجته كلير (روبن رايت)، كل الأساليب الملتوية واللاأخلاقية من أجل الوصول.


حظي المسلسل بحملة تسويقية ضخمة. حتى الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ذكره في مقابلات وتغريدات عدّة. وقد نتج من تلك الفَورة، ارتفاع لافت في أسهُم «نتفليكس» في البورصة. ومنذ الموسم الأول لـ«هاوس أوف كاردز»، تحوّلت الشركة إلى إنتاج المسلسلات والأفلام، ولم تعد تكتفي ببث ما ينتجه سواها. كما أنها كسرت حينها محظوراتٍ كثيرة، فتجرأت على بث موسمٍ كامل دفعة واحدة، مكرّسة بذلك ظاهرة الـbinge - watch أو مشاهدة الحلقات كلها في جلسة واحدة، كاسراً محظوراً آخر، دخل المسلسل سباق الـ«إيمي» Emmy Awards والـ«غولدن غلوب» حاصداً جوائز عدة، ما شكّل اعترافاً رسمياً وسط المحافل الفنية العالمية، بإنتاجات «نتفليكس» الخاصة.
مع مرور المواسم بدأت أوراق المسلسل تتهاوى، وسط انتقاداتٍ متمحورة حول التكرار والنصوص المملّة والمشاهد غير المنطقيّة. وقد عزّز ذلك خروج الممثل سبايسي بعد الموسم الخامس، لاتهامه بفضائح جنسية. فكان الموسم السادس الورقة الأخيرة في بيتٍ انطلقَ متيناً ثم تهاوى، لكنه بقي علامة فارقة ونقطة تحوّل في تاريخ منصات البث.

* «هاوس أوف كاردز» بالأرقام
- عدد المواسم 6 (2013 - 2018)
- الميزانية التقديرية 5 ملايين دولار بالحلقة
- سهم «نتفليكس» بعد الموسم الأول من 174 إلى 216$
- عدد المشتركين الجدد بعد الموسم الأول 3 ملايين
- عدد مشاهدي الموسم الثاني بعد 48 ساعة من بثه 670000
- أهم الجوائز: 7 «إيمي» و2 «غولدن غلوب»

البحث عن هوية عربية
فتح «هاوس أوف كاردز» شهية «نتفليكس» على النجاحات والإنتاجات، فتوالت المسلسلات التي شكّلت ظواهر وانتشرت على نحوٍ واسع. النجاح التالي الذي كان بانتظار المنصة العالمية، أتى مع «البرتقالي هو الأسود الجديد Orange is the New Black». بين الدراما والكوميديا تَأرجح المسلسل الاجتماعي، وسط ترحيب الجمهور الذي واظب على متابعته لـ7 مواسم متتالية.
في صيف 2015، أهدت «نتفليكس» مشاهديها مسلسلاً سرق وقتهم والقلوب. إلى البيوت دخل ملك التهريب بابلو إسكوبار من خلال «ناركوس»، الذي صُوّر في كولومبيا وامتدّ 3 مواسم. جذب عالم المافيا وأسطورة بارون كارتل المخدرات الأشهر على الإطلاق، المشاهدين الذين صنّفوه من أقوى مسلسلات «نتفليكس».

لم تكد تمرّ أشهر على انطلاقة «ناركوس»، حتى أصدرت المنصة الأميركية سلسلة أعمال لاقت انتشاراً واسعاً، لعل أبرزها «أشياء غريبة Stranger Things» الذي ما زال حتى الساعة، يشعل أرقام المشاهَدات. وفي عام 2016 كذلك، تحلّق الجمهور حول مسلسلاتٍ كـ«لوسيفير Lucifer»، و«التاج The Crown».
مع توسّع «نتفليكس» خارج الحدود الأميركية ودخولها إلى أكثر من 190 بلداً، صار لا بدّ من إنتاج مسلسلات من الشرق والغرب وناطقة بكل اللغات، لتحاكي الجماهير الجديدة. وبعد ظاهرة «لا كاسا دي بابيل La Casa de Papel» الإسبانية سنة 2017، حان دور العالم العربي الذي قررت «نتفليكس» دخوله من بوابة الأردن وتحديداً من زاوية الخيال والأساطير والجان.
أبصر أول مسلسل عربي من إنتاج المنصة العالمية النور في يونيو (حزيران) 2019، إلا أن «جن» لم يحصد النجاح الجماهيري ولا الأصداء التي حصدها العمل الأردني الثاني «مدرسة الروابي للبنات» (2021).


لم يمرّ المسلسل من دون إثارة جدليّة واسعة، وانقسامٍ في الآراء حول محتواه الجريء إنّما الواقعيّ. ورغم الأصوات المعترضة، فقد حقق العمل انتشاراً واسعاً على امتداد العالم العربي؛ نظراً لمواضيعه الطالعة من صلب المجتمع، كالتنمّر، والتحرّش الجنسي، وجريمة الشرف، وغيرها. وتأكيداً لنجاح الموسم الأول، قررت «نتفليكس» إنتاج موسمٍ ثانٍ من «مدرسة الروابي» من المتوقّع أن يُعرض قريباً.
وفيما يبدو خطّة توسّعية لـ«نتفليكس» مستمرة منذ أكثر من 4 أعوام على امتداد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استثمرت المنصة وما زالت، الجهود ورأس المال في إنتاج أعمال عربية أخرى. ومن مسلسلات «نتفليكس» العربية الأصلية: «دولار» (2019)، «ما وراء الطبيعة» (2020)، «أبلة فاهيتا: دراما كوين» (2021)، و«البحث عن عُلا» (2022)، و«الصفقة» (2023).

 


مقالات ذات صلة

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

مسلسل «بريدجرتون» في موسمه الرابع يخوض من جديد قصص الحب غير المألوفة. هذه المرة، بينيديكت بريدجرتون يقع في غرام خادمة.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد لقطة جوية التقطتها طائرة مُسيّرة لشعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

عرض نقدي ضخم من «نتفليكس» يعقّد مساعي «باراماونت» للاستحواذ على «وارنر بروس»

حوّلت «نتفليكس» عرضها للاستحواذ على أصول الاستوديوهات وخدمات البث المباشر التابعة لشركة «وارنر بروس ديسكفري» إلى عرض نقدي بالكامل.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )
يوميات الشرق رواية «لغز المنبّهات السبعة» لأغاثا كريستي تتحول إلى مسلسل (نتفليكس)

«المنبّهات السبعة» على «نتفليكس»... أغاثا كريستي تستحق أفضل من ذلك

رائدة رواية الجريمة أغاثا كريستي للمرة الأولى في إنتاج أصلي لـ«نتفليكس»، لكن «المنبّهات السبعة» لا يشفي غليل محبّي اللغز، والإثارة.

كريستين حبيب (بيروت)

هل يمنعك الخوف من خوض تجارب جديدة؟ تعرّف إلى الـ«نيوفوبيا»

رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة (بيكسلز)
رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة (بيكسلز)
TT

هل يمنعك الخوف من خوض تجارب جديدة؟ تعرّف إلى الـ«نيوفوبيا»

رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة (بيكسلز)
رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة (بيكسلز)

يتغيّر كل شيء من حولنا باستمرار: وظيفة جديدة، مدينة جديدة، علاقة جديدة، وحتى تجربة طعام لم نعتده من قبل. وبينما ينجح كثيرون في التكيّف مع هذه التحولات بمرور الوقت، يجد آخرون أنفسهم أمام شعور عميق بالانزعاج أو الخوف كلما طُرحت أمامهم تجربة غير مألوفة. هذا الخوف الشديد والمستمر من كل ما هو جديد يُعرف باسم «رهاب الجديد» أو «النيوفوبيا»، وقد يتجاوز مجرد القلق العابر ليؤثر فعلياً في مسار الحياة اليومية.

ما هو رهاب الجديد؟

رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة. تعود تسمية المصطلح إلى أصل يوناني؛ إذ تعني كلمة «نيو» الجديد، و«فوبوس» الخوف. ورغم أن الشعور بالحذر تجاه المجهول يُعد استجابة إنسانية طبيعية، فإن رهاب الجديد يتخطى حدود التوتر المعتاد، وقد يتحول إلى عائق حقيقي يحدّ من قدرة الشخص على خوض تجارب جديدة أو استثمار فرص مهمة.

فبدلاً من الشعور بقدر بسيط من القلق قبل خوض تجربة غير مألوفة، قد يدفع رهاب الجديد صاحبه إلى تجنب الفرص بالكامل، سواء كانت مهنية أو اجتماعية أو تعليمية، مما يعرقل نموه الشخصي وتطوره العملي.

رهاب الجديد لدى الأطفال... خصوصاً في الطعام

لا يقتصر هذا النوع من الخوف على البالغين. فحسب المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة، يُعد سلوك النفور من الطعام الجديد أكثر شيوعاً بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات. وتُعتبر هذه المرحلة فترة حاسمة لتشكّل العادات الغذائية التي قد تستمر مدى الحياة وتؤثر في الصحة العامة مستقبلاً.

ونظراً لمحدودية الوعي بهذه الظاهرة، قد لا ينتبه كثير من الآباء إلى وجود نفور واضح لدى أطفالهم من تجربة أطعمة جديدة، أو قد يسيئون تفسير هذا السلوك. وتشير بعض الدراسات إلى أن الانتشار الفعلي للنفور من الطعام الجديد قد يكون أقل من الواقع المُسجَّل، بسبب عدم إدراك الأهل أو سوء فهمهم لطبيعة السلوك الغذائي لدى الطفل.

أعراض رهاب الجديد

يمكن أن يظهر رهاب الجديد في صورة أعراض عاطفية وجسدية وسلوكية، من أبرزها:

- قلق شديد عند مواجهة أي تغيير

- خوف واضح من الأشياء أو البيئات غير المألوفة

- تسارع ضربات القلب أو التعرّق عند التعرّض لمواقف جديدة

- الميل إلى توقع أسوأ الاحتمالات

- الشعور بالعصبية أو التعاسة عند حدوث تغييرات مفاجئة

وعند الأطفال، غالباً ما يتجلّى رهاب الجديد في صورة «رهاب الطعام»، أي الرفض المستمر لتناول أطعمة لم يسبق لهم تجربتها.

كيف يمكن التغلب على رهاب الجديد؟

1. ابدأ بخطوات صغيرة

إدخال تغييرات بسيطة في نمط حياتك قد يكون بداية فعّالة. يمكنك مثلاً زيارة مقهى جديد، أو سلوك طريق مختلف للعودة إلى المنزل. هذه الخطوات الصغيرة تُدرّب العقل تدريجياً على تقبّل المستجدات.

2. اسأل نفسك: ما النتيجة الحقيقية؟

في كثير من الأحيان، تكون المخاوف المرتبطة بالتجارب الجديدة مبالغاً فيها. إعادة تقييم السيناريوهات التي يتخيلها العقل قد تكشف أن العواقب ليست بالسوء الذي نتصوره.

3. مارس التعرض التدريجي

التعوّد على المواقف غير المألوفة أفضل من تجنبها. فكل تجربة جديدة يتم خوضها بنجاح، ولو كانت بسيطة، تُقلل من حدة الخوف وتُعزز الشعور بالقدرة على التكيف.

4. اطلب المساعدة المتخصصة

إذا كان مجرد التفكير في التغيير يُسبب إرهاقاً نفسياً شديداً، فقد يكون من المفيد اللجوء إلى مختص نفسي. يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب الفعّالة في إعادة صياغة أنماط التفكير المرتبطة بالخوف، ومساعدة الشخص على التعامل معه بطريقة أكثر توازناً.

في المجمل، يُعد الخوف من المجهول استجابة إنسانية طبيعية. إلا أن السماح لهذا الخوف بأن يوجّه قرارات الحياة قد يُقيّد الإمكانات ويمنع تحقيق فرص مهمة.


شعور بعدم التقدير؟ 7 استراتيجيات فعّالة لمواجهته

مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة سواء مع مديرك أو أطفالك (بيكسلز)
مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة سواء مع مديرك أو أطفالك (بيكسلز)
TT

شعور بعدم التقدير؟ 7 استراتيجيات فعّالة لمواجهته

مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة سواء مع مديرك أو أطفالك (بيكسلز)
مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة سواء مع مديرك أو أطفالك (بيكسلز)

الشعور بعدم التقدير تجربة شائعة لكنها قد تكون مؤلمة، سواء في المنزل، العمل، أو العلاقات الاجتماعية. وقد يترك تقديم الوقت والجهد لمساعدة الآخرين أو إنجاز مهام معينة، ثم ملاحظة قلة الاعتراف أو الامتنان، أثراً سلبياً على حالتك النفسية، ويولد مشاعر الغضب أو الاستياء. لحسن الحظ، هناك استراتيجيات عملية تساعدك على التعامل مع هذا الشعور، وتحويل التجربة إلى فرصة للنمو الشخصي والحفاظ على علاقاتك، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

1. ابحث عن التقدير من خلال الأفعال

عدم سماع كلمة «شكراً» لا يعني بالضرورة أن الآخرين لا يقدّرون جهودك. فليس كل الناس يستخدمون الكلمات للتعبير عن الامتنان. قد يظهر تقديرهم بطرق مختلفة:

- احتضان شريك حياتك لك

- تحية ابنك المراهق بحرارة

- دعوة زميلك في العمل لتناول الغداء

- دفع صديقك ثمن قهوتك

خذ لحظة لتتأمل في هذه الأفعال، فقد تكتشف أن الآخرين ممتنون لك أكثر مما كنت تعتقد.

2. قل «لا» أكثر

كلما زاد ما تقدمه للآخرين دون تذمر، زادت توقعاتهم منك، وقد ينسون تقدير كل ما تفعل. قد يكون قول «لا» مفيداً، خصوصاً إذا كنت معتاداً على إرضاء الآخرين. يمكنك رفض دعوة اجتماعية أو طلب خدمة بشكل لطيف، لتذكير نفسك والآخرين بأنك لست مُلزماً بكل شيء، وأن وضع الحدود أمر صحي.

3. اظهر بعض اللطف لنفسك

إظهار اللطف لا يعني تجاهل مشاعرك، بل تعزيز شعورك بالرضا. فكر فيما إذا كانت مساعدة الآخرين تمنحك شعوراً بالإنجاز أو السعادة، حتى لو لم يقدّروا جهودك بالقدر الذي ترغب فيه. كما قد تتيح لك هذه اللحظات فرصة لصقل مهاراتك، مثل الصبر، أو للاستمتاع ببعض الوقت لنفسك، مثل الاستراحة أثناء القيادة.

4. قدّر الآخرين

التركيز المفرط على عدم التقدير الذي تتلقاه قد يجعلك تنسى أن تُظهر التقدير للآخرين. إظهار الامتنان بالقول أو الإشارة لكلمة «شكراً» قد يُلهم الآخرين بدورهم لتقديرك. اشكر عائلتك وأصدقاءك على ما يقدمونه لك، ويمكنك حتى إرسال رسالة صغيرة لتذكيرهم بمدى امتنانك لهم.

5. أعد صياغة أفكارك السلبية

راقب الأفكار المبالغ فيها، مثل: «لا أحد يفعل لي شيئاً لطيفاً أبداً» أو «الجميع يتوقع مني القيام بكل شيء». حاول استبدالها بأفكار أكثر واقعية:

- «عائلتي تقدّر ما أفعله، حتى لو لم يقولوا ذلك دائماً».

- «أحياناً يقدّرون جهودي ويظهرون ذلك بطرق مختلفة».

هذه الطريقة تساعد على الشعور بمزيد من التقدير وتقليل مشاعر الاستياء.

6. عبّر عن مشاعرك

مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة، سواء مع شريك حياتك، مديرك، أو أطفالك. يمكنك قول شيء مثل: «أحياناً أشعر بأن عملي لا يُقدّر، وأستمتع حقاً عندما يلاحظ الآخرون جهودي». التواصل الصريح يعزز الفهم المتبادل ويقلل الاحتقان العاطفي.

7. تواصل مع مختص نفسي إذا لزم الأمر

إذا استمر شعورك بعدم التقدير وأثر على حياتك أو علاقاتك، فقد يكون من المفيد التحدث إلى اختصاصي نفسي مرخص. قد يوصي المعالج بالعلاج الأسري، العلاج السلوكي المعرفي، أو استراتيجيات أخرى لدعم شعورك بالتقدير وتحسين صحتك النفسية.

ومن المهم تذكير نفسك أن الشعور بعدم التقدير طبيعي، لكنه قابل للإدارة. من خلال البحث عن علامات التقدير، وضع الحدود، إظهار الامتنان، وإعادة صياغة الأفكار السلبية، يمكنك تحويل هذا الشعور إلى فرصة لتعزيز احترام الذات وتحسين العلاقات مع الآخرين.


التوتر تحت السيطرة: 5 خطوات للتعامل مع ضغوط الأبوة

الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بالمقارنات التعاطف مع الذات (بيكسلز)
الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بالمقارنات التعاطف مع الذات (بيكسلز)
TT

التوتر تحت السيطرة: 5 خطوات للتعامل مع ضغوط الأبوة

الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بالمقارنات التعاطف مع الذات (بيكسلز)
الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بالمقارنات التعاطف مع الذات (بيكسلز)

تتصاعد متطلبات تربية الأبناء في عالم اليوم بوتيرة متسارعة، ما يجعل الضغوط النفسية جزءاً شبه يومي من حياة كثير من الآباء والأمهات. وبين السعي إلى تحقيق التوازن بين العمل والأسرة، وتلبية الاحتياجات العاطفية والسلوكية للأطفال، يجد الوالدان نفسيهما أمام تحديات قد تبدو مرهقة ومستمرة. غير أن بعض الآباء ينجحون في إدارة هذا التوتر بوعي ومرونة، ما ينعكس إيجاباً على صحتهم النفسية وعلى أجواء أسرهم. فما الذي يميزهم؟

تشير الإحصاءات إلى حجم الضغط الذي يعيشه الوالدان؛ ففي استطلاع شمل 3185 بالغاً، أفاد نحو نصف الآباء (48 في المائة) بأن «ضغوطهم في معظم الأيام طاغية تماماً»، وذلك وفق دراسة أجرتها «الجمعية الأميركية لعلم النفس» عام 2023. وأوضح ثلاثة من كل خمسة مشاركين أن الضغط النفسي يُصعّب عليهم التركيز، بينما قال 62 في المائة إن «لا أحد يفهم مدى توترهم».

وبصفتها اختصاصية نفسية ومؤلفة مشاركة لكتاب «للآباء مشاعر أيضاً»، أمضت الدكتورة جولي فراغا أكثر من عشر سنوات في العمل مع آباء مثقلين بأعباء تربية الأطفال الصغار.

وتوضح قائلة: «يحاول بعضهم كبت مشاعرهم، بينما يلوم آخرون أنفسهم على توترهم، وكلا النهجين قد يزيد من شعورهم بالإرهاق. الضغط النفسي ليس دعوةً للتحمّل المفرط أو السعي إلى المثالية، بل هو إشارة إلى ضرورة التريث والتفكير في كيفية التعامل مع المشكلة».

وتؤكد فراغا أن تعلّم كيفية التصرف عند تصاعد التوتر يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً. لذلك، في المرة المقبلة التي تشعر فيها بالإرهاق بسبب بكاء طفلك أو ضغوط العمل المتواصلة، جرّب هذه الخطوات الخمس التي عرضتها في مقال نشرته شبكة «سي إن بي سي»:

1. واجه الفوضى بالهدوء

سواء كنت تعتني بطفل مريض، أو تواجه صعوبات مالية، أو تحاول فضّ شجار بين أبنائك، فإن لحظات التوتر قد تبدو فوضوية ومربكة. ويرجع ذلك إلى أن التوتر يؤثر في صحتنا الجسدية والنفسية والاجتماعية. فعلى المستوى الجسدي، يسبب شدّاً في العضلات وتسارعاً في ضربات القلب، أما نفسياً فقد يثير القلق والانفعال.

وتشير فراغا إلى أنها قابلت أمهات يخشين أن يُوصمن بأنهن «أسوأ أمهات العام» إذا خصصن وقتاً لأنفسهن بعد يوم عمل طويل، بينما تشعر أخريات بالتقصير إن لم يقمن بمهام إضافية، مثل التطوع في مدرسة أطفالهن.

أفضل نصيحة تقدمها هي التوقف للحظة للتأمل؛ فالتنفس العميق خمس مرات من البطن كفيل بتحويل لحظات التوتر الشديد إلى لحظات أكثر قابلية للسيطرة.

2. استبدل التعاطف بالمقارنات

يكاد لا يخلو بيت من مقارنات صامتة أو معلنة بين الآباء. لكن مقارنة النفس بالآخرين قد تُغذّي النقد الذاتي وتزيد من حدة التوتر.

الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بهذه المقارنات التعاطف مع الذات. وتُظهر الأبحاث أن مخاطبة النفس بعبارات مثل: «أمرّ بلحظة توتر، وجميع الآباء يختبرون ذلك أحياناً»، يمكن أن تغيّر زاوية النظر إلى الموقف.

المقارنة تُشعرنا بالنقص، بينما التعاطف يُعزز الإحساس بالترابط الإنساني.

3. اطلب المساعدة

يبدو طلب المساعدة أمراً صعباً، حتى من الأصدقاء المقربين أو أفراد العائلة. فكثيراً ما نعتقد أن التعبير عن احتياجاتنا علامة ضعف أو عبء على الآخرين. غير أن العكس هو الصحيح؛ إذ إن طلب الدعم يعلّم أبناءنا أن الاعتماد المتبادل أمر طبيعي وصحي.

الحصول على المساندة يحمي الصحة النفسية للوالدين، ويمنح المحيطين بهم فرصة لإظهار اهتمامهم، ما يقلل من الشعور بالوحدة.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن رفاهية الوالدين تؤثر في كيفية انعكاس التوتر على الأطفال، وقد يمتد هذا التأثير لسنوات. فالتوتر مُعدٍ، لكن وجود شبكة دعم يقلل احتمال انتقال الضغوط غير المعالجة إلى الأبناء.

4. أظهر التعاطف مع طفلك

يُعدّ التعاطف بلسماً للمشاعر، إذ يمكّن الوالدين من الاستجابة بلطف حتى في لحظات التوتر. فالآباء الأكثر حكمة ينصتون إلى وجهة نظر أطفالهم بفضول واهتمام.

وطرح أسئلة مثل: «ما الذي يزعجك الآن؟» و«كيف يمكنني مساعدتك؟» يشجع الأطفال على التعبير الصادق عن مشاعرهم، ويساعدهم على تنظيم انفعالاتهم الصعبة.

كما تشير الأبحاث إلى أن الآباء المتعاطفين يشعرون بثقة أكبر في أدوارهم، ويجدون معنى أعمق لحياتهم، ما يجعل تجربة الأبوة والأمومة أقل إرهاقاً حتى في الأيام الشاقة.

5. امنح نفسك فرصة لعيش المشاعر الإيجابية

قد يسلب التوتر لحظات الفرح، إذ يُهيّئ الدماغ للبحث الدائم عن المشكلات المحتملة، ويدفع الوالدين إلى حالة تأهب مستمرة. فمثلاً، قد يدفع القلق بشأن سلامة الابن المراهق على الإنترنت إلى تفتيش هاتفه باستمرار بحثاً عن أي إشارة خطر.

غير أن الآباء الذين يديرون توترهم بوعي يتعمدون البحث عن ومضات الفرح الصغيرة؛ قد تكون ابتسامة من طفل، أو عناقاً من شريك الحياة، أو كلمة تقدير من صديق.

وفي تلك اللحظات الإيجابية، من المهم التوقف قليلاً والسماح للشعور بالفرح بأن يملأ الجسد. فالفرح إحساس واسع وعميق يمنحنا شعوراً بالارتقاء فوق ضغوط الحياة، ويعيد التوازن إلى يومٍ مثقل بالتحديات.