«رياح السماوات» تُطفئ 40 شمعة من زواج واسيني الأعرج وزينب الأعوج

حاورتهما بروين حبيب عن علاقة المبدعين الشائكة

واسيني الأعرج وزوجته زينب الأعوج شريكا كتابة وحياة
واسيني الأعرج وزوجته زينب الأعوج شريكا كتابة وحياة
TT

«رياح السماوات» تُطفئ 40 شمعة من زواج واسيني الأعرج وزينب الأعوج

واسيني الأعرج وزوجته زينب الأعوج شريكا كتابة وحياة
واسيني الأعرج وزوجته زينب الأعوج شريكا كتابة وحياة

شاعرتان وروائي، في «مكتبة محمد بن راشد». الأولى تدير بأناقة اللقاء بين الزوجين. الثانية هي زوجة الروائي الجزائري، واسيني الأعرج، الشاعرة زينب الأعوج. المنشغلان بالكلمة، تطرح عليهما الشاعرة البحرينية بروين حبيب، في برنامجها «بين السطور» (تلفزيون دبي) سؤالاً يثير الفضول كلما اجتمع مبدعان في منزل: «هل وجودهما أشبه بربّانين يقودان سفينة واحدة، محكومَيْن بالاختلاف إن طال السفر؟ أم هما راقصا تانغو يحتاجان إلى التكامل فتكتمل الرقصة؟».

الروائي مُعتمر القبّعة، يحضر وزوجته إلى المكتبة الضخمة. أسئلة بروين حبيب من نَفَسها الشعري، توجّهها للزوجين وتُحسن الإصغاء. على الطاولة، فرضية أنّ «الإبداع ليس بالضرورة هادمَ الزواج ومفرّقَ الأزواج»، وتعطي أمثلة، منها سارتر وسيمون دي بوفوار، مريد البرغوثي ورضوى عاشور. هم ممن سمحوا للكتابة أن تقاسمهم بيوتهم؛ فتباشر المُحاورة أسئلتها: «هل حياة الكتّاب الأزواج تقوم على التضحية أو الأنانية؟».

موضوع زواج المبدعين مثير، يتناوله الشاعر شوقي بزيع في كتاب ومقالات ينتظرها قراء «الشرق الأوسط». يستعيد الثلاثة جهده، ويُخبر واسيني أنه التقاه في بيروت ودار حديث عن «عشاق رائعين وأزواج فاشلين»، لكنه ورفيقة الحياة عاكسا الانطباع العام بعلاقة خاصة أثمرت دواوين شعر وروايات وولدين وأحفاداً وأربعة عقود من رحلة العمر.

تبارك لهما مُحاورتهما إطفاء شمعة الزواج الأربعين: «كل سنة وتجري بينكما رياح السماوات. غنِّيا وارقصا معاً». تهنّئهما بحكمة جبران. تذكر المرة الأولى التي استضافت فيها واسيني قبل سنوات. كانت ليلة عيد الميلاد، ولم يشأ تفويت جَمعة العائلة. مع ذلك، حضر، وقصائد زينب معه. بعد نضج التجارب، يخبرها واللقاء يتجدد: «الحميمية خاصة. ما ينطبق على زوجين لا يُعمم».


الروائي الجزائري واسيني الأعرج في اللقاء مع بروين حبيب

جميلةٌ الزياراتُ إلى منازل الأدباء وإسكات الفضول الحائم حول طقوسهم؛ أمزجتهم وتقلّباتها، صراع العزلة والألفة تحت السقوف. واسيني وزوجته يفتحان بابهما. لا يخفي صاحب «عازفة البيكاديللي»، أحدث رواياته، أنّ الزواج رحلة صعبة؛ فدوائر التقاطع موجودة مع الآخر، لكن دوائر الاختلاف تتربّص. يوافق مُحاوِرته على اعتبار الزواج «مؤسسة مبنية على التملك والاستحواذ»، إنما بالاجتهاد يدوم الحب و«فعل الصداقة يصبح المقياس».

يظهر من اللقاء صبر زينب وتحمّلها. ورغم انشغالها بالكتابة، فإنّ وجود زوج تحت الضوء كثيف النشاط الثقافي يجعلها تبتكر وسيلة لإنقاذ زواجهما: «لدينا عقل، لكن يجب أن نختلق لأنفسنا عقولاً أخرى لجعل الواقع جميلاً. ذلك لتحمُّل بعض المواقف، وتثمين ما يتيح هناء العيش».

وهو حين يُعدد مزاياها، يبدأ بطول بالها. ما يُبقي حرارة العلاقة أيضاً المسافة؛ يتفقان على أنها ليست وليدة أسفار فحسب، بل مسافة القراءة والكتابة. تسمّيها زينب «تهوية داخلية» وتروق التسمية لبروين حبيب. «أن نعيش الآخر، قبل العيش معه»، تُكمل. واسيني يرى حقائق البشر في المعادن: «عند المحكّ، استوعَبَت واحتوَت».

يصل الحديث إلى الشيّق المُنتظر: طقوس كتابة واسيني الأعرج. تُعدد زوجته: «يبدأ بفكرة الرواية ثم مرحلة البحث، فيختار العزلة. واسيني (بيتوتي)، تقلّ أنشطته الاجتماعية خارج الشأن الثقافي. يسافر في رحلة التوثيق، وحين يعود للكتابة، يدخل بحالة من التوتر. ينغمس في العمل كانغماسي في القصيدة. أحاول أخذ مسافة تمتصّ توتره».


 واسيني الأعرج وزينب الأعوج في مكتبة محمد بن راشد 

كنوع من التعاطف معها، تذكّرها بروين بما لا تتقبّله جميع النساء: «زوجكِ مشغول دائماً. هو أستاذ جامعي، كثير الأسفار، منهمك بالندوات والمعارض...»... تقاطعها بأنه «دائماً موجود، وهنا الفرق. يستطيع أن يعوّض غيابه». يحمل كل طرف للآخر امتناناً يجعل الحياة ممكنة. في الشدّة، يتقدّم الموقف الصلب؛ فيذكر تردّده وتهوّره يوم طغت حماسة الشباب على منطق الأمور، فإذا بها تُهدّئ وتدفع إلى الأمام.

تعلم زينب أن لا مفرّ من سؤالها عن النساء والغيرة الأدبية؛ فبعض قارئات الزوج يسقطن أنفسهنّ في بطلاته، ويُطلقن تجاهه ما سماه «العاطفة البريئة». يتشعّب سؤال محاورتها ليطول غيرة الزوجة من غريماتها، وملامسة حوار الرواية جوانب مباشرة من الواقع. أي دليل على أنّ ما تقرأه من نسج الخيال وشطحات القلم؟ يوضح واسيني أنّ اندفاع الشابات حدوده الوفاء للكاتب وكتبه، يتخذ أشكال تعبير مختلفة. وتردّ زينب بثقة الحبيبة الناضجة: «لن أغار من امرأة على ورق. أصارحه بما أجده مُفرِطاً في المباشر، فيعدّل من أجلنا معاً. أما الغيرة المَرَضية فلا تليق».

يصحّ قول المُحاورة إنّ الاستيعاب يتطلّب نبلاً والتطلع إلى الآخر بحضارة. تعود معهما إلى أسس الصداقة، يوم كانا طالبين في الجامعة؛ هو مولع بالسرد وهي تحبِكُ بنية القصيدة. لمحت سطوع نجمه منذ الشباب، «لحسّه الفني والجمالي وعشقه للموسيقى، وأيضاً كتاباته الأولى». في السنة الثانية لزواجهما، نشر روايته الأولى، بعدما دفع بإحدى قصائدها إلى الضوء، فنالت جائزة. قاعدتهما المشتركة: «إن أحببتَ أن تُسعد إنساناً، فاهتم بعمله».

القارئة الأولى لمخطوطات واسيني الأعرج يشغفها الإنسان في زوجها. والمكوّن الأنثوي المُضمَر داخله يقوده نحو أعماق المرأة، فتشعر بأنّ نصه موجّه لها. استيعابها عزلته ونوبات صمته يمدّ الودّ بطول العمر.



لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».


«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».