بكين تراجع عواقب تجربة موسكو قبل شن «مغامرة» في تايوان

في ظل تمدد الصراع... من رقائق الكومبيوتر إلى مناطيد التجسس

صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
TT

بكين تراجع عواقب تجربة موسكو قبل شن «مغامرة» في تايوان

صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)

كشفت أزمة المناطيد التي أسقطتها المقاتلات الأميركية، في الأسابيع الأخيرة، أن الرهان على احتمال حصول انفراجة سريعة وعميقة في العلاقات الأميركية - الصينية، لا يزال مستبعداً، ما لم يكن قد تعقَّد أكثر؛ فإلغاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن رحلته إلى الصين شكّل خطوة إلى الوراء في العلاقات التي تزداد توتراً بين البلدين. وبدلاً من أن يؤدي الاجتماع الذي جمعه بنظيره الصيني، وانغ يي، على هامش «اجتماع ميونيخ»، إلى تحقيق انفراجة سياسية وأمنية، فإنه عمَّق المأزق الدبلوماسي بينهما، واعتبر إصرار الدبلوماسي الصيني على رواية بلاده بالنسبة لحادثة المنطاد إشارة إلى أن الصين ليست مستعدة بعد لإعادة «تنظيم الخلاف»، على الأقل في هذه المرحلة، رغم خفض الولايات المتحدة خطابها عن الحادثة.

يعتبر البعض أن واشنطن نجحت في تحميل الصين المسؤولية عن الفشل في خفض التوتر، وأيضاً نجحت في إحراجها أمام الأوروبيين، الذين استمعوا إلى خطاب صيني يتهم الولايات المتحدة بإطالة الحرب في أوكرانيا، وبأنها لا تهتم بحياة الأوكرانيين أو موتهم، ويطالبهم بالابتعاد عنها والتقرّب من بكين.
ولكن عندما طُلب من الوزير الصيني، وانغ يي، طمأنة العالم بأن التصعيد العسكري الصيني في تايوان واحتمال غزوها «ليس وشيكاً»، رفض وانغ الإجابة. بل قال: «اسمحوا لي بأن أؤكد للجمهور أن تايوان جزء من الأراضي الصينية. لم تكن دولة قط، ولن تكون دولة في المستقبل».
مع هذا، تعرّضت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لانتقادات من قبل العديد من السياسيين والمحللين الأميركيين، الذين رأوا أن تأجيل زيارة بلينكن، والتقليل من حادثة المنطاد، أديا إلى خسارة فرصة سانحة لتحويل خطأ الصين الفادح إلى فرصة دبلوماسية. كذلك رأوا أن الصين كانت مُحرَجة من الحادث، وأن إبداءها «الأسف» يُعد شكلاً دبلوماسياً من أشكال الاعتذار.
من جهة ثانية، بدلاً من أن يرسل الرئيس بايدن وزيره بلينكن لطلب زيادة الشفافية وتقليل المخاطر من الرئيس الصيني شي جينبينغ، نجحت الصين نسبياً في سرد روايتها الخاصة، منتقدة «الاستعمال المفرط للقوة». وادعت، في الوقت نفسه، من دون أي دليل، أن مناطيد أميركية انتهكت أراضيها أيضاً. وبالتالي، وفق القراءتين الأميركية والصينية للاجتماع، بدا أنه لم يكن ثمة تقدم في القضايا التي ناقشها بلينكن ووانغ. ولم يعلن عما إذا اتُّفق على برمجة جديدة لزيارته الصين، ولم يُحدد موعد للمكالمة الهاتفية بين بايدن وشي، مع أن الطرفين لم يعلنا عن وقف ترتيباتها.

- لا اعتذار صينياً عن حادثة المنطاد
الجانب الأميركي قال إن بلينكن أبلغ وانغ بأن تحليق منطاد التجسس الصيني «يجب ألا يحدث مرة أخرى أبداً». وذكر بلينكن بعد ذلك أن وانغ «لم يقدم أي اعتذار». أيضاً واجه بلينكن وانغ بشأن مساعدة الصين لروسيا، وهدد بعواقب غير محددة، إذا قررت بكين تزويد موسكو بمساعدات قاتلة. في المقابل، تفاخر الجانب الصيني بأن الولايات المتحدة هي التي طلبت الاجتماع. وذُكر أن وانغ أبلغ بلينكن بأنه يجب أن «يعترف ويصلح الضرر الذي تسبب فيه الاستخدام المفرط للقوة على علاقات البلدين»، مطالباً الولايات المتحدة بشكل أساسي بتقديم الاعتذار.
يرى البعض هنا أن إدارة بايدن لا تريد الظهور بمظهر المتساهل مع بكين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تقدم لبكين فرصة لتنفيذ تهديداتها ضد الطائرات الأميركية التي تحلق على طول الساحل الصيني لجمع معلومات استخباراتية، وكذلك السفن الأميركية في المياه القريبة.
اليوم، بعدما غزت الصين الفضاء الإلكتروني للولايات المتحدة، ها هي تغزو الأراضي المادية للولايات المتحدة. ورغم ذلك، كان الجيش الأميركي حذراً في تجنب الاستجابات السريعة للاختراقات الجوية والبحرية غير المهدّدة، لتجنب خطر تفجير الطائرات المدنية أو حتى طائرات الاستطلاع التي تدخل عن غير قصد الأجواء الإقليمية؛ فـ«البنتاغون» (وزارة الدفاع) لا يريد أن تكون الولايات المتحدة في موقع رد الفعل، لا سيما أن المناخ الدولي المتغير جراء الحرب الروسية في أوكرانيا يقدّم لواشنطن فرصة كبيرة للنجاح في محاصرة الصين وردعها سلمياً، من دون طلقة رصاص.

- صعوبات في موازنة القوة الأميركية
عندما غزت روسيا أوكرانيا، في 24 فبراير (شباط) 2022، حاول قادة الصين تحقيق التوازن بين مصلحتين أساسيتين لا يمكن التوفيق بينهما، هما:
- تعزيز تحالف الصين مع روسيا لموازنة القوة الأميركية وتخفيف الضغط الاستراتيجي المتزايد من الغرب.
- ومحاولة السعي لتجنب العقوبات الأحادية والمنسقة التي تستهدف الشركات الحكومية والخاصة والمؤسسات المالية الصينية.
أما اليوم، بعد سنة من الحرب، بدا أن بكين باتت تواجه صعوبات أكبر في الحفاظ على هذا التوازن، الأمر الذي عده العديد من المحللين نوعاً من «الهجوم الدفاعي»، بعدما تبين لها حجم المأزق الذي تعانيه روسيا. وبعدما كشفت عن إمكاناتها وقدراتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية، رفعت سقف التوتر، للعودة إلى طاولة المفاوضات، بعد 3 سنوات من سياسة العزلة التي مارستها جراء جائحة «كوفيد - 19».
وفق تقرير في «فورين أفيرز» كانت بكين لا تزال ترفض بشكل عام بيع الأسلحة لروسيا، والالتفاف على العقوبات نيابة عنها؛ فالحفاظ على الوصول إلى الأسواق العالمية أهم بالنسبة إليها من أي ارتباط اقتصادي بروسيا. ورغم ذلك، أيَّدت حجج موسكو للصراع، ونسقت معها دبلوماسياً، رغم امتناعها الحذر من التصويت في الأمم المتحدة.
كذلك استفادت الصين بشكل كامل من النفط الروسي، وعززت روابطها الاقتصادية مع الروس في المجالات التي لا تنتهك العقوبات الغربية. وبحسب بيانات تجارية، فقد ارتفعت التجارة بين الصين وروسيا بنسبة كبيرة، بلغت 34.3 في المائة في عام 2022، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 190 مليار دولار. وحقاً يشير التصعيد الصيني الأخير إلى أن بكين تناضل للعثور مجدداً على «نقطة توازن مقبولة» بعد تعمّق المأزق الذي تعانيه الدول المؤيدة «للتعددية القطبية»، جراء النكسات التي تعرضت لها روسيا. لا، بل تعلمت بكين أيضاً دروساً مهمة عن حملة العقوبات التي يقودها الغرب، خصوصاً إذا استمر التوتر معه وتصاعد، ما قد يؤدي إلى توجيه هذه الأسلحة الاقتصادية نفسها ضد الصين.

- أول عقوبات على «اقتصاد رئيسي»
هذا، ومع أن نظام العقوبات الأميركية والغربية استهدف، في السابق، اقتصادات غير رئيسية أو حتى هامشية؛ من إيران والعراق، إلى كوبا وكوريا الشمالية والسودان، فإن الحرب الأوكرانية شكلت أول اختبار حقيقي لمعاقبة «اقتصاد رئيسي»، كاقتصاد روسيا.
قد يكون من المبكّر أن تستخلص الصين الدروس الكاملة من العقوبات الغربية ضد روسيا. لكن لا شك أنها فوجئت، مثلها، بشدة الرد الغربي على مهاجمة أوكرانيا.
عام 2014، عندما اجتاحت روسيا شبه جزيرة القرم، وغزت إقليم الدونباس، خلصت مع الصين، إلى أن الغرب، خصوصاً حلفاء واشنطن، سواء في أوروبا أو في آسيا، يفضلون تحاشي المخاطرة، ولن يدعموا العقوبات المكلفة التي قد تؤثر عليهم أيضاً. إلا أن هجوم فبراير (شباط) 2022، اختلف هذه المرة؛ فالعقوبات التي احتاجت إلى أشهر وسنوات من المفاوضات لفرضها على إيران، مثلاً، لم تحتَجْ هذه المرة سوى إلى أسبوع واحد لتُفرض على روسيا.
وفي الواقع، تحرك الغرب بسرعة أكبر مما كان يعتقد كثيرون لوقف «الإدمان» على النفط الروسي، بل وطرح الغرب «سقفاً» لأسعاره، مع ضمان استمرار إمداد أسواق الطاقة. وعندما رأى الغرب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى، ليس فقط لاحتلال المزيد من الأراضي في أوكرانيا، بل للاستيلاء عليها بالكامل، وتهديد أمن القارة الأوروبية واستقلالها، تحول نطاق الاستجابة للعقوبات إلى حرب اقتصادية شاملة فورية.
هذا شكّل حدثاً فريداً من نوعه؛ إذ لم يسبق أن تعرض أي اقتصاد قريب من حجم الاقتصاد الروسي لمثل هذه الإجراءات منذ الحرب العالمية الثانية؛ فروسيا عاشر أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وإنتاجها النفطي اليومي يقترب من 11 مليون برميل يومياً، أي ما يقرب من 3 أضعاف إنتاج النفط في إيران، في ذروته عام 2005. وكذلك كانت روسيا أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم والمورّد الرئيسي للسلع والمدخلات العالمية الرئيسية؛ من الأسمدة والحبوب إلى التيتانيوم.
ومع أن روسيا، مثل الصين، دولة نووية، وتمتلك حق النقض في مجلس الأمن، وعضو أساسي في العديد من المؤسسات العالمية، فإن اقتصادها أصغر بعشر مرات من اقتصاد الصين، ثم إن حضور الصين في الاقتصاد الدولي من حيث التجارة والاستثمار وتدفقات رأس المال يقزّم روسيا اقتصادياً أمام الولايات المتحدة، ناهيك من الاتحاد الأوروبي، لكن ما جرى، العام الماضي، طرح تساؤلات ضخمة على القيادة الصينية، عمّا إذا كان اقتصادها الذي يُعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أكبر من أن تُفرَض عليه عقوبات؟
قد تكون القيادة في بكين استوعبت بالفعل دروساً أساسية معينة. لكن ربما الأهم ليس تهربها من نظام العقوبات أو ابتكار أنظمة دفع أو تمويه ناقلات النفط وإخفاءها، بل يتعلق بالشراكات الدولية التي تقيمها؛ فالولايات المتحدة تتمتع بنفوذ هائل بالاستفادة من تفوق تكنولوجياتها وأسواقها المالية وعملتها (الدولار). ومع هذا ما كان بإمكان عقوباتها التأثير على روسيا - التي لا تزال تقاوم تبعاتها حتى الآن - لولا الجهود المشتركة مع دول أخرى ضخمة اقتصادياً، مثل أستراليا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.
في المقابل، رغم قدرة الصين على ممارسة تأثير خطير على شركائها التجاريين، فإنها لا تمتلك تحالفاً مماثلاً، ولا تزال عرضة لعقوبات واسعة ومنسقة من الاقتصادات المتقدمة في العالم. وبالتالي، يرى البعض أن أي مستوى من العقوبات الاقتصادية مرتفع التكلفة على الصين. ولكن ما قد يُعد ردعاً حقيقياً أن بكين لا تستطيع مسبقاً معرفة مدى الضغط الذي قد تتعرّض له إذا أقدمت على «مغامرة أوكرانية» النموذج في تايوان.

- نظام مالي وعقوبات خاصة
تدعي بكين أنها حققت نجاحات أكبر من روسيا، وأنها خفضت جزءاً من احتياطياتها الأجنبية من الدولار الأميركي؛ من 79 في المائة عام 1995 إلى 59 في المائة عام 2016، بحسب «فورين أفيرز»، لكن لا إبلاغ عن مشتريات العملات الأجنبية لبنوكها الحكومية، ما يعني أن حيازات الصين الحقيقية من الدولار غير معروفة، وربما لم تنخفض بالنسبة المعلَن عنها. وبعكس روسيا، لا تستطيع الصين تحويل أي من احتياطياتها الأجنبية إلى عملتها الوطنية (الرنمينبي). كما أن الاقتصادات التي لديها القدرة على استيعاب جزء معتبَر من احتياطياتها الأجنبية جزء من التحالف الذي وقف ضد روسيا بعد غزو أوكرانيا. وعليه، لا يُعرف أين يمكن أن تتجه لحماية نفسها من العقوبات.
يُضاف لما سبق أنه، رغم إطلاق بكين منصة مالية للدفع عبر الحدود بين البنوك، شبيهة بنظام الدفع الروسي (مير)، الذي فشل بسبب العقوبات الأميركية، لم يسجل سوى انضمام 1300 مؤسسة للمنصة الصينية، غالبيتها تقريباً من دول هامشية اقتصادياً، حتى نهاية مارس 2022، أي ما لا يمثل سوى نحو 10 في المائة من المؤسسات التي تستخدم نظام «سويفت»، وهذا يكشف صعوبة (بل استحالة) إقناع الاقتصادات المتقدمة بالانضمام إلى منصة الصين، رغم شراكتها التجارية مع معظم دول العالم.
طبعاً، لا يلغي كل ذلك أن بكين عملت، منذ سنوات، على مراجعة عميقة لحرب العقوبات الاقتصادية. وبينما كانت في السابق تنتقد عقوبات واشنطن على الدول الأخرى، وتعدّها غير شرعية؛ فقد كانت تشدد في المقابل على أن مجلس الأمن الدولي الجهة الشرعية، حيث بإمكانها، مع موسكو، استخدام حق النقض (الفيتو)، وهو ما فعلته بالفعل. لكنها بعدما وجدت أن أسلحتها الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية قد اكتملت، عمدت أحادياً إلى استخدام قوتها الاقتصادية (على الأقل) ضد خصومها، وهي فعلت ذلك بهدوء، وأحياناً لأسباب «صحية» أو «بيئية»، لمعاقبة الدول والشركات المختلفة معها، لكنها لم تعترف أبداً بأن إجراءاتها حقاً «عقوبات».
هذا ما حصل مع النرويج عندما منحت، عام 2010، جائزة «نوبل للسلام» لأحد المنشقين الصينيين، ما أدى إلى انهيار تجارة السلمون معها. كذلك أدت مطالبات الفلبين في بحر الصين الجنوبي، عام 2014، إلى إعلان صيني مفاجئ عن تلوث أطنان من الموز الفلبيني بالمبيدات الحشرية؛ ما أفقد الفلبين، في ذلك العام، واحدة من أكبر أسواقها التجارية. وأدى نشر كوريا الجنوبية نظام دفاع صاروخياً أميركياً تشغّله شركة كورية، إلى إغلاق بكين 90 متجراً من متاجر الشركة في الصين عام 2017، بحجة «السلامة من الحرائق». وأيضاً وجهت بهدوء قطاعها السياحي لخفض الرحلات الجماعية الصينية إلى كوريا الجنوبية، ما أدى إلى خسارة الأخيرة أكثر من 5 مليارات دولار من تلك العائدات.
وأخيراً، اعتمدت بكين نظام عقوبات مالية بدأ تطبيقه عام 2020، عبر فرض تجميد الأصول وحظر التأشيرات للمسؤولين من دول منافسة انتقدوا سياساتها تجاه إقليم شينجيانغ (سنكيانغ) أو هونغ كونغ، وذلك في تطبيق حرفي لبنود مأخوذة من عقوبات وزارات الخارجية والخزانة والعدل الأميركية.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».