شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

السفير موريس غوردو مونتاني يكشف بعض أسرار حرب الخليج الثانية واستقبال باريس للخميني... ومنبع الأزمة الأوكرانية

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
TT

شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)

ليس كتاب موريس غوردو مونتاني كتاب مذكرات سفير عادي من نوع الكتب التي تحفل بها المكتبات الفرنسية والتي تزداد أعدادها عاماً بعد عام ومع انتهاء الخدمة الدبلوماسية الفعلية لأصحابها. ذلك أن صاحب كتاب «الآخرون لا يفكرون مثلنا» ليس سفيراً عادياً، وكتابه ليس تفتيشاً في أركان الذاكرة عن أحداث عاصرها وعايشها وأراد أن يستفيد منها ليبيّن أنه لعب دوراً ما يُحسب له في حياته المهنية. غوردو مونتاني، المتقاعد راهناً، شغل أعلى المراتب الدبلوماسية، متنقلاً من سفارة إلى سفارة، قبل أن ينتهي به المطاف أميناً عاماً لوزارة الخارجية. بيد أن الموقع الدبلوماسي، الاستراتيجي والحساس، الذي شغله وامتد لسنوات تَمثّل في كونه مستشاراً دبلوماسياً للرئيس السابق جاك شيراك ما بين 2002 و2007، كما كان «شيربا» الرئيس، أي ممثله في مجموعتَي «السبع» و«العشرين». وقبل ذلك، تنقل غوردو مونتاني سفيراً في طوكيو وبكين وبرلين ولندن، ناهيك بأنه كان مدير مكتب رئيس الوزراء ألان جوبيه طيلة عامين. وباختصار، شغل المؤلف مناصب استثنائية مكّنته من أن يكون في قلب الحدث الدبلوماسي والاستراتيجي في دولة تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتعد إحدى الدول النووية الخمس «الشرعية»، وهي تمتلك ثالث أكبر تمثيل دبلوماسي في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين)، وتشكّل مع ألمانيا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

كوندوليزا رايس (غيتي)  -   فلاديمير بوتين (غيتي)   -  المرشد الإيراني الخميني (غيتي)

يمكن القول، باختصار، إن المواقع التي شغلها غوردو مونتاني أهّلته لأن يرى من الداخل ومن أرفع المناصب تحولات السياسة الدولية وخفاياها. من هنا، فإن كتابه ليس مجرد مذكرات بل هو تجوال وترحال في السياسة الدولية وفي مطابخها، ما يمكّن غالباً المؤلف من كشف الكثير من خباياها ومن إلقاء الضوء على أحداث وتطورات لم يعرف سوى النذر القليل من مكنوناتها يوم حصولها. وفي 392 صفحة و17 فصلاً، يرسم لنا غوردو مونتاني صورة للدبلوماسية العالمية من خلال الأزمات المتلاحقة التي عايشها، وكان، من موقعه خصوصاً زمن وجوده إلى جانب الرئيس شيراك، أحد المؤثرين عليها والفاعلين فيها.
يحتل الفصل الرابع من الكتاب الذي كرّسه المؤلف للحرب على العراق موقعاً متميزاً لأنه يرمي الضوء على خلفيات السياسات الأميركية زمن الرئيس جورج بوش الابن وكيفية تعاطي الإدارة الأميركية مع العواصم الأوروبية وعلى رأسها باريس. ويكتب المؤلف أنه منذ بداية عام 2002، وخطاب الرئيس بوش حول «محور الشر» الذي يضم العراق والذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت»، بدا واضحاً أن بوش يحضّر الرأي العام الداخلي الأميركي للحرب وأن الهدف هو نظام صدام حسين بحجة امتلاكه المزعوم لأسلحة الدمار الشامل. ويضيف غوردو مونتاني أن شيراك «فهم سريعاً المخاطر المترتبة على هذه السياسة التي من شأنها نسف وحدة العالم الغربي والتوازنات الإقليمية فضلاً عن استجرار مواجهة مع العالم الإسلامي». فضلاً عن ذلك، فإن شيراك يرى أن الإطاحة بالنظام العراقي من خلال عملية عسكرية ستُفضي بلا شك إلى قلب موازين القوى داخل العالم الإسلامي لصالح الشيعة المحسوبين على نظام الحكم في إيران وعلى حساب السُّنة، وسيفضي إلى توترات لاحقة. وحسب القراءة الفرنسية، فإن الحرب «ستُفضي إلى تفكيك الموزاييك الهش وإنها ستشكّل خطأ استراتيجياً رئيسياً». ولذا، فإن الرئيس الفرنسي سعى طيلة النصف الثاني من العام 2022 للوقوف في وجهها. ويكشف الكاتب أن البعض من المعروفين بميولهم «الأطلسية» في وزارة الخارجية سعى إلى تعطيل السياسة الرئاسية ولكن دون طائل.

بداية الغزو 20 مارس 2003 (أ.ف.ب)

- كوندوليزا رايس: تخلِّينا عن الحرب ثمنه رحيل صدام
كان المؤلف حاضراً في القمة التي جمعت الرئيسين شيراك وبوش في براغ، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002. وكتب ما حرفيته: «كان الوفدان جالسين وجهاً لوجه. أجواء التوتر ملموسة. وما سمعناه، كلٌّ يغنّي على ليلاه. بوش غارق في قناعاته، لا بل إنه (عندما يتكلم) لم يكن ينظر إلى شيراك». وجاء جواب الأخير سريعاً. فقال: «إن الحرب ستضرب الاستقرار في المنطقة، وستفضي إلى تسلّم الشيعة المقربين من إيران الحكم في بغداد، وستقوّي نفوذ إيران في سوريا وفي لبنان عبر (حزب الله)». وأضاف شيراك: «هذه الحرب لن تكون شرعية وستُحدث انقساماً داخل الأسرة الدولية، وستُفقد الغرب مصداقيته، وستكون مصدر الفوضى التي ستنبثق منها موجة إرهاب سيصعب السيطرة عليها».
لكنّ حجج الرئيس الفرنسي لم يكن لها أي أثر على الفريق الأميركي. ورغم ذلك، أراد شيراك أن يعرف المزيد عن نيات واشنطن، فأرسل إليها، في الأيام الأولى من العام 2003، غوردو مونتاني الذي التقى نظيرته كوندوليزا رايس. طرح عليها الموفد الفرنسي، السؤال الجوهري: «ما الذي يمكنه أن يجعلكم تتخلون عن خطة الحرب؟ ما الشروط التي تريدونها لذلك؟». وجاء جواب رايس قاطعاً: «أن يتخلى صدام عن السلطة».
بعد رايس، التقى غوردو مونتاني بول وولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي. ويصف الأول اللقاء بأنه أمضى خلاله إحدى أسوأ لحظات حياته في مهنته الدبلوماسية الطويلة. وبعد أن جعله ينتظر طويلاً قبل أن يستقبله، أبدى وولفوويتز «عجرفة» أميركية، كما يقول الكاتب، إذ لم يستمع لحجج الزائر وكان كلامه مسيئاً بحق فرنسا التي اتهمها بـ«المراوغة»، مؤكداً أن واشنطن «تعلم ما تعلمون»، والمقصود أن العراق يملك أسلحة نووية وأن باريس تدّعي الجهل. وخلاصة المؤلف أنه عاد من رحلته إلى واشنطن بقناعة مفادها أن الأميركيين «يريدون أن يكونوا أحراراً عسكرياً ودبلوماسياً ولا يريدون تحالفاً يعمل وفق تكليف أممي، وأن واشنطن (ليست بحاجة لأحد)».
وبطبيعة الحال، لم تأخذ واشنطن بنصيحة شيراك بالتزام «الصبر». لذا سعى الرئيس الفرنسي إلى بناء تحالف دولي بوجه الأميركيين بالاستناد إلى ألمانيا وروسيا. وعن روسيا، نقل المؤلف عن الرئيس الأسبق قوله: «روسيا ليست الممسحة التي نمسح عليها أرجلنا»، مضيفاً أن شيراك كان يحظى بدعم وثقة الرئيس فلاديمير بوتين. أما بقية القصة فمعروفة، إذ هددت فرنسا باللجوء إلى حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن إذا سعت واشنطن للحصول على تفويض أممي لحربها على العراق. وكثيرون ما زالوا يتذكرون خطاب وزير الخارجية دومينيك دو فيلبان، الشهير والتصفيق الذي حازه. وكانت النتيجة أن القوات الأميركية، مدعومةً من القوات البريطانية، قامت بغزو العراق وأسقطت بغداد وقضت على نظام صدام حسين الذي كانت نهايته على حبل المشنقة.
لم تصل العلاقات الفرنسية - الأميركية إلى حد الطلاق رغم الخلافات العميقة بين البلدين. فرنسا كانت تعي أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي سعت إليه واشنطن، مصيره الفشل. ومجدداً أُرسل المؤلف إلى واشنطن لإبلاغ «كوندي» (كوندوليزا رايس) بأن باريس تريد قلب صفحة الخلاف وتريد أن ترى كيف تستطيع المساهمة من أجل إعادة بناء العراق وتوفير الاستقرار. وجاء رد «كوندي» قاطعاً: «لسنا بحاجة إليكم... نحن صرفنا أموالنا ودفعنا الثمن من دماء جنودنا وسوف نتصرف بعيداً عنكم». بيد أن الأمور أخذت تتحسن شيئاً فشيئاً بعد الحملة الشعبية على فرنسا ومقاطعة بضائعها. ونجح الطرفان في العمل معاً ليس فقط بخصوص الملفين اللبناني والسوري، حيث أبرز ما أنتجاه معاً قرار مجلس الأمن الرقم «1449» الذي يطلب انسحاب القوات السورية من لبنان، ولكن أيضاً بخصوص إيران، حيث إن باريس كانت بالتعاون مع برلين ولندن قد أطلقت أولى المفاوضات مع طهران بشأن برنامجها النووي، الأمر الذي أثار اهتمام واشنطن.

- «روسيا بوتين» في 2006
كم يبدو بعيداً الزمن، حيث كانت روسيا عضواً في مجموعة الثمانية، لا بل إن فلاديمير بوتين ترأسها في العام 2006، وكانت المرة الوحيدة التي أُتيحت لروسيا هذه الفرصة. ذلك أن دورها حلّ مجدداً لرئاسة المجموعة في العام 2014، إلا أن غزوها شبه جزيرة القرم وضمها هذه المنطقة إليها في العام المذكور أخرجها من المجموعة التي تقلصت مجدداً إلى مجموعة السبع. وينقل المؤلف عن شيراك رغبته في «ضم روسيا إلى الأسرة الدولية»، وهو الخط الذي التزم به الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، ويؤكد المؤلف أن شيراك كان دائم التنبه إلى مطالب روسيا، وراغباً في التقارب معها، لذا دعا بوتين إلى المجيء إلى فرنسا مرة أولى في عام 2004 للمشاركة في الاحتفال السنوي لنزول الحلفاء في منطقة النورماندي. ورأى الرئيس الفرنسي أن أفضل منصة لذلك هي مجموعة الثمانية الكبار التي تضم الدول الصناعية الكبرى. ويروي غوردو مونتاني تفاصيل بعض الطرائف التي رافقت اجتماعات مستشاري القادة الثمانية للتحضير للقمة ومنها أن مستشار بوتين، واسمه إيغور شوفالوف، دعا أقرانه لصيد السمك على نهر الفولغا. وكان الاتفاق المسبق على رمي كل سمكة في النهر بعد اصطيادها، والبديل كان، كل مرة، كأساً من الفودكا. ويقول المؤلف إن حظه كان كبيراً لأن مجموعته لم تنجح في اصطياد الكثير من الأسماك. وجرت القمة في مدينة سانت بطرسبرغ في أجواء مريحة، ما دفع شيرك لاعتبار أن «الثقة تتعزز بين روسيا والغرب»، خصوصاً مع فرنسا وألمانيا.
بيد أن رغبة الحلف الأطلسي في التمدد إلى وسط أوروبا وشرقها كانت منذ انهيار حلف وارسو تثير قلق موسكو. ويؤكد الكاتب أن شيراك كان يعرف قول هنري كيسنجر الذي يرى أن «أوكرانيا لن تكون أبداً بلداً كأي بلد آخر بالنسبة إلى روسيا والعكس بالعكس»، أو ما كتبه زبيغينيو بريجينسكي في كتابه «أميركا وبقية العالم» حيث رأى أن روسيا من غير أوكرانيا «لا يمكن أن تكون قوة عظمى». ويؤكد غوردو مونتاني أن وزير الخارجية الأميركي وقتها جيمس بيكر، تعهد للرئيس ميخائيل غورباتشوف، بأن الحلف الأطلسي «لن يتمدد بوصة واحدة» باتجاه روسيا، وهو ما ينفيه الأميركيون اليوم، علماً بأن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولاند دوما، أكد حصول هذا التعهد في مذكراته. ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن انتصار الديمقراطيات الغربية على الأنظمة التوتاليتارية «أنساها أن الأمن مسألة جماعية وليس شريعة المنتصر، بل يتعين التوصل إليه من خلال الحوار والتفاوض». ومنذ البداية، كانت باريس تنظر، وفق المؤلف، إلى أن من حق أوكرانيا المحافظة على أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، لكن، في الوقت عينه، يجب الأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكل طرف بما في ذلك روسيا. ومجدداً، سعت فرنسا إلى إيجاد حل وسط، فاقترحت «حماية أطلسية - روسية مشتركة» لأوكرانيا. لكن ألمانيا بدت مترددة، فيما كان الرد الأميركي قاطعاً، إذ قالت «كوندي» للمؤلف: «كلاً. أبداً. أنتم الفرنسيون سعيتم لمنع توسع الحلف في المرحلة الأولى وها أنتم تسعون لمنعه في المرة الثانية»، بمعنى أن من حق أوكرانيا، كغيرها، الانضمام إلى النادي الأطلسي. من هنا، فإن قمة الأطلسي عام 2008 في بوخارست نص بيانها النهائي على انضمام أوكرانيا وجورجيا. إلا أن معارضة باريس وبرلين ربطت هذا الانضمام بتوافر الظروف لذلك. وبعد 15 عاماً، ما زال الملف عالقاً، وقد كان إحدى الحجج الروسية لـ«عمليتها العسكرية الخاصة».
- الخميني... «حزب الله» واستقرار لبنان
يروي المؤلف أن الرئيس صدام حسين بعث برسالة عام 1978 إلى «صديقه» جاك شيراك يحذّره فيها من استقبال الإمام الخميني الذي كان لاجئاً في العراق ويرغب في الانتقال منه إلى بلد وهو متردد في اختياره ما بين باريس وطرابلس. وطلب صدام من شيراك أن ينبه الرئيس جيسكار ديستان من استقبال الخميني. وحمل شيراك الرسالة إلى جيسكار، غير أن الأخير رأى العكس، معتبراً أن مصلحة فرنسا تكمن في المحافظة على العقود المبرمة مع إيران والمحافظة على آفاق التعاون التي انطلقت مع حكم الشاه الضعيف اليوم سياسياً. وهكذا كان. ويضيف الكاتب ساخراً أن الأمر الوحيد الذي حصلت عليه فرنسا من الخميني هو إطلاق اسم «نوفل لوشاتو»، وهي البلدة التي استضافت الخميني، على الشارع حيث تقع السفارة الفرنسية في طهران. ويضيف المؤلف: «منذ تلك الفترة، تسبب النظام الإيراني لنا بالصداع وعلاقتنا به تؤثر على سياستنا في الشرق الأوسط». بيد أن الواقعية السياسية دفعت باريس لإعادة التواصل مع طهران منذ العام 2003، وذلك، وفق الرئيس الفرنسي وقتها، لثلاثة أسباب: الأول، احتواء طموح طهران بالحصول على السلاح النووي وتجنب السباق من أجل التسلح في المنطقة، وثانيها النظر في إمكانيات تعزيز التعاون الاقتصادي معها، وثالثها الدفع باتجاه تبني إيران سياسة إيجابية تجاه لبنان. ويلخص المؤلف الرؤية الفرنسية بأن الانفتاح على طهران هدفه «التوصل إلى إطار إقليمي ثابت يوفر السلام والاستقرار والازدهار» للجميع. ويحتل استقرار لبنان هدفاً دائماً لفرنسا الخائفة من تصاعد نفوذ «حزب الله» ومن تغيّر التوازنات الديمغرافية والطائفية. من هنا، يقول الكاتب إن باريس رأت «وجود قناة تواصل مباشرة مع إيران يمثّل أفضل وسيلة للحد من نزعة السيطرة عند (حزب الله) ومن نفوذه».
ويروي الكاتب ولادة المبادرة الفرنسية للتواصل مع إيران والتي ضمّت ألمانيا وبريطانيا أيضاً، وما توصلت إليه من حمل طهران، بعد زيارة جماعية لوزراء الدول الثلاث، على قبول تجميد برنامجها النووي مقابل تعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي لتطوير الصناعة النووية السلمية الإيرانية. ويؤكد غوردو مونتاني أن ما تحقق كان المدماك الأول للاتفاق النووي بين مجموعة «5 زائد 1» وإيران للعام 2015. كما يروي الكاتب تفاصيل الزيارة السرية التي قام بها إلى طهران في العام 2005 ولقائه كبار المسؤولين، والخلاصة التي توصل إليها، وقوامها أن ما يهم الإيرانيين هو «الاعتراف بموقع ودور إيران الإقليمي، ورفضهم التهميش على المسرح العالمي، واستعدادهم لبذل جهود جدية من أجل التعامل مع بلادهم على أنها قوة محترمة». وما لفت نظره أن أياً من المسؤولين لم ينطق بكلمة عن إسرائيل التي تعدها الآيديولوجيا الإيرانية «الشيطان الأصغر» إلى جانب الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر». ويعالج الكتاب تفاصيل المناقشات الخاصة بالملف النووي خصوصاً خلال زيارة حسن روحاني، المولج وقتها بهذا الملف، إلى باريس، مركّزاً على «واقعيته وديناميته»، كما يقول، ومشيراً إلى تركيزه على ضرورة «تعريف الضمانات الموضوعية» التي تثبت سلمية برنامج إيران النووي.
أفضى انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية، إلى تجميد التواصل مع طهران. لكنَّ باريس كانت مصرة على مواصلته، وتم ذلك من خلال اجتماع غوردو مونتاني السرّي في جنيف مع مستشار نجاد الخاص واسمه مجتبى ساماريه هاشمي. والخلاصة التي توصل إليها المبعوث الفرنسي من خلال المناقشات التي تركزت على «شروط الاستقرار الإقليمي»، أي في لبنان والعراق وسوريا والخليج، أن «إحراز أي تقدم في الملف النووي مرهون بالموقع الذي سيُعترف لإيران به في توازنات الشرق الأوسط وليس التهديدات غير المفيدة أو المفاوضات التقنية». لكن نهاية عهد شيراك في العام 2007 طرحت غلالة على المشاريع الفرنسية التي لم تعد إلى الواجهة إلا مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرنسوا هولاند إلى قصر الإليزيه والمفاوضات الجماعية التي انطلقت مع إيران لتكون نهايتها الناجحة في فيينا صيف العام 2015.
لكن الاتفاق المذكور لم يذهب حتى خواتيمه بعد أن نقضته إدارة الرئيس دونالد ترمب في العام 2018. أما اليوم، فالمفاوضات دخلت طريقاً مسدودة واختلط الحابل النووي بالنابل الإقليمي والإنساني والأوكراني ليصبح الملف أكثر تعقيداً.
ما سبق ليس سوى غيض من فيض ما يحتويه كتاب غوردو مونتاني من معلومات وتحليلات يضيق المكان بها.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.