شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

السفير موريس غوردو مونتاني يكشف بعض أسرار حرب الخليج الثانية واستقبال باريس للخميني... ومنبع الأزمة الأوكرانية

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
TT

شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)

ليس كتاب موريس غوردو مونتاني كتاب مذكرات سفير عادي من نوع الكتب التي تحفل بها المكتبات الفرنسية والتي تزداد أعدادها عاماً بعد عام ومع انتهاء الخدمة الدبلوماسية الفعلية لأصحابها. ذلك أن صاحب كتاب «الآخرون لا يفكرون مثلنا» ليس سفيراً عادياً، وكتابه ليس تفتيشاً في أركان الذاكرة عن أحداث عاصرها وعايشها وأراد أن يستفيد منها ليبيّن أنه لعب دوراً ما يُحسب له في حياته المهنية. غوردو مونتاني، المتقاعد راهناً، شغل أعلى المراتب الدبلوماسية، متنقلاً من سفارة إلى سفارة، قبل أن ينتهي به المطاف أميناً عاماً لوزارة الخارجية. بيد أن الموقع الدبلوماسي، الاستراتيجي والحساس، الذي شغله وامتد لسنوات تَمثّل في كونه مستشاراً دبلوماسياً للرئيس السابق جاك شيراك ما بين 2002 و2007، كما كان «شيربا» الرئيس، أي ممثله في مجموعتَي «السبع» و«العشرين». وقبل ذلك، تنقل غوردو مونتاني سفيراً في طوكيو وبكين وبرلين ولندن، ناهيك بأنه كان مدير مكتب رئيس الوزراء ألان جوبيه طيلة عامين. وباختصار، شغل المؤلف مناصب استثنائية مكّنته من أن يكون في قلب الحدث الدبلوماسي والاستراتيجي في دولة تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتعد إحدى الدول النووية الخمس «الشرعية»، وهي تمتلك ثالث أكبر تمثيل دبلوماسي في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين)، وتشكّل مع ألمانيا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

كوندوليزا رايس (غيتي)  -   فلاديمير بوتين (غيتي)   -  المرشد الإيراني الخميني (غيتي)

يمكن القول، باختصار، إن المواقع التي شغلها غوردو مونتاني أهّلته لأن يرى من الداخل ومن أرفع المناصب تحولات السياسة الدولية وخفاياها. من هنا، فإن كتابه ليس مجرد مذكرات بل هو تجوال وترحال في السياسة الدولية وفي مطابخها، ما يمكّن غالباً المؤلف من كشف الكثير من خباياها ومن إلقاء الضوء على أحداث وتطورات لم يعرف سوى النذر القليل من مكنوناتها يوم حصولها. وفي 392 صفحة و17 فصلاً، يرسم لنا غوردو مونتاني صورة للدبلوماسية العالمية من خلال الأزمات المتلاحقة التي عايشها، وكان، من موقعه خصوصاً زمن وجوده إلى جانب الرئيس شيراك، أحد المؤثرين عليها والفاعلين فيها.
يحتل الفصل الرابع من الكتاب الذي كرّسه المؤلف للحرب على العراق موقعاً متميزاً لأنه يرمي الضوء على خلفيات السياسات الأميركية زمن الرئيس جورج بوش الابن وكيفية تعاطي الإدارة الأميركية مع العواصم الأوروبية وعلى رأسها باريس. ويكتب المؤلف أنه منذ بداية عام 2002، وخطاب الرئيس بوش حول «محور الشر» الذي يضم العراق والذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت»، بدا واضحاً أن بوش يحضّر الرأي العام الداخلي الأميركي للحرب وأن الهدف هو نظام صدام حسين بحجة امتلاكه المزعوم لأسلحة الدمار الشامل. ويضيف غوردو مونتاني أن شيراك «فهم سريعاً المخاطر المترتبة على هذه السياسة التي من شأنها نسف وحدة العالم الغربي والتوازنات الإقليمية فضلاً عن استجرار مواجهة مع العالم الإسلامي». فضلاً عن ذلك، فإن شيراك يرى أن الإطاحة بالنظام العراقي من خلال عملية عسكرية ستُفضي بلا شك إلى قلب موازين القوى داخل العالم الإسلامي لصالح الشيعة المحسوبين على نظام الحكم في إيران وعلى حساب السُّنة، وسيفضي إلى توترات لاحقة. وحسب القراءة الفرنسية، فإن الحرب «ستُفضي إلى تفكيك الموزاييك الهش وإنها ستشكّل خطأ استراتيجياً رئيسياً». ولذا، فإن الرئيس الفرنسي سعى طيلة النصف الثاني من العام 2022 للوقوف في وجهها. ويكشف الكاتب أن البعض من المعروفين بميولهم «الأطلسية» في وزارة الخارجية سعى إلى تعطيل السياسة الرئاسية ولكن دون طائل.

بداية الغزو 20 مارس 2003 (أ.ف.ب)

- كوندوليزا رايس: تخلِّينا عن الحرب ثمنه رحيل صدام
كان المؤلف حاضراً في القمة التي جمعت الرئيسين شيراك وبوش في براغ، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002. وكتب ما حرفيته: «كان الوفدان جالسين وجهاً لوجه. أجواء التوتر ملموسة. وما سمعناه، كلٌّ يغنّي على ليلاه. بوش غارق في قناعاته، لا بل إنه (عندما يتكلم) لم يكن ينظر إلى شيراك». وجاء جواب الأخير سريعاً. فقال: «إن الحرب ستضرب الاستقرار في المنطقة، وستفضي إلى تسلّم الشيعة المقربين من إيران الحكم في بغداد، وستقوّي نفوذ إيران في سوريا وفي لبنان عبر (حزب الله)». وأضاف شيراك: «هذه الحرب لن تكون شرعية وستُحدث انقساماً داخل الأسرة الدولية، وستُفقد الغرب مصداقيته، وستكون مصدر الفوضى التي ستنبثق منها موجة إرهاب سيصعب السيطرة عليها».
لكنّ حجج الرئيس الفرنسي لم يكن لها أي أثر على الفريق الأميركي. ورغم ذلك، أراد شيراك أن يعرف المزيد عن نيات واشنطن، فأرسل إليها، في الأيام الأولى من العام 2003، غوردو مونتاني الذي التقى نظيرته كوندوليزا رايس. طرح عليها الموفد الفرنسي، السؤال الجوهري: «ما الذي يمكنه أن يجعلكم تتخلون عن خطة الحرب؟ ما الشروط التي تريدونها لذلك؟». وجاء جواب رايس قاطعاً: «أن يتخلى صدام عن السلطة».
بعد رايس، التقى غوردو مونتاني بول وولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي. ويصف الأول اللقاء بأنه أمضى خلاله إحدى أسوأ لحظات حياته في مهنته الدبلوماسية الطويلة. وبعد أن جعله ينتظر طويلاً قبل أن يستقبله، أبدى وولفوويتز «عجرفة» أميركية، كما يقول الكاتب، إذ لم يستمع لحجج الزائر وكان كلامه مسيئاً بحق فرنسا التي اتهمها بـ«المراوغة»، مؤكداً أن واشنطن «تعلم ما تعلمون»، والمقصود أن العراق يملك أسلحة نووية وأن باريس تدّعي الجهل. وخلاصة المؤلف أنه عاد من رحلته إلى واشنطن بقناعة مفادها أن الأميركيين «يريدون أن يكونوا أحراراً عسكرياً ودبلوماسياً ولا يريدون تحالفاً يعمل وفق تكليف أممي، وأن واشنطن (ليست بحاجة لأحد)».
وبطبيعة الحال، لم تأخذ واشنطن بنصيحة شيراك بالتزام «الصبر». لذا سعى الرئيس الفرنسي إلى بناء تحالف دولي بوجه الأميركيين بالاستناد إلى ألمانيا وروسيا. وعن روسيا، نقل المؤلف عن الرئيس الأسبق قوله: «روسيا ليست الممسحة التي نمسح عليها أرجلنا»، مضيفاً أن شيراك كان يحظى بدعم وثقة الرئيس فلاديمير بوتين. أما بقية القصة فمعروفة، إذ هددت فرنسا باللجوء إلى حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن إذا سعت واشنطن للحصول على تفويض أممي لحربها على العراق. وكثيرون ما زالوا يتذكرون خطاب وزير الخارجية دومينيك دو فيلبان، الشهير والتصفيق الذي حازه. وكانت النتيجة أن القوات الأميركية، مدعومةً من القوات البريطانية، قامت بغزو العراق وأسقطت بغداد وقضت على نظام صدام حسين الذي كانت نهايته على حبل المشنقة.
لم تصل العلاقات الفرنسية - الأميركية إلى حد الطلاق رغم الخلافات العميقة بين البلدين. فرنسا كانت تعي أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي سعت إليه واشنطن، مصيره الفشل. ومجدداً أُرسل المؤلف إلى واشنطن لإبلاغ «كوندي» (كوندوليزا رايس) بأن باريس تريد قلب صفحة الخلاف وتريد أن ترى كيف تستطيع المساهمة من أجل إعادة بناء العراق وتوفير الاستقرار. وجاء رد «كوندي» قاطعاً: «لسنا بحاجة إليكم... نحن صرفنا أموالنا ودفعنا الثمن من دماء جنودنا وسوف نتصرف بعيداً عنكم». بيد أن الأمور أخذت تتحسن شيئاً فشيئاً بعد الحملة الشعبية على فرنسا ومقاطعة بضائعها. ونجح الطرفان في العمل معاً ليس فقط بخصوص الملفين اللبناني والسوري، حيث أبرز ما أنتجاه معاً قرار مجلس الأمن الرقم «1449» الذي يطلب انسحاب القوات السورية من لبنان، ولكن أيضاً بخصوص إيران، حيث إن باريس كانت بالتعاون مع برلين ولندن قد أطلقت أولى المفاوضات مع طهران بشأن برنامجها النووي، الأمر الذي أثار اهتمام واشنطن.

- «روسيا بوتين» في 2006
كم يبدو بعيداً الزمن، حيث كانت روسيا عضواً في مجموعة الثمانية، لا بل إن فلاديمير بوتين ترأسها في العام 2006، وكانت المرة الوحيدة التي أُتيحت لروسيا هذه الفرصة. ذلك أن دورها حلّ مجدداً لرئاسة المجموعة في العام 2014، إلا أن غزوها شبه جزيرة القرم وضمها هذه المنطقة إليها في العام المذكور أخرجها من المجموعة التي تقلصت مجدداً إلى مجموعة السبع. وينقل المؤلف عن شيراك رغبته في «ضم روسيا إلى الأسرة الدولية»، وهو الخط الذي التزم به الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، ويؤكد المؤلف أن شيراك كان دائم التنبه إلى مطالب روسيا، وراغباً في التقارب معها، لذا دعا بوتين إلى المجيء إلى فرنسا مرة أولى في عام 2004 للمشاركة في الاحتفال السنوي لنزول الحلفاء في منطقة النورماندي. ورأى الرئيس الفرنسي أن أفضل منصة لذلك هي مجموعة الثمانية الكبار التي تضم الدول الصناعية الكبرى. ويروي غوردو مونتاني تفاصيل بعض الطرائف التي رافقت اجتماعات مستشاري القادة الثمانية للتحضير للقمة ومنها أن مستشار بوتين، واسمه إيغور شوفالوف، دعا أقرانه لصيد السمك على نهر الفولغا. وكان الاتفاق المسبق على رمي كل سمكة في النهر بعد اصطيادها، والبديل كان، كل مرة، كأساً من الفودكا. ويقول المؤلف إن حظه كان كبيراً لأن مجموعته لم تنجح في اصطياد الكثير من الأسماك. وجرت القمة في مدينة سانت بطرسبرغ في أجواء مريحة، ما دفع شيرك لاعتبار أن «الثقة تتعزز بين روسيا والغرب»، خصوصاً مع فرنسا وألمانيا.
بيد أن رغبة الحلف الأطلسي في التمدد إلى وسط أوروبا وشرقها كانت منذ انهيار حلف وارسو تثير قلق موسكو. ويؤكد الكاتب أن شيراك كان يعرف قول هنري كيسنجر الذي يرى أن «أوكرانيا لن تكون أبداً بلداً كأي بلد آخر بالنسبة إلى روسيا والعكس بالعكس»، أو ما كتبه زبيغينيو بريجينسكي في كتابه «أميركا وبقية العالم» حيث رأى أن روسيا من غير أوكرانيا «لا يمكن أن تكون قوة عظمى». ويؤكد غوردو مونتاني أن وزير الخارجية الأميركي وقتها جيمس بيكر، تعهد للرئيس ميخائيل غورباتشوف، بأن الحلف الأطلسي «لن يتمدد بوصة واحدة» باتجاه روسيا، وهو ما ينفيه الأميركيون اليوم، علماً بأن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولاند دوما، أكد حصول هذا التعهد في مذكراته. ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن انتصار الديمقراطيات الغربية على الأنظمة التوتاليتارية «أنساها أن الأمن مسألة جماعية وليس شريعة المنتصر، بل يتعين التوصل إليه من خلال الحوار والتفاوض». ومنذ البداية، كانت باريس تنظر، وفق المؤلف، إلى أن من حق أوكرانيا المحافظة على أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، لكن، في الوقت عينه، يجب الأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكل طرف بما في ذلك روسيا. ومجدداً، سعت فرنسا إلى إيجاد حل وسط، فاقترحت «حماية أطلسية - روسية مشتركة» لأوكرانيا. لكن ألمانيا بدت مترددة، فيما كان الرد الأميركي قاطعاً، إذ قالت «كوندي» للمؤلف: «كلاً. أبداً. أنتم الفرنسيون سعيتم لمنع توسع الحلف في المرحلة الأولى وها أنتم تسعون لمنعه في المرة الثانية»، بمعنى أن من حق أوكرانيا، كغيرها، الانضمام إلى النادي الأطلسي. من هنا، فإن قمة الأطلسي عام 2008 في بوخارست نص بيانها النهائي على انضمام أوكرانيا وجورجيا. إلا أن معارضة باريس وبرلين ربطت هذا الانضمام بتوافر الظروف لذلك. وبعد 15 عاماً، ما زال الملف عالقاً، وقد كان إحدى الحجج الروسية لـ«عمليتها العسكرية الخاصة».
- الخميني... «حزب الله» واستقرار لبنان
يروي المؤلف أن الرئيس صدام حسين بعث برسالة عام 1978 إلى «صديقه» جاك شيراك يحذّره فيها من استقبال الإمام الخميني الذي كان لاجئاً في العراق ويرغب في الانتقال منه إلى بلد وهو متردد في اختياره ما بين باريس وطرابلس. وطلب صدام من شيراك أن ينبه الرئيس جيسكار ديستان من استقبال الخميني. وحمل شيراك الرسالة إلى جيسكار، غير أن الأخير رأى العكس، معتبراً أن مصلحة فرنسا تكمن في المحافظة على العقود المبرمة مع إيران والمحافظة على آفاق التعاون التي انطلقت مع حكم الشاه الضعيف اليوم سياسياً. وهكذا كان. ويضيف الكاتب ساخراً أن الأمر الوحيد الذي حصلت عليه فرنسا من الخميني هو إطلاق اسم «نوفل لوشاتو»، وهي البلدة التي استضافت الخميني، على الشارع حيث تقع السفارة الفرنسية في طهران. ويضيف المؤلف: «منذ تلك الفترة، تسبب النظام الإيراني لنا بالصداع وعلاقتنا به تؤثر على سياستنا في الشرق الأوسط». بيد أن الواقعية السياسية دفعت باريس لإعادة التواصل مع طهران منذ العام 2003، وذلك، وفق الرئيس الفرنسي وقتها، لثلاثة أسباب: الأول، احتواء طموح طهران بالحصول على السلاح النووي وتجنب السباق من أجل التسلح في المنطقة، وثانيها النظر في إمكانيات تعزيز التعاون الاقتصادي معها، وثالثها الدفع باتجاه تبني إيران سياسة إيجابية تجاه لبنان. ويلخص المؤلف الرؤية الفرنسية بأن الانفتاح على طهران هدفه «التوصل إلى إطار إقليمي ثابت يوفر السلام والاستقرار والازدهار» للجميع. ويحتل استقرار لبنان هدفاً دائماً لفرنسا الخائفة من تصاعد نفوذ «حزب الله» ومن تغيّر التوازنات الديمغرافية والطائفية. من هنا، يقول الكاتب إن باريس رأت «وجود قناة تواصل مباشرة مع إيران يمثّل أفضل وسيلة للحد من نزعة السيطرة عند (حزب الله) ومن نفوذه».
ويروي الكاتب ولادة المبادرة الفرنسية للتواصل مع إيران والتي ضمّت ألمانيا وبريطانيا أيضاً، وما توصلت إليه من حمل طهران، بعد زيارة جماعية لوزراء الدول الثلاث، على قبول تجميد برنامجها النووي مقابل تعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي لتطوير الصناعة النووية السلمية الإيرانية. ويؤكد غوردو مونتاني أن ما تحقق كان المدماك الأول للاتفاق النووي بين مجموعة «5 زائد 1» وإيران للعام 2015. كما يروي الكاتب تفاصيل الزيارة السرية التي قام بها إلى طهران في العام 2005 ولقائه كبار المسؤولين، والخلاصة التي توصل إليها، وقوامها أن ما يهم الإيرانيين هو «الاعتراف بموقع ودور إيران الإقليمي، ورفضهم التهميش على المسرح العالمي، واستعدادهم لبذل جهود جدية من أجل التعامل مع بلادهم على أنها قوة محترمة». وما لفت نظره أن أياً من المسؤولين لم ينطق بكلمة عن إسرائيل التي تعدها الآيديولوجيا الإيرانية «الشيطان الأصغر» إلى جانب الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر». ويعالج الكتاب تفاصيل المناقشات الخاصة بالملف النووي خصوصاً خلال زيارة حسن روحاني، المولج وقتها بهذا الملف، إلى باريس، مركّزاً على «واقعيته وديناميته»، كما يقول، ومشيراً إلى تركيزه على ضرورة «تعريف الضمانات الموضوعية» التي تثبت سلمية برنامج إيران النووي.
أفضى انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية، إلى تجميد التواصل مع طهران. لكنَّ باريس كانت مصرة على مواصلته، وتم ذلك من خلال اجتماع غوردو مونتاني السرّي في جنيف مع مستشار نجاد الخاص واسمه مجتبى ساماريه هاشمي. والخلاصة التي توصل إليها المبعوث الفرنسي من خلال المناقشات التي تركزت على «شروط الاستقرار الإقليمي»، أي في لبنان والعراق وسوريا والخليج، أن «إحراز أي تقدم في الملف النووي مرهون بالموقع الذي سيُعترف لإيران به في توازنات الشرق الأوسط وليس التهديدات غير المفيدة أو المفاوضات التقنية». لكن نهاية عهد شيراك في العام 2007 طرحت غلالة على المشاريع الفرنسية التي لم تعد إلى الواجهة إلا مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرنسوا هولاند إلى قصر الإليزيه والمفاوضات الجماعية التي انطلقت مع إيران لتكون نهايتها الناجحة في فيينا صيف العام 2015.
لكن الاتفاق المذكور لم يذهب حتى خواتيمه بعد أن نقضته إدارة الرئيس دونالد ترمب في العام 2018. أما اليوم، فالمفاوضات دخلت طريقاً مسدودة واختلط الحابل النووي بالنابل الإقليمي والإنساني والأوكراني ليصبح الملف أكثر تعقيداً.
ما سبق ليس سوى غيض من فيض ما يحتويه كتاب غوردو مونتاني من معلومات وتحليلات يضيق المكان بها.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.