الأزمات السياسية والاقتصادية تُفاقم «الاتجار بالأطفال» في أفريقيا

مسلحون من بينهم أطفال ينتمون إلى حركة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
مسلحون من بينهم أطفال ينتمون إلى حركة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
TT

الأزمات السياسية والاقتصادية تُفاقم «الاتجار بالأطفال» في أفريقيا

مسلحون من بينهم أطفال ينتمون إلى حركة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
مسلحون من بينهم أطفال ينتمون إلى حركة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)

أعادت محاكمة ثمانية كرواتيين في زامبيا الحديث حول تفاقم ظاهرة «تجارة الأطفال» في القارة الأفريقية، عبر وسائل متنوعة، بينها عمليات «التبني المشبوهة»، وتجنيد الأطفال في الجماعات المتطرفة، في ظل رصد لمنظمات دولية متخصصة في رواج تلك التجارة غير المشروعة، مع تنامي الصراعات السياسية وغياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية بغالبية دول القارة.
ويترقب في زامبيا، محاكمة أربعة أزواج كرواتيين، في الأول من مارس (آذار) المقبل بتهمة «الاتجار بالأطفال»، بعدما ألقت السلطات القبض عليهم في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبحوزتهم «وثائق زائفة» تقدموا بها لتبني أطفال من جمهورية الكونغو الديمقراطية. ورغم إخلاء سبيل المتهمين بكفالة في وقت لاحق، فإنه ينتظر مثولهم أمام المحكمة في الأول من مارس.
وتجري قرابة ربع عمليات الاتجار بالبشر على مستوى العالم داخل قارة أفريقيا، بحسب «مؤشر الرق العالمي»، الصادر عام 2018 عن مؤسسة «ووك فري» الحقوقية ومقرها أستراليا. ومن حيث الدول، فإن هذه الممارسات تنتشر بالدرجة الأكبر في إريتريا (شرق القارة)، بعدها بوروندي، ثم جمهورية أفريقيا الوسطى. وأكثر من نصف الضحايا سقطوا بسبب الديون.
فيما أشار التقرير العالمي الخامس حول الاتجار في الأشخاص، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، في فبراير (شباط) 2021 إلى أن الأطفال يشكلون أكثر من 75 في المائة من ضحايا الاتجار بمنطقة غرب أفريقيا.
وفي تشاد، يرى الباحث التشادي إبراهيم محمد صالح أن «الواقع الأمني الهش للدولة، وتقويض النظام القانوني سمحا بتفشي تلك الجرائم في شمال وشرق البلاد»، لافتاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المتضرر الأكبر في ذلك النساء والأطفال باعتبار كلاهما من الفئات الضعيفة».
وعلى غرار قضية الأطفال في زامبيا، أشار صالح إلى وقائع مشابهة في بلاده «منها ما حدث في مدينة أبشة عام 2007، عندما كانت هناك منظمة فرنسية وهمية تدعى (أرش دي زوي)، نشطت داخل المدينة باعتبارها منظمة خيرية تهتم بالأطفال، وتلقت أموالاً من أسر فرنسية بدعوى رغبتها في تبني أطفال... ونجحت حيلة المنظمة في أخذ 103 أطفال إلى مطار أبشة الدولي لنقلهم إلى فرنسا، إلا أنه افتضح أمر هؤلاء الأشخاص، وألقي القبض عليهم».
ورغم اعتزام تشاد محاكمتها آنذاك، فإن زيارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للبلاد، أفضت إلى الإفراج عن المتهمين الفرنسيين، بعد شهرين فقط، على أساس أن تجري محاكمتهم في فرنسا «رغم عدم وجود اتفاقية بهذا الصدد»، على حد قول الباحث التشادي.
وحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فإن مصطلح الاتجار بالبشر يشير إلى تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم بواسطة استعمال القوة أو الاحتيال أو أشكال الخداع الأخرى، لغرض الاستغلال. وينطوي الاتجار في الأطفال على صور متنوعة، منها عمالة الأطفال وتجنيد الأطفال في قوات مسلحة، وزواج الأطفال واستغلالهم في الدعارة. وأكد صالح أن «هذه الجريمة لا تزال تشغل بال المجتمع التشادي، خصوصاً البلدات القريبة من الحدود الليبية، التي انتعشت فيها تلك التجارة منذ سقوط نظام القذافي». ووفق تصريحات رسمية فإنه يجري استقدام الأطفال التشاديين واستغلالهم للتنقيب عن الذهب والتجنيد الإجباري، سواء من قبل المتمردين التشاديين الذين يتخذون من ليبيا معقلاً لهم، أو الأطراف الليبية المتصارعة على السلطة. وحذر مركز «الناتو الاستراتيجي لأفريقيا والشرق الأوسط»، في تقرير بعنوان «تجنيد الأطفال في المنظمات المتطرفة العنيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا»، صدر في ديسمبر الماضي، من «تفاقم هذه المشكلة جراء تصاعد الصراعات القائمة واشتعال أخرى جديدة».
ويشير الباحث الإثيوبي المعني بالشؤون الأفريقية عباس محمد عباس إلى كثير من العوامل التي ساعدت في انتشار ظاهرة الاتجار بالأطفال في أفريقيا، بينها «تزايد الصراعات السياسية وغياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية والنزوح والتشرد، جراء غياب الاستقرار، ما خلق بيئة مواتية للاتجار بالأطفال».
وتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإنه جرى عالمياً تجنيد أكثر من 93 ألف طفل للمشاركة في صراعات مسلحة بين عامي 2005 و2020، وجاء العدد الأكبر من الأطفال الضحايا من داخل أفريقيا من الكونغو والصومال، لكن ممارسات تجنيد الأطفال لا تقتصر على الجماعات المسلحة غير القانونية، وإنما تمتد أحيانا إلى الجيوش النظامية. يقول الباحث التشادي محمد طاهر زين، لـ«الشرق الأوسط»: «عمليات الاتجار بالأطفال تجري عبر صور مختلفة. في بعض الأحيان يجري تجنيد أطفال دون الـ18 عاما في الجيش، في انتهاك صريح لقانون حقوق الإنسان، أو استغلالهم في أعمال شاقة، أو الخروج في مظاهرات»، مضيفا «جرت محاربة هذه الظواهر بقوة من جانب المجتمع المدني إلى أن انتبهت الحكومة، وأجرت مراجعات عام 2022 في صفوف القوات المسلحة لتحديد القصر والمسؤولين عن تجنيدهم. وبالفعل جرى تسريح عدد كبير من الخدمة».
ولم يعف طاهر زين أحزاب المعارضة هي الأخرى من المسؤولية، وأشار إلى أن «بعض الأحزاب السياسية المعارضة تستغل الأطفال في الخروج في مظاهرات ضد الحكم العسكري».
ومع أن التجنيد في صراعات مسلحة قد يكون الأقسى من بين صور استغلال الأطفال، لكنه بالتأكيد ليس الوحيد. وتبعاً للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فإن الكثير من الأطفال بغرب أفريقيا تحديداً يجري فصلهم عن ذويهم في سن صغيرة للغاية ويرسلون لعواصم دول المنطقة لممارسة التسول، وبالتالي يسقطون ضحايا لشبكات الاتجار في البشر.
وأوضح الإعلامي المالي علي كونتا لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى بالمناطق الأفريقية التي تشهد هدوءاً واستقراراً، لا يعيش الأطفال حياة وردية، بل يجري استغلالهم في أعمال شاقة في المناجم والمزارع التي لا غنى للدول المتقدمة عن منتجاتها، فعلى رفوف مراكز التسوق الكبرى بالعالم، هناك الكثير من أنواع الشوكولاته الفاخرة التي جمعتها أيادي الأطفال في كوت ديفوار، أو سلاسل ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة التي جمعتها الأنامل الضعيفة لأطفال غانا، أو ملابس قطنية مريحة حصدها أطفال مالي الذين تلاحقهم لعنة الذهب الأبيض».
وبحسب اليونيسيف، سيعيش أكثر من نصف أطفال العالم في أفريقيا، بحلول عام 2050، وستتضاعف معهم احتمالات نشأتهم في ظروف غير مواتية لطفولتهم، بينما تحوم حولهم أشباح المجاعات والنزاعات المسلحة والجهل والفقر.
في المقابل، تجد مسألة التبني الغربي لأطفال أفريقيا، مؤيدين يرون أنها «تخفف الأعباء المادية على كاهل المؤسسات المعنية برعاية الأيتام داخل دول أفريقية فقيرة، وكذلك على كاهل أسر فقيرة عاجزة عن تدبير أبسط احتياجات أبنائها». لكن المخاوف ممن يتخذون من التبني ستاراً لممارسة الاتجار في الأطفال الأفارقة لأغراض مختلفة دفعت بعض الدول ومنها كينيا عام 2014 لفرض حظر على إجراءات التبني لأطفالها من خارج الحدود، كما فرضت جنوب أفريقيا هي الأخرى حظراً مماثلاً، لكن رفعته لاحقاً بعد تشديد الإجراءات.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
TT

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو.

ويشكّل مقتل كامارا (47 عاماً) ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، إذ يُعدّ أحد «الخمسة الكبار». كما يُعدّ العقل المدبر وراء استبدال الشراكة مع روسيا بالنفوذ الفرنسي، حيث تلقّى تدريباً عسكرياً متقدماً في روسيا قبل «انقلاب 2020» بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام؛ مما أثار تكهّنات حينها بشأن دور روسي في التخطيط للتحرك.

وفي كيدال، شمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق، أمس، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».


42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
TT

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

وقال المسؤول الحكومي إن الاشتباكات التي وقعت السبت في غيريدا بإقليم وادي فيرا أجّجها نزاع حول بئر.

وتوجّه إلى المنطقة الأحد وزراء وكبار المسؤولين المحليين ورئيس أركان الجيش.

وقال نائب رئيس الوزراء المكلّف الإدارة الإقليمية واللامركزية ليمان محمد، في حديث للتلفزيون الرسمي «إن الوضع تحت السيطرة».

على مدى سنوات، شهد شرق تشاد نزاعات بين مزارعين ورعاة ماشية من البدو العرب، وتفاقمت التوترات بفعل النزوح الكثيف هربا من النزاع في السودان المجاور.

وتفيد تقديرات مجموعة الأزمات الدولية غير الحكومية، بأن النزاعات بين المزارعين والرعاة أوقعت أكثر من ألف قتيل وألفي جريح بين العامين 2021 و2024.


ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.