بكين تراجع عواقب تجربة موسكو قبل شن «مغامرة» في تايوان

في ظل تمدد الصراع... من رقائق الكومبيوتر إلى مناطيد التجسس

صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
TT

بكين تراجع عواقب تجربة موسكو قبل شن «مغامرة» في تايوان

صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)
صورة لإسقاط المنطاد الصيني (رويترز)

كشفت أزمة المناطيد التي أسقطتها المقاتلات الأميركية، في الأسابيع الأخيرة، أن الرهان على احتمال حصول انفراجة سريعة وعميقة في العلاقات الأميركية - الصينية، لا يزال مستبعداً، ما لم يكن قد تعقَّد أكثر؛ فإلغاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن رحلته إلى الصين شكّل خطوة إلى الوراء في العلاقات التي تزداد توتراً بين البلدين. وبدلاً من أن يؤدي الاجتماع الذي جمعه بنظيره الصيني، وانغ يي، على هامش «اجتماع ميونيخ»، إلى تحقيق انفراجة سياسية وأمنية، فإنه عمَّق المأزق الدبلوماسي بينهما، واعتبر إصرار الدبلوماسي الصيني على رواية بلاده بالنسبة لحادثة المنطاد إشارة إلى أن الصين ليست مستعدة بعد لإعادة «تنظيم الخلاف»، على الأقل في هذه المرحلة، رغم خفض الولايات المتحدة خطابها عن الحادثة.

يعتبر البعض أن واشنطن نجحت في تحميل الصين المسؤولية عن الفشل في خفض التوتر، وأيضاً نجحت في إحراجها أمام الأوروبيين، الذين استمعوا إلى خطاب صيني يتهم الولايات المتحدة بإطالة الحرب في أوكرانيا، وبأنها لا تهتم بحياة الأوكرانيين أو موتهم، ويطالبهم بالابتعاد عنها والتقرّب من بكين.
ولكن عندما طُلب من الوزير الصيني، وانغ يي، طمأنة العالم بأن التصعيد العسكري الصيني في تايوان واحتمال غزوها «ليس وشيكاً»، رفض وانغ الإجابة. بل قال: «اسمحوا لي بأن أؤكد للجمهور أن تايوان جزء من الأراضي الصينية. لم تكن دولة قط، ولن تكون دولة في المستقبل».
مع هذا، تعرّضت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لانتقادات من قبل العديد من السياسيين والمحللين الأميركيين، الذين رأوا أن تأجيل زيارة بلينكن، والتقليل من حادثة المنطاد، أديا إلى خسارة فرصة سانحة لتحويل خطأ الصين الفادح إلى فرصة دبلوماسية. كذلك رأوا أن الصين كانت مُحرَجة من الحادث، وأن إبداءها «الأسف» يُعد شكلاً دبلوماسياً من أشكال الاعتذار.
من جهة ثانية، بدلاً من أن يرسل الرئيس بايدن وزيره بلينكن لطلب زيادة الشفافية وتقليل المخاطر من الرئيس الصيني شي جينبينغ، نجحت الصين نسبياً في سرد روايتها الخاصة، منتقدة «الاستعمال المفرط للقوة». وادعت، في الوقت نفسه، من دون أي دليل، أن مناطيد أميركية انتهكت أراضيها أيضاً. وبالتالي، وفق القراءتين الأميركية والصينية للاجتماع، بدا أنه لم يكن ثمة تقدم في القضايا التي ناقشها بلينكن ووانغ. ولم يعلن عما إذا اتُّفق على برمجة جديدة لزيارته الصين، ولم يُحدد موعد للمكالمة الهاتفية بين بايدن وشي، مع أن الطرفين لم يعلنا عن وقف ترتيباتها.

- لا اعتذار صينياً عن حادثة المنطاد
الجانب الأميركي قال إن بلينكن أبلغ وانغ بأن تحليق منطاد التجسس الصيني «يجب ألا يحدث مرة أخرى أبداً». وذكر بلينكن بعد ذلك أن وانغ «لم يقدم أي اعتذار». أيضاً واجه بلينكن وانغ بشأن مساعدة الصين لروسيا، وهدد بعواقب غير محددة، إذا قررت بكين تزويد موسكو بمساعدات قاتلة. في المقابل، تفاخر الجانب الصيني بأن الولايات المتحدة هي التي طلبت الاجتماع. وذُكر أن وانغ أبلغ بلينكن بأنه يجب أن «يعترف ويصلح الضرر الذي تسبب فيه الاستخدام المفرط للقوة على علاقات البلدين»، مطالباً الولايات المتحدة بشكل أساسي بتقديم الاعتذار.
يرى البعض هنا أن إدارة بايدن لا تريد الظهور بمظهر المتساهل مع بكين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تقدم لبكين فرصة لتنفيذ تهديداتها ضد الطائرات الأميركية التي تحلق على طول الساحل الصيني لجمع معلومات استخباراتية، وكذلك السفن الأميركية في المياه القريبة.
اليوم، بعدما غزت الصين الفضاء الإلكتروني للولايات المتحدة، ها هي تغزو الأراضي المادية للولايات المتحدة. ورغم ذلك، كان الجيش الأميركي حذراً في تجنب الاستجابات السريعة للاختراقات الجوية والبحرية غير المهدّدة، لتجنب خطر تفجير الطائرات المدنية أو حتى طائرات الاستطلاع التي تدخل عن غير قصد الأجواء الإقليمية؛ فـ«البنتاغون» (وزارة الدفاع) لا يريد أن تكون الولايات المتحدة في موقع رد الفعل، لا سيما أن المناخ الدولي المتغير جراء الحرب الروسية في أوكرانيا يقدّم لواشنطن فرصة كبيرة للنجاح في محاصرة الصين وردعها سلمياً، من دون طلقة رصاص.

- صعوبات في موازنة القوة الأميركية
عندما غزت روسيا أوكرانيا، في 24 فبراير (شباط) 2022، حاول قادة الصين تحقيق التوازن بين مصلحتين أساسيتين لا يمكن التوفيق بينهما، هما:
- تعزيز تحالف الصين مع روسيا لموازنة القوة الأميركية وتخفيف الضغط الاستراتيجي المتزايد من الغرب.
- ومحاولة السعي لتجنب العقوبات الأحادية والمنسقة التي تستهدف الشركات الحكومية والخاصة والمؤسسات المالية الصينية.
أما اليوم، بعد سنة من الحرب، بدا أن بكين باتت تواجه صعوبات أكبر في الحفاظ على هذا التوازن، الأمر الذي عده العديد من المحللين نوعاً من «الهجوم الدفاعي»، بعدما تبين لها حجم المأزق الذي تعانيه روسيا. وبعدما كشفت عن إمكاناتها وقدراتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية، رفعت سقف التوتر، للعودة إلى طاولة المفاوضات، بعد 3 سنوات من سياسة العزلة التي مارستها جراء جائحة «كوفيد - 19».
وفق تقرير في «فورين أفيرز» كانت بكين لا تزال ترفض بشكل عام بيع الأسلحة لروسيا، والالتفاف على العقوبات نيابة عنها؛ فالحفاظ على الوصول إلى الأسواق العالمية أهم بالنسبة إليها من أي ارتباط اقتصادي بروسيا. ورغم ذلك، أيَّدت حجج موسكو للصراع، ونسقت معها دبلوماسياً، رغم امتناعها الحذر من التصويت في الأمم المتحدة.
كذلك استفادت الصين بشكل كامل من النفط الروسي، وعززت روابطها الاقتصادية مع الروس في المجالات التي لا تنتهك العقوبات الغربية. وبحسب بيانات تجارية، فقد ارتفعت التجارة بين الصين وروسيا بنسبة كبيرة، بلغت 34.3 في المائة في عام 2022، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 190 مليار دولار. وحقاً يشير التصعيد الصيني الأخير إلى أن بكين تناضل للعثور مجدداً على «نقطة توازن مقبولة» بعد تعمّق المأزق الذي تعانيه الدول المؤيدة «للتعددية القطبية»، جراء النكسات التي تعرضت لها روسيا. لا، بل تعلمت بكين أيضاً دروساً مهمة عن حملة العقوبات التي يقودها الغرب، خصوصاً إذا استمر التوتر معه وتصاعد، ما قد يؤدي إلى توجيه هذه الأسلحة الاقتصادية نفسها ضد الصين.

- أول عقوبات على «اقتصاد رئيسي»
هذا، ومع أن نظام العقوبات الأميركية والغربية استهدف، في السابق، اقتصادات غير رئيسية أو حتى هامشية؛ من إيران والعراق، إلى كوبا وكوريا الشمالية والسودان، فإن الحرب الأوكرانية شكلت أول اختبار حقيقي لمعاقبة «اقتصاد رئيسي»، كاقتصاد روسيا.
قد يكون من المبكّر أن تستخلص الصين الدروس الكاملة من العقوبات الغربية ضد روسيا. لكن لا شك أنها فوجئت، مثلها، بشدة الرد الغربي على مهاجمة أوكرانيا.
عام 2014، عندما اجتاحت روسيا شبه جزيرة القرم، وغزت إقليم الدونباس، خلصت مع الصين، إلى أن الغرب، خصوصاً حلفاء واشنطن، سواء في أوروبا أو في آسيا، يفضلون تحاشي المخاطرة، ولن يدعموا العقوبات المكلفة التي قد تؤثر عليهم أيضاً. إلا أن هجوم فبراير (شباط) 2022، اختلف هذه المرة؛ فالعقوبات التي احتاجت إلى أشهر وسنوات من المفاوضات لفرضها على إيران، مثلاً، لم تحتَجْ هذه المرة سوى إلى أسبوع واحد لتُفرض على روسيا.
وفي الواقع، تحرك الغرب بسرعة أكبر مما كان يعتقد كثيرون لوقف «الإدمان» على النفط الروسي، بل وطرح الغرب «سقفاً» لأسعاره، مع ضمان استمرار إمداد أسواق الطاقة. وعندما رأى الغرب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى، ليس فقط لاحتلال المزيد من الأراضي في أوكرانيا، بل للاستيلاء عليها بالكامل، وتهديد أمن القارة الأوروبية واستقلالها، تحول نطاق الاستجابة للعقوبات إلى حرب اقتصادية شاملة فورية.
هذا شكّل حدثاً فريداً من نوعه؛ إذ لم يسبق أن تعرض أي اقتصاد قريب من حجم الاقتصاد الروسي لمثل هذه الإجراءات منذ الحرب العالمية الثانية؛ فروسيا عاشر أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وإنتاجها النفطي اليومي يقترب من 11 مليون برميل يومياً، أي ما يقرب من 3 أضعاف إنتاج النفط في إيران، في ذروته عام 2005. وكذلك كانت روسيا أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم والمورّد الرئيسي للسلع والمدخلات العالمية الرئيسية؛ من الأسمدة والحبوب إلى التيتانيوم.
ومع أن روسيا، مثل الصين، دولة نووية، وتمتلك حق النقض في مجلس الأمن، وعضو أساسي في العديد من المؤسسات العالمية، فإن اقتصادها أصغر بعشر مرات من اقتصاد الصين، ثم إن حضور الصين في الاقتصاد الدولي من حيث التجارة والاستثمار وتدفقات رأس المال يقزّم روسيا اقتصادياً أمام الولايات المتحدة، ناهيك من الاتحاد الأوروبي، لكن ما جرى، العام الماضي، طرح تساؤلات ضخمة على القيادة الصينية، عمّا إذا كان اقتصادها الذي يُعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أكبر من أن تُفرَض عليه عقوبات؟
قد تكون القيادة في بكين استوعبت بالفعل دروساً أساسية معينة. لكن ربما الأهم ليس تهربها من نظام العقوبات أو ابتكار أنظمة دفع أو تمويه ناقلات النفط وإخفاءها، بل يتعلق بالشراكات الدولية التي تقيمها؛ فالولايات المتحدة تتمتع بنفوذ هائل بالاستفادة من تفوق تكنولوجياتها وأسواقها المالية وعملتها (الدولار). ومع هذا ما كان بإمكان عقوباتها التأثير على روسيا - التي لا تزال تقاوم تبعاتها حتى الآن - لولا الجهود المشتركة مع دول أخرى ضخمة اقتصادياً، مثل أستراليا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.
في المقابل، رغم قدرة الصين على ممارسة تأثير خطير على شركائها التجاريين، فإنها لا تمتلك تحالفاً مماثلاً، ولا تزال عرضة لعقوبات واسعة ومنسقة من الاقتصادات المتقدمة في العالم. وبالتالي، يرى البعض أن أي مستوى من العقوبات الاقتصادية مرتفع التكلفة على الصين. ولكن ما قد يُعد ردعاً حقيقياً أن بكين لا تستطيع مسبقاً معرفة مدى الضغط الذي قد تتعرّض له إذا أقدمت على «مغامرة أوكرانية» النموذج في تايوان.

- نظام مالي وعقوبات خاصة
تدعي بكين أنها حققت نجاحات أكبر من روسيا، وأنها خفضت جزءاً من احتياطياتها الأجنبية من الدولار الأميركي؛ من 79 في المائة عام 1995 إلى 59 في المائة عام 2016، بحسب «فورين أفيرز»، لكن لا إبلاغ عن مشتريات العملات الأجنبية لبنوكها الحكومية، ما يعني أن حيازات الصين الحقيقية من الدولار غير معروفة، وربما لم تنخفض بالنسبة المعلَن عنها. وبعكس روسيا، لا تستطيع الصين تحويل أي من احتياطياتها الأجنبية إلى عملتها الوطنية (الرنمينبي). كما أن الاقتصادات التي لديها القدرة على استيعاب جزء معتبَر من احتياطياتها الأجنبية جزء من التحالف الذي وقف ضد روسيا بعد غزو أوكرانيا. وعليه، لا يُعرف أين يمكن أن تتجه لحماية نفسها من العقوبات.
يُضاف لما سبق أنه، رغم إطلاق بكين منصة مالية للدفع عبر الحدود بين البنوك، شبيهة بنظام الدفع الروسي (مير)، الذي فشل بسبب العقوبات الأميركية، لم يسجل سوى انضمام 1300 مؤسسة للمنصة الصينية، غالبيتها تقريباً من دول هامشية اقتصادياً، حتى نهاية مارس 2022، أي ما لا يمثل سوى نحو 10 في المائة من المؤسسات التي تستخدم نظام «سويفت»، وهذا يكشف صعوبة (بل استحالة) إقناع الاقتصادات المتقدمة بالانضمام إلى منصة الصين، رغم شراكتها التجارية مع معظم دول العالم.
طبعاً، لا يلغي كل ذلك أن بكين عملت، منذ سنوات، على مراجعة عميقة لحرب العقوبات الاقتصادية. وبينما كانت في السابق تنتقد عقوبات واشنطن على الدول الأخرى، وتعدّها غير شرعية؛ فقد كانت تشدد في المقابل على أن مجلس الأمن الدولي الجهة الشرعية، حيث بإمكانها، مع موسكو، استخدام حق النقض (الفيتو)، وهو ما فعلته بالفعل. لكنها بعدما وجدت أن أسلحتها الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية قد اكتملت، عمدت أحادياً إلى استخدام قوتها الاقتصادية (على الأقل) ضد خصومها، وهي فعلت ذلك بهدوء، وأحياناً لأسباب «صحية» أو «بيئية»، لمعاقبة الدول والشركات المختلفة معها، لكنها لم تعترف أبداً بأن إجراءاتها حقاً «عقوبات».
هذا ما حصل مع النرويج عندما منحت، عام 2010، جائزة «نوبل للسلام» لأحد المنشقين الصينيين، ما أدى إلى انهيار تجارة السلمون معها. كذلك أدت مطالبات الفلبين في بحر الصين الجنوبي، عام 2014، إلى إعلان صيني مفاجئ عن تلوث أطنان من الموز الفلبيني بالمبيدات الحشرية؛ ما أفقد الفلبين، في ذلك العام، واحدة من أكبر أسواقها التجارية. وأدى نشر كوريا الجنوبية نظام دفاع صاروخياً أميركياً تشغّله شركة كورية، إلى إغلاق بكين 90 متجراً من متاجر الشركة في الصين عام 2017، بحجة «السلامة من الحرائق». وأيضاً وجهت بهدوء قطاعها السياحي لخفض الرحلات الجماعية الصينية إلى كوريا الجنوبية، ما أدى إلى خسارة الأخيرة أكثر من 5 مليارات دولار من تلك العائدات.
وأخيراً، اعتمدت بكين نظام عقوبات مالية بدأ تطبيقه عام 2020، عبر فرض تجميد الأصول وحظر التأشيرات للمسؤولين من دول منافسة انتقدوا سياساتها تجاه إقليم شينجيانغ (سنكيانغ) أو هونغ كونغ، وذلك في تطبيق حرفي لبنود مأخوذة من عقوبات وزارات الخارجية والخزانة والعدل الأميركية.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.