«مؤشر ترتيب» سبيل السعودية لقياس جودة تعليمها

الدول الكبرى انتهجت المؤشرات منذ وقت مبكر... والتنافسية والشفافية أبرز المميزات

السعودية تقدمت في قطاع التعليم وفق آخر تقرير صادر عن مركز التنافسية العالمي (واس)
السعودية تقدمت في قطاع التعليم وفق آخر تقرير صادر عن مركز التنافسية العالمي (واس)
TT

«مؤشر ترتيب» سبيل السعودية لقياس جودة تعليمها

السعودية تقدمت في قطاع التعليم وفق آخر تقرير صادر عن مركز التنافسية العالمي (واس)
السعودية تقدمت في قطاع التعليم وفق آخر تقرير صادر عن مركز التنافسية العالمي (واس)

يكشف «مؤشر ترتيب» الذي أصدرته هيئة تقويم التعليم والتدريب في السعودية، ويعرض ترتيب المناطق وإدارات التعليم ومكاتبها التعليمية والمدارس وفقاً لنتائج طلابها في الاختبارات المعيارية (القدرات العامة والتحصيلي) التي تنفذها، عن أن إقرار القياس عبر المؤشرات التنافسية بين الجهات التعليمية، يمكن أن ينتج مخرجات تتواءم مع الأهداف الوطنية للسعودية في ضوء خطتها التنموية (رؤية 2030).
وشرعت عدد من الدول الكبرى في اتّخاذ نماذج القياس والمؤشّرات لتقييم جودة الأنظمة التعليمية فيها وتطويرها بما يحقق أهدافها الوطنية التنموية، بالنظر إلى كونه أفضل السبل المعمول بها عالمياً في القياس والتقييم، وفقاً لما يميل إليه مختصون أكاديميّون.

تقدّم مرتبط باستخدام المؤشّرات للقياس
فإلى جانب المملكة المتحدة، وكندا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا ودول أخرى، تُصدر منظمات دولية على غرار منظمة اليونيسكو، ومجموعة البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، مؤشّرات دوريّة بتقسيمات عديدة لقياس مستوى التنافسية بين الدول في عدد من الجوانب التنموية ومن ضمنها التعليم، وتقييم جودته وعدد من الجوانب التطويرية الأخرى كالتعليم الرقمي وقابلية سوق العمل للتواؤم مع مخرجات التعليم وغير ذلك.
واللافت، أن هذه الدول التي تستخدم المؤشرات الدورية، تتقدّم طبقاً للمؤشرات الدولية التي تقيّم أداء عدد كبير من الدول، بعضها يصل إلى قرابة 190 دولة، ويعيد خبراء التعليم الفضل إلى عدد من المقوّمات الإدارية، أهمها مؤشرات القياس التي تساعد بشكل مباشر في معرفة مكامن الخلل وقياس الأداء وتقييم المخرجات.

تفعيل ثقافة القياس في دول الخليج
ومع تأخر ثقافة استخدام المؤشّرات لقياس جودة التعليم الداخلي في الوصول إلى دول الخليج العربي - التي تعمل في الغالب بأساليب مختلفة للقياس والتقييم - إلا أن عدداً من المؤشّرات غير الحكومية برزت خلال السنوات القليلة الماضية على غرار مشروع مؤشّرات «جودة التعليم في العالم العربي» الذي يحظى بإشراف السعودية بموجب الاتفاقية المبرمة بين الرياض ومنظمة اليونيسكو، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2014، ويقوم عليه المركز الإقليمي للجودة والتميز في التعليم في اليونيسكو، ويقع مقره في محافظة الجبيل شرقي السعودية باعتباره أحد أهم المؤشرات الرسمية التي تتناول عدداً من دول المنطقة العربية.
ويكشف التقدم المتصاعد للسعودية في مؤشرات التنافسية الدولية، وخصوصاً على صعيد التعليم، عن اهتمام فعلي بتطوير التعليم وتكريس مخرجاته في البلاد التي تعيش لحظة من التاريخ في إطار رؤيتها التنموية (رؤية السعودية 2030)، حيث تضمّنت الرؤية تحوّلاً كبيراً على صعيد متطلّبات سوق العمل بالنظر إلى حلول التقنية في عدد من الوظائف المطلوبة عوضاً عن التقليدية، مما تطلّب في الوقت ذاته ابتكارات جديدة على صعيد المخرجات التعليمية بما يتوافق مع التوجهات الاقتصادية الجديدة للبلاد.

صعود سعودي في مؤشرات التعليم الدولية
وطبقاً للتقرير السنوي للتنافسية العالمية للعام 2022 الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، فقد تقدّمت السعودية في 16 مؤشّراً من مؤشرات التنافسية العالمية في قطاع التعليم؛ حيث قفزت إلى المركز الـ24 في التقرير مقارنة بـ32 العام السابق 2021، وتقدمت 4 مراكز في محور التعليم لتحتل المركز الـ37 مقابل 41 العام 2021، كما صعدت مركزين في محور البنية التحتية العلمية لتحقق المركز الـ30 مقارنة بالمركز الـ32 في 2021؛ مما أسهم في تقدم مركز السعودية في أحد المحاور الرئيسية في التقرير، وهو محور البنية التحتية، حيث وصلت المملكة للمركز الـ34 مقابل 36 العام الذي سبقه 2021 مع محافظة المحور على مسار تصاعدي يتقادم منذ عام 2018.
وانسجاماً مع ذلك الصعود الذي يأتي قياساً بمؤشرات دولية، يأتي إطلاق برنامج «مؤشر ترتيب» مطلع العام الماضي في السعودية، إحدى الوسائل التي انتبهت هيئة تقويم التعليم والتدريب، ووزارة التعليم في السعودية، لأهمية انتهاجها كأحد السبل النوعية والحديثة والمستخدمة عالمياً لتحديد تكامل المدارس والطلاب مع الاستراتيجيات التعليمية التي أعلنت عنها الوزارة وهيئة تقويم التعليم والتدريب ومدى نجاح تطبيقها.

منشور لـ«مؤشر ترتيب» يدعو أولياء الأمور للتعرف على ترتيب مدارس أبنائهم (هيئة تقويم التعليم والتدريب)

واشتمل هذا المؤشر على ترتيب إدارات ومكاتب التعليم والمدارس حسب متوسط درجات طلابها على مدى ثلاثة أعوام دراسية في الاختبارات المعيارية التي تنفذها الهيئة «القدرات والتحصيلي»، وهو ما يجعل عملية التقويم سنوية، بما يساهم بالضرورة في منح الوقت للمدارس وإدارات التعليم إلى تطوير أدواتها والاستعداد بشكل سنوي من خلال خطط تعليمية، وليس من خلال أداء قصير المدى.
ويعدّ المؤشّر منصّة رقميّة موحّدة لعرض ترتيب إدارات التعليم ومكاتب التعليم والمدارس بناءً على نتائج الطلبة في الاختبارات المعيارية التي تنفذها الهيئة، كما أنها منصة تفاعلية تقدم العديد من الخدمات لإتاحة الفرصة لولاة الأمور لمقارنة وقياس أداء مدارس أبنائهم بالمدارس الأخرى؛ مما يجعله في المحصّلة يمتاز بكونه غير مستنسخ في المضمون، ولكنه معيار مستخدم على صعيد دولي، يمكن للجهة الحكومية القياس بناءً على ما يرشح عنه، كما يمكن لأولياء الأمور بالقدر نفسه القياس بناءً على نتائجه.
https://twitter.com/EtecKsa/status/1623358904284348416?s=20

مزايا رقمية لمؤشر التعليم السعودي
وفي سبيل تقديم المؤشر بطريقة سلسة يسهل الحصول على نتائجها، أكد المدير التنفيذي للمركز الوطني للتقويم والتميز المدرسي (تميز) التابع للهيئة، أحمد الجبيلي، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك مزايا مضافة في النسخة المطورة للمؤشّر إلى جانب البيانات المحدثة وجود عدد من الخدمات، من أبرزها «تطوير صفحة المؤشر الرئيسة؛ لتضم المدارس الأعلى أداءً على المستوى الوطني وعلى مستوى المناطق، وتطوير بطاقة المدرسة وإضافة معلومات مهمة تساعد المدارس في تتبع التغيير في الأداء على مدى ثلاث سنوات».
وأضاف الجبيلي، أن المزايا تشمل كذلك «تطوير خدمات الخريطة التفاعلية على مستوى المناطق من خلال إضافة خدمة إظهار المتوسط العام لكل إدارة تعليم ومكتب بشكل مستقل، كما أضيف دليل لإدارات التعليم ومكاتبها والمدارس يمكن طباعته والإفادة منه، وطُوّر تقرير المقارنة بين أداء أكثر من مدرسة بشكل مبسط يسهل فهمه من شرائح المجتمع كافة، إضافة إلى تطوير خيارات البحث؛ لتسهيل التصفح».

تعزيز الشفافية
وفضلاً عن أن الخطوات المشار إليها ستعزز الشفافية وتحفّز التنافس بين المدارس ومكاتب وإدارات التعليم، وتدفعها إلى تجويد أدائها وتحسين مخرجاتها، بما ينعكس لاحقاً على تطوير منظومة التعليم العام، إلا أنه سيساعد أيضاً في تحقيق مستهدفات برنامج «تنمية القدرات البشرية»، وسيمكّن أولياء الأمور من معرفة مستوى مدارس أبنائهم وبناتهم وتحديد المدارس المناسبة لهم، بطريقة حديثة وواضحة عوضاً عن المعاناة التي كان يجدها كثير من أولياء أمور الطلاب في السعودية سابقا لتحديد المدارس الكفؤة والمناسبة لاحتواء أبنائهم، وسيعرّف بالمدارس المتميزة والحاصلة على المراتب المتقدمة على مستوى إدارة التعليم التابعة لكل منطقة أو مكتبها، علاوة على عرض المستوى الحالي للمدرسة مقارنة بجميع المدارس في البلاد.
وتعمل هيئة تقويم التعليم والتدريب على إضافة إصدارات متعددة للمؤشر في مراحله التطويرية القادمة، ومن أهمها: الاختبارات الوطنية (نافس)، وعرض نتائج تفصيلية لنتائج اختباري القدرات والتحصيل التعليمي، وعرض نتائج المدارس في التقويم والاعتماد المدرسي، بالإضافة إلى تسهيل عملية البحث والاطلاع على النتائج عبر «بطاقة المدرسة» التي تحتوي على نتائج المدرسة في جميع الاختبارات التي تجريها الهيئة، بالإضافة إلى المستوى الدوري الذي يكشف اتجاه مؤشر المدارس في اختبار القدرات والتحصيلي.

مساهمة «التنافسية» في تطوير التعليم
ويعدّ مبدأ التنافسية الذي انتهجه «مؤشر ترتيب» في قطاع التعليم السعودي أحد المفاهيم الأساسية التي تنطبق على العديد من المجالات في العمل الحكومي؛ ففي الحكومات التي تتبنّى مبدأ التنافسية تعمل الجهات الحكومية على تعزيز المنافسة بين مختلف الأقسام والإدارات والموظفين الذين يعملون في الحكومة، كما تسهّل إجراءات التنافسية على المنظمات والهيئات الدولية التعامل مع الدول، وتشجّعها للدخول في برامج واتفاقيّات مشتركة تعود بمكاسب تنموية مشتركة، بما في ذلك قطاعات التعليم المتفرّقة.

القيمة المضافة لمؤشر «ترتيب»
ويؤكد نجاعة التنافسية في الانعكاس على جودة التعليم، ما بيّنته نتائج المؤشّر التي جرى اعتمادها استناداً على نتائج عام 1443هـ، المعلنة للمرة الأولى قبل أيام قليلة، كما انعكس إجمالاً منذ إطلاقه، مطلع العام المنصرم، على ارتفاع مستوى التنافسية بين المدارس المعنية وإدارات التعليم؛ مما نتج منه صعود ترتيب السعودية في مؤشّرات التعليم الدولية مثل مؤشّرات مجموعة البنك الدولي، ومؤشر دافوس، ومؤشر (IMD)، وغيرها.

نتائج ترتيب المدراس بناءً على اختبارات القدرات والتحصيلي التي كشف عنها «مؤشر ترتيب»

وظهر جليّاً في نتائج المؤشر حجم التنافس العالي بين المدارس وإدارات التعليم التي حققت مراكز متقدمة، وأفاد أحد المطلعين على سعي كثير من المدارس لتحقيق متطلبات المؤشر، بأن حجم التنافس يُنبئ باحتمالية أن نرى في المؤشر القادم، قائمة مختلفة من المدارس وإدارات التعليم التي بدأت في تعزيز إمكاناتها هذا العام تحسّباً لارتفاع نسق التنافس مستقبلاً.
وساهم المؤشر منذ إطلاقه مطلع العام الماضي، في رفع مستوى التنافسيّة داخليّاً، مما أنتج بالمقابل صعوداً في تصنيف السعودية في المؤشرات الدولية.
وظهر جليّاً في نتائج المؤشر حجم التنافس العالي بين المدارس وإدارات التعليم التي حققت مراكز متقدمة، وأفاد أحد المطلعين على سعي كثير من المدارس لتحقيق متطلبات المؤشر، بأن حجم التنافس يُنبئ باحتمالية أن نرى في المؤشر القادم، قائمة مختلفة من المدارس وإدارات التعليم التي بدأت في تعزيز إمكانياتها هذا العام تحسّبا لارتفاع نسق التنافس مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

TT

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)
الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)

كان على العرب أن ينتظروا ثلاثة عقودٍ حتى يبصروا أول أثرٍ لهم في محفل «الأوسكار». فجوائز «الأكاديمية» التي انطلق توزيعها عام 1929، لم تفتح بابها لفيلمٍ عربي إلا في 1959. لكن ذلك الباب بقي موارباً، فـ«باب الحديد» ليوسف شاهين لم يصل حتى إلى القائمة النهائية للترشيح، رغم اختياره رسمياً من قِبَل مصر للتنافس عن فئة أفضل فيلم أجنبي، إلا أن الفيلم المصري الأيقونة، الذي أدّى بطولته شاهين نفسه إلى جانب هند رستم وفريد شوقي، سجّل اسمَه كأول عملٍ سينمائي عربي يُطرح للتأهّل إلى «الأوسكار».





عمر الشريف... أول المرشّحين العرب

أما الترشيح الرسمي الأول لـ«الأوسكار» فجاء من نصيب مصر عام 1963، القلب النابض للسينما العربية آنذاك ومُصَدّرة المواهب إلى هوليوود. كان الفيلم من إنتاجٍ أميركي - بريطاني، لكنّ أحد أبطاله كان النجم المصري الصاعد عمر الشريف الذي يُعَدّ أول فنان عربي يجري ترشيحه لـ«الأوسكار». عن شخصية «شريف علي» في فيلم «لورنس العرب»، ترشّح الشريف إلى جائزة أفضل ممثل بدور مساعد، إلا أنه لم يَفُز بها.

الممثل عمر الشريف في فيلم «لورنس العرب» عام 1962 (كولومبيا بيكتشرز)

«زد»... الجزائر تفوز بأول «أوسكار»

بدءاً من سنة 1967 عرفت الجزائر حقبةً ذهبية في احتفاليات «الأوسكار». كان الترشيح الأول لفيلم «معركة الجزائر» الذي يروي كفاح الشعب الجزائري خلال فترة الانتداب الفرنسي. تنافسَ الفيلم عن 3 فئات هي: أفضل فيلم أجنبي، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو، من دون أن يفوز في أيٍّ منها، إلا أنّ عام 1970 جاء ليعوّض الخسارة ويسجّل الفوز الأول لفيلمٍ عربي بجائزة «الأوسكار». حصل فيلم «زِد» ذو الإنتاج الجزائري - الفرنسي المشترك على جائزتَي أفضل فيلم أجنبي وأفضل مونتاج، مع العلم أنّ الفيلم الناطق بالفرنسية روى حادثة اغتيال السياسي اليوناني غريغوريس لامبراكيس، وهو من إخراج اليوناني كوستا غافراس.

كان التعاون السينمائي الجزائري - الفرنسي في أوجه في تلك الآونة، وقد تكرر الوصول إلى نهائيات «الأوسكار» عام 1984 مع فيلم «الحفل الراقص»، الذي ترشّح عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

مزيد من الأفلام العربية المرشّحة

وسط الإنجازات الجزائرية، حلّ الفيلم الأسطوري «الرسالة» مرشّحاً على «الأوسكار» عام 1977. الفيلم الملحمي الذي يغوص في تاريخ الإسلام، وذو الإنتاج العربي المشترك، أخذ مُنتجَه ومُخرجَه السوري مصطفى العقّاد إلى المنبر السينمائي الأبرز. جرى ترشيح «الرسالة» لـ«أوسكار أفضل موسيقى تصويرية» من تأليف موريس جار، لكنه لم يحصل على الجائزة.





لم تكن التسعينيات فترةً مثمرة على صعيد المشارَكات العربية في استحقاق «الأوسكار»، فاقتصرت على ترشيح وثائقي «نيران الكويت» عام 1993. ركّز الوثائقي على الجهود الدولية لإطفاء النيران المشتعلة في حقول النفط في الكويت إبّان حرب الخليج. أما الترشيح الثاني فكان جزائرياً من جديد، وذلك من خلال فيلم «غبار الحياة» عام 1996. لم يَفُز بـ«أوسكار أفضل فيلم أجنبي»، إلا أنه مهّد الطريق للمخرج رشيد بوشارب لمشوارٍ طويل على هذا المنبر السينمائي الدولي.

2006... فلسطين تدخل هوليوود

شهد «أوسكار 2006» إنجازاً مزدوجاً للسينما الفلسطينية؛ أولاً بترشيح أول فيلم من فلسطين لـ«الأوسكار»، وثانياً بالاعتراف غير المباشر بدولة فلسطين في هوليوود، وذلك بعد سجالٍ طويل داخل «الأكاديمية». دخل المخرج هاني أبو أسعد مع فيلمه «الجنّة الآن» إلى قائمة المرشّحين عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويروي الفيلم قصة آخر 48 ساعة في حياة شابَّين فلسطينيين يستعدان للقيام بعملية انتحارية في إسرائيل. لم يَفُز الفيلم، إلا أنه وضع الحجر الأساس للسينما الفلسطينية في «الأوسكار».





رقم قياسي لرشيد بوشارب

بعد 11 سنة على ترشيح فيلمه الأول، عاد المخرج الجزائري رشيد بوشارب إلى «الأوسكار» عام 2007 مع «أيام المجد»، لكنه تلك المرة أيضاً لم يحقق الفوز عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

كرر بوشارب المحاولة في 2011 في ترشيحٍ ثالث عن فيلم «خارج القانون»، لينال بذلك ثالث ترشيحاته لـ«الأوسكار»، وهو رقم قياسي.

من بين تجارب الترشيح التي تكررت كذلك، عودة المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد عام 2014 مع فيلم «عُمَر» عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

المخرجان الجزائري رشيد بوشارب والفلسطيني هاني أبو أسعد ترشحت أفلامهما أكثر من مرة لـ«الأوسكار» (أ.ف.ب - رويترز)

عودة مصر... ودخول الأردن وموريتانيا

شهدَ عام 2014 عودة مصر إلى «الأوسكار» من خلال ترشيح فيلم «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم عن فئة أفضل وثائقي. ويوثّق الفيلم لثورة 25 يناير (كانون الثاني) من زاوية ميدان التحرير. وفي العام التالي، حققت موريتانيا إنجازها السينمائي الأكبر، بدخول فيلم «تمبكتو» للمخرج عبد الرحمن سيساكو إلى السباق عن فئة أفضل فيلم أجنبي من دون تحقيق الفوز.

كانت سنة 2016 مفصليّة بالنسبة للسينما الأردنية؛ إذ أخذها فيلم «ذيب» إلى العالمية. عن فئة أفضل فيلم أجنبي، ترشّح «ذيب» لمخرجه ناجي أبو نوّار. الفيلم التاريخي الذي استعان بالبدو الأصليين ليروي حقبة حكم السلطنة العثمانية للمنطقة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، شكّل نقلة نوعية للسينما الأردنية.





إنجازات لبنانية وسورية

ضربت السينما اللبنانية موعدها الأول مع «الأوسكار» عام 2018، منافِسةً على جائزة أفضل فيلم أجنبي بـ«قضية رقم 23» للمخرج زياد دويري. ورغم عدم فوزه، فإنّ الفيلم كان فاتحة خير؛ إذ تلاه في العام التالي ترشيح فيلم «كفرناحوم» للمخرجة اللبنانية نادين لبكي عن الفئة ذاتها.

وفي العام نفسه الذي دخل فيه لبنان على خطّ هوليوود، كانت سوريا تحقّق إنجازها الأول مع وثائقي «آخر الرجال في حلب» للمخرج فراس فياض.





«أوسكار» لمصر... من رامي مالك

ما لم يحققه عمر الشريف عام 1963، حققه رامي مالك في 2019. فاز الممثل المصري - الأميركي بـ«أوسكار أفضل ممثل» عن أدائه شخصية مغنّي فريق «كوين» فريدي ميركوري في الفيلم الأميركي «بوهيميان رابسودي»، ليصبح بذلك أول فنان مصري وعربي يفوز عن هذه الفئة في تاريخ «الأوسكار».

الممثل المصري - الأميركي رامي مالك أول فنان عربي يفوز بـ«أوسكار» (رويترز)

في انتظار «الأوسكار» الرابع

كانت سنة 2020 مثمرة بالنسبة للسينما السورية التي حجزت لنفسها مقعدَين على قائمة الأفلام المرشحة لـ«أوسكار أفضل فيلم وثائقي». شكّل «الكهف» الترشيح الثاني للمخرج فراس فياض، أما «من أجل سما» الذي أخرجته السورية وعد الخطيب والبريطاني إدوارد واتس، فوثّق هو الآخر للحكايات الإنسانية على هامش الحرب في سوريا.

عام 2021، فُتح باب «الأوسكار» أخيراً أمام السينما التونسية وأمام إحدى رائداتها المخرجة كوثر بن هنيّة. افتتحت بن هنية مشوارها «الأوسكاري» الطويل بترشيح فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ولم تكد تمضِ 3 سنوات حتى عادت مع وثائقي «بنات ألفة». وفي تعادلٍ مع زميلها الجزائري رشيد بوشارب، ها هي بن هنيّة تعود في 2026 إلى «الأوسكار» للمرة الثالثة مع «صوت هند رجب»؛ الفيلم الذي يروي الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية العالقة في السيارة وسط النيران الإسرائيلية في غزة، والذي خطف الأنفاس في المسابقات السينمائية الدولية.

المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة والترشيح الثالث لـ«الأوسكار» (رويترز)

تُعلّق فلسطين وتونس وسائر الدول العربية آمالها على هذا الفيلم، ليحقّق إنجازاً عربياً جديداً على منبر «الأوسكار»، ويكرر ما صنعه وثائقي «لا أرض أخرى» عام 2025، عندما رفع صوت فلسطين عالياً، حاصداً «أوسكار أفضل فيلم وثائقي»، ومُحققاً أول فوز فلسطيني في هذه الجائزة العالمية.


متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».