الأزمات السياسية والاقتصادية تُفاقم «تجارة الأطفال» في أفريقيا

قضية جديدة بزامبيا أعادت الجدل حول عمليات «التبني المشبوهة»

مسلّحون من بينهم أطفال ينتمون إلى جماعة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
مسلّحون من بينهم أطفال ينتمون إلى جماعة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
TT

الأزمات السياسية والاقتصادية تُفاقم «تجارة الأطفال» في أفريقيا

مسلّحون من بينهم أطفال ينتمون إلى جماعة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)
مسلّحون من بينهم أطفال ينتمون إلى جماعة «الشباب» الإرهابية في شمال الصومال (أ.ب)

أعادت محاكمة 8 كرواتيين في زامبيا الحديث حول تفاقم ظاهرة «تجارة الأطفال» في القارة الأفريقية، عبر وسائل متنوعة، بينها عمليات «التبني المشبوهة»، وتجنيد الأطفال في الجماعات المتطرفة، في ظل رصد لمنظمات دولية متخصصة رواج تلك التجارة غير المشروعة، مع تنامي الصراعات السياسية وغياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية بغالبية دول القارة.
ويُترقب في زامبيا محاكمة 8 أزواج كرواتيين، في الأول من مارس (آذار) المقبل، بتهمة «الاتجار بالأطفال»، بعدما ألقت السلطات القبض عليهم في ديسمبر (كانون الثاني) الماضي، وبحوزتهم «وثائق مزيّفة» تقدموا بها لتبنّي أطفال من جمهورية الكونغو الديمقراطية. ورغم إخلاء سبيل المتهمين بكفالة، في وقت لاحق، فإنه يُنتظر مثولهم أمام المحكمة في الأول من مارس.
وتجري قرابة ربع عمليات الاتجار بالبشر على مستوى العالم داخل قارة أفريقيا، وفق «مؤشر الرق العالمي»، الصادر عام 2018، عن مؤسسة «ووك فري» الحقوقية ومقرُّها أستراليا. ومن حيث الدول، فإن هذه الممارسات تنتشر بالدرجة الكبرى في إريتريا (شرق القارة)، بعدها بوروندي، ثم جمهورية أفريقيا الوسطى. وأكثر من نصف الضحايا سقطوا بسبب الديون.
في حين أشار التقرير العالمي الخامس حول الاتجار في الأشخاص، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، في فبراير (شباط) 2021، إلى أن الأطفال يشكلون أكثر من 75 % من ضحايا الاتجار بمنطقة غرب أفريقيا.
وفي تشاد يرى الباحث التشادي إبراهيم محمد صالح أن «الواقع الأمني الهش للدولة وتقويض النظام القانوني سمحا بتفشي تلك الجرائم في شمال وشرق البلاد»، لافتاً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «المتضررين الأكبر هم النساء والأطفال باعتبارهم فئة ضعيفة».
وعلى غرار قضية الأطفال في زامبيا، أشار صالح إلى وقائع مشابهة في بلاده: «منها ما حدث في مدينة أبشة عام 2007، عندما كانت هناك منظمة فرنسية وهمية تُدعى (أرش دي زوي)، نشطت داخل المدينة باعتبارها منظمة خيرية تهتم بالأطفال، وتلقّت أموالاً من أُسر فرنسية بدعوى رغبتها في تبنّي أطفال... ونجحت حيلة المنظمة في أخذ 103 أطفال إلى مطار أبشة الدولي لنقلهم إلى فرنسا، إلا أنه افتضح أمرهم، وأُلقي القبض عليهم».
ورغم اعتزام تشاد محاكمتهم آنذاك، فإن زيارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للبلاد أفضت إلى الإفراج عن المتهمين الفرنسيين بعد شهرين فقط؛ على أساس أن تجري محاكمتهم في فرنسا «رغم عدم وجود اتفاقية بهذا الصدد»، على حد قول الباحث التشادي.
ووفق «المفوضية السامية لحقوق الإنسان»، التابعة للأمم المتحدة، فإن مصطلح الاتجار بالبشر يشير إلى تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم بواسطة استعمال القوة أو الاحتيال أو أشكال الخداع الأخرى، لغرض الاستغلال. وينطوي الاتجار في الأطفال على صور متنوعة؛ منها عمالة الأطفال، وتجنيد الأطفال في قوات مسلَّحة، وزواج الأطفال واستغلالهم في الدعارة.
وأكد صالح أن «هذه الجريمة لا تزال تشغل المجتمع التشادي، خصوصاً البلدات القريبة من الحدود الليبية، التي انتعشت فيها تلك التجارة منذ سقوط نظام القذافي». ووفق تصريحات رسمية، فإنه يجري استقدام الأطفال التشاديين واستغلالهم للتنقيب عن الذهب والتجنيد الإجباري، سواء من قِبل المتمردين التشاديين الذين يتخذون من ليبيا معقلاً لهم، أو الأطراف الليبية المتصارعة على السلطة.
وحذّر مركز «الناتو الاستراتيجي لأفريقيا والشرق الأوسط»، في تقرير بعنوان «تجنيد الأطفال في المنظمات المتطرفة العنيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا»، صدر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من «تفاقم هذه المشكلة جراء تصاعد الصراعات القائمة واشتعال أخرى جديدة».
ويشير الباحث السوداني المعنيّ بالشؤون الأفريقية عباس محمد عباس، إلى العديد من العوامل التي ساعدت في انتشار ظاهرة الاتجار بالأطفال في أفريقيا، بينها «ازدياد الصراعات السياسية وغياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية والنزوح والتشرد، جراء غياب الاستقرار، ما خلق بيئة مواتية للاتجار بالأطفال».
وتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإنه جرى عالمياً تجنيد أكثر عن 93.000 طفل للمشاركة في صراعات مسلَّحة بين عامي 2005 و2020، وجاء العدد الأكبر من الأطفال الضحايا من داخل أفريقيا من الكونغو والصومال.
لكن ممارسات تجنيد الأطفال لا تقتصر على الجماعات المسلَّحة غير القانونية، وإنما تمتد أحياناً إلى الجيوش النظامية. يقول الباحث التشادي محمد طاهر زين، لـ«الشرق الأوسط»: «عمليات الاتجار بالأطفال تجري عبر صور مختلفة. في بعض الأحيان يجري تجنيد أطفال دون الـ18 عاماً في الجيش، في انتهاك صريح لقانون حقوق الإنسان، أو استغلالهم في أعمال شاقة، أو الخروج في مظاهرات»، مضيفاً «جرت محاربة هذه الظواهر بقوة من جانب المجتمع المدني، إلى أن انتبهت الحكومة وأجرت مراجعات عام 2022، في صفوف القوات المسلَّحة لتحديد القُصّر والمسؤولين عن تجنيدهم. وبالفعل، جرى تسريح عدد كبير من الخدمة».
ولم يعفُ طاهر زين أحزاب المعارضة هي الأخرى من المسؤولية، وأشار إلى أن «بعض الأحزاب السياسية المعارِضة تستغل الأطفال في الخروج في مظاهرات ضد الحكم العسكري».
ومع أن التجنيد في صراعات مسلَّحة قد يكون الأقسى من بين صور استغلال الأطفال، لكنه بالتأكيد ليس الوحيد. وتبعاً للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فإن الكثير من الأطفال في غرب أفريقيا تحديداً يجري فصلهم عن ذويهم في سن صغيرة جداً ويرسَلون إلى عواصم دول المنطقة لممارسة التسول، ومن ثم يسقطون ضحايا لشبكات الاتجار في البشر.
وأوضح الإعلامي المالي علي كونتا، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «حتى بالمناطق الأفريقية التي تشهد هدوءًا واستقراراً، لا يعيش الأطفال حياة وردية، بل يجري استغلالهم في أعمال شاقة بالمناجم والمزارع التي لا غنى للدول المتقدمة عن منتجاتها. فعلى رفوف مراكز التسوق الكبرى بالعالم، هناك الكثير من أنواع الشوكولاته الفاخرة التي جمعتها أيادي الأطفال الإيفاواريين، أو سلاسل ذهبية مرصَّعة بالأحجار الكريمة التي جمعتها الأنامل الضعيفة لأطفال غانا، أو ملابس قطنية مريحة حصدها أطفال مالي الذين تلاحقهم لعنة الذهب الأبيض».
ووفقاً لـ«اليونيسيف»، سيعيش أكثر من نصف أطفال العالم في أفريقيا، بحلول عام 2050. وستتضاعف معهم احتمالات نشأتهم في ظروف غير مواتية لطفولتهم، بينما تحوم حولهم أشباح المجاعات والنزاعات المسلَّحة والجهل والفقر.
في المقابل، تجد مسألة التبني الغربي لأطفال أفريقيا مؤيدين يرون أنها «تخفف الأعباء المادية عن كاهل المؤسسات المعنية برعاية الأيتام داخل دول أفريقية فقيرة، وكذلك عن كاهل أُسر فقيرة عاجزة عن تدبير أبسط احتياجات أبنائها». لكن المخاوف ممن يتخذون من التبني ستاراً لممارسة الاتجار في الأطفال الأفارقة لأغراض مختلفة دفعت بعض الدول؛ ومنها كينيا عام 2014، لفرض حظر على إجراءات التبني لأطفالها من خارج الحدود. كما فرضت جنوب أفريقيا هي الأخرى حظراً مماثلاً، لكن رفعته لاحقاً بعد تشديد الإجراءات.


مقالات ذات صلة

هل يُسهم الدعم الدولي في استعادة الكونغو الديمقراطية استقرارها؟

العالم هل يُسهم الدعم الدولي في استعادة الكونغو الديمقراطية استقرارها؟

هل يُسهم الدعم الدولي في استعادة الكونغو الديمقراطية استقرارها؟

تأمل الكونغو الديمقراطية (شرق أفريقيا)، في استعادة حالة الاستقرار الأمني، اعتماداً على دعم دولي، قد يُسهم في تعزيز منظومتها العسكرية، في مواجهة جماعات مسلحة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، خاصة شرق البلاد. و(السبت) تعهد صندوق النقد الدولي، بالمساهمة في تحديث القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم تجدد أعمال القتل في شرق الكونغو يثير المخاوف أممياً

تجدد أعمال القتل في شرق الكونغو يثير المخاوف أممياً

أكدت الأمم المتحدة ومنظمة «معاهدة احترام حقوق الإنسان» المحلية، الخميس، أن متطرفين من «القوى الديمقراطية المتحالفة» مع تنظيم «داعش» نفذوا عمليات قتل جديدة أوقعت في 2 أبريل (نيسان) الحالي، و3 منه، أكثر من 30 قتيلاً في مقاطعة إيتوري بشمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقال منسق «معاهدة احترام حقوق الإنسان» كريستوف مونياندرو للصحافيين، إن رجالاً ونساء وأطفالاً قتلوا على أيدي تنظيم «القوى الديمقراطية المتحالفة» بين إقليمي إيرومو ومامباسا في إيتوري.

علي بردى (واشنطن)
العالم «داعش» يتبنى هجوماً أسفر عن مقتل 35 شخصاً في شرق الكونغو

«داعش» يتبنى هجوماً أسفر عن مقتل 35 شخصاً في شرق الكونغو

قالت وكالة إخبارية تابعة لـ«داعش» أمس (الجمعة) إن التنظيم أعلن مسؤوليته عن هجوم استهدف قرية موكوندي الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا إلى الجنوب من مدينة بيني بإقليم نورث كيفو في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز». كان متحدث باسم الجيش قال يوم الخميس إن متشددين قتلوا 35 شخصاً على الأقل في هجوم على القرية ليلا ردا على حملة للجيش على أنشطة المتمردين. وأوضح المتحدث أنتوني موالوشاي أن المهاجمين ينتمون إلى «القوات الديمقراطية المتحالفة»، وهي جماعة مسلحة أوغندية تنشط في شرق الكونغو أعلنت الولاء لتنظيم «داعش» وتشن هجمات متكررة على القرى.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا تظاهرة سابقة تطالب برحيل القوات الفرنسية عن بوركينا فاسو قبل الإعلان رسمياً عن خروج هذه القوات (رويترز)

فرنسا تتجه إلى وسط أفريقيا بعد «خسائرها» غرباً

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، القيام بجولة أفريقية الأسبوع المقبل تشمل أربع دول في وسط القارة السمراء؛ بهدف تعزيز التعاون معها، فيما تعاني باريس من تدهور في علاقاتها بمستعمراتها السابقة في غرب أفريقيا، والذي ترتب عليه إنهاء الوجود العسكري الفرنسي ببعض تلك الدول، وسط تنافس روسي - غربي. وتمتد جولة ماكرون من الأول حتى الخامس من مارس (آذار)، وتشمل حضور قمة مخصصة لحماية الغابات الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم مواطنون يسجلون معلوماتهم بمركز للانتخابات اليوم في غوما شرق الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

العنف يهدد أولى خطوات الانتخابات الرئاسية في الكونغو الديمقراطية

تستكمل الكونغو الديمقراطية، اليوم (الخميس)، عملية تسجيل الناخبين تمهيداً للانتخابات الرئاسية المقررة نهاية العام الجاري، لكن أعمال العنف ما زالت تلقي بظلالها على الأوضاع بالدولة الواقعة وسط أفريقيا. وقبيل انطلاق عملية التسجيل بساعات، قُتل 5 مدنيين في هجوم شهده إقليم إيتوري شرقي الكونغو الديمقراطية. وتنشط في شرق الكونغو الديمقراطية المضطرب حوالي 120 ميليشيا مسلحة، من بينها خصوصاً «كوديكو» (التعاونية من أجل التنمية في الكونغو)، والتي تُعتبر من أكثرها عنفاً، ونُسبت إليها العديد من المجازر الإثنية في إيتوري. و«كوديكو» تنظيم سياسي عسكري يقول إنه يدافع عن مصالح إثنية «ليندو» من عنف عرقية «هيما» و«ال

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.