فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت... حالة عصبية عابرة

لا تتجاوز 24 ساعة ويصعُب تشخيصها

فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت... حالة عصبية عابرة
TT

فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت... حالة عصبية عابرة

فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت... حالة عصبية عابرة

ما السبب في إصابة البعض بـ«فقدان شامل ومؤقت للذاكرة (Transient Global Amnesia)»، وما العوامل المؤدية إلى هذه الحالة العابرة، وما المظاهر المرضية لها، وهل من تفسيرات طبية لآليات حدوث هذه المشكلة المؤقتة؟
هذه الأسئلة المحيرة وغيرها هي التي حاول البروفسور ألان هـ. روبر، نائب الرئيس التنفيذي لطب المخ والأعصاب بكلية الطب في جامعة هارفارد، الإجابة عنها وفق أحدث ما نعلمه طبياً عن هذه الحالة حتى اليوم. وكان ذلك ضمن مراجعته العلمية التي نشرت في عدد 16 فبراير (شباط) الحالي من مجلة «نيو إنغلاند جورنال أو ميديسن (NEJM)» الطبية.
وأفاد روبر بأن أول ظهور لمصطلح «الفقد الشامل والمؤقت للذاكرة» كان في عام 1958 عندما وصف كل من الدكتورَين سي. إم. فيشر، وآر. دي. آدم تفاصيل هذه الحالة العصبية. وفي وصف مظاهرها الإكلينيكية، قال البروفسور روبر: «تتميز الحالة بعدم القدرة المفاجئ والكامل على الاحتفاظ بمعلومات جديدة. وتستمر لساعات عدة، وذلك لدى الأشخاص في منتصف العمر أو كبار السن، ولكن مع احتفاظهم باليقظة والوعي الذهني وجميع الوظائف المعرفية (Cognitive Functions) الأخرى».

ذاكرتان«متقدمة» و«رجعية»

وأضاف الباحث في وصفه جوانب تبعث على الحيرة في فهم هذه الحالة: «أثناء النوبة، يحدث فقدان للذاكرة المتقدمة (Anterograde Amnesia)، مع عدم القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة لأكثر من بضع ثوانٍ، بينما يمتد فقدان الذاكرة الرجعية (Retrograde Amnesia) إلى الوراء لساعات عدة أو أيام أو أكثر، والتي تتقلص تدريجياً إلى ساعات أو دقائق مع انتهاء نوبة فقدان الذاكرة».
وللتوضيح؛ فإن ثمة «ذاكرة جديدة متقدمة» يكونها المرء، وأخرى «رجعية سابقة» تكونت من قبل. ويُعرف أطباء الأعصاب «فقدان الذاكرة المتقدمة» بأنه عدم قدرة المريض على تكوين ذكريات جديدة بعد وقوع الشيء الذي تسبب في فقدان الذاكرة، مما يؤدي إلى عدم القدرة على تذكر الماضي القريب، بينما تظل الذكريات طويلة المدى (الموجودة من قبل الإصابة بالحادث) سليمة لديه.
وفي المقابل؛ ثمة أمر معاكس يحدث لدى مرضى آخرين، وهو «فقدان الذاكرة الرجعي»، حيث تُفقد الذكريات التي تم تكوينها قبل وقوع الشيء الذي تسبب في فقدان الذاكرة، ولكن لا يزال من الممكن للمُصاب تكوين ذكريات جديدة. ولدى بعض المرضى، يمكن أن يحدث الأمران كلاهما معاً.
وآليات حدوث هذه الجوانب المعقدة داخل مناطق الدماغ المعنية بالذاكرة، لا تزال غير واضحة. وذلك لسبب بسيط؛ هو أن الآلية الدقيقة لتخزين الذكريات واسترجاعها، ليست مفهومة جيداً لدى الأطباء حتى اليوم، رغم تحديد الباحثين المناطق الدماغية المعنية بالذاكرة.
وأوضح البروفسور روبر جانباً آخر مهماً، وذلك مقارنة بما تقدمه القصص والأفلام بشكل شائع لحالات «فقدان الذاكرة نفسي المنشأ (Psychogenic Amnesia)»، بأن المُصاب بـ«فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت» لا يفقد معرفة هويته الشخصية؛ بل يمكنه تقديم اسمه وتاريخ ميلاده ومقدار عمره وأسماء زوجته وأولاده، وكذلك يمكنه التعرف على هؤلاء الأشخاص. ولكن في حالات «فقدان الذاكرة نفسي المنشأ»، يحدث بشكل مفاجئ فقدانٌ للذاكرة السابقة (لفترة زمنية تتراوح بين ساعات وسنوات وعقود)، وهو ما يتضمن أيضاً عدم القدرة على تذكر المعلومات الشخصية. ولا يكون في الوقت نفسه ثمة أي سبب مرضي عضوي يؤدي إلى هذه الحالة، بل هي نتيجة إجهاد نفسي.

مظاهر إكلينيكية

وقال البروفسور روبر: «وغالباً ما يتم الكشف عن هذا المأزق الصحي الذي يعاني منه المريض من خلال تكرار إلقاء المريض الأسئلة النمطية المتكررة، التي قد يطرحها أحياناً مئات المرات، وعلى فترات غير منتظمة تبلغ نحو 30 ثانية، مثل تكرار طرحه أسئلة من نوعية: كيف وصلت إلى هنا؟ أين نحن؟ ما حدث؟ ما الوقت؟ وهذه الأسئلة تُنطق بالإيقاع والنغمة نفسيهما في كل مرة وبعد الإجابة عن السؤال مباشرة». ولكنه أوضح مباشرة: «جميع الوظائف الأخرى طبيعية. ويتمكن الأشخاص المتأثرون من إكمال تقديمهم العروض الموسيقية المعقدة أو أداء مباريات الشطرنج».
وأضاف: «تستمر النوبات لمدة 6 ساعات في المتوسط، وتتراوح الفترة بين ساعتين و12 ساعة في الغالب. ولدى الرجال أكثر من النساء. وترتفع احتمالات الإصابة بـ(فقدان الذاكرة الشامل العابر) بين المرضى الذين يعانون من الصداع النصفي، مقارنة بمن لا يعانون من الصداع النصفي».
وأضاف أن ثمة ميزة ملحوظة؛ هي أن هذه النوبة من فقدان الذاكرة، قد تسبقها صدمة جسدية أو عقلية، أو مجهود شديد؛ مثل الغطس والاستحمام في الماء البارد، أو تلقي أخبار وفاة، أو ممارسة العملية الجنسية، أو الخضوع لإجراءات طبية (مثل عملية جراحية أو إجراء منظار داخلي للجهاز الهضمي)، أو المعاناة من الألم الشديد. ولكن معظم الحالات ليس له سبب واضح. ونسب بعض الدراسات «فقدان الذاكرة الشامل العابر» إلى الأدوية المستخدمة للتخدير العام أو العقاقير المخدرة التي يجري تناولها أو تدخينها. وأشار البروفسور روبر إلى دراسة باحثين من «مايو كلينك»؛ أفادوا فيها بأن حالات كانت ضمن الدراسة سبقها قيام المُصاب بأعمال بستنة زراعية شاقة، وذلك لدى نحو 20 في المائة من المرضى. وأن احتمالات تكرر المعاناة من هذه الحالة لـ«فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت» لاحقاً، قد تتكرر لدى 15 في المائة ممن أصيبوا بتلك النوبات المؤقتة لفقدان الذاكرة.

صعوبات التشخيص

ووفق ما أشار إلية البروفسور روبر؛ «تظهر الصعوبة (في التشخيص) عندما يُرى المريض لأول مرة بعد بدء النوبة لديه بفترة؛ لأن هناك صعوبة في تحديد ما إذا كانت المشكلة عبارة عن نوبة ارتباك ذهني عابر، أم إنها نوبة نتيجة النقص الشديد للسكر في الدم أو التسمم بالكحول أو المخدرات أو العقاقير المنومة أو اضطراب مشابه، بدلاً من (فقدان الذاكرة الشامل العابر). ويشير وجود علامات الارتباك الذهني لدى المصاب، مثل عدم الانتباه وعدم الاتساق، إلى أن الحالة لديه نتيجة اضطراب مختلف عن حالة (فقدان الذاكرة الشامل العابر)».
ثم عرض البروفسور روبر معايير التشخيص المقترحة لحالات فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت، وأفاد: «يجري تحديد الحالة بسهولة؛ ويكون التشخيص التفريقي (عن الأنواع الأخرى لفقدان الذاكرة) محدوداً، عندما لا تختلف الأعراض والميزات عن الوصف النموذجي (لحالة فقدان الذاكرة الشامل والمؤقت). ولكن تزداد الأمور تعقيداً عندما تكون هناك سمات أخرى غير نمطية (لحالات فقدان الذاكرة الشامل العابر)، مثل الارتباك الذهني الشامل (Global Confusion)، أو نوبات الصرع (Seizures)، أو الترنح في المشي (Ataxia)، أو الدوار (الإحساس بأن الأشياء المحيطة بالشخص تتحرك Vertigo)، أو العجز في الإدراك الذهني لجوانب غير الذاكرة».
ويوضح أطباء الأعصاب في «مايو كلينك» هذا الجانب بقولهم: «لتشخيص مرض (فقدان الذاكرة الشامل العابر)، يبدأ الطبيب باستبعاد الحالات الأكثر خطورة، مثل السكتة الدماغية، ونوبة الصرع، وإصابة الرأس؛ إذ يمكن أن تسبب هذه الحالات النوع نفسه من فقدان الذاكرة. ولذا يُجرى فحص جسدي للجهاز العصبي، وقوة العضلات، وردود الفعل اللاإرادية، ووظائف الحواس، وطريقة المشي، والوقفة، والتناسق، والتوازن. كما قد يطرح الطبيب أيضاً أسئلة لتقييم التفكير والتمييز بين الأمور والتذكر. وستكون الخطوة التالية إجراء فحوصات للكشف عن اضطرابات النشاط الكهربائي في الدماغ والدورة الدموية. وقد يطلب الطبيب إجراء اختبار واحد أو أكثر من هذه الاختبارات: التصوير المقطعي المحوسب (CT Scan) للدماغ والجمجمة، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للدماغ، ومخطط النشاط الكهربائي في الدماغ (EEG)».

6 أنواع مختلفة من «أمنيسيا»... فقدان الذاكرة
يعدّ كل من «فقدان الذاكرة» (Amnesia) و«الخَرَف» (Dementia)، من حالات اضطرابات وظائف الدماغ، لكنهما في واقع الحال الطبي حالتان مختلفتان؛ حيث إن «فقدان الذاكرة» هو «فقط فقدان الذاكرة». بينما يتميز «الخرف» بفقدان شامل وتدريجي للقدرات الذهنية في وظائف الدماغ. ومنها الذاكرة، وتقييم الأشياء، والحساب، والتعلم، والوعي الذهني بالوقت والمكان والأشخاص... وغيرها.
ويقول أطباء في «كليفلاند كلينك»: «هناك أنواع عدة مختلفة لحالات فقدان الذاكرة؛ منها:
> فقدان الذاكرة الرجعية: هو فقدان تذكر الذكريات التي تشكلت قبل الحدث الذي تسبب في فقدان الذاكرة، وعادة ما يؤثر على الذكريات الماضية المخزنة مؤخراً، وليست الذكريات منذ سنوات.
> فقدان الذاكرة المتقدمة: هو عدم القدرة على تكوين ذكريات جديدة بعد الحدث الذي تسبب في فقدان الذاكرة، ويعدّ فقدان الذاكرة المتقدمة أكثر شيوعاً من فقدان الذاكرة الرجعية.
> فقدان الذاكرة ما بعد الإصابة: هو فقدان الذاكرة الذي يحدث مباشرة بعد إصابة كبيرة في الرأس، وقد يشمل «فقدان الذاكرة الرجعية» أو «فقدان الذاكرة المتقدمة» أو كليهما.
> فقدان الذاكرة الشامل العابر: هو متلازمة مؤقتة؛ حيث يعاني المريض من فقدان الذاكرتين الرجعية والمتقدمة. ويكون فقدان الذاكرة مفاجئاً ويستمر لمدة تصل إلى 24 ساعة فقط.
> فقدان الذاكرة الطفولي: يستخدم هذا المصطلح لوصف حقيقة أن الناس لا يستطيعون تذكر ذكريات الأحداث من الطفولة المبكرة. وقلة من الناس لديهم ذكريات قبل سن الثالثة إلى الخامسة من العمر؛ لأن مناطق الدماغ التي تدعم الذاكرة لا تزال آنذاك قيد التطور.
> فقدان الذاكرة الانفصالي - فقدان الذاكرة النفسي: هو اضطراب في الصحة العقلية، حيث يعاني المُصاب من فقدان الذاكرة بعد التعرض لصدمة عاطفية أو صدمة نفسية شديدة».

10 أسباب محتملة لفقدان الذاكرة العصبي
> وفق ما يشير إليه أطباء في «مايو كلينك»؛ «تعتمد وظيفة الذاكرة الطبيعية على أجزاء عدة من المخ. ومن ثم؛ فإن أي مرض أو إصابة عضوية تحدث في الدماغ يمكن أن تؤثر على الذاكرة. ومن الأسباب العضوية المحتملة لفقدان الذاكرة العصبي ما يلي:
- السكتة الدماغية.
- التهاب الدماغ، مثل عدوى فيروسية.
- عدم وصول كمية كافية من الأكسجين إلى الدماغ، على سبيل المثال، إثر نوبة قلبية، أو ضيق تنفسي، أو التسمم بأول أكسيد الكربون (إشعال الحطب في أماكن مغلقة).
- نقص فيتامين بي - 1B - 1.أو ما يُعرف بالثيامين، في الجسم.
- وجود أورام في أجزاء المخ التي تتحكم في الذاكرة.
- الإصابة بداء ألزهايمر والأمراض الأخرى التي تُسبب تلف الأنسجة العصبية.
- نوبات الصرع.
- بعض الأدوية؛ كالمهدئات.
- إصابات الدماغ التي تسبب ارتجاجاً، كحوادث السيارات أو إصابات الملاعب.
- «ما بعد جراحة في الدماغ».


مقالات ذات صلة

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

صحتك  الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)

هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

سواء لاحظتها أم لا، يصدر جسمك أصواتاً مستمرة. قد لا تثير طقطقة المفاصل أو أصوات الغازات قلقك، لكن سماع قرقرة معدتك قد يثير شعوراً بالحرج أو الفضول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية قالت مجموعة القرصنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها «نشرت بيانات طبية حساسة لأكثر من 10 آلاف مريض» من الشبكة الإسرائيلية (رويترز)

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

أعلنت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «حنظلة» يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، الأربعاء، أنها نجحت في اختراق أنظمة أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل، وهي شبكة «كلاليت».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تناول الكربوهيدرات فقط… ما تأثيره على سكر الدم؟

كمية من الأرز في طبق (بكساباي)
كمية من الأرز في طبق (بكساباي)
TT

تناول الكربوهيدرات فقط… ما تأثيره على سكر الدم؟

كمية من الأرز في طبق (بكساباي)
كمية من الأرز في طبق (بكساباي)

يُطلَق مصطلح «الكربوهيدرات العارية»، الذي شاع بين روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، على تناول الكربوهيدرات المُكرَّرة بمفردها من دون مرافقتها بأطعمة أخرى. ويشير خبراء إلى أن تناولها من حين لآخر لا يسبب مشكلة، لكن الجمع بينها وبين عناصر غذائية أخرى قد يساعد على تقليل تأثيرها في مستويات سكر الدم.

ما الذي تفعله «الكربوهيدرات العارية» بمستويات السكر؟

تُمتص الحبوب المُكرَّرة في مجرى الدم بسرعة أكبر من الحبوب الكاملة، حسب اختصاصية التغذية جوان سالج بليك. وقالت إن ذلك سيؤثر في مستويات غلوكوز الدم عند تناولها بمفردها، خصوصاً على معدة فارغة.

وبعبارة أخرى، فإن الحبوب المُكرَّرة مثل الخبز الأبيض والمعكرونة وحبوب الإفطار والأرز الأبيض ستؤدي إلى ارتفاع في سكر الدم عندما تُؤكل وحدها. لكن عند تناولها مع البروتين والألياف والدهون، أوضحت بليك أن امتصاصها سيتباطأ، ولن يحدث ارتفاع كبير في مستويات غلوكوز الدم.

ومع ذلك، فإن الارتفاع السريع في سكر الدم ليس أمراً سيئاً دائماً، حسب الاختصاصية دارا فورد. فرياضيّو التحمّل، على سبيل المثال، يحتاجون إلى هذه الدفعة السريعة من السكر للحفاظ على النشاط، كما يحتاج الأشخاص الذين يعانون انخفاض سكر الدم إلى مصدر سريع للسكر لتجنّب نقصه.

وقالت فورد: «لكن بالنسبة لمعظم الأفراد، نرغب في الحد من كمية السكر البسيط المتناولة واختيار خيارات أكثر غنى بالعناصر الغذائية».

لماذا تُعدّ الكربوهيدرات المعقّدة أفضل لسكر الدم؟

تُعدّ الكربوهيدرات المعقّدة أفضل لضبط سكر الدم مقارنة بالمُكرَّرة، لأنها توفّر للجسم الكربوهيدرات مع عناصر غذائية إضافية مثل الألياف والبروتين والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن. وتشمل مصادرها الفواكه الكاملة والخضراوات والحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات.

ويشير خبراء إلى أن كثيرين لا يتناولون ما يكفي من الألياف لأن الكربوهيدرات السريعة أسهل توافراً، رغم أن زيادة الألياف تحمل فوائد صحية متعددة. فالألياف تُبطئ الهضم وإطلاق السكر في الدم، بينما يعزّز البروتين الشعور بالشبع وتساعد الدهون الصحية على الامتلاء لفترة أطول، لذلك يُنصح بالجمع بين الألياف والبروتين في الوجبات للمساعدة على توازن مستويات الغلوكوز.

فائدة غير مُقدَّرة للحبوب المُكرَّرة

ورغم أن الكربوهيدرات البسيطة قد تؤثر في سكر الدم، أشارت بليك إلى أن الحبوب المُكرَّرة تكون مُدعَّمة بفيتامينات «ب» مثل حمض الفوليك والحديد، ما يمنحها دفعة غذائية.

ويُعد حمض الفوليك تحديداً ضرورياً لتكوين الحمض النووي في خلاياك، ويلعب دوراً بالغ الأهمية خلال الحمل، خصوصاً في الأسابيع الأولى بعد الإخصاب. فهذا الفيتامين ضروري لتكوين خلايا جديدة كي يتمكن الجنين من النمو والتطور.

وقالت بليك: «ضع في اعتبارك أنه ليس إلزامياً أن تُدعَّم الحبوب الكاملة بحمض الفوليك، لذلك فإن كثيراً من النساء في سن الإنجاب يفقدن هذه الفائدة إذا استبعدن جميع الحبوب المُكرَّرة من نظامهن الغذائي. ويمكن للنظام الغذائي الصحي أن يجمع بين الحبوب الكاملة والحبوب المُكرَّرة المُدعَّمة».

طرق بسيطة لجعل الكربوهيدرات المُكرَّرة أكثر توازناً

لتحقيق توازن أفضل عند تناول الكربوهيدرات المُكرَّرة، يُنصح بدمجها مع مصادر للبروتين أو الألياف أو الدهون الصحية. ويمكن مثلاً إضافة حبوب إفطار مُدعَّمة إلى الزبادي اليوناني مع التوت في وجبة الفطور، أو إعداد شطيرة بالديك الرومي المشوي أو اللحم قليل الدهن مع الغواكامولي للغداء، كما يمكن خلط المعكرونة المطبوخة مع الفاصولياء والخضراوات المطبوخة للعشاء، أو تناول كعكة أرز مع طبقة خفيفة من زبدة الفول السوداني وشرائح الموز كوجبة خفيفة، وهو ما يساعد على جعل الوجبة أكثر توازناً غذائياً.


هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

 الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
TT

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

 الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة. لكن، خلف هذا الإحساس المطمئن، قد يكمن خطر صحي لا يتنبه إليه كثيرون؛ فبحسب خبراء في مجال الأورام، فإن الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء والجهاز الهضمي العلوي. وتؤكد الأبحاث أن مسألة درجة الحرارة ليست تفصيلاً بسيطاً، بل عامل قد يكون مؤثراً في سياق الوقاية من بعض أنواع السرطان.

كيف تُلحق الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة الضرر بالجهاز الهضمي؟

يوضح الدكتور أرون كومار جيري، مدير قسم جراحة الأورام في «أكاش للرعاية الصحية» بالهند: «عند تناول الطعام أو الشراب في درجات حرارة عالية جداً، قد يُسبب ذلك أضراراً بالغة للأغشية الحساسة للفم والحلق والمريء. هذا الضرر الحراري يؤدي إلى تلف مجهري والتهاب».

ويضيف أن المشكلة لا تكمن في التعرض العرضي، بل في التكرار المستمر. فمع مرور الوقت، يُجبر التلف المتكرر الجسم على إصلاح هذه الأنسجة بشكل دائم، وهو ما قد يزيد من احتمالية حدوث تغيرات غير طبيعية في الخلايا نتيجة عمليات التجدد المتكررة.

التهيُّج المزمن وعلاقته بخطر الإصابة بالسرطان

يُعدّ التهيج المزمن أحد العوامل المعروفة التي قد تسهم في تطور بعض أنواع السرطان. ويُعتبر المريء من أكثر الأعضاء حساسية للإصابة الناتجة عن الحرارة المرتفعة.

وقد أظهرت دراسات متعددة تناولت خطر الإصابة بسرطان المريء وجود ارتباط وثيق بين تناول المشروبات شديدة السخونة وارتفاع خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان. ويزداد هذا الخطر لدى الأشخاص الذين يستهلكون هذه المشروبات يومياً، خصوصاً عند توافر عوامل أخرى مثل التدخين، واستهلاك الكحول، وسوء التغذية.

كما أن التلف الحراري المتكرر قد يجعل بطانة المريء أكثر عرضة لتأثير المواد المسرطنة والالتهابات المزمنة؛ ما يزيد من احتمال حدوث مضاعفات على المدى الطويل.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الشاي والقهوة فحسب؛ فالحساء والمرق شديدا السخونة، وكذلك الأطعمة التي تُستهلك مباشرة بعد الطهي دون تركها لتبرد قليلاً، قد تُسبب بدورها إصابات حرارية متكررة للأنسجة الحساسة في الجهاز الهضمي.

المسألة، إذن، لا تتعلق بنوع الطعام أو الشراب، بل بدرجة حرارته عند الاستهلاك.

من هم الأكثر عرضة لخطر تلف المريء؟

توجد فئات قد تكون أكثر عرضة لتفاقم الضرر الناتج عن الحرارة، من بينها:

- الأفراد الذين يتناولون الشاي أو القهوة شديدة السخونة بانتظام.

- مرضى الارتجاع المعدي المريئي أو من يعانون من حرقة المعدة المزمنة.

- المدخنون بشراهة أو مدمنو الكحول.

- الأشخاص الذين يعانون من سوء صحة الفم أو سوء التغذية.

بالنسبة لهذه الفئات، قد يؤدي الضرر الحراري المتكرر إلى تسريع تفاقم التهيج أو الالتهاب الموجود مسبقاً، ما يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات.

في المحصلة، لا تعني هذه التحذيرات ضرورة التوقف عن شرب المشروبات الساخنة، بل تدعو إلى التنبه لدرجة حرارتها وتركها لتبرد قليلاً قبل تناولها، لتجنب تعريض الأنسجة الحساسة لضرر متكرر قد تكون له تبعات صحية على المدى الطويل.


ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟
TT

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

تُعد مكملات فيتامين «سي» آمنة لمعظم الناس، لكن الإفراط في استخدامها أو تناول جرعات كبيرة جداً قد يؤدي إلى عدة آثار سلبية. ورغم أن ذلك نادر، فإن آثاراً جانبية خطيرة لفيتامين «سي» قد تحدث، خصوصاً عند تناوله بكميات كبيرة على مدى فترة طويلة. فما أبرز هذه الآثار؟

1- قد تُصاب بحصوات الكلى

يمكن للجرعات العالية من فيتامين «سي» أن تزيد مستويات الأوكسالات في البول. والأوكسالات مادة يمكن أن ترتبط بالكالسيوم لتشكّل حصوات الكلى. وعندما يستقلب الجسم كميات زائدة من فيتامين «سي»، قد يحوّل جزءاً منها إلى أوكسالات.

وتكون هذه العملية مثيرة للقلق خصوصاً لدى الأشخاص المعرّضين لحصوات الكلى أو الذين لديهم أمراض كلوية قائمة. وقد يكون الأفراد الذين لديهم تاريخ من حصوات الكلى أو مرض كلوي مزمن أو مستويات مرتفعة من الأوكسالات أكثر عرضة للخطر.

2- قد تعاني اضطرابات في الجهاز الهضمي

يُعد الانزعاج الهضمي أحد أكثر الآثار الجانبية شيوعاً لجرعات فيتامين «سي» العالية، ويشمل أعراضاً مثل تقلصات المعدة والغثيان والإسهال والغازات. وتكون هذه التأثيرات عادةً مرتبطة بالجرعة، أي تزداد احتمالاتها مع زيادة الكمية المتناولة.

وفيتامين «سي» حمضي، كما أنه نشط أسموزياً، ما يعني أنه عند تناوله بكميات كبيرة يسحب الماء إلى الأمعاء ويهيّج بطانة الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى براز رخو وعدم ارتياح.

وتظهر الأعراض الهضمية عادةً عند جرعات تتجاوز 2000 ملليغرام يومياً، رغم أن بعض الأشخاص قد يواجهون مشكلات عند مستويات أقل.

3- قد يحدث فرط في الحديد

يعزّز فيتامين «سي» امتصاص الحديد غير الهيمي (الموجود في الأطعمة النباتية). وبينما يكون ذلك مفيداً عادةً، فقد يضر بالأشخاص المصابين بداء ترسّب الأصبغة الدموية، وهو اضطراب وراثي يجعل الجسم يخزّن كميات زائدة من الحديد.

ولدى المصابين بهذا المرض، قد يؤدي تناول كميات كبيرة من فيتامين «سي» إلى تفاقم فرط الحديد، ما يزيد خطر تلف الكبد وأمراض القلب والسكري.

وينبغي للأشخاص الذين لديهم اضطرابات معروفة في استقلاب الحديد تجنّب مكملات فيتامين «سي» بجرعات عالية ما لم يوصِ بها مقدم رعاية صحية.

4- قد تحصل على نتائج مخبرية غير دقيقة

قد يتداخل الإفراط في فيتامين «سي» مع بعض الفحوص المخبرية، إذ يمكن أن يعطي قراءات خاطئة في أجهزة قياس سكر الدم، وفي اختبارات الكرياتينين في البول، وفي الفحوص التي تستخدم كواشف كيميائية حساسة للأكسدة.

5- قد يتآكل مينا الأسنان لديك

غالباً ما تكون مكملات فيتامين «سي» القابلة للمضغ أو على شكل علكة حمضية، وقد تؤدي مع مرور الوقت إلى تآكل مينا الأسنان. ويمكن أن يسبب هذا التآكل زيادة حساسية الأسنان وتغيّر لونها وارتفاع خطر التسوّس.

فالبيئة الحمضية التي تُحدثها منتجات فيتامين «سي» تضعف الطبقة الواقية من المينا، خصوصاً عند تناولها على شكل أقراص للمصّ أو للمضغ. ولتقليل الخطر، يجب غسل الفم بالماء بعد تناول مكملات فيتامين «سي» وتجنّب تنظيف الأسنان مباشرة بعد ذلك.

6- قد تحدث تأثيرات مُؤكسِدة

على الرغم من أن فيتامين «سي» معروف بخصائصه المضادّة للأكسدة، فإنه قد يعمل مؤكسِداً في ظروف معيّنة، خصوصاً عند الجرعات العالية وفي وجود أيونات معدنية حرّة (مثل الحديد أو النحاس). وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإجهاد التأكسدي بدلاً من تقليله.

وتشير دراسات مخبرية إلى أن المستويات المرتفعة جداً من فيتامين «سي» قد تولّد جذوراً حرّة (جزيئات عالية التفاعل) في وجود بعض المعادن، ما قد يسهم في تلف الخلايا. ولا تزال الأهمية السريرية لهذا التأثير لدى البشر قيد البحث، لكنه يثير مخاوف بشأن المخاطر المحتملة لتناول مضادات الأكسدة بجرعات مفرطة.

كم تُعدّ كمية فيتامين «سي» كثيرة؟

يبلغ الحدّ الأعلى المقبول لتناول فيتامين «سي» لدى البالغين 2000 ملليغرام يومياً، ويؤدي تجاوز هذا المقدار، خصوصاً لفترات طويلة، إلى زيادة خطر الآثار الجانبية، في حين قد تجعل المكمّلات الغذائية والأطعمة المدعّمة من السهل تجاوز هذا الحد من دون قصد. وتختلف الكمية الغذائية الموصى بها حسب العمر والجنس ومرحلة الحياة، إذ تبلغ نحو 90 ملغ يومياً للرجال، و75 ملغ للنساء، و85 ملغ للحوامل، و120 ملغ للمرضعات.

لماذا يحتاج الجسم إلى فيتامين «سي»؟

يُعد فيتامين «سي»، المعروف أيضاً باسم حمض الأسكوربيك، عنصراً أساسياً لنمو أنسجة الجسم وتطورها وإصلاحها. ونظراً لأن الجسم لا يخزّنه، فمن المهم الحصول على كميات كافية منه عبر الغذاء مثل الحمضيات والفراولة والفلفل الحلو، أو عبر المكمّلات عند الحاجة.

من الأكثر عرضة لمخاطر الجرعات العالية؟

قد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة لآثار الجرعات المرتفعة، مثل المصابين بأمراض الكلى بسبب خطر تراكم الأوكسالات، أو من لديهم اضطرابات فرط الحديد نتيجة زيادة امتصاصه، وكذلك مرضى السكري الذين قد تتأثر قراءات أجهزتهم لقياس السكر. كما يُنصح من يخضعون للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي باستشارة فريقهم الطبي قبل استخدام مضادات الأكسدة، بما فيها فيتامين «سي»، لاحتمال تأثيرها في فاعلية العلاج.

كيف يمكن استخدامه بأمان؟

للاستخدام الآمن والفعّال، يُفضَّل الالتزام بالكمية الموصى بها ما لم يوجّه الطبيب بخلاف ذلك، والانتباه إلى أن الأطعمة المدعّمة والفيتامينات المتعددة قد تسهم في إجمالي الاستهلاك اليومي. كما قد يساعد اختيار أشكال غير حمضية مثل أسكوربات الصوديوم في تقليل التهيّج، مع ضرورة إبلاغ مقدم الرعاية الصحية بأي مكمّلات تُستخدم، خصوصاً قبل العمليات الجراحية أو الفحوص الطبية.