أفلام الهجرة العربية إلى أوروبا... تاريخ لا يتوقف

«لأجل بلدي» يطرق الموضوع من زاوية جديدة

اثنان في محنة واحدة: «لندن ريفرز» (ثري بي برودكشن)
اثنان في محنة واحدة: «لندن ريفرز» (ثري بي برودكشن)
TT

أفلام الهجرة العربية إلى أوروبا... تاريخ لا يتوقف

اثنان في محنة واحدة: «لندن ريفرز» (ثري بي برودكشن)
اثنان في محنة واحدة: «لندن ريفرز» (ثري بي برودكشن)

في الفيلم الجديد لرشيد حامي «لأجل بلدي» (For My Country) عرض جيد لموضوع يمكن اعتباره واحداً من مواضيع عديدة تمسّ الجاليات العربية التي هاجرت إلى فرنسا. على الأقل، يأتي الفيلم بحكاية مختلفة عما سبق لرشدي زم ورشيد بو شارب والناصر قطاري وكوثر بن هنية، وسواهم طرحه من مواضيع تخص الهجرة من البلدان الواقعة في شمال أفريقيا إلى تلك الأوروبية، وخصوصاً فرنسا.
وُلد رشيد حامي في الجزائر سنة 1985 وقبل سبع سنوات قام بعرض فيلمه الأول. «أوركسترا كلاس» في مهرجان فينيسيا وعاد المخرج إلى المهرجان ذاته بفيلم آخر عنوانه «حكايات من تايبي» قبل أن ينتهي من تحقيق فيلمه الطويل الثالث الذي عرضه كذلك في ذلك المهرجان الإيطالي الكبير.

نار صديقة
يوفّر «لأجل بلدي» لمشاهديه حكاية مجند جزائري، اسمه عيسى (شاهين بومدين) قُتل بالخطأ على أيدي رفاق السلاح الفرنسيين. والدته ناديا (لبنى أزابال) وشقيقه الأكبر إسماعيل (كريم لقلو) يحاولان حث الأكاديمية الفرنسية على دفن الراحل في مقبرة مخصصة لتكريم الذين سقطوا خلال الواجب. لكن القيادة الفرنسية تُمانع في ذلك لأن القتيل لم يسقط في معركة. هناك أخذ ورد (من دون تكرار) حول هذه النقطة ثم نجاح الأم وابنها إسماعيل في دفع المسؤولين لقبول صلاة الجنازة الإسلامية الشرعية ودفنه حيث رغبت العائلة دفنه.
هذا الخط الممتد في وسط ما نراه من أحداث، لكنه ليس الخط الوحيد. «لأجل بلدي» يتناول كنه العلاقة الأخوية والعائلية التي ربطت بين الأم وولديها وبين الثلاثة والأب الذي كان رفض، خلال العقد الأسود في تاريخ الجزائر القريب (التسعينات حين انتشرت أحزاب التطرّف)، الانتقال إلى فرنسا مع زوجته وولديه، مما نشأ عنه قطيعة كاملة.
يستخدم الفيلم «الفلاش باك» لسرد هذا الوضع، وكذلك لتخصيص علاقة الشقيقين ببعضهما بعضاً، وذلك من خلال زيارة إسماعيل لشقيقه المنتدب إلى تايوان وتعرّفه على عادات وتقاليد اجتماعية مختلفة. قليل من اضطراب العلاقة لكن الكثير من دفئها العائلي، مما يبرر غضب إسماعيل من الإجراءات الفرنسية التي كادت أن تنتهي بدفن شقيقه على نحو غير لائق به.
هذا موضوع شائك لا يعالجه المخرج سياسياً (وحسناً فعل) لأنه لا ينوي تنميط الشخصيات ودخول متاهات تفضي إلى فيلم آخر غير الذي في باله. سرد كلاسيكي النزعة، لكنه متين الحضور، وتمثيل جيد من الجميع بلا تفاوت. بعض الفتور في مشاهد دون أخرى، لكن الفيلم يمضي في وجهته بلا مشاكل تُذكر.

لقطة من «لأجل بلدي» (ميزار فيلم)

الخوف
يبقى بالطبع أنه، في صميمه، عن مهاجرين من إحدى دول المغرب العربي، وبذلك ينضم إلى عدد متزايد من الأفلام التي تطرح مشاكل الهجرة من زوايا مختلفة. أحد الجنود المجهولين في هذا الوضع هو المخرج عبد الكريم بهلول، الذي تعرّض لعرب فرنسا منذ سنة 1984 عندما قدّم «شاي بالنعناع»، حيث لا تؤتي الهجرة ثمارها. بعد أن كتب لرشيد بوشارب سيناريو فيلم «شاب» (1991) عرج بهلول إلى موضوع الهجرة من جديد في «مصاص دماء في الجنة» (1992) إنما بحبكة مختلفة: فتاة فرنسية من عائلة برجوازية تبدأ فجأة التكلم بالعربية من دون دراستها لها. هذا التحوّل ربطه المخرج بشاب عربي (فريد شوبل) ربما يكون مصاص دماء، لكنه واحد من الذين لا ينوون الشر لأحد.
في آخر أفلامه، «رحلة إلى الجزائر» (2009) قام برحلة عكسية لامرأة وأولادها الراغبين في العودة إلى الجزائر.
قبل ذلك، في سنة 1976. قام التونسي النصر قطاري بتقديم فيلم «السفراء»، وهو ما زال أفضل فيلم حققه لليوم: دراما حول مهاجرين من مختلف دول المغرب العربي وكيف أن مجاورتهم لعائلات وأسر فرنسية لديها عاداتها وثقافاتها ليس بالأمر السهل مطلقاً.
قبله بعامين عرض الألماني رينر فرنر فاسبندر فيلم «الخوف يأكل الروح» عن المواجهة الصعبة ذاتها بين مهاجر من المغرب (الهادي بن سالم) والبيئة الألمانية. هو رجل أعجبت به امرأة تعدت مرحلة الشباب (بريجيت ميرا) وواجهت وإياه مصاعب العيش معاً في جو عنصري متوقع. علي يشاركها الخوف من مستقبل بل لديه مخاوف أخرى. هي تستطيع البقاء في وطنها، لكنه إن بقي معها أو من دونها سيبقى غريباً.
منذ ذلك الحين توالت تلك الأفلام التي تتحدّث عن ألم الهجرة أو عن وقائع حقيقية ألمّت بمهاجرين عرب في محيط أوروبي معقّد.
قام رشيد بو شارب سنة 2006 بتحقيق فيلمه الجيد «أيام المجد»، عن العرب الذين شاركوا الفرنسيين تحرير فرنسا من النازية وتم تهميش مشاركتهم فيما بعد. ثم عرض، سنة 2009. في «نهر لندن» لسنغالي وصل إلى لندن بعدما بلغه موت ابنه في تفجير إرهابي. يلتقي هناك بأم بريطانية خسرت بدورها ابنها في الحادثة ذاتها. لم يكن عن مشكلة الهجرة لكن عن البيئة التي قد تفرز الحب والتفاهم أو الكراهية والبغضاء.

من خشب هش
العراقي قتيبة الجنابي خصّ نفسه بأفلام ثلاثة تتحدّث عن وضع لاجئ هارب من نظام عربي يلاحقه رجال ذلك النظام وظلال تلك الفترة السابقة. أفضل تلك الأفلام «قصص العابرين» (2017) كونه أنجز رؤية وأسلوب سرد خاصّين به. عرض لذاكرة المخرج المرهقة لحياته في العراق ثم بذلك الخوف الكبير الذي لاحقه عندما فرَّ صوب أوروبا (حط في أكثر من بلد) بحثاً عن أمان صعب. وهو استكمل الثلاثية قبل عامين بفيلم «رجل من خشب» طارحاً أن بطله ذاك تحوّل إلى شكل آدمي مؤلف من خشب هش بعدما استمر سعيه للبحث عن موطن آمن في بلاد لا ترغب فيه أو هرباً من فلول الأمس. تلك الفلول لها وجود في فيلم سمير جمال الدين «بغداد في مخيّلتي». مثل الجنابي، قام جمال الدين بتقديم أكثر من فيلم سابق (بينها «أوديسا عراقية») حول الشتات العراقي في بلدان الغرب. لكن في «بغداد في مخيّلتي» (2019) سرد أوضاع عراقيين (وبعض العرب الآخرين) في مدينة لندن. مهاجرون أغلبهم طيّبون مع مشاكل يتعرّضون لها من فلول الماضي.
ما سبق وسواه يدلف بنا إلى فيلم كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظهره» (2020) الذي انتهج حكاية جديدة: سوري حط في بيروت ومنها إلى بروكسل بعدما رضي بأن يبيع ظهره لفنان بلجيكي. ليس أن الحكاية برمّتها خلت من مواقف غير قابلة للتصديق، لكن الفيلم سجّل، فيما سجّل، وجهاً آخر من وجوه هجرة صعبة تشبه اقتلاع شجرة تنمو في الصحراء لزرعها في أرض شمالية باردة.


مقالات ذات صلة

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.