كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

البحث عن الأثر ما بين التأليف والمحاضرة

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
TT

كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك

ليست الكتابة، بما هي تدوين للأفكار والمعاني، يسعى للتداول والانتشار، هي المنتج الفكري الأمثل والوحيد للباحث والناقد والمؤرخ والمشتغل في حقول المعارف الإنسانية المختلفة، إنها لا تعدو أن تكون صيغة من صيغ الاجتهاد والعمل الذهني الذي يفترض سبلاً متعددة الوجوه والمقاصد، إذ يمكن الفصل بين الإنجاز الثقافي العميق والمؤثر وإصدار المؤلفات المتلاحقة، ما دامت شواهد عدة في تاريخ الفكر والأدب تثبت دور الشفاهي، من التدريس إلى المناظرات، إلى الحوارات الممتدة في الزمن بين أجيال متباينة، وهو افتراض يؤكد أن الولع بمراكمة المنشورات من كتب ومصنفات جماعية ومقالات، ليس بالضرورة منتجاً للأثر، سواء في مجتمع المعرفة أو في المشهد الثقافي، ولا يمكن من ثم أن يتحول إلى هاجس رئيسي وحيد لكل مشتغل بالمعارف.
الكتابة نقيض المحاضرة والإملاء، امتحان مرعب ومحفوف بالشكوك، بينما إلقاء الحديث على مدونين فيه احتفال متنقل، استطراد وخطابة، وتقليب للمعاني والكلمات. لهذا كان الكاتب دوماً شخصاً مهووساً بعدم التكرار؛ لأن الكلمات تتحول في لحظتها إلى جمل، وتراكيب وفقرات، تتوسل أسلوباً ونسقاً، لا ينتظم بيسر. بينما المملي شخص مرتاح يترك محنة الكتابة للمريدين، والتلامذة، وبعدهم للشراح وكتاب الحواشي.
لا جرم إذن أن تملأ «الأمالي» الفصول والأقسام والمجلدات الطوال، نستحضر هنا رحلة ابن بطوطة التي كان إملاؤها في فاس بأمر من السلطان أبي عنان المريني، وقام بتدوينها الفقيه ابن جزي الكلبي. بل إن بعض أصناف هذه المدونات احتفظت بلفظ «الأمالي» عنواناً للتأليف، تنبيهاً لمصدر المكتوب، كتلك التي لأبي علي القالي الأندلسي، الذي اختار ألا يبذل جهداً في وصف ما أملاه، وحين أعجزته الوسيلة في وسم كتابه الذي أعقب «أماليه»، سماه: «ذيل الأمالي».
ويحضر إلى الذهن، في سياق هيمنة نزعة المحاضرة والمناظرة بقصد الإقناع الذهني المبني على الخطاب الشفاهي، النموذج المثير للفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، الذي درس لسنوات في جامعة كمبردج قضايا المنطق وفلسفة اللغة والرياضيات، وكان مؤسساً لقواعد تفكير مستجدة للعلاقات المنطقية بين القضايا الذهنية والعالم، والذي على مكانته الكبيرة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة لم يخلف قبل وفاته إلا مؤلفاً وحيداً صغير الحجم (بعنوان لاتيني) هو: «تراكتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس» (صدر سنة 1921)، وكل ما صدر له بعد وفاته من نتاج فلسفي هو تجميع من قبل تلاميذه لمحاضراته وأبحاثه غير المكتملة.
وفي أواسط الثمانينات من القرن الماضي قام الباحثان المغربيان كمال عبد اللطيف والطاهر وعزيز من شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط، بجمع محاضرات أستاذ تاريخ الفلسفة المصري نجيب بلدي، الذي أقام لمدة طويلة بالمغرب، ونشراها بعنوان «دروس في تاريخ الفلسفة»، (صدرت عن «دار توبقال» بالدار البيضاء، سنة 1987). لم يكن نجيب بلدي يحظى بشهرة كبيرة في الوسط الأكاديمي رغم نهوضه بدور مؤسس في تكوين أجيال من الطلاب والباحثين ممن صنعوا مجد الدراسات الفلسفية بالمغرب، في حين لم يُصدر إلا مؤلف يتيم عن ديكارت في ستينات القرن الماضي.
وقبل إصدار محاضرات نجيب بلدي، قام بعض أساتذة قسم اللغة العربية بالقاهرة بجمع محاضرات الشيخ أمين الخولي ونشرها، وهو الذي لم يكن محتاجاً لمطبوعات لتأكيد دوره الريادي في الدراسات البلاغية والنقدية بالجامعة المصرية، وبعد أمين الخولي ونجيب بلدي جمعت أعمال عديد من المفكرين والأساتذة الرواد في مشرق العالم العربي ومغربه... بيد أنه باستحضار هذين النموذجين، فقط، نقف على ظاهرة ثقافية جديرة بالانتباه في الذاكرة الجماعية والثقافية العامة، وهي انخراط مجموعة من الباحثين في بناء حقول معرفية مختلفة عبر التدريس والتعريف بمناهج جديدة ونحت مفاهيم وترجمة أخرى وتكوين نخب يمتد تأثيرها لعقود طويلة، دون التفات للأثر المكتوب، حيث التحمت لديهم المعرفة بوقعها في المجتمع والوجدان العام. بالطبع لم يكن شاغل من قام بجمع محاضرات هؤلاء المعلمين الرواد هو إخراج كتب تخلد ذكرهم، ولا حتى إتاحة ما قدموه من محاضرات لعموم القراء فحسب، فهذا المأرب على نبله لا يمثل صلب القصد من تحويل تراث شفوي إلى كتاب جامع، وإنما الغاية الأساس، فيما أظن، هي مواجهة منطق اختزال الأثر في التأليف.
غير أنه في حالات أخرى تلتبس النزعة الإملائية بالتأجيل المسترسل للكتابة، ففي بعض مقاطع سيرته البديعة «صور الماضي» تحدث هشام شرابي، عن النزعة الشفاهية لأستاذه شارل مالك التي أخذته إلى الإغراق في مظاهر المحاضرة والسجال، مع ما يتصل بهما من ذوبان في الشأن الثقافي العام، وهي النزعة التي زاغت بصاحبها عن الإنجاز المعرفي «المحفوظ» والمتواتر عبر الزمن، وأبقته أسير التأجيل المطرد لمشاريع التأليف والكتابة، التي كان مؤهلاً لها خلال عمله بالجامعة، قبل أن ينصرف كلية إلى العملين السياسي والدبلوماسي، وتبتلعه طاحونة الخطابة... وفي مقطع دال من سيرة هشام شرابي نقرأ ما يلي: «من كان يستطيع السماع إلى شارل مالك يتحدث عن الفلسفة الإغريقية، عن سقراط وأفلاطون وأرسطو دون أن يقع في حب الإغريق والفلسفة الإغريقية؟... كان الطلبة يصغون إليه كما كانوا لا يصغون إلى أي أستاذ آخر... وكان أصدقاء شارل مالك وتلامذته ينتظرون اليوم الذي سيبدأ فيه بالكتابة والتأليف، إلا أنه، عدا عن مجموعة من الخطب والمقالات باللغة الإنجليزية (التي يجب اعتبارها سياسية إعلامية) لم يكتب إلا كتاباً واحداً في الفلسفة وهو: (المقدمة: القسم الأول)».
ولقد سيطرت سمة التأجيل وما يتصل بها من خضوع لا واعٍ لسطوة المحاضرة، على عدد كبير من المفكرين العرب، ممن حولوا الكتابة إلى صفة مجازية تدل على النيات، أكثر مما تتصل بالرصيد المتحقق، حيث استثمر عدد منهم في العملية التعليمة، وانصرف بعضهم إلى تكوين الطلائع الحزبية، بينما انشغل آخرون بالمهام السياسية مع ما يصاحبها من انصراف للخطابة.
والظاهر أن حسن الظن بالزمن، والنظر إلى المستقبل، بما هو امتداد متدفق دون حد، كان سمة مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية، وبداية تكون نظم التعليم وتأسيس أغلب الجامعات الحديثة، ومن ثم كان الاضطلاع بدور نضالي للنهوض بالمجتمع، لدى نخبة واسعة من الجامعيين أهم من التأليف في حقل الاختصاص، تلك كانت سمة السوسيولوجي المغربي محمد جسوس، وهو شخص لا يعرفه القراء والباحثون العرب جيداً، لسبب بسيط هو أن الكتاب الوحيد الذي صدر له كان من إعداد طلبته. لم يكتب مداخلاته السياسية، ولا محاضراته في علم الاجتماع التي ألقاها على امتداد عقود في قسم الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب بالرباط، كان عمله مختصراً في المحاضرات التي تنطلق عند عتبة الجامعة وعتبة الحزب اليساري الذي كان عضواً فيه. ولهذا كان دوماً هو المبعوث المفضل للمكتب السياسي لحزبه لتأطير الشباب والإشراف على مؤتمراتهم، حيث كان باستطاعته دوماً أن يسل الشوكة من عجين التطاحن السياسي، والوقوف أمام فورة الحماس وجعلها دافعة نحو المستقبل. مع قيمة أساسية في شخصه هو الأكاديمي خريج جامعة برينستون الأميركية، أنه لم يؤمن يوماً بأن الأكاديمية حاجز معرفي مع الآخرين، لقد كان من أوائل المغاربة المختصين في علم الاجتماع، ممن جعلوا المعرفة الفلسفية والاجتماعية غير مقرونة بالجامعة، وإنما بالجدوى المجتمعية والسياسية؛ لذا قد يكون مجموع تلامذته في المجتمع المغربي أكثر بكثير ممن حضر دروسه، وحتى من شبيبة وأعضاء حزبه، كانوا في النهاية جمهور يسار منفتح، اعتقد دوماً أن السياسة عقيدة الحالمين الأبرياء، وأن العمل العام شأن نبيل، وأخلاق لا تخضع للضرورات والمغانم، وإنما للتضحيات التي تستبدل بالسلطة القدرة على توجيه المجتمع والرقي بطبقاته.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».


شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
TT

شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)

عندما واجه عناصر الشرطة التايلاندية صعوبة في القبض على لصّ متسلسل كان يفلت من بين أيديهم مراراً وتكراراً، ابتكروا خطة إبداعية: التنكُّر في زيّ أسد تقليدي للإيقاع بطريدتهم المراوغة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية» نقلاً عن «أسوشييتد برس»، أظهرت لقطات فيديو نشرتها إدارة شرطة بانكوك ضباطاً متخفّين تحت زيّ أسد باللونين الأحمر والذهبي وهم يرقصون باتجاه المشتبه به، الأربعاء، بينما كان يتجوّل في معرض لرأس السنة القمرية في معبد في نونثابوري، وهي مقاطعة مجاورة لبانكوك. وبعد لحظات، اندفع الضابط الذي كان يمسك برأس الأسد المصنوع من الورق المقوى نحو المشتبه به وثبّته بسرعة على الأرض.

وتقول الشرطة إنّ المشتبه به، الذي حُدِّد على أنه رجل يبلغ 33 عاماً، متّهم باقتحام منزل قائد شرطة محلّي في بانكوك 3 مرات في وقت سابق من هذا الشهر، والفرار بمقتنيات ثمينة تبلغ قيمتها نحو مليونَي باهت (64 ألف دولار أميركي).

وفي بيان صحافي، قالت الشرطة إنها حاولت اعتقال الرجل مرات، لكنه كان سريعاً في رصد ضباط الشرطة والفرار. ولاحقاً، تمكنوا من التعرف إليه من خلال تتبُّع تمائم مسروقة كان قد باعها، وعلموا أنه يتردَّد باستمرار على المعابد في نونثابوري.

ورغم أنّ رأس السنة القمرية ليست عطلة رسمية في تايلاند، فإنّ الاحتفالات بها شائعة، وغالباً ما تكون رقصات الأسد جزءاً من المهرجانات، ممّا وفر غطاءً مثالياً للعملية.

وقالت الشرطة إنّ المشتبه به اعترف بعمليات السطو، قائلاً إنه سرق لشراء المخدرات ولعب القمار. وأضافت أنه سبق أن أُدين بجرائم متعلّقة بالمخدرات والسطو.