نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

لغة واحدة تخرج من نطاق الاستخدام كل أسبوعين

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض
TT

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

اللغة هي العدسة التي نتعرف بها على الآخر والعنصر الأساس في تكوين أفكارنا، ليس من صياغتها من كلمات ورموز فحسب، بل أيضاً من أنها نسق يضم الكلمات والرموز والمعاني مختلطة بالمشاعر والتصورات والقصد، فضلاً عن أبعادها التربوية والثقافية والحضارية. واللغة والفكر متلازمان، إذ يعتمد الفكر على اللغة في إنجاز مختلف العمليات الذهنية، خصوصاً تلك ذات المستويات العليا في التعقيد. فكلما كان تمكن المتعلم من اللغة راسخاً كانت هذه العمليات أسهل عليه.
وفي غالب الأمر، اللغة تولد الهوية، فالعلاقة بين اللغة والهوية تُعَد إحدى أهم ركائز المجتمع وتتجلى بوضوح في الوظائف التي تنجزها اللغة في إطار التعبير عن الهوية واستمرار حيويتها، باعتبارها وعاءً للفكر وأداة للتفكير، إضافة إلى كونها وسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، وعنوان هوية الفرد والمجتمع.
ولقد أوضح الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا هذا المفهوم بقوله: «لو تحدثت إلى شخص بلغة يفهمها، يدخل حديثك رأسه. لكن لو تكلمت إليه بلغته، يدخل حديثك قلبه». فالكلمات إذاً أحجار لبناء المشاعر الأساسية. وفي ثقافاتنا، صنع البشر بهذه الأحجار مداميك المباني والمعاني اللغوية على مدى آلاف السنين. ويتبدل التعبير اللغوي بتبدل بيئاته والتصورات الذهنية عند الأفراد الذين يتشاركون لغة محددة.
ولنأخذ تسميات الأشياء على سبيل المثال... بعض اللغات ينجح في تمييز لونٍ يتدرج بين الأزرق والأخضر، في حين تعجز لغات أخرى عن تمييزه لأسباب كثيرة، منها غياب هذا التدرج عن يومياتها أو لقلة جدوى هذا التمييز، كأن نجد أن لكلمة «ثلج» عند العرب صورة ذهنية واحدة، أما عند شعب الإسكيمو، فتصويراته وفيرة. والعكس صحيح حين نتحدث عن «الجمل»، حيث لكل شكل من أشكاله عند العرب اسم خاص به يمثله.
لغات كثيرة باتت تختفي حالياً بوتيرة متسارعة تبعث على القلق. ووفق تقديرات الباحثين، فإن نصف سكان العالم يتحدثون 50 لغة من الـ7 آلاف لغة الموجودة في العالم، والنصف الآخر يتحدث البقية، أي 6050 لغة. ومنذ سنوات، أصدرت منظمة اليونيسكو «أطلس لغات العالم» التي تواجه خطر الاندثار. والقاسم المشترك بين كثير من اللغات المهددة بالانقراض هو أنه ليس لها أبجدية مكتوبة، أي أنها لغات محكية.
إن انقراض أي لغة يعني خسارة ثقافية لا تعوض. بمعنى آخر، فناء عالم خاص بأكمله له تقاليده وثقافته وناسه، عالم كامل تطويه صفحات التاريخ من دون أثر يدل عليه.
نصف اللغات المندثرة لم تكن مكتوبة، فتعلَن وفاتها بوفاة آخر الأشخاص المتحدثين بها، واختفاؤها لا يترك قاموساً أو نصاً أو سجلاً لنبشها ومحاولة استعادتها، أي أن مصيرها الاختفاء.
في أستراليا، على سبيل المثال، رصد الباحثون 3 أشخاص فقط يتحدثون لغة «ماغاتي كي» عند الحدود الشمالية للبلاد، وشخصاً واحداً يتحدث لغة «أمور داغ» التي أعلن وفاتها بعدما قضى، و3 آخرين يتحدثون لغة «ياوورو» في الغرب.
وتعرفوا على شخص وحيد يتحدث لغة «سيليتز دي ني» التي كان يستخدمها السكان الأصليون المقيمون في محمية سيلتز في ولاية أوريغون الأميركية.
وقد أثبتت الدراسات أن ثمة 5 مناطق تختفي فيها اللغات بسرعة، هي شمال أستراليا 153 لغة، أميركا الوسطي والجنوبية 113 لغة، في كل من الإكوادور وكولومبيا والبرازيل وبوليفيا. وفي شمال المحيط الهادي 54 لغة، بما فيها كولومبيا البريطانية في كندا. وفي شرق سيبيريا والصين واليابان 23 لغة. وفي جنوب غربي الولايات المتحدة، تقطن مجموعات من السكان الأصليين يتحدثون لغات كثيرة تصل إلى 383 لغة، عددها يتضاءل باستمرار.
وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فإن بعض اللغات قد تنقرض حالاً خلال أيام. فعلى سبيل المثال، لغة (تاوشيرو TAUSHIRO) للسكان الأصليين في بيرو لم يبقَ ينطق بها سوى شخص واحد. وكذلك لغة (كايخانا KAIXANA)، وهي لغة إحدى قبائل الأمازون في البرازيل، ستنقرض هي الأخرى برحيل الشخصين الوحيدين اللذين يتحدثان بها.
ويستمر موت اللغات في كل الأصقاع؛ كانت لغة (ليميريغ LEMERIG) منتشرة في جزيرة فانواتو بالجزء الجنوبي للمحيط الهادي، ولغة (تانيما TANEMA) في جزر سليمان بالمحيط الهادي، ولغة (أنجيريب NJEREP)، ولغة ألبانتويد في نيجيريا، ينطق بكل منها 4 أشخاص من كبار السن. ولغة (ليكي LIKI) يتحدثها 5 أشخاص في إحدى جزر إندونيسيا. ولغة (أونغوتا ONGOTA) يتحدثها 6 أشخاص من قبيلة تعيش بقرية صغيرة على الضفة الغربية لنهر ويتو في إثيوبيا. ولغة (دومي DUMI) يتحدثها 8 أشخاص في إحدى المناطق الجبلية النائية بمنطقة خوتانغ في نيبال.
ثمة من يظن أن تسليط الضوء على المكونات اللغوية غير العربية التي اندثرت أو ما زالت متداولة في الوطن العربي يُعَد تهديداً للهوية العربية، في حين أن التنوع اللغوي والثقافي، في الحقيقة، هو مصدر ثراء معرفي وغنى جمالي. وقد رأينا أن بعض الدول والمجتمعات التي تحتضن تعددية ثقافية بقيت متماسكة وقوية، وتلك التعددية عززت في السكان الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
هناك ما يصل إلى 420 مليون شخص حول العالم يتحدثون اللغة العربية. وهي اليوم من أهم 5 لغات في الكوكب، لكن ما يجب أن يشار له اليوم هو شقيقات اللغة العربية في النسب والمكان.
إن اللغات القديمة للجزيرة العربية تساعد على معرفة الماضي وفهم الحاضر، وتفيد في المستقبل. ومن المهم إعادة إحيائها من خلال تعلمها وفهم أبعادها الإنسانية. وكما نعرف، فإن الجزيرة العربية كانت مهداً لكثير من الحضارات العريقة التي توالت عبر العصور. وليس هناك نظام كتابي لأغلب هذه اللغات، فهي في الأغلب لغات شفهية لها لهجات متعددة تحمل سماتٍ صوتية ونحوية وصرفية ودلالية مختلف بعضها قليلاً عن بعض. وتختلف هذه اللغات حالياً عن العربية الفصحى في كثير من الجوانب، لكنها تشترك معها في الأصل، فجميعها لغات سامية تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية.
وتبقى المَهَرية أكثر هذه اللغات حظاً بالنسبة إلى عدد متحدثيها، الذي يصل اليوم إلى 300 ألف، وإن ظلت تُعد من اللغات المهددة بالانقراض. وهي منتشرة بين قبائل في شرق اليمن، وعُمان، والكويت، والإمارات، والسعودية، وتحديداً في خرخير بالربع الخالي ومناطق متفرقة من شرورة ونجران والمنطقة الشرقية. ويعتقد بعض اللغويين أنها متطورة أو منبثقة من اللغات العربية الجنوبية القديمة أو لغة عاد.
وهناك أيضا اللغة الشحرية أو الجبالية، ويتحدث بها حوالي 150 نسمة. وهي تعتبر لغة رسمية في إقليم ظفار، إلا أنها غير مكتوبة ولم تدخل الإعلام ولا التعليم. ويتحدث باللغة البطحرية سكان منطقة ساحلية صغيرة بشرق ظفار، ولا يزيد عدد المتحدثين بها عن 100 متحدث. فالبطحرية لم يعُدْ يتحدث بها الأصغر سناً، وهي من اللغات المهددة بالانقراض، لأن الناطقين بهذه اللغة يتحولون مع مرور الوقت إلى الناطقين باللغات المحيطة بهم كالمهرية والجبالية. أما اللغة الحرسوسية، وهي لغة قريبة جداً من المهرية، فهي تستخدم في جدة الحراسيس في مقاطعة ظفار وسط عُمان، وقد لا يتعدى عدد متحدثيها 2000 تقريباً. ولا بد أن نذكر هنا أن المهرية أثرت في هذه اللغات المتقهقرة، وباتت الأجيال الجديدة من هذه القبائل تتحدث المهرية. وأحياناً يظهر أهل هذه اللغة في إحصاءات اللغة المهرية. أما اللغة الهبيوتية فلا يصل عدد المتحدثين بها إلى 1000 نسمة، وينتشرون عند الحدود اليمنية العمانية.
يهتم الباحثون وعلماء بالحفاظ على تنوع العالم البيولوجي، ويشددون على إيلاء اهتمام أكبر بالحفاظ على اللغات المهددة بالانقراض، خاصة أن أحدث تقارير اليونيسكو أشارت إلى أن نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم، والبالغ عددها 7 آلاف لغة، بات مهدداً بالانقراض. ويُرجح اختفاؤها خلال القرن الحالي. ويتحدث 80 في المائة من سكان العالم 83 لغة، و20 في المائة فقط يتبادلون لغات نادرة، يصل عددها إلى 3500 لغة. والمثير الذي حذر منه التقرير أن لغة واحدة تختفي كل أسبوعين تقريباً، بعد خروجها من نطاق الاستخدام.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

باسم كريستو يستعد لعودة «رقص النجوم» بعد غياب 7 سنوات

المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
TT

باسم كريستو يستعد لعودة «رقص النجوم» بعد غياب 7 سنوات

المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)
المخرج اللبناني باسم كريستو (إنستغرام)

بعد إخراجه حفل أصالة في دمشق، يستعدُّ المخرج اللبناني باسم كريستو لموسم جديد من برنامج «رقص النجوم» على شاشة «إم تي في». ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربته الأولى في العاصمة السورية، والتحضيرات لعودة البرنامج الذي يصفه بأنه من أكثر الأعمال التي يستمتع بإخراجها.

حمل حفل أصالة، الذي أُقيم تحت عنوان «عودة الأصالة» بحضور أكثر من 5 آلاف شخص، أهمية خاصة لكريستو؛ إذ عادت فيه الفنانة السورية للغناء في وطنها بعد غياب تجاوز 15 عاماً. ويقول إنه شعر بمسؤولية كبيرة تجاه إخراجه، خصوصاً أن الحفل شكّل حدثاً فنياً واجتماعياً وسياسياً.

وكانت هذه تجربته الأولى في دمشق، بعدما أخرج حفلات وبرامج في الرياض والكويت ودول أخرى في الخليج، إلى جانب لبنان ومصر. ويقول: «في كل مرة أجلس وراء الكاميرا الخاصة بي، مهما كان نوع العمل الذي أخرجه، أشعر برهبة الموقف وكأنني بدأت مسيرتي للتو. عادةً ما أضع في تفكيري إمكانية فشلي، وهو ما يحضّني على بذل جهد أكبر».

حفل «عودة الأصالة» كان بمنزلة جائزة تقديرية له (إنستغرام)

ويصف مشهد حفل أصالة بأنه كان «مبهراً وضخماً»، مشيراً إلى أنه تابع تفاصيل العمل بدقة، من الإضاءة والديكور إلى التصاميم الغرافيكية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويضيف أن فريق العمل ضمّ لبنانيين وسوريين، وأن شوق الجمهور لرؤية أصالة كان واضحاً. ويتابع: «لا شك في أن هناك محاذير ومشكلات صغيرة نواجهها، لكن المشاهد لا يشعر بها؛ فالمهمة لم تكن سهلة أبداً».

وعما حاول التركيز عليه في الحفل، يقول: «وعدت نفسي بنقل كل تفصيل صغير تشاهده عيني أمام الكاميرا. وتمسَّكت بضرورة أن يشعر الناس، وهم في بيوتهم، وكأنهم يحضرون أصالة شخصاً على المسرح. الأمر لم يكن بمنزلة نزهة، بل نتيجة تحضيرات كثيفة وحرفية. وربما أجمل ما لمسته في هذا الحفل هو الطاقة الإيجابية التي سادته منذ اللحظة الأولى».

ويتذكر كريستو تأثر أصالة والجمهور، منذ وصولها إلى سوريا وحتى مغادرتها. وينقل عنها قولها له بعد انتهاء الحفل: «كأني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه؛ فحتى اللحظة لا أصدّق أنني في وطني، وأنني أحييت حفلاً فيه بعد طول غياب».

وتعود علاقة العمل بين كريستو وأصالة، بحسب قوله، إلى الحلقة الأولى من برنامج «ترا تاتا»، إذ كانت أصالة ضيفته الأولى. ويشير إلى أن الثقة المتبادلة بينهما أتاحت لهما العمل معاً في مناسبات أخرى. ويعدّ إخراج حفل دمشق بمنزلة جائزة تقديرية له، موضحاً أن التعليقات الإيجابية التي تلقاها، حتى من أشخاص لا يعرفهم، منحته سعادة كبيرة.

ويربط كريستو عمله في عدد من البلدان العربية بالثقة التي نشأت بينه وبين القنوات وشركات الإنتاج على مرّ السنوات. ويقول إنه بدأ إخراج الحفلات والبرامج التلفزيونية خارج لبنان عام 1998.

موسم جديد من برنامج «رقص النجوم» في نوفمبر المقبل (إنستغرام)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يعود كريستو إلى إخراج «رقص النجوم» على شاشة «إم تي في» اللبنانية، بعد غياب البرنامج منذ عام 2019. ويقدّمه جيسيكا عازار وأنطوان سعادة، ويشارك فيه، هذا الموسم، الوزير السابق وليد فياض، والإعلامية دوللي غانم، والممثلون وسام فارس وميا علاوي وستيفاني عطا الله وناديا شربل، إلى جانب المؤثرتين يارا بو منصف وبيرت واكد، وملكة جمال لبنان السابقة ياسمين زيتون... وغيرهم.

ويقول كريستو: «إنه من البرامج الأكثر متعة بالنسبة إليَّ، وأنا متحمس كثيراً لانطلاقته في نوفمبر المقبل». وعن التغييرات المنتظرة في موسم يتبع صيغة برنامج عالمي، يوضح أن طريقته في إخراجه تطورت بفعل خبراته المتراكمة، وأنه بات يعتمد تقنيات تصوير أحدث وإيقاعاً أسرع في تقطيع المشاهد.

ويستعيد استخدامه كاميرا «غمبل» المحمولة باليد في البرنامج عام 2014، لتصوير المشتركين عن قرب في مقاطع تقوم على اللقطة الواحدة. ويرى أن التطور التقني ينعكس باستمرار على المشهد البصري، ويضيف أن غالبية مدربي الرقص في الموسم الجديد من الشباب الذين لم يسبق لهم الظهور على الشاشة الصغيرة، متوقعاً أن يمنح ذلك البرنامج طابعاً مختلفاً.

ويختم بالقول إن للمشتركين دوراً أساسياً في جذب المشاهدين، معرباً عن حماسته لعودة البرنامج بحلَّة جديدة.


مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

قررت وزارة الثقافة المصرية استئناف تنظيم المهرجانات السينمائية التي توقفت منذ فترة مع بدء العمل على حل أزماتها، وذلك في أول اجتماع للجنة العليا للمهرجانات التي أعاد تشكيلها الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة.

وكانت لجنة المهرجانات قد قررت تأجيل الدورة 42 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط بقرار صدر خلال تولي وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي بسبب «تراجع مستواه الفني وتأثيره وابتعاده عن رسالته، ووقوع أخطاء عدة لمستها اللجنة في دوراته الأخيرة»، فيما توقفت الدورة الـ27 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة لوقوع مشكلات إدارية وقانونية خلال دورته الـ26، فيما توقف المهرجان القومي للسينما منذ دورته الـ24 التي عقدت في يونيو (حزيران) 2022، وأعلن وزير الثقافة الأسبق الدكتور أحمد فؤاد هنو عن عودة المهرجان في يناير (كانون الثاني) 2025، وقام باختيار المنتج هشام سليمان رئيساً له، لكن القرار توقف مع مغادرة هنو الوزارة.

الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماعه مع لجنة المهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

وأعلن الوزير الدكتور عبد العزيز قنصوة عبر بيان صدر (الاثنين) عودة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط بتنظيم من وزارة الثقافة، مؤكداً أهميته في دعم صناعة السينما وتعزيز التواصل الثقافي والفني بين مصر ودول البحر المتوسط، وطالب القائم بأعمال وزارة الثقافة من اللجنة النوعية للسينما بتحديد موعد لعقد دورته القادمة، كما طالب بطرح عدد من الأسماء التي يمكن أن تتولى رئاسة المهرجان، تمهيداً لاستكمال الإجراءات الخاصة بتنظيم دورته الجديدة.

وأكد قنصوة أن من بين المهام الرئيسية للجنة العليا للمهرجانات تقييم أداء المهرجانات الثقافية وتقويمها والعمل على دعمها وتطويرها، بما يعزز دورها باعتبارها منصات إبداعية تسهم في اكتشاف المواهب ورعاية المبدعين وإثراء الحركة الفنية والثقافية.

وتداولت أخبار عن اختيار المنتج محمد حفظي الرئيس السابق لمهرجان القاهرة السينمائي، لرئاسة الدورة المقبلة لمهرجان الإسكندرية، لكن حفظي، وهو أحد أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات نفى ذلك، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذه شائعة ولم تُعرض علي رئاسة المهرجان بشكل رسمي، قد يكون قد ذكره البعض على أنه اسم مرشح، لكن الأمور لا تزال تُبحث»، وأضاف قائلاً: «لا أرى نفسي مناسباً لهذا الأمر، لكنني شخصياً أحب الإسكندرية، وأرى أنها تستحق مهرجاناً يليق بها عبر قيادة وإدارة مستقرة»، مؤكداً أنه «حتى لو أشرفت وزارة الثقافة على المهرجان لفترة، فليس شرطاً أن تستمر في هذه المهمة؛ لأن جمعية كتاب ونقاد السينما تحتاج إلى فترة انتقالية لترتيب أوراقها، وتعود لتديره».

الفنانة ليلى علوي حضرت الاجتماع بصفتها عضوة بلجنة المهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

وقال المخرج سعد هنداوي، عضو جمعية كتاب ونقاد السينما، إنه «ليس من دور وزارة الثقافة إقامة مهرجان الإسكندرية بالنيابة عن جمعية أهلية مُشهرة تتبع وزارة التضامن، وتقيم المهرجان منذ أكثر من 40 عاماً، بل إن مهمة الوزارة متابعة المهرجانات والتنسيق بينها، لكن أن يمتد دورها لتعيين رئيس للمهرجان هو ما نحتاج إلى توضيح مدى قانونية ذلك».

وعبّر هنداوي عن اندهاشه من موقف وزارة التضامن التي تتبعها الجمعية، والتي اتهمها بـ«تعطيل إجراءات تعيين لجنة مؤقتة لإدارة جمعية كتاب ونقاد السينما حتى موعد الانتخابات القادمة في مارس (آذار) 2027، حيث يتم انتخاب مجلس جديد».

وهو ما تخوفت منه أيضاً الناقدة ماجدة خير الله، التي أعربت عن قلقها من نقل إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائي إلى وزارة الثقافة، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «قيام وزارة الثقافة بوضع يدها على مهرجان الإسكندرية يثير الشك؛ لأن المهرجان أسسته جمعية أهلية لكتاب ونقاد السينما، وهي الأولى بإدارته كما كان يحدث دائماً».

في المقابل؛ أبدت الناقدة خيرية البشلاوي سعادتها بعودة المهرجانات التي توقفت وغابت لأسباب مختلفة، لأهمية الدور الذي تؤديه هذه المهرجانات في نشر الوعي والثقافة. وأعلنت خيرية البشلاوي، التي ترأست مهرجان الإسكندرية خلال دورته الـ25 عام 2009، تأييدها لتولي وزارة الثقافة تنظيم المهرجان كونه حدثاً ثقافياً مهماً، مؤكدة أن الوزارة ستكون حريصة على أن يكون مهرجاناً ناجحاً، وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «لقد جربنا الجمعيات، ولاحظنا وجود بعض المخالفات بها».


باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)
TT

باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون رومانية في ليبيا

 موقع «قصور الغليثة» الأثري  (رويترز)
موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

يسابق فريق من الباحثين والخبراء بهيئة آثار بنغازي الزمن لإنقاذ موقع «قصور الغليثة» الأثري غربي المدينة، عبر مبادرات ذاتية وجهود فردية، في ظل غياب للدعم المالي واللوجستي من الجهات الرسمية المعنية.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

تقع قصور الغليثة في منطقة تيكا، على بُعد نحو 15 كيلومتراً غرب بنغازي، ويضم الموقع حصوناً عسكرية فريدة تعود أصولها التاريخية إلى الفترة الرومانية، في القرن الثاني الميلادي تقريباً، حيث شُيدت خطوط دفاع وحصون عسكرية لحماية الأطراف الغربية لمدينة بنغازي القديمة، التي كانت تسمى تاريخياً «برنيق»، والمدن المجاورة من الهجمات والغارات العسكرية.

وتشير الاكتشافات الميدانية في الموقع كذلك إلى وجود بقايا لمعاصر زيتون وصهاريج مياه، مما يبرز دور الموقع كمركز إداري وزراعي كبير في ذلك العصر إلى جانب وظيفته العسكرية.

وتتركز الأعمال الميدانية الحالية على رفع الأتربة والأعشاب الضارة التي تتسبب في تآكل الحجارة، وتدعيم الجدران والأقواس الأثرية لحمايتها من عوامل التعرية والتآكل، إلى جانب التوثيق العلمي المستمر لتسجيل التغيرات الهيكلية للموقع.

موقع «قصور الغليثة» الأثري (رويترز)

وقال جلال العبيدي، الباحث الأثري بمراقبة آثار بنغازي: «نوجد اليوم في الموقع لإعادة ترميم وتأهيل (العقد المنهار) في الطابق الثاني، وهو جزء تعرض للانهيار منذ سبعينات أو ثمانينات القرن الماضي. إن إعادة ترميم هذا الصرح كانت حلماً يراودنا منذ عشرات السنين، ورغم قلة الإمكانات وعدم تلقينا أي دعم مالي أو لوجستي من مصلحة الآثار أو وزارة السياحة، فإننا ماضون في عملنا».

وأضاف أن الفريق أعد مقترح عمل دقيقاً يعتمد على الأسس العلمية لإعادة البناء، مشيراً إلى أن العمل «يتطلب دقة معمارية عالية في التعامل مع الحجارة الضخمة والأقواس المتداخلة، وهو ما يُعد تحدياً نادراً ما تجرؤ حتى البعثات الأجنبية على تنفيذ مثيله بمفردها، وفي ظل هذه الظروف».

وأكد العبيدي أن الخبراء مستمرون في تجميع الحجارة الأصلية وتنظيف الموقع للوصول إلى صيانة كاملة تُعيد للقصور رونقها، تمهيداً لتأهيلها لتكون واجهة سياحية ومقصداً لزوار مدينة بنغازي.

ويرى القائمون على المشروع أن استمرار أعمال الترميم يشكل «واجباً وطنياً» للحفاظ على الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري لشرق ليبيا، داعين إلى تضافر الجهود وتسليط الضوء على هذه المواقع لتوفير الموارد اللازمة لاستكمال أعمال الحماية قبل فوات الأوان.