صمود فلسطيني على الجبهة الثقافية

مقالات ومذكرات وقصص وقصائد وأعمال تشكيلية

فدوى طوقان
فدوى طوقان
TT

صمود فلسطيني على الجبهة الثقافية

فدوى طوقان
فدوى طوقان

صدر كتاب باللغة الإنجليزية يحمل عنواناً عربياً: «صمود: مختارات من كتابات فلسطينية جديدة» (Sumud: A New Palestinian Reader)، أشرف على التحرير جوردان الجرابلي Jordan Elgrably ومالو هلسا Malu Halsa مع مقدمة بقلم سليم حداد Saleem Haddad. الأول كاتب ومترجم فرانكو- أميركي ومغربي ورئيس تحرير «مجلة المركز» وهي مجلة إلكترونية نشرت نصوصاً من الثقافة الفلسطينية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية ظهرت في 2020. والثانية كاتبة وروائية أردنية فلبينية أمريكية. والثالث روائي وكاتب أقصوصة يعيش حالياً في لشبونة.

الكتاب صادر عن «مطبعة القصص السبع» في لندن عام 2024 في 365 صفحة. ويشتمل، إلى جانب النصوص، على صور فوتوغرافية، ولوحات فنية، وملصقات إعلانية. والنصوص تجمع بين مقالات ومذكرات وقصص وقصائد وأعمال من الفن التشكيلي سبق نشرها في «مجلة المركز».

يقول سليم حداد في كلمته التمهيدية (مؤرخة في مايو/أيار 2024) إن هذه النصوص الفلسطينية ليست مجرد شهادة على ما يجري عقب 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وإنما هي أيضاً فضاء يعرض إبداع فلسطينيين صامدين وتضامناً من يقفون معهم من أحرار العالم.

ويؤكد الجرابلي وهلسا في مقدمتهما (سبتمبر/أيلول 2024) العلاقة الوثيقة بين الثقافة والمقاومة، منوهين على وجه الخصوص بالدور المهم الذي لعبه الشعر الفلسطيني حتى أن موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي في عقود سابقة، صرح بأن قراءة قصيدة لفدوى طوقان تشبه «مواجهة عشرين فدائياً من الأعداء».

ومن بين محتويات الكتاب نتوقف عند مقالة عنوانها «إدوارد سعيد: الكتابة في خدمة الحياة» بقلم ليلى العمار، وهي روائية وأكاديمية كويتية تحمل دكتوراه في أدب المرأة العربية. لقد كان سعيد (1935- 2003) أبرز صوت فلسطيني على الساحة الدولية ثقافياً. وفي هذه المقالة المؤرخة في 9 أكتوبر 2023، تقول العمار إن سعيد خلف عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات عن مسؤوليات الناقد، ونزع الصبغة الاستعمارية، والموسيقى الكلاسيكية، والعلاقة بين الثقافة والإمبريالية، وعذابات المنفى، والقضية الفلسطينية. وكان كتاب «الاستشراق» (1978) فاتحة حقبة جديدة في دراسات ما بعد الكولونيالية، أعاد فيه صياغة فهمنا للشبكة التي تصل بين السلطة والمعرفة والسرديات والإدراك. إنه نموذج المثقف «العمومي» المشغول بقضايا إنسانية ووطنية عامة من خلال مقالاته الصحافية ومقابلاته التلفزيونية. لقد فند دعاوى صمويل هنتنغتون عن صدام الحضارات، وكشف عن مغالطات برنارد لويس وغيره من المستشرقين. وكان عضواً نشطاً في المجلس الوطني الفلسطيني لمدة خمسة عشر عاماً قبل أن يتركه في 1993 احتجاجاً على اتفاقيات أوسلو التي رأى فيها تخلياً عن حقوق الشعب الفلسطيني.

إدوارد سعد

وتركز الكاتبة على ما كان سعيد يعنيه لها مفكراً وأكاديمياً وعربياً؛ وذلك منذ قرأت كتابه «الاستشراق» وهى في سن التاسعة عشرة، وتزامن ذلك مع محاولاتها الروائية الأولى. تعلمت منه أن تمثيل الواقع يرتبط بأمور كثيرة: باللغة والثقافة والتاريخ والميول السياسية والدينية والكاتب ذاته بكل خلفياته ومعتقداته وتحيزاته. ومن كتاب «الاستشراق» انتقلت إلى قراءة أعماله الأخرى: «الثقافة والإمبريالية» و«فرويد وغير الأوروبي» و«بدايات» و«تأملات في المنفى». ومنه تعلمت أهمية أن «يعيد» المرء قراءة ما قرأه من قبل، حيث إنه قد تكون هناك أشياء مهمة فاتته في القراءة الأولى. كما أننا حين نقرأ أشياء في سن الأربعين لا نكون الشخص نفسه الذي قرأ الشيء في سن العشرين: فنحن قد تغيرنا والشيء المقروء يتغير معنا.

ولا تخلو المقالة من تحفظات على إنجاز سعيد؛ فقراءته للأدب العربي الحديث تكاد تكون مقصورة على نجيب محفوظ، وغسان كنفاني والطيب صالح. ولا يكاد يأتي على ذكر كاتبة عربية واحدة. بل إنه في محاضراته عام 1993، وقد نشرت تحت عنوان «تمثيلات المثقف»، لا يذكر من الكاتبات الغربيات سوى كاتبة واحدة هى فرجينيا وولف.

إميل حبيبي

وتذكر الكاتبة مرثية محمود درويش لسعيد تحت عنوان «طباق» إشارة إلى الطابع الديالكتيكي أو الكونترابنطي لفكره، حيث تتواجه الأضداد وتتفاعل منتجة مركبات جديدة.

وتقول العمار إن الثقافة العربية في الأجيال السابقة لم تعدم رجالاً ونساءً أطلقوا عنان طاقات سياسية واجتماعية ونفسية، واقتنصوا صرخات الوعي في شبكة اللغة والصورة والشكل: رفاعة الطهطاوي، عباس العقاد، جورج طرابيشي، محمد عابد الجابري، غادة السمان، نوال السعداوي، إلياس خوري، غسان كنفاني. لقد سجلوا إخفاقات الحداثة العربية كما صوروا كيف تكون مقاومة الإمبريالية، والأنظمة الشمولية، والأبوية الجديدة، والطائفية وكل ما يعوق تقدم الحياة العربية. ولكن من يستحق لقب المثقف العمومي اليوم؟ قلائل، تذكر الكاتبة منهم علاء عبد الفتاح ومحمد الكرد وسمر يزبك. فالمثقف كما قال غرامشي يسير على حبل رفيع بين «تشاؤم الذهن» و«تفاؤل الإرادة». الأول يهدد بأن يرمينا في هاوية القنوط، والآخر يدعونا إلى أن نصمد ونعيد المحاولة من جديد.

ومن النصوص الإبداعية في الكتاب نص عنوانه «بيروت» لأحمد الملاح، وهو شاعر فلسطيني له أكثر من ديوان، وفنان يدرس الكتابة الإبداعية بجامعة بنسلفانيا الأميركية. يبدأ النص بقول الشاعر: «كنت في بيروت»، ثم يواصل قائلاً: «فلسطين التي تتراءى في الأفق دون عودة. كنت على مرأى من المكان الأول دون أن أراه. ولم يبق من الزيارة سوى أسبوع وبضعة أيام. قلت لنفسى سأكتب بالعربية هنا... في تلك المساحة الضيقة من الوقت. سأكتب ما سأكتبه من اللغة الأم. قريباً من البعيد. أنا هنا واللغة الأم. تلك العربية هنا أيضاً. ليست بين الكتب أو في المكان. في هذا البلد لبنان. بضعة أيام لأسترجع فيها اللغة الأم. بضعة أيام في مكان لا أطلال لي فيه. بضعة أيام... والزمان يضيق مطبقاً على الاحتمال».

وثمة مقالة عنوانها «أن تكون هناك، أن تكون هنا: كتابات فلسطينية في العالم» بقلم موريس أبيليني، المحاضر في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة حيفا. المقالة مؤرخة في 30 مارس (آذار) 2022، وهي عن كتَّاب فلسطينيين يكتبون بلغات غير اللغة العربية: العبرية، والإنجليزية، والإسبانية، والإيطالية والدانمركية وغيرها. وكثير من هؤلاء الكتاب منفيون أو مهاجرون في الشتات يعيشون في بلدان غربية ويقدمون الرواية الفلسطينية بأساليب سياسية واجتماعية وجمالية متنوعة. وهناك كتاب فلسطينيون يعيشون في أميركا اللاتينية وينحدرون من أصلاب مهاجرين. وبعضهم تجار مسيحيون فرّوا من الحكم العثماني.

وقبل نكبة 1948 كان الأدب الفلسطيني معتمداً على الإلهام القادم من القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، ولكنه لم يكن رغم ذلك مفتقراً إلى صوته الخاص. لقد أنتج شعراء مثل إبراهيم طوقان، وأبو سلمى وعبد الرحيم محمود الذين شاركوا في النضال القومي وفي إبداع ما سماه غسان كنفاني «ثقافة شعبية» في مواجهة تحالف الاستعمار البريطاني مع الاستيطان الصهيوني. وفيما بعد برزت إلى المقدمة أسماء فدوى طوقان، ومحمود درويش وسميح القاسم لتربط بين الشعب والأرض. ونثراً جسَّد غسان كنفاني في «رجال في الشمس» (1963) وإميل حبيبي في «الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1974) حس العقم الوجودي والاغتراب والاقتلاع من المكان في وعي الفلسطيني ووجدانه.

ويختم أبيليني مقالته بقوله إن الأدب –والشعر بخاصة- هو الوسيط الذي من خلاله يخاطب شعباً منزوع الأرض ضمير العالم.

لقد أنجبت أرض البرتقال الحزين عبر السنين عدداً من كبار الأدباء والمثقفين: عادل زعيتر في مجال الترجمة، إدوارد سعيد في النقد الأدبي، محمود درويش في الشعر، جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وإميل حبيبي في الرواية والأقصوصة. وكتاب «صمود» تذكرة بهذا التراث، وتوكيد للهوية الفلسطينية، ومواجهة لمطاردة إسرائيل كل ما هو فلسطيني ومحاولة إزالة وجوده. ومن أمثلة ذلك في السنوات الأخيرة مهاجمة الشرطة الإسرائيلية في 2022 موكب جنازة الإعلامية الفلسطينية – الأمريكية شيرين أبو عاقلة (1971- 2022) حتى كاد نعشها يقع على الأرض، وذلك على مرأى ومسمع من عالم غربي يؤثر، إلا في القليل النادر، أن يغمض عينيه عما يجرى على أرض الواقع.


مقالات ذات صلة

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

ثقافة وفنون كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير.

ندى حطيط (لندن)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «في أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي.

سوسن الأبطح

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.