المظاهرات تقضّ مضاجع حكام إيران... ويواجهون الآن أزمة عملة

خبراء اقتصاديون: سوء الإدارة من جانب النظام الاستبدادي الحاكم لعب دوراً كبيراً

إيرانيون في بازار طهران مطلع الشهر الحالي (إ.ب.أ)
إيرانيون في بازار طهران مطلع الشهر الحالي (إ.ب.أ)
TT

المظاهرات تقضّ مضاجع حكام إيران... ويواجهون الآن أزمة عملة

إيرانيون في بازار طهران مطلع الشهر الحالي (إ.ب.أ)
إيرانيون في بازار طهران مطلع الشهر الحالي (إ.ب.أ)

مع تراجع عملتهم إلى مستويات منخفضة قياسية في الفترة الأخيرة، فعل الإيرانيون ما أصبحوا معتادين للغاية على فعله: تكدسوا داخل متاجر الصرافة، على أمل تحويل عملتهم التي لم يعد لها قيمة تذكر إلى دولارات.
داخل متاجر البقالة، ارتفعت الأسعار على نحو هائل لدرجة جعلت الكثيرين عاجزين عن شراء ما يكفي احتياجاتهم من الخضراوات. ومع اقتراب السنة الفارسية الجديدة، لم يتبق لدى البعض ما يكفي لإعداد وجبات للعطلة والتسوق والسفر.
منذ بداية العام، فقد الريال الإيراني قرابة 30 في المائة من قيمته أمام الدولار، في أحدث انتكاسة لاقتصاد تبدو آفاقه المستقبلية مظلمة على نحو متزايد منذ عام 2018، عندما انسحب الرئيس دونالد ترمب من اتفاق يحد نشاطات إيران النووية مقابل رفع العقوبات. وبدلاً عن ذلك، فرض ترمب عقوبات أشد صرامة.
وأثار التراجع الأخير في قيمة العملة شعوراً باليأس في نفوس الإيرانيين، وزاد سخطهم تجاه الحكومة. والآن، تبدو إمكانات تحقيق تحسن اقتصادي وتغيير سياسي ضئيلة للغاية، خاصة أنه ليس ثمة احتمال لإحياء الاتفاق النووي، في الوقت الذي تسببت فيه موجة إجراءات عنيفة من جانب السلطات بدرجة كبيرة في سحق المظاهرات الشعبية، التي اشتعلت ضد المؤسسة الحاكمة في سبتمبر (أيلول).
ويرى إيرانيون أن الطوابير الطويلة الممتدة خارج متاجر الصرافة، تعد أحدث دليل على أن القيادة الاستبدادية للبلاد تدفع بالبلاد خارج المسار الصحيح.
وكان الإحباط تجاه الحكام، سواء بسبب سياساتهم الاقتصادية أو القيود الاجتماعية التي يفرضونها، الدافع وراء المظاهرات الأخيرة التي شهدتها البلاد، والتي شكلت واحدة من أكبر التحديات أمام الجمهورية الإسلامية منذ ثورة 1979.
في هذا السياق، قالت سيما 33 عاماً، وهي صيدلانية تعيش بالعاصمة طهران، والتي تراجعت قيمة مدخراتها مع تراجع العملة: «باعتباري شخصاً قضى طيلة حياته في الدراسة، أشعر بغضب عارم لعجزي عن العيش حياة طبيعية أو توفير الحد الأدنى مما أرغبه».
وأعربت سيما عن أملها في الهجرة إلى كندا، لكن حال نجاحها في ذلك، ستصبح أموالها أقل قيمة بكثير عن ذي قبل. وأضافت: «لا مستقبل أمامي في هذا البلد».
كثيراً ما يردد أبناء إيران أن بلادهم ينبغي أن تكون ثرية، باعتبار أنها تملك بعض أكبر احتياطيات النفط بالعالم وسكاناً يتمتعون بقدر جيد من التعليم. بدلاً عن ذلك، مع بلوغ معدلات التضخم عادة 50 في المائة وأكثر سنوياً، لم يعد باستطاعة بعض الإيرانيين توفير المال اللازم لشراء لحوم.
والبعض الآخر، بدأ في تقليل الكماليات المرتبطة بحياة الطبقة الوسطى التي كانت في وقت مضى أمراً مضموناً. مثلاً، توقف البعض عن تناول الطعام بالخارج، وكذلك السفر أو شراء ملابس جديدة. وتوقف البعض عن تقديم الخوخ الحامض واللوز الأخضر اللذين كانا من الأطباق التقليدية التي يجري تقديمها للضيوف، بينما توقف البعض الآخر عن استضافة أي ضيوف من الأساس. كما جرى إرجاء إتمام زيجات، وكذلك الإنجاب.
وبسبب الإحباط إزاء ارتفاع كبير ومفاجئ في أسعار الغازولين، اشتعلت مظاهرات كبرى عام 2019. إلا أن المظاهرات التي اندلعت العام الماضي، والتي بدأت في أعقاب وفاة مهسا أميني 22 عاماً، لدى احتجازها من جانب الشرطة بدعوى «سوء الحجاب»، استهدفت أولاً قانون فرض غطاء الرأس على النساء، والتوجهات الجنسانية الممنهجة التي قال المتظاهرون إن القانون يمثلها.
إلا أنه سرعان ما اتسع نطاق الحركة لتشمل مجموعة واسعة من القضايا المثيرة لسخط الإيرانيين تجاه المؤسسة الحاكمة، ومن بينها غياب حريات سياسية واجتماعية، والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة الراهنة يمكن أن تعود جذورها إلى سنوات من العقوبات الغربية ضد صناعة النفط الإيرانية والقطاع المالي بالبلاد، بسبب البرنامج النووي الذي تشتبه الولايات المتحدة وحلفاؤها بأنه يهدف لإنتاج أسلحة.
من ناحيته، أكد جواد صالحي أصفهاني، الخبير الاقتصادي الإيراني المولد والذي يعمل لدى شركة تكنولوجيا بفيرجينيا، أنه «ما من أمل أمام هذه الحكومة، من دون زيادة عوائدها النفطية، كي توفر المال اللازم لمعاونة الناس على إيجاد وظائف أو حتى توفير دخل لهم. لقد وضعوا أنفسهم بوضع شديد السوء».
وتكشف بيانات أن الاقتصاد الإيراني نما وتراجعت معدلات الفقر باستمرار حتى عام 2011، عندما فرض الغرب للمرة الأولى عقوبات شديدة ضد البلاد. والآن، يبلغ معدل صرف الريال قرابة 500.000 مقابل الدولار، مقارنة بـ32.000 عندما جرى توقيع الاتفاق النووي الأصلي عام 2015. والملاحظ أن الفقر اتسعت رقعته، خاصة داخل المناطق الريفية.
ومع ذلك، فإن أسلوب تعامل الحكومة مع سلسلة من الأزمات الأخيرة لم يجد نفعاً في القضاء على الاعتقاد السائد على نطاق واسع، بأن سوء الإدارة والفساد يتحملان اللوم أيضاً.
خلال الأشهر الأخيرة، ندد ضحايا زلزال ضرب مدينة خوي في شمال غربي إيران بالاستجابة الطارئة من جانب الحكومة التي اعتبروها ضئيلة للغاية، وجاءت متأخرة كثيراً، تبعاً لما كشفته منشورات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. أما السلطات فقد استجابت للمظاهرات بخراطيم المياه. وقال محمد علي كديور، عالم الاجتماع الذي يدرس حركات الاعتراض الإيرانية داخل «بوسطن كوليدج»: «بسبب هيمنة المتشددين، يجري اختبار الأشخاص الذين يتقلدون وظائف حكومية حسب الولاء، وليس الخبرة»، الأمر الذي يجعل المنظومة ككل «عاجزة عن حل المشكلات».
ولم تحقق التدخلات الحكومية لوقف انهيار العملة، الأسبوع الماضي، سوى قدر يسير من النجاح. وقدمت الحكومة أموالاً نقدية للإيرانيين الفقراء وبعض أبناء الطبقة المتوسطة، وحثت القطاع الخاص على خلق وظائف. إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن إيران فشلت في استغلال الأدوات التي تملكها لكبح جماح الفقر.
جدير بالذكر أن الكثير من قطاعات الاقتصاد تخضع لسيطرة «أصحاب الولاء» ممن يملكون اتصالات جيدة بالحكومة أو عناصر نافذة من (الحرس الثوري) الإيراني، الأمر الذي يخلق منافع أمام المقربين من دوائر الحكم، ما يشكل عائقاً، بجانب عدم الاستقرار السياسي، أمام الاستثمار.
من ناحيتهم، يلقي قادة إيران اللوم عن المشكلات الاقتصادية على العقوبات الغربية، وعن الاضطرابات الأخيرة على التدخل الأجنبي.
ويعتقد بعض المحللين أن أحد السبل أمام إيران للحصول على النقد والاستثمارات التي تحتاجها بشدة، هو التفاوض حول اتفاق نووي جديد يخفف العقوبات، مثلما حاول الرئيس بايدن أن يفعل. مع ذلك، يرى بعض أشد منتقدي المؤسسة الحاكمة أن مثل هذا الاتفاق لن يجدي سوى منح قادة إيران مالاً ونفوذاً.
من جهة ثانية، أشار محللون إلى أن أي تلميح إلى توقف المفاوضات أو استئنافها يمكن أن يتسبب في تقلبات في الريال، وأن الاعتقاد المتزايد بأن العقوبات ستبقى ربما كان عاملاً في تراجع الريال. وتسببت القيود الجديدة على الدولارات المتدفقة على العراق المجاور في جعل الدولارات الأميركية أشد ندرة داخل إيران، وهي شريك تجاري كبير للعراق، حسبما أوضح محللون.
داخل متجر في آمل، بشمال إيران، ارتفع سعر عبوة الشامبو قرابة 60 في المائة خلال أسبوع واحد، بينما ارتفع سعر اللحوم 10 أضعاف، حسبما قالت ليلى، 39 عاماً، مدرسة. وفي محاولة لترشيد الإنفاق، قالت إنها وزوجها اتجها إلى السير على الأقدام بدلاً عن ركوب سيارات الأجرة، وتوقفا عن شراء اللحوم ومنتجات الألبان، وزادا من شرائهما للأطعمة المعلبة لتقليل استخدامهم غاز الطهي. أما فكرة إنجاب طفل فلم تعد واقعية. وقالت ليلى، التي لم تفصح سوى عن اسمها الأول، مثلما الحال مع الكثير من الإيرانيين، خشية التعرض لانتقام من جانب الحكومة: «النظام السياسي السبب وراء أننا نعمل معظم ساعات النهار، وفي النهاية لا نجد لدينا شيئاً. إننا عاجزون تماماً عن توفير الأساسيات».
أما بتول، المتقاعدة البالغة 77 عاماً وتعيش بمنطقة فقيرة جنوب طهران، والتي ارتفع إيجار منزلها فقط هذا العام لأكثر من ضعف معاشها الشهري، فقد بدأت تطلب من متجر البقالة ثمار الفاكهة المهملة، على أمل وجود بضعة ثمار صالحة للأكل وسط أكوام الفاكهة المتعفنة.
ورغم ما سبق، تبقى مسألة الانهيار الاقتصادي الكامل بعيدة، خاصة أن الإنتاج الاقتصادي الإيراني من منتجات بخلاف النفط ارتفع قليلاً في السنوات الأخيرة. وخلال زيارات حديثة لمواقع عدة، لا يزال هناك البعض يرتادون مطاعم وفنادق، ولا يزال هناك بعض العملاء في البازارات ومتاجر الحلوى.
إلا أنه في ظل التقلبات الشديدة بقيمة العملة، وغياب الاستقرار والفرص أمام الشباب، لا يبدو تفشي مشاعر اليأس بالأمر المثير للدهشة، حسب صالحي أصفهاني، الخبير الاقتصادي.
أما الحكومة، فلم تفعل شيئاً يذكر لتخفيف آلام المواطنين بخلاف تجنب زيادة أسعار الوقود، وهو أحد السبل القليلة أمامها لزيادة عوائدها. ويمكن أن تسفر مثل هذه الخطوة عن إشعال مظاهرات، مثلما حدث عام 2019.
في الوقت ذاته، لم تتضمن ميزانية هذا العام زيادة مدفوعات الرفاه لمكافأة التضخم، ولم تتضمن زيادة الدعم الموجه لحصص الطعام والغازولين.
رغم ذلك، خصصت الموازنة مزيداً من المال لـ«الحرس الثوري» وقطاعات عسكرية أخرى.
وعن هذا، قال هنري روم، زميل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى والمعني بإيران: «مزيد من المال لصناعة الدفاع وتقليص للمال الموجه للشعب، أعتقد هذا الإجراء يتحدث عن نفسه».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».