ماكرون يرسم «خريطة طريق» لسياسة بلاده تجاه أفريقيا

الرئيس الفرنسي يريد علاقة جديدة عنوانها الشراكة في الميادين كافة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يرسم «خريطة طريق» لسياسة بلاده تجاه أفريقيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)

يصح تسمية الأسبوع الحالي بأنه «أسبوع أفريقيا» بالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفيه مجموعة محطات رئيسية، أولها الخطاب الذي ألقاه أمس في قصر الإليزيه وخصصه لرؤيته لمستقبل علاقات بلاده مع القارة السوداء التي احتضنت الكثير من المستعمرات الفرنسية حتى سبعينات القرن الماضي، وهي تعاني اليوم من صعوبات جمة، ومن منافسة متعددة الجنسيات (صينية، روسية، تركية وحتى أميركية وإسرائيلية). والمحطات اللاحقة عنوانها الجولة الموسعة التي سيبدأها ماكرون غداً (الأربعاء) في وسط وغرب أفريقيا، والتي تشمل أربع دول، هي على التوالي: الغابون، أنغولا، الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ثلاث من هذه الدول كانت مستعمرات فرنسية بينما أنغولا كانت مستعمرة برتغالية.
وسبقت هذه الجولة الأفريقية للرئيس الفرنسي زيارته أواخر يوليو (تموز) الماضي أربع دول غرب أفريقيا، وهي الكاميرون، وأفريقيا الوسطى، وبينين وغينيا بيساو.
وأكد ماكرون، أكثر من مرة، أن أفريقيا تعدّ من بين أولوياته الدبلوماسية، لا، بل إنها أولى الأولويات. وكان من المنتظر من خطابه أن يكشف عن نظرته لـ«الشراكة الجديدة» التي يريد بناءها بين باريس والعواصم الأفريقية، في حين «الشراكة القديمة» موضع انتقاد، لا، بل تنديد في أكثر من بلد أفريقي. ولعل الانتكاسة الكبرى التي مُنيت بها باريس في بلدين من منطقة الساحل، هما مالي وبوركينا فاسو، والصعوبات التي تلاقيها راهناً في تشاد ودول أخرى تدفعها لتسريع الخطى والبحث عن «استراتيجية» جديدة عنوانها الرئيسي الاستماع لما يريده شركاء فرنسا الأفارقة وتوفير الدعم «من الخلف»، خصوصاً في الميدان الأمني.
وبعد أن كان لباريس حضور عسكري يتجاوز الـ5500 رجل، تقلص العدد إلى 3 آلاف بعد انسحاب قوة «برخان» من مالي وقوة «سابر» (أي السيف) من بوركينا فاسو.
وفي الحالتين، كان الانسحاب بطلب من المجلس العسكري في البلدين الذي تسلم الحكم في كل من الدولتين بعد انقلابين عسكريين.
ولفرنسا حضور عسكري في ستة بلدان هي النيجر، وتشاد، والسنغال، وساحل العاج، والغابون وجيبوتي. وكان من المنتظر أن يكشف ماكرون عن تصوره لتموضع قواته اللاحق ومهامها الجديدة.
وثمة هدف إضافي لجولته المقبلة، وهو دفع الأفارقة إلى الانضمام إلى المعسكر الغربي في إدانة الحرب الروسية على أوكرانيا.
والحال، أن ثلاثاً من الدول التي سيزورها (الغابون والكونغو وأنغولا) امتنعت عن التصويت لصالح القرار الذي صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يطلب من روسيا سحب قواتها من أوكرانيا. يضاف إلى ما سبق تدأب باريس على التنديد باختراق ميليشيا «فاغنر» الروسية لمناطق النفوذ الفرنسي التقليدية، كما تعمل على مواجهة التغلغل الإعلامي أو ما تسميه «التضليل» الذي يمارس ضدها ومصدره غالباً روسيا والأجهزة المرتبطة بها.
وخلال جولته الأفريقية السابقة، اعترف الرئيس الفرنسي بأن بلاده تواجه صعوبات بسبب المنافسة الجديدة التي تلاقيها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أكد أن بلاده «ما زالت ملتزمة بأن القارة الأفريقية».
ويريد ماكرون أن يشدد على «رسالة» بلاده، ولكن أيضاً أن يكون صوت الاتحاد الأوروبي المعني بدوره بـ«التحولات» الأفريقية.
وأمس، في الخطاب الذي ألقاه في قصر الإليزيه بحضور حكومي ورسمي واقتصادي وثقافي، سعى ماكرون إلى رسم صورة العلاقة الجديدة التي يريدها مع أفريقيا على الصعد كافة. وكرر أكثر من مرة، أن على باريس أن تتحلى بـ«التواضع»، وأن تكف عن اعتبار أن أفريقيا «معقودة اللواء لها» وأن تقبل وجود «منافسين». بيد أن عليها أيضاً أن «تدافع عن مصالحها».
وبكلام آخر، يريد ماكرون أن يقلب صورة صفحة العلاقات السابقة مع القارة السوداء وأن تتجرأ بلاده على إعادة النظر فيما سماه «الممنوعات» والمسلمات.
بكلام آخر، يريد الرئيس الفرنسي تجاوز المحظورات في إعادة تقييم العلاقة مع أفريقيا. وفي هذا السياق، طرح محورين رئيسيين:
الأول، التخلي عن الرؤية السابقة، حيث كان المبتدأ والمنتهى في العلاقة السابقة مع أفريقيا الموضوع الأمني والدفاعي الذي كان يؤطر كل أشكال العلاقة. ولذا؛ يريد ماكرون اليوم وضع نقطة النهاية له بحيث ينهض الحضور الجديد على أساس «الشراكة الأمنية» المتكافئة وليس على مبدأ الفرض. وسيكون ذلك من خلال التخلي عن إقامة قواعد عسكرية على الطريقة القديمة واعتماد سياسة تطوير العلاقة العسكرية والأمنية، وبحيث تعمد فرنسا إلى إقامة كليات ومعاهد عسكرية يكون الحضور الأكبر فيها للأفارقة أنفسهم والتركيز على التنشئة والتدريب. وأشار ماكرون إلى أن فرنسا ستعمد إلى خفض جديد في عددها العسكري في أفريقيا؛ ما يعد استمراراً لما بدأته في الأشهر السابقة. إلا أنه امتنع عن إعطاء تفاصيل بهذا الخصوص.
وباختصار، يرى ماكرون أن الشراكة الجديدة تعني «التخلي عن الهيمنة العسكرية والأمنية والاقتصادية». ويريد ماكرون ضم دول الاتحاد الأوروبي إلى الرؤية الفرنسية الجديدة.
أما المحور الآخر فعنوانه التخلي عن مبدأ «مساعدة أفريقيا» واعتناق مبدأ «الاستثمار التضامني» بحثاً عن منافع مشتركة في الأنشطة الاقتصادية.
واغتنم ماكرون المناسبة ليهاجم الشركات الفرنسية التي لا تقدم للأفارقة أفضل ما تملكه من مهارات وكفاءات وإنجازات بعكس ما تفعله مثلاً في منطقة الخليج أو أوروبا أو الصين. وكرر أكثر من مرة، أنه يريد إقامة محمور فرنسي - أوروبي - أفريقي يكون له وزنه على المستوى العالمي. والنهج الجديد يفترض به أن يركز على التعليم النظري والتأهيل المهني، وعلى الصحة والطاقة والبيئة والثقافة والاقتصاد الرقمي والمساواة بين الجنسين والعمل مع منظمات المجتمع المدني والشباب.
يبقى أن ماكرون لا ينسى أن على بلاده أن تدافع عن القيم التي تؤمن بها، ولكن من غير أن تسعى لفرضها فوقياً. وفي هذا السياق، اعتبر أن الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة يشكل عمودها الفقري.
أراد ماكرون من خطابه أمس أن يكون «تأسيسياً» وأن يشكل الإطار الذي سيلتزم به للسنوات الخمس المقبلة، وهي مدة ولايته الجديدة التي انقضى منها عشرة أشهر. بيد أن التأكيد على المبادئ شيء وترجمتها على أرض الواقع شيء آخر. وستبين الأشهر المقبلة ما إذا كان خطابه سيشكل حقيقة «خريطة طريق» لسياسة فرنسا في قارة كانت تعدّ أن الكلمة الفصل تعود إليها في الأحوال كافة، خصوصاً في الدول التي استعمرتها سابقاً.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».