نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

لغة واحدة تخرج من نطاق الاستخدام كل أسبوعين

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض
TT

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

اللغة هي العدسة التي نتعرف بها على الآخر والعنصر الأساس في تكوين أفكارنا، ليس من صياغتها من كلمات ورموز فحسب، بل أيضاً من أنها نسق يضم الكلمات والرموز والمعاني مختلطة بالمشاعر والتصورات والقصد، فضلاً عن أبعادها التربوية والثقافية والحضارية. واللغة والفكر متلازمان، إذ يعتمد الفكر على اللغة في إنجاز مختلف العمليات الذهنية، خصوصاً تلك ذات المستويات العليا في التعقيد. فكلما كان تمكن المتعلم من اللغة راسخاً كانت هذه العمليات أسهل عليه.
وفي غالب الأمر، اللغة تولد الهوية، فالعلاقة بين اللغة والهوية تُعَد إحدى أهم ركائز المجتمع وتتجلى بوضوح في الوظائف التي تنجزها اللغة في إطار التعبير عن الهوية واستمرار حيويتها، باعتبارها وعاءً للفكر وأداة للتفكير، إضافة إلى كونها وسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، وعنوان هوية الفرد والمجتمع.
ولقد أوضح الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا هذا المفهوم بقوله: «لو تحدثت إلى شخص بلغة يفهمها، يدخل حديثك رأسه. لكن لو تكلمت إليه بلغته، يدخل حديثك قلبه». فالكلمات إذاً أحجار لبناء المشاعر الأساسية. وفي ثقافاتنا، صنع البشر بهذه الأحجار مداميك المباني والمعاني اللغوية على مدى آلاف السنين. ويتبدل التعبير اللغوي بتبدل بيئاته والتصورات الذهنية عند الأفراد الذين يتشاركون لغة محددة.
ولنأخذ تسميات الأشياء على سبيل المثال... بعض اللغات ينجح في تمييز لونٍ يتدرج بين الأزرق والأخضر، في حين تعجز لغات أخرى عن تمييزه لأسباب كثيرة، منها غياب هذا التدرج عن يومياتها أو لقلة جدوى هذا التمييز، كأن نجد أن لكلمة «ثلج» عند العرب صورة ذهنية واحدة، أما عند شعب الإسكيمو، فتصويراته وفيرة. والعكس صحيح حين نتحدث عن «الجمل»، حيث لكل شكل من أشكاله عند العرب اسم خاص به يمثله.
لغات كثيرة باتت تختفي حالياً بوتيرة متسارعة تبعث على القلق. ووفق تقديرات الباحثين، فإن نصف سكان العالم يتحدثون 50 لغة من الـ7 آلاف لغة الموجودة في العالم، والنصف الآخر يتحدث البقية، أي 6050 لغة. ومنذ سنوات، أصدرت منظمة اليونيسكو «أطلس لغات العالم» التي تواجه خطر الاندثار. والقاسم المشترك بين كثير من اللغات المهددة بالانقراض هو أنه ليس لها أبجدية مكتوبة، أي أنها لغات محكية.
إن انقراض أي لغة يعني خسارة ثقافية لا تعوض. بمعنى آخر، فناء عالم خاص بأكمله له تقاليده وثقافته وناسه، عالم كامل تطويه صفحات التاريخ من دون أثر يدل عليه.
نصف اللغات المندثرة لم تكن مكتوبة، فتعلَن وفاتها بوفاة آخر الأشخاص المتحدثين بها، واختفاؤها لا يترك قاموساً أو نصاً أو سجلاً لنبشها ومحاولة استعادتها، أي أن مصيرها الاختفاء.
في أستراليا، على سبيل المثال، رصد الباحثون 3 أشخاص فقط يتحدثون لغة «ماغاتي كي» عند الحدود الشمالية للبلاد، وشخصاً واحداً يتحدث لغة «أمور داغ» التي أعلن وفاتها بعدما قضى، و3 آخرين يتحدثون لغة «ياوورو» في الغرب.
وتعرفوا على شخص وحيد يتحدث لغة «سيليتز دي ني» التي كان يستخدمها السكان الأصليون المقيمون في محمية سيلتز في ولاية أوريغون الأميركية.
وقد أثبتت الدراسات أن ثمة 5 مناطق تختفي فيها اللغات بسرعة، هي شمال أستراليا 153 لغة، أميركا الوسطي والجنوبية 113 لغة، في كل من الإكوادور وكولومبيا والبرازيل وبوليفيا. وفي شمال المحيط الهادي 54 لغة، بما فيها كولومبيا البريطانية في كندا. وفي شرق سيبيريا والصين واليابان 23 لغة. وفي جنوب غربي الولايات المتحدة، تقطن مجموعات من السكان الأصليين يتحدثون لغات كثيرة تصل إلى 383 لغة، عددها يتضاءل باستمرار.
وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فإن بعض اللغات قد تنقرض حالاً خلال أيام. فعلى سبيل المثال، لغة (تاوشيرو TAUSHIRO) للسكان الأصليين في بيرو لم يبقَ ينطق بها سوى شخص واحد. وكذلك لغة (كايخانا KAIXANA)، وهي لغة إحدى قبائل الأمازون في البرازيل، ستنقرض هي الأخرى برحيل الشخصين الوحيدين اللذين يتحدثان بها.
ويستمر موت اللغات في كل الأصقاع؛ كانت لغة (ليميريغ LEMERIG) منتشرة في جزيرة فانواتو بالجزء الجنوبي للمحيط الهادي، ولغة (تانيما TANEMA) في جزر سليمان بالمحيط الهادي، ولغة (أنجيريب NJEREP)، ولغة ألبانتويد في نيجيريا، ينطق بكل منها 4 أشخاص من كبار السن. ولغة (ليكي LIKI) يتحدثها 5 أشخاص في إحدى جزر إندونيسيا. ولغة (أونغوتا ONGOTA) يتحدثها 6 أشخاص من قبيلة تعيش بقرية صغيرة على الضفة الغربية لنهر ويتو في إثيوبيا. ولغة (دومي DUMI) يتحدثها 8 أشخاص في إحدى المناطق الجبلية النائية بمنطقة خوتانغ في نيبال.
ثمة من يظن أن تسليط الضوء على المكونات اللغوية غير العربية التي اندثرت أو ما زالت متداولة في الوطن العربي يُعَد تهديداً للهوية العربية، في حين أن التنوع اللغوي والثقافي، في الحقيقة، هو مصدر ثراء معرفي وغنى جمالي. وقد رأينا أن بعض الدول والمجتمعات التي تحتضن تعددية ثقافية بقيت متماسكة وقوية، وتلك التعددية عززت في السكان الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
هناك ما يصل إلى 420 مليون شخص حول العالم يتحدثون اللغة العربية. وهي اليوم من أهم 5 لغات في الكوكب، لكن ما يجب أن يشار له اليوم هو شقيقات اللغة العربية في النسب والمكان.
إن اللغات القديمة للجزيرة العربية تساعد على معرفة الماضي وفهم الحاضر، وتفيد في المستقبل. ومن المهم إعادة إحيائها من خلال تعلمها وفهم أبعادها الإنسانية. وكما نعرف، فإن الجزيرة العربية كانت مهداً لكثير من الحضارات العريقة التي توالت عبر العصور. وليس هناك نظام كتابي لأغلب هذه اللغات، فهي في الأغلب لغات شفهية لها لهجات متعددة تحمل سماتٍ صوتية ونحوية وصرفية ودلالية مختلف بعضها قليلاً عن بعض. وتختلف هذه اللغات حالياً عن العربية الفصحى في كثير من الجوانب، لكنها تشترك معها في الأصل، فجميعها لغات سامية تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية.
وتبقى المَهَرية أكثر هذه اللغات حظاً بالنسبة إلى عدد متحدثيها، الذي يصل اليوم إلى 300 ألف، وإن ظلت تُعد من اللغات المهددة بالانقراض. وهي منتشرة بين قبائل في شرق اليمن، وعُمان، والكويت، والإمارات، والسعودية، وتحديداً في خرخير بالربع الخالي ومناطق متفرقة من شرورة ونجران والمنطقة الشرقية. ويعتقد بعض اللغويين أنها متطورة أو منبثقة من اللغات العربية الجنوبية القديمة أو لغة عاد.
وهناك أيضا اللغة الشحرية أو الجبالية، ويتحدث بها حوالي 150 نسمة. وهي تعتبر لغة رسمية في إقليم ظفار، إلا أنها غير مكتوبة ولم تدخل الإعلام ولا التعليم. ويتحدث باللغة البطحرية سكان منطقة ساحلية صغيرة بشرق ظفار، ولا يزيد عدد المتحدثين بها عن 100 متحدث. فالبطحرية لم يعُدْ يتحدث بها الأصغر سناً، وهي من اللغات المهددة بالانقراض، لأن الناطقين بهذه اللغة يتحولون مع مرور الوقت إلى الناطقين باللغات المحيطة بهم كالمهرية والجبالية. أما اللغة الحرسوسية، وهي لغة قريبة جداً من المهرية، فهي تستخدم في جدة الحراسيس في مقاطعة ظفار وسط عُمان، وقد لا يتعدى عدد متحدثيها 2000 تقريباً. ولا بد أن نذكر هنا أن المهرية أثرت في هذه اللغات المتقهقرة، وباتت الأجيال الجديدة من هذه القبائل تتحدث المهرية. وأحياناً يظهر أهل هذه اللغة في إحصاءات اللغة المهرية. أما اللغة الهبيوتية فلا يصل عدد المتحدثين بها إلى 1000 نسمة، وينتشرون عند الحدود اليمنية العمانية.
يهتم الباحثون وعلماء بالحفاظ على تنوع العالم البيولوجي، ويشددون على إيلاء اهتمام أكبر بالحفاظ على اللغات المهددة بالانقراض، خاصة أن أحدث تقارير اليونيسكو أشارت إلى أن نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم، والبالغ عددها 7 آلاف لغة، بات مهدداً بالانقراض. ويُرجح اختفاؤها خلال القرن الحالي. ويتحدث 80 في المائة من سكان العالم 83 لغة، و20 في المائة فقط يتبادلون لغات نادرة، يصل عددها إلى 3500 لغة. والمثير الذي حذر منه التقرير أن لغة واحدة تختفي كل أسبوعين تقريباً، بعد خروجها من نطاق الاستخدام.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«البيتلز» يعيدون إحياء صورة «آبي رود» الشهيرة في فيلم سينمائي جديد

«البيتلز» يعيدون إحياء صورة «آبي رود» الشهيرة في فيلم سينمائي جديد
TT

«البيتلز» يعيدون إحياء صورة «آبي رود» الشهيرة في فيلم سينمائي جديد

«البيتلز» يعيدون إحياء صورة «آبي رود» الشهيرة في فيلم سينمائي جديد

بعد نحو عشرة أشهر من التصوير، وصل الفيلم السينمائي المرتقب عن فرقة «البيتلز» إلى واحد من أكثر الأماكن ارتباطاً بتاريخها، شارع «آبي رود» في لندن. وهناك، أعاد أبطال الفيلم تمثيل واحدة من أشهر الصور في تاريخ الموسيقى، في مشهد يعيد إلى الأذهان غلاف الألبوم الذي حمل اسم الشارع وأصبح، مع مرور الزمن، جزءاً من الذاكرة الثقافية العالمية.

وأظهرت لقطات من كواليس التصوير، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الممثلين الأربعة الذين يؤدون شخصيات أعضاء الفرقة وهم يعبرون ممر المشاة الشهير أمام استوديوهات «آبي رود». وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وتقدم هاريس ديكنسون، الذي يجسد شخصية جون لينون، فيما تبعه باري كيوغان في دور رينغو ستار، ثم بول ميسكال في شخصية بول مكارتني، وجوزيف كوين مجسداً جورج هاريسون.

ولم يكتفِ صناع الفيلم بإعادة المشهد نفسه، بل حرصوا على الاقتراب من تفاصيل الصورة الأصلية إلى أقصى حد ممكن. فقد ارتدى الممثلون أزياء مستوحاة من ملابس أعضاء «البيتلز» في تلك الفترة، بما في ذلك البدلات الشهيرة التي صممها تومي ناتر، إلى جانب تسريحات الشعر والشوارب واللحى التي ميزت مظهر الفرقة آنذاك.

أربعة أفلام... وأربع روايات

المشروع جزء من مغامرة سينمائية ضخمة يتولى إخراجها المخرج البريطاني سام مينديز، المعروف بأفلام من بينها «سكاي فول». ويتكون العمل من أربعة أفلام منفصلة ومترابطة، يروي كل منها قصة «البيتلز» من وجهة نظر أحد أعضائها الأربعة. وفقاً لموقع «يو إس إيه توداي».

ويؤدي ميسكال شخصية مكارتني، وكيوغان شخصية ستار، وديكنسون شخصية لينون، فيما يجسد كوين شخصية هاريسون. ومن المقرر عرض الأفلام في دور السينما خلال أبريل (نيسان) 2028، وإن لم يتضح بعد ما إذا كانت ستطرح في عطلة نهاية أسبوع واحدة، أم تباعاً على مدى أربعة أسابيع.

«البيتلز» يعيدون إحياء صورة «آبي رود» الشهيرة في فيلم سينمائي جديد (أ.ب)

وكان مينديز قد أعلن المشروع في فبراير (شباط) 2024، بعد الحصول على موافقة بول مكارتني ورينغو ستار، إلى جانب عائلتي لينون وهاريسون، من خلال شركة «آبل كوربس» المرتبطة بإرث الفرقة.

ويضم الفيلم مجموعة من النجوم، بينهم سيرشا رونان في دور ليندا مكارتني، وآنا ساواي في دور يوكو أونو، وإيمي لو وود في دور باتي بويد، زوجة جورج هاريسون، إلى جانب جيمس نورتون في دور مدير أعمال الفرقة الراحل برايان إبستين، ولوسي بوينتون في دور جين آشر.

توقيع «البيتلز» (مزاد داوسونز)

ست صور غيرت تاريخ الموسيقى

تحمل إعادة تصوير مشهد «آبي رود» دلالة خاصة، فالصورة الأصلية التقطت في 8 أغسطس (آب) 1969 على ممر المشاة القريب من استوديوهات الفرقة في لندن.

في ذلك اليوم، وضع المصور إيان ماكميلان سلماً في منتصف الطريق، والتقط ست صور فقط لأعضاء «البيتلز» أثناء عبورهم الشارع. وبعد دقائق قليلة، كانت الصورة التي ستصبح لاحقاً واحدة من أشهر أغلفة الألبومات في تاريخ الموسيقى قد التُقطت.

واللافت أن غلاف «آبي رود» كان يمكن أن يكون مختلفاً تماماً. فقد طرحت في البداية فكرة سفر الفرقة إلى نيبال لالتقاط صورة الغلاف، كما حمل الألبوم في مرحلة مبكرة اسم «إيفرست»، نسبة إلى علامة السجائر التي كان يدخنها مهندس التسجيل جيف إيمريك.

لكن «البيتلز» اختارت في النهاية حلاً أكثر بساطة؛ الخروج من الاستوديو، وعبور الشارع، والتقاط صورة تبدو للوهلة الأولى عادية جداً. غير أن تلك اللحظة البسيطة تحولت إلى واحدة من أكثر الصور شهرة في تاريخ الموسيقى.

لوحة جدارية تصور أعضاء فرقة الروك البريطانية «البيتلز» في مدينتهم ليفربول (أ.ف.ب)

شارع أصبح جزءاً من إرث الفرقة

سجلت «البيتلز» معظم أغاني «آبي رود» خلال صيف 1969، وكان الألبوم قبل الأخير في مسيرتها الاستوديوية. وضم مجموعة من أشهر أعمال الفرقة، بينها «Come Together» و«Something» و«Here Comes the Sun» و«Octopus's Garden» و«Because».

أما صورة الغلاف، فلم تبقَ مجرد صورة لألبوم موسيقي. فقد تحولت مع مرور العقود إلى معلم ثقافي وسياحي، وأصبح ممر المشاة نفسه محطة شبه إلزامية لمحبي «البيتلز» من أنحاء العالم، حيث يحاول كثيرون إعادة المشهد والتقاط صورهم الخاصة وهم يعبرون الشارع بالطريقة ذاتها.

وبذلك، لم يعد المكان مجرد شارع في لندن، بل أصبح جزءاً من قصة الفرقة نفسها؛ مكاناً تختلط فيه الموسيقى بالذاكرة، وتلتقي فيه صورة التقطت قبل أكثر من نصف قرن بصور جديدة يلتقطها الزوار كل يوم.

«البيتلز» والسينما... قصة قديمة تتجدد

لا تأتي الأفلام الأربعة من فراغ، فالسينما رافقت «البيتلز» منذ السنوات الأولى لصعودها. وظهر أعضاء الفرقة بأنفسهم في خمسة أفلام بين عامي 1964 و1970، من بينها «A Hard Day's Night» و«Yellow Submarine».

وفي العقود التالية، تناولت أعمال سينمائية مختلفة مراحل من حياتهم، من بينها فيلم «Backbeat» عام 1994، الذي ركز على علاقة جون لينون بستيوارت ساتكليف في السنوات التي سبقت تحول الفرقة إلى ظاهرة عالمية، وفيلم «Nowhere Boy» عام 2009، الذي تناول سنوات لينون الأولى.

لكن مشروع مينديز يحاول الذهاب أبعد من السيرة التقليدية لفرقة موسيقية، من خلال رواية القصة نفسها أربع مرات، كل مرة من منظور عضو مختلف. ويرى المخرج أن مشاهدة الأفلام الأربعة في فترة متقاربة ستمنح الجمهور تجربة مختلفة، وتسمح برؤية الفرقة وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض من زوايا متعددة.

ومع استمرار التصوير خلال عام 2026، تبدو إعادة مشهد «آبي رود» واحدة من أكثر لحظات المشروع رمزية حتى الآن. فبعد أكثر من نصف قرن على عبور لينون ومكارتني وهاريسون وستار ذلك الشارع، عاد أربعة ممثلين إلى المكان نفسه، بالملابس والهيئة التي تحاكي مظهرهم، ليعيدوا عبوراً لم يستغرق سوى دقائق عام 1969، لكنه بقي حاضراً في ذاكرة الموسيقى حتى اليوم.


مصر لتسوية مديونيات «ماسبيرو» المتراكمة

«ماسبيرو» يتجه للتطوير بدعم الدولة (الهيئة الوطنية للإعلام)
«ماسبيرو» يتجه للتطوير بدعم الدولة (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

مصر لتسوية مديونيات «ماسبيرو» المتراكمة

«ماسبيرو» يتجه للتطوير بدعم الدولة (الهيئة الوطنية للإعلام)
«ماسبيرو» يتجه للتطوير بدعم الدولة (الهيئة الوطنية للإعلام)

في إطار دعم تطوير التلفزيون الرسمي المصري، بحث وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، آليات تسوية مديونيات «ماسبيرو» المتراكمة، وفض التشابكات المالية؛ حيث أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، في بيان رسمي، أن هذا الإجراء هو خطوة جديدة لتعزيز «الملاءة المالية» لبنك الاستثمار القومي، وذلك في إطار جهود الدولة المستمرة للإصلاح المالي والمؤسسي.

وحسب بيان الوزارة، الثلاثاء، عقد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، اجتماعاً مع أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام لبحث الجهود المشتركة لفض التشابكات المالية، وتسوية المديونيات التاريخية المستحقة لبنك الاستثمار القومي لدى الهيئة.

وأوضح البيان أن الاجتماع يأتي في ضوء توجيهات القيادة السياسية بسرعة إنهاء التشابكات بين بنك الاستثمار والهيئة الوطنية للإعلام، والمتابعة الدقيقة من جانب الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري لجميع الإجراءات الخاصة بهذا الملف، ودعم خطط التطوير الشاملة للهيئة.

بحث تسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام (وزارة التخطيط)

وعن رأيه في جهود الدولة لتسوية مديونيات «ماسبيرو»، أشار أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، الدكتور محمود خليل، إلى أن «الاهتمام بالوسائط الخاصة أدى إلى حرمان المنصات الرسمية من محتوى فني ورياضي، كان أكثر جذباً للجمهور والمعلنين على حد سواء».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «حرمان (ماسبيرو) سنوات طويلة من المحتوى الجاذب، أدى لعدم تحقيق عائد جيد يساعد على تنفيذ التطوير، إلى جانب تأمين المستحقات المالية للعاملين، مما أدى إلى تراكم الديون»، لافتاً إلى أن «عدم استقلالية المنتج الإعلامي المقدَّم عبر الشاشات الرسمية، وحرمانه من أنواع معينة من المحتوى الأكثر مشاهدة، أثَّر عليه بشكل بارز».

وتساءل أستاذ الإعلام عن المقصود بتسوية مديونيات بنك الاستثمار القومي: «وهل تعني إلغاء الديون، أم إعادة جدولتها؟» كما أكد أن استقلالية «ماسبيرو»، إلى جانب الاهتمام بالمحتوى الثقافي والتعليمي والإخباري، وعودة المحتوي الحصري في الدراما والرياضة بشكل خاص، سيساهم فعلياً في عودته لسابق مجده وجماهيريته.

ووفق البيان الرسمي، أكد الدكتور أحمد رستم، أن ملف تسوية المديونيات التاريخية لبنك الاستثمار القومي يشهد تقدماً غير مسبوق؛ مشيراً إلى أن إنهاء هذه الملفات العالقة ينعكس بشكل مباشر على تقوية الملاءة المالية لبنك الاستثمار القومي، ويأتي ضمن خطة إعادة هيكلة شاملة، تهدف إلى تعظيم العائد على أصوله، وتمكينه من أداء دوره الاستراتيجي، لكونه ذراعاً رئيسة للتمويل التنموي، ويدعم خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

وبدوره، عبَّر أحمد المسلماني عن تقديره لوزير التخطيط والتنمية الاقتصادية على الدعم المبذول في ملف التسويات، والتعاون الوثيق مع الهيئة، مؤكداً أن «هذه التحركات السريعة تعكس إرادة حكومية قوية وجادة لإنهاء المشكلات المتراكمة، مما يمهد الطريق لدفع جهود تطوير الهيئة الوطنية للإعلام، وتعظيم دورها ورسالتها الإعلامية والمؤسسية خلال المرحلة المقبلة».

في السياق ذاته، تُوِّجت جهود فض التشابكات المالية لبنك الاستثمار القومي مؤخراً بنجاحات أخرى؛ حيث شهد شهر يونيو (حزيران) الماضي توقيع اتفاقيتين لتسوية مديونيات تاريخية تعود لثمانينيات القرن الماضي، بقيمة تتجاوز 196 مليار جنيه، شملت الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، والهيئة الزراعية المصرية.


كيف ندرّب أدمغتنا على ألّا تغرق بالمشاعر السلبية؟

ما يؤلمنا لا يملك دائماً الكلمة الأخيرة (جامعة كيبيك)
ما يؤلمنا لا يملك دائماً الكلمة الأخيرة (جامعة كيبيك)
TT

كيف ندرّب أدمغتنا على ألّا تغرق بالمشاعر السلبية؟

ما يؤلمنا لا يملك دائماً الكلمة الأخيرة (جامعة كيبيك)
ما يؤلمنا لا يملك دائماً الكلمة الأخيرة (جامعة كيبيك)

كشفت دراسة أميركية أنّ تدريباً يستهدف تنظيم المشاعر يمكن أن يساعد طلاب الجامعات على التعامل بصورة أفضل مع الأحداث السلبية، ويخفّف الضيق النفسي المرتبط بها، كما يُحدث تغيرات في طريقة تواصل مناطق الدماغ بعضها بعضاً.

وأوضح باحثون من جامعة إلينوي في إربانا - شامبين أن برنامجاً قصيراً لتنظيم المشاعر ساعد الطلاب على التعامل بمرونة أكبر مع المواقف والذكريات السلبية، بدلاً من الاستجابة لها تلقائياً بالقلق أو التوتّر أو التركيز المفرط على جوانبها المزعجة. ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية «ساينتفك ريبورتس».

والضيق النفسي حالة من التوتّر والانزعاج العاطفي قد تنشأ استجابةً لمواقف صعبة أو ضغوط الحياة، وتظهر في صورة القلق والحزن والخوف والتوتّر وصعوبة التعامل مع الأحداث المزعجة. وقد يكون مؤقتاً وطبيعياً عند مواجهة ظروف ضاغطة، لكنه قد يصبح أكثر شدة إذا تراكمت الضغوط أو بدأ يؤثر في الحياة اليومية.

وخضع المشاركون للتدريب مرتين أسبوعياً مدة 5 أسابيع، مع تشجيعهم على تطبيق التقنيات التي تعلموها في حياتهم اليومية. وركز البرنامج على استراتيجيتين أساسيتين لتنظيم المشاعر.

الأولى هي توجيه الانتباه، وفيها يتعلّم الشخص تحويل تركيزه بعيداً عن العناصر الأكثر إثارة للمشاعر السلبية نحو تفاصيل محايدة في الموقف. فعند مشاهدة صورة لحادث مروري، مثلاً، يمكن توجيه الانتباه إلى الأشجار أو السيارات السليمة أو السماء، بدلاً من التركيز على الحادث نفسه. وتستند هذه الاستراتيجية إلى أنّ ما نختار التركيز عليه يمكن أن يؤثّر في شدة استجابتنا العاطفية.

أما الثانية فهي إعادة التقييم المعرفي، وتعني إعادة تفسير الموقف أو الذكرى المزعجة من زاوية مختلفة قد تجعلها أقل إثارة للضيق، من خلال البحث عن جوانب أخرى للموقف أو النظر إليه بطريقة أقل تهديداً.

وقبل التدريب وبعده، أجاب الطلاب عن استبانات لقياس المزاج والقلق المفرط وبعض العوارض المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة. كما خضع معظم أفراد مجموعة التدريب للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي خلال الراحة، لقياس ما يُعرف بـ«الاتصال الوظيفي في حالة الراحة»، وهو مؤشر على كيفية تواصل مناطق الدماغ تلقائياً بعضها بعضاً.

وأظهرت النتائج، إلى جانب بيانات تتبع حركة العين، أنّ المشاركين أصبحوا أكثر اعتماداً على توجيه الانتباه، بينما تراجع اعتمادهم على إعادة التقييم المعرفي. وبعد انتهاء التدريب، أبلغ الطلاب عن مستويات أقل من الضيق النفسي عند مشاهدة صور سلبية أو استحضار أحداث صعبة من حياتهم، مقارنةً بما كانوا يشعرون به قبل التدريب وبالمشاركين في مجموعة المراقبة.

وأظهرت بيانات تتبع العين أيضاً أنّ الطلاب أمضوا وقتاً أقل في النظر إلى المناطق المشحونة عاطفياً في الصور، حتى عندما لم يُطلب منهم توجيه انتباههم بعيداً عنها.

كما أظهرت فحوص الدماغ تغيّرات في طريقة تواصل شبكات مختلفة، مع زيادة الاعتماد على ما يُعرف بـ«المعالجة من أعلى إلى أسفل»، التي تساعد الإنسان على توجيه انتباهه واستجاباته بصورة مقصودة وفقاً لأهدافه، مقارنة بـ«المعالجة من أسفل إلى أعلى».

ووفق الباحثين، تشير النتائج إلى أنّ المرونة النفسية ليست بالضرورة سمة ثابتة، بل يمكن تطويرها من خلال التدريب، إذ ظهرت آثاره على مستوى السلوك وطريقة عمل الدماغ.

ولا تعني المرونة النفسية تجنّب المشاعر السلبية أو محاولة الشعور بالإيجابية طوال الوقت، وإنما تطوير القدرة على الاستجابة للمشاعر بطرق أكثر مرونة تتناسب مع الموقف.