آنا أخماتوفا وموديلياني: تعاهدا على الموت معاً ثم ذهبا لمصيرين متباعدين

جاءت لتقضي شهر العسل في باريس فأذهلتها وسامته وبريقه الداخلي

أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
TT

آنا أخماتوفا وموديلياني: تعاهدا على الموت معاً ثم ذهبا لمصيرين متباعدين

أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا
أميديو موديلياني - آنا أخماتوفا

لم تكن العلاقة العاطفية التي جمعت بين الشاعرة الروسية المعروفة آنا أخماتوفا، والرسام الإيطالي الشهير أميديو موديلياني، منبتة تماماً عن سياق «الغزو» الأنثوي الروسي للقارة الأوروبية في القرنين الفائتين. فقبل علاقة أخماتوفا وموديلياني بعدة عقود كانت هناك لو سالومي التي خلبت لب نيتشه وريلكه وفرويد وعباقرة آخرين. وبعدها بسنوات كانت ليلي بريك تكسر قلب ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية، وتوقع في حبائلها عدداً من كتاب الغرب، تماماً كما كان حال أختها إلسا تريوليه التي عبر قلبها محطات عدة قبل أن يستقر عند أراغون، وحال غالا التي كانت حبيبة بول إيلوار، قبل أن تقع في غرام سلفادور دالي وتقضي معه بقية حياتها.
أما آنا أخماتوفا المولودة في أوديسا الأوكرانية عام 1899 فكانت خليطاً مثيراً للحيرة بين الفتنة الجمالية المندفعة باتجاه الحياة وبين التراجيديا المؤلمة التي كانت تهيئ لأعظم شاعرات روسيا مآلها القاتم. وقد عمدت الشاعرة المولودة تحت اسم «آنا غورينكو» إلى تبني اسم جدتها التترية أخماتوفا، بعد أن زجرها أبوها العسكري المحتج على نزوعها الإباحي قائلاً «لا توسخي اسم العائلة النبيلة بأبيات وقحة ومنحطة» لتجيبه من جهتها دون خوف «اسمك هذا لست بحاجة إليه». وقد تفتحت موهبة آنا في القرية القيصرية القريبة من بطرسبورغ، كتبت آنا بتأثر بالغ وهي تتمشى في الحدائق التي ذرعها من قبلها شعراء روسيا العظام، بينهم بوشكين «كم على هذه الأغصان من وجدانيات معلقة».
وإذا لم يكن نيكولاي غوميليوف، الذي وقع في غرام آنا، يمتلك أي قدر من الوسامة، فالأرجح أن ذكاءه الحاد وموهبته العالية، فضلاً عن رغبتها في الانعتاق من سطوة الأب، هي العوامل التي دفعت الصبية الحسناء إلى الإصرار على الزواج منه رغم المعارضة الشديدة للعائلة. وإذ قررت أن تقضي شهر عسلها المرتقب بين الربوع الفرنسية والإيطالية، كان القدر من جهته يلعب لعبته الخطرة ويمهد لها سبل اللقاء بموديلياني أحد أعظم الفنانين التشكيليين في العصور كافة. فقد كان أميديو قد قدم من إيطاليا إلى باريس بهدف استكمال دراسته في الفن عام 1906، حيث تجمع أكثر الروايات على لقائه بأخماتوفا عام 1910 في مقهى روتوندا الذي كان ملتقى للكتاب والفنانين في ذلك الوقت. وحيث أعجب كل منهما بالآخر لم تأبه أخماتوفا بالوضع المادي المزري لشريد المدن البوهيمي، الذي تروي عنه أنه اضطر أن يقاسمها مقعداً حجرياً في إحدى حدائق باريس لأنه لم يكن يملك المال اللازم لدعوتها إلى المطعم المجاور.
أما زيارتها لمنزل الفنان فتؤكدها اعترافاتها الشخصية، وقولها في وقت لاحق «كان بيته مليئاً بالرسومات من الأرض حتى السقف، وكنا ندردش عن الشعر لساعات، نتلو خلالها أبياتاً لبودلير وأبولينير وفيرلين ومالارميه الذين نحفظ أبياتهم عن ظهر قلب». فيما أعرب أميديو عن افتتانه بالزرافة الطويلة التي تشبه الملكات الفينيقيات بشعرها الأسود وأذنيها الملتصقتين وأنفها المعقوف. وحين عرض عليها رسم بورتريهات لها لم تتأخر في الموافقة، لكنها لم تقر بتعريها أمام الفنان، معلنة أنه رسمها من عنديات خياله المحض، نافية في الوقت ذاته أي تواصل جسدي بين الطرفين.
وحين عادت أخماتوفا لتعيش مع غوميليوف ووالدته في غرفة ضيقة في تسارسكوي سيلو، لم يكن لنشاطهما الشعري المشترك أن يزيل من مخيلتها الأطياف الساحرة للفنان الإيطالي الوسيم. وإذ بدأت علاقتهما بالترنح بفعل التنافس الشعري الضمني، وبفعل فائض الرغبات والتعلق المرَضي بالحرية، استغلت آنا سفر زوجها إلى أفريقيا ومكوثه أشهراً معدودة لممارسة هواية الصيد، وعادت بمفردها إلى باريس، حيث كان موديلياني ينتظرها على أحر من الجمر، ليقضيا معاً أوقاتاً مترعة بالحب، وليصطحبها وهو المعجب بالفن الفرعوني إلى متحف اللوفر، محاولاً أن يوفر لها معرفة أفضل بفنون التشكيل، فيما قرأت له نماذج من شعرها حازت على إعجابه.
«كان له رأس جميل وعيون تلمع كالذهب ليس له مثيل في العالم كما أنه شخص حزين، كتوم، ذو سر مشوق»، كتبت آنا عن موديلياني في أحد اعترافاتها المتأخرة، كما تنقل أماني غيث في كتابها المميز «ملكة النيفا، آنا أخماتوفا». وإذا كانت الأسئلة المتصلة بالأسباب الفعلية التي حالت دون استمرار العلاقة وقتاً أطول لا تجد أجوبة شافية لها، لكن الأرجح بأن التباعد الجغرافي بين المبدعين العاشقين، وإصرار أخماتوفا على عدم مغادرة وطنها الأم، فضلاً عن دخول موديلياني اللاحق في غير مغامرة غرامية، هي من بين العوامل التي أوصلت العلاقة إلى فصلها الختامي. ولعل تكتم آنا على العلاقة ولجوئها إلى إحراق رسائل موديلياني إليها، هو البرهان الأكثر دلالة على الظروف القاسية التي عاشتها. وقد ذهب البعض إلى القول بأن جهاز المخابرات السوفياتي بالذات هو الذي أحرق مكتبة الشاعرة ورسائلها وأوراقها الشخصية أثناء مداهمته لمنزلها.
وإذا كانت أقدار العاشقين المتغايرة لم تتح لقصة حبهما الغامضة أن تستمر طويلاً، إلا أنها رسمت لهما مصيرين ملبدين بالآلام ومتشابهين في مآلهما المأساوي. فموديلياني رسام الشخصيات الطولية والعيون معدومة البؤبؤ الناظرة أبداً إلى الداخل لم توفر له وسامته وموهبته المفرطتان سبل السعادة والراحة اللتين نشدهما بلا طائل. ومع أنه دخل في علاقة عاطفية مع الرسامة وعارضة الأزياء جان هيبوتيرن، إلا أن مزاجه العصبي والمتقلب حول تلك العلاقة إلى دوامة من المشاجرات العنيفة والصاخبة. وحين قرر الزواج منها بعد أن ولدت له ابنة حملت اسم أمها نفسه، كان مرض السل قد أنهكه بالكامل إلى أن فارق الحياة عام 1920، إلا أن المأساة لم تقف عند هذا الحد، بل تمثل فصلها الأكثر قتامة بانتحار عشيقته جان التي كانت حاملاً في شهرها التاسع، ليتم دفنها مع موديلياني في القبر ذاته.
أما آنا التي لم تكف يوماً عن نسج علاقات غرامية مع الرجال، التي كتبت في مقالة لها «إن ثقافة المرأة تقاس بعدد عشاقها»، فقد تزوجت عام 1918 بعد انفصالها عن غوميليوف من فلاديمير شيليكو، الشاعر وعالم الحضارات دون أن تعثر بسبب غيرته الشديدة على الطمأنينة المنشودة، لتنفصل عنه بعد سنوات ثلاث، أي في السنة ذاتها التي أعدم فيها غوميليوف بتهمة التآمر على نظام الحكم. ثم لتتزوج للمرة الثالثة من المؤرخ نيكولاي يونين، الذي صمدت علاقتها به طويلاً، ليضع لها نظام الاستبداد الستاليني حدها المأساوي بموت يونين مريضاً ويائساً في أحد معتقلاته النائية. على أن خسارات آنا لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن هذا النظام بالذات ما لبث أن اغتال ابنها ليف، ودفع من لم يقم باغتيالهم من شعراء روسيا الكبار إلى الانتحار. ومع أن قلب أخماتوفا التي رحلت عن هذا العالم عام 1966 كان مكتظاً بالعشاق، إلا أنها في العمق الأخير من روحها كانت قد أفردت لموديلياني مكاناً لا يدانيه أحد. صحيح أن الشواهد الفنية على العلاقة قد اقتصرت على بضع قصائد عاطفية وبورتريه واحد نجا من الإتلاف، وصحيح أن كلاً منهما قد دفن بعيداً عن الآخر، لكن الصحيح أيضاً أنهما كانا قد تعاهدا على الموت معاً، وفق ما عبرت عنه آنا في قصيدتها «أغنية اللقاء الأخير»، التي جاء فيها:
«كانت خطواتي يومها رشيقة وخفيفة
رغم البرودة والعجز في صدري
ومن دون أن أنتبه وضعت في يمناي قفازي الأيسر
وسط الأشجار سمعت الخريف يهمس لي: موتي معي
لقد خذلني اليأس
وأعرف أن الحزن والوجع هما قدري
ولذا أجبت:
عزيزي: وأنا أيضاً أرغب في أن أموت معك».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
TT

شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)

يروي نحو ثلاثين شخصاً أميركياً من الجيل الشاب استبدلوا بهواتفهم الذكية أخرى قديمة الطراز، على مدى شهر في واشنطن، الصعوبات التي واجهوها جراء اتخاذهم هذا القرار، ولكن في مقابل اللحظات التي استمتعوا بها منقطعين عن العالم الرقمي، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد قررت هذه المجموعة التوقف عن استخدام منصة «غوغل مابس» للخرائط أثناء التنقل، والامتناع عن تصفّح منصات التواصل أثناء انتظار الحافلة، وإزالة سماعات الرأس للاستمتاع بأصوات الطبيعة.

يقول جاي ويست (29 عاماً): «كنت أنتظر الحافلة ولم أكن أعرف متى ستصل». ويوضح أنه خلال الأسابيع الأربعة التي أمضاها مستخدماً هاتفاً قديم الطراز، كان يمسك هاتفه ويلقي نظرة على شاشته قبل أن يدرك أنه «لا إشعارات عليه».

ويضيف، من متنزه في واشنطن كانت المجموعة مجتمعة فيه لتبادل الدروس المستقاة من الأسابيع الأربعة التي انقطعت خلالها عن العالم الرقمي: «كنت أشعر بالملل، وينبغي تقبُّل ذلك».

تجلس بجانبه ريتشل شولتز (35 سنة)، وتقول إنها اضطرت لطرح أسئلة عن الاتجاهات على أشخاص يستقلّون دراجاتهم الهوائية. أما ليزي بنجامين (25 سنة) فأعادت استخدام الأقراص المُدمجة القديمة لوالدها حتى تستمع إلى الموسيقى، بما أنّ منصة «سبوتيفاي» غير متاحة عبر الهواتف القديمة.

وكان بوبي لوميس، الذي توقّف عن استخدام سماعات الرأس، يستمتع بتغريدات الطيور، خلال تنقُّله في الشارع. ويوضح أنه كان يتحقق من الإشعارات في هاتفه بشكل متواصل.

وقد انخفض الوقت الذي يمضيه مستخدماً هاتفه من ست إلى أربع ساعات، وهو ما يتماشى تقريباً مع الوقت المتوسط للأشخاص البالغين في الولايات المتحدة.

كسر حلقة الإدمان

وتدرك أعداد متزايدة من الناس الآثار الضارة لوسائل التواصل الاجتماعي، كانخفاض التركيز، والمشاكل المرتبطة بالنوم، والقلق، ويسعون إلى الانقطاع عنها. وأظهر استطلاعُ رأي أجرته «يوغوف»، في العام الفائت، أنّ أكثر من ثلثي الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، يرغبون في تقليل وقت استخدامهم للشاشات.

وفي نهاية مارس (آذار) الماضي، قضت محكمة في كاليفورنيا بأن «أنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولتان عن الطبيعة الإدمانية لمنصتيهما، وهو ما شكّل نقطة تحوّل في تاريخ وسائل التواصل الاجتماعي.

نتيجة لذلك، يجري ابتكار تطبيقات للحد من الاستخدام الرقمي، وأجهزة لوقف استعمال الهواتف، بينما تنشأ مجموعات تمتنع عن استخدام الهواتف الذكية لفترة محددة.

وأوردت الصحافة الأميركية مقالات عن أسابيع من التخلص من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي في الجامعات، وأمسيات خالية من الشاشات في نيويورك.

يؤكد الباحث في علم النفس لدى جامعة جورجتاون، كوستادان كوشليف، أن الانقطاع التام عن استخدام الأجهزة الرقمية لبضع أسابيع يُحسّن الحالة النفسية والقدرة على التركيز.

ويضيف أن دراساتٍ أولية؛ بينها دراسة شارك في قيادتها، تشير إلى أن هذه الآثار الإيجابية «تستمر» مع الوقت.

يقول جوش مورين، أحد منظمي برنامج «شهر الانقطاع عن العالم الرقمي»، الذي تتخلله جلسة نقاش أسبوعية بين المشاركين في إحدى الحانات: «أنت بحاجة إلى حياة اجتماعية جماعية وغنية» لكسر حلقة الإدمان.

«لحظة حاسمة»

في هذا الإطار، تتولى شركة Dumb.co تنفيذ هذا البرنامج منذ نحو سنة مقابل 100 دولار أميركي للشخص الواحد، بما يشمل استئجار هاتف قديم الطراز مزوّد ببعض التطبيقات (للمكالمات والرسائل النصية و«واتساب» و«أوبر») مُرتبط بالهاتف الذكي الخاص بالشخص المعنيّ. وتقول الشركة الناشئة إنها ستتجاوز 1000 اشتراك في مايو (أيار) المقبل.

وشاركت كيندال شرو (23 سنة) في هذا البرنامج بواشنطن، خلال يناير (كانون الثاني) الماضي. وباتت حالياً قادرة على التنقل في حيّها، دون الحاجة إلى «خرائط غوغل»، وتقول إنّ «إنستغرام» أصبح «من الماضي». وتَعدّ الشابة، التي أسست مجموعة مماثلة، أنّ «هناك نتائج بدأت تظهر» فيما يتعلق بالوعي الرقمي.

يتحدث غراهام بورنيت، وهو أستاذ بجامعة برينستون، عن «ظهور حركة فعلية» يُشبّهها بنشأة الحركة البيئية خلال ستينات القرن الماضي.

وترى آشلي شيا، طالبة دكتوراه بجامعة كورنيل، أننا «نمرّ بلحظة حاسمة»، وأنّ تأثير هذه «التقنيات الضارة» آخذ في التراجع، مضيفة: «إنّ جيل زد؛ أي المولودين منذ أواخر التسعينات، حريص جداً على الحدّ من استخدام الهواتف، وهذا أمر جيّد».


تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
TT

تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)

كشف تقرير رسمي أن طائرتين مقاتلتين كوريتين جنوبيتين اصطدمتا في الجو عام 2021 بسبب قيام الطيارين بالتقاط صور ومقاطع فيديو.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد أفاد مجلس التدقيق والتفتيش في سيول بأن الحادث وقع أثناء قيام طائرتين طراز «إف-15 كيه» بمهمة جوية فوق مدينة دايغو بوسط البلاد.

ووفق المجلس، فإن أحد الطيارين كان يرغب في توثيق رحلته الأخيرة مع وحدته العسكرية، في ممارسة وُصفت بأنها كانت «منتشرة على نطاق واسع بين الطيارين في ذلك الوقت». وقد أعلن نيته مسبقاً في اجتماع قبل الإقلاع.

وقد كان الطيار يقود الطائرة المرافقة، ويتبع الطائرة الرئيسية خلال المهمة. وأثناء عودتهما إلى القاعدة، بدأ التقاط صور بهاتفه الشخصي. وعندما لاحظ قائد الطائرة الرئيسية ذلك، طلب من طيار آخر على متن طائرته تصوير الطائرة المرافقة. وأثناء ذلك، قام الطيار المرافق بمناورة مفاجئة للاقتراب، وتحسين زاوية التصوير، ما أدى إلى اقتراب خطير انتهى بالتصادم.

ورغم نجاة الطيارين دون إصابات، فقد لحقت أضرار بالطائرتين كلفت الجيش 880 مليون وون (596 ألف دولار أميركي) لإصلاحها.

وأقر طيار الطائرة المرافقة، والذي ترك الخدمة العسكرية لاحقاً، بأن مناورته المفاجئة تسببت في الواقعة، لكنه دافع عن نفسه بأن الطيار الآخر «وافق ضمنياً» على ذلك لعلمه بعملية التصوير.

وفيما حاول سلاح الجو تحميله كامل تكلفة الأضرار، قرر مجلس التدقيق والتفتيش إلزامه بدفع عُشر المبلغ فقط، معتبراً أن المؤسسة العسكرية تتحمل جزءاً من المسؤولية لعدم تنظيم استخدام الكاميرات الشخصية بشكل كافٍ.


«الأمم المتحدة»: موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)
أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)
TT

«الأمم المتحدة»: موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)
أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

أفاد تقرير جديد، صادر عن وكالتين تابعتين للأمم المتحدة معنيتين بالأغذية والأرصاد الجوية، بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

وحذرت «منظمة الأغذية والزراعة (فاو)» التابعة للأمم المتحدة، و«المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، بأن موجات الحر الشديدة أصبحت أسرع تواتراً وأشد وأطول؛ مما يلحق الضرر بالمحاصيل والماشية ومصائد الأسماك والغابات.

وقال كافاه زاهدي، مدير «مكتب تغير المناخ والتنوع البيولوجي والبيئة» في الـ«فاو»: «الحرارة الشديدة تعيد رسم خريطة ما يمكن للمزارعين والصيادين وعمال الغابات زراعته ومواعيد زراعته. بل إنها في بعض الحالات تحدد ما إذا كان بإمكانهم الاستمرار في العمل من الأساس». وأضاف لوكالة «رويترز» للأنباء: «في جوهره؛ يخبرنا هذا التقرير أننا بصدد مستقبل غامض للغاية».

وتظهر مجموعات من بيانات المناخ الحديثة أن وتيرة الاحتباس الحراري العالمي تتسارع، وأصبح عام 2025 من بين أعلى 3 أعوام حرارة على الإطلاق؛ مما يؤدي إلى حدوث ظواهر جوية متطرفة أسرع تواتراً وأشد.

وتفاقم الحرارة الشديدة من حدة المخاطر؛ إذ تزيد من الجفاف وحرائق الغابات وانتشار الآفات، وتؤدي إلى انخفاض حاد في غلة المحاصيل بمجرد تجاوز عتبات درجة الحرارة الحرجة.

تسارع وتيرة الخطر

ذكر التقرير أن الارتفاع الأكبر لدرجات الحرارة يقلل هامش الأمان الذي تعتمد عليه النباتات والحيوانات والبشر للعمل، حيث تنخفض معظم المحاصيل الرئيسية بمجرد أن تتجاوز درجات الحرارة نحو 30 درجة مئوية.

وأشار زاهدي إلى مثال على ذلك بما حدث في المغرب، حيث أعقبت 6 سنوات من الجفاف موجاتُ حر غير مسبوقة. وقال: «أدى ذلك إلى انخفاض محاصيل الحبوب بأكثر من 40 في المائة. كما أدى إلى تدمير محاصيل الحمضيات والزيتون».

وتزداد موجات الحر على البحار والمحيطات أيضاً؛ مما يؤدي إلى استنزاف مستويات الأكسجين في المياه وتهديد المخزون السمكي. وذكر التقرير أن 91 في المائة من محيطات العالم شهدت موجة حر بحرية واحدة على الأقل في 2024.

وتتصاعد المخاطر بشكل حاد مع تسارع وتيرة الاحتباس الحراري. وذكر التقرير أن شدة ظواهر الحرارة المرتفعة من المتوقع أن تتضاعف تقريباً عند بلوغ درجتين مئويتين، وأن تزيد بـ4 أمثال عند 3 درجات، مقارنة مع 1.5 درجة.

«درجة واحدة فقط»

وقال زاهدي إن كل ارتفاع بمقدار درجة واحدة في متوسط درجات الحرارة العالمية يقلل من المحاصيل الأربعة الرئيسية في العالم، وهي الذرة والأرز وفول الصويا والقمح، بنحو 6 في المائة.

وحذرت المنظمتان بأن الاستجابات الجزئية غير كافية، ودعتا إلى تحسين إدارة المخاطر وأنظمة الإنذار المبكر بالطقس؛ لمساعدة المزارعين والصيادين على اتخاذ إجراءات وقائية.

وتابع زاهدي: «إذا تمكنتم من إيصال البيانات إلى أيدي المزارعين، فسيكون بإمكانهم تعديل وقت الزراعة، وتعديل ما يزرعونه، وتعديل وقت الحصاد».

لكن التقرير أشار إلى أن التكيف مع الأمر وحده لا يكفي، مؤكداً أن الحل الدائم الوحيد لمواجهة التهديد المتصاعد للحرارة الشديدة يكمن في اتخاذ إجراءات طموحة ومنسقة للحد من تغير المناخ.