إنقاذ الحيوانات الأليفة... نشاط الإغاثة المسكوت عنه في زلزال تركيا

جمعية دولية أقامت مستشفى ميدانياً لعلاج القطط والكلاب المصابة

فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)
فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)
TT

إنقاذ الحيوانات الأليفة... نشاط الإغاثة المسكوت عنه في زلزال تركيا

فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)
فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)

بينما تم الاحتفاء إعلامياً باستخدام الكلاب المدربة في إغاثة البشر في زلزال تركيا، فإن هناك نشاطاً آخر له علاقة بالحيوانات، لم يلق الاهتمام الكافي، وهو الذي يسعى لإنقاذ الأنواع الأليفة منها، المحاصرة تحت الأنقاض.

وتعتبر الحيوانات الأليفة بالنسبة لأصحابها، جزءاً لا يتجزأ من كيان الأسرة. ويسبب فقدانها ألماً لا يشعر به إلا من ارتبط بحيوان أليف، وهو ما دفع عمال الإنقاذ من جمعية «الرفق بالحيوان» الدولية، إلى التوجه إلى تركيا للمساعدة على لم شمل أصحاب الحيوانات مع قططهم وكلابهم من خلال العثور عليها تحت الأنقاض التي خلفتها الزلازل.

وبعد أكثر من أسبوعين من وقوع زلزال 6 فبراير (شباط) الذي بلغت قوته 7.8 درجة على مقياس ريختر في جنوب وسط تركيا، وأسفر عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وتسبب في دمار واسع النطاق في تركيا وسوريا، لا يزال رجال إنقاذ الحيوانات يعثرون على حيوانات أليفة في الأنقاض لإنقاذها.

ووصل فريق الأطباء البيطريين والإنقاذ الحيواني، التابع لجمعية الرفق بالحيوان الدولية إلى أنطاكيا في تركيا، بعد وقت قصير من زلزال 6 فبراير (شباط) وتوابعه القوية. ويساعد الفريق السكان المحليين في العثور على حيواناتهم الأليفة بين المباني المنهارة في المدينة، وهي مهمة لم تتوقف حتى عندما تعرضت المنطقة لزلزال بقوة 6.3 درجة في 20 فبراير، كما يقول بيان صادر الأربعاء عن الجمعية تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه.

تقول كيلي دونيثان، مديرة الاستجابة للكوارث الحيوانية في الجمعية: «نحن نعمل مع فريق من الأطباء البيطريين المحليين للرد على أكبر عدد ممكن من مكالمات طلب الإغاثة. وكل يوم، يتوجه فريقنا للبحث عن الحيوانات في المناطق الأكثر تضرراً، ونعالج الكلاب والقطط التي تعاني من الجروح والكدمات وسوء التغذية والجفاف والالتهابات في مستشفى بيطري ميداني قمنا بتأسيسه بالتعاون مع الجمعيات المحلية، وذلك قبل أن نعيدها (الحيوانات) إلى أصحابها».

ومن الصعب تقدير عدد الحيوانات التي تأثرت بهذه الكارثة. لكن الأرقام عالية بالتأكيد، كما توضح دونيثان، لكنها تؤكد أنهم لن يفقدوا الأمل في إنقاذ العشرات من الحيوانات، مبدية سعادتها بما تجده من ترحيب بالعمل الذي يقومون به.
وتضيف «بالنسبة للأشخاص هنا الذين فقدوا كل شيء، فإن معرفة أن رفقاءهم من الحيوانات الأليفة بأمان يعني الكثير، وهو أمر يستحق منا بذل الجهد».


فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)

وإلى جانب نشاط إنقاذ الحيوانات المحاصرة تحت الأنقاض وعلاجها، يساعد فريق الإنقاذ التابع للجمعية الحيوانات التي يجدونها في الشارع بحاجة إلى الدعم، كما يضعون أوعية الماء في زوايا الشوارع حيث يعاني الكثير من الحيوانات المتجولة من الجفاف. تقول دونيثان إن «مواجهة الدمار الذي خلفته الزلازل تستحق الجهد الذي نبذله، بسبب السلام الذي يمكننا تقديمه للناس وحيواناتهم الأليفة».

وجاء الفريق العامل في تركيا الآن من المستجيبين ذوي الخبرة للكوارث من الولايات المتحدة وأوروبا والمكسيك وكوستاريكا، وسينضم إليهم قريباً زملاء من كولومبيا والهند. بالإضافة إلى ذلك، قدمت الجمعية منحة طارئة من المساعدات المالية لمجموعات الإنقاذ المحلية وجمعية حماية الحيوانات المتشردة، ما يمكنهم من إرسال الأطباء البيطريين للمناطق المتضررة.

ويستجيب فريق الجمعية للكوارث في جميع أنحاء العالم لمساعدة الحيوانات والمجتمعات المحتاجة. وقد تدخل في الماضي لتقديم العلاج في حالات الطوارئ للحيوانات المتضررة من الانفجارات البركانية في غواتيمالا، والزلازل المميتة في نيبال والإكوادور والمكسيك، والأعاصير والفيضانات والأعاصير في الهند وهايتي وموزمبيق، وحرائق الغابات في أستراليا وتشيلي، وكذلك مساعدة اللاجئين وحيواناتهم الأليفة الفارين من الحرب في أوكرانيا.

ولا تعتبر منى خليل، رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان المصرية، هذا النشاط رفاهية «غير مقبولة» في وقت الزلازل والكوارث، قائلة إن «من يردد ذلك لم يرتبط بحيوان أليف مثل أصحاب تلك الحيوانات». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تشاهد الفارين من الحرب في أوكرانيا، وهم يحملون أطفالهم في يد، وحيوانهم الأليف في اليد الأخرى، تستطيع أن تدرك ما تعنيه الحيوانات الأليفة بالنسبة لأصحابها».

وتضيف: «زلزال تركيا شهد أيضاً الكثير من المشاهد التي تؤكد هذا الارتباط، ومنها انتشال صبي بعد 55 ساعة أمضاها تحت الأنقاض برفقة ببغائه، في مدينة كهرمان ماراش». وتتعجب خليل ممن يقلل من هذا العمل الإنساني، بحجة أن البشر أولى بالاهتمام والرعاية، وتتساءل: «هل وجود فرق إنقاذ الحيوانات أثر على نشاط إنقاذ البشر؟ فهؤلاء المنقذون قاموا بعملهم، كما أن منقذي البشر قاموا بعملهم أيضاً».

وأشارت رئيسة اتحاد جمعية الرفق بالحيوان المصرية أيضاً إلى واقعة نشرتها وسائل الإعلام مؤخراً، لإنقاذ سيدة بعد أن سمع رجال الإنقاذ نباح كلبها، وقالت: «هذه الواقعة تؤكد العلاقة التي تربط البشر بحيواناتهم الأليفة». وتساءلت: «هل تنتظرون بعد هذه الواقعة أن تهمل تلك السيدة كلبها الذي كان سبباً في إنقاذها».
واختتمت قائلة: «لم أكن لأتردد لحظة في السفر إلى تركيا والمشاركة في هذا العمل الإغاثي، لو كنا نملك فرق الإغاثة المتخصصة».


فرق الإغاثة نجحت في إنقاذ عشرات الحيوانات (جمعية الرفق بالحيوان الدولية)


مقالات ذات صلة

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

يوميات الشرق رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أشخاص يتنزهون مع كلابهم في ليفينيو، إيطاليا 8 يناير 2026 (رويترز)

دراسة: بعض الكلاب تستطيع تعلّم الكلمات عبر الاستماع إلى المحادثات

توصلت دراسة جديدة إلى أنّ بعض الكلاب المعروفة أصلاً بقدرتها على تعلم أسماء الألعاب من خلال التدريب واللعب، تستطيع استيعاب الكلمات بمجرد سماع البشر يتحدثون.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الأطفال الذين ينشأون مع الكلاب أقل عرضة للإصابة بالربو (رويترز)

دراسة: الكلاب تغير ميكروبات الأمعاء بما يفيد الصحة النفسية

أشارت دراسة جديدة إلى أن التأثيرات المفيدة للكلاب على الصحة النفسية للبشر قد ترجع، في جزء منها، إلى تبادل الكائنات ​المجهرية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق انتشار الكلاب في أحد شوارع محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

تخصيص «مأوى» للكلاب الضالة في القاهرة... هل يحل المشكلة؟

قررت محافظة القاهرة، الاثنين، تخصيص قطعة أرض في جنوب العاصمة كمأوى للكلاب الضالة، بعد تزايد شكاوى المواطنين من كثرة أعدادها في الشوارع بشكل ملحوظ.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق كلب يرتدي أغطية للأرجل للحماية من المطر في نيويورك (أ.ف.ب)

دراسة: امتلاك كلب يعزز الصحة النفسية للمراهقين

كشفت الأبحاث أن وجود كلب في المنزل قد يُعزز الصحة النفسية للمراهقين، ويضيف العلماء أن هذا قد يُعزى جزئياً إلى مشاركة الميكروبات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».